لم يحتمل نديم شرفان مَشاهد لبنان المُدمَّر وصورة شعبه الممزّق، وهما يغزوان الشاشات ووسائل التواصل الاجتماعي. بكى وتأثَّر، واستعاد معاناة بلده منذ عام 2020 حتى اليوم. مَشاهد تراكمت في مخيلته، فترجمها إلى مبادرة وطنية تدعو إلى الوحدة، عبر رسالة فنية بعنوان: «مهما ساورتنا الفتن، فلنبقَ كلنا للوطن».
وفي مؤتمر صحافي عقده في مبنى أكاديمية «ميّاس» بمدينة جونية، أطلق مؤسِّس الفرقة مبادرته، عارضاً فيلماً قصيراً لا يتجاوز الدقيقتين، يضمّ لوحات راقصة تعبيرية من توقيعه. واستعان بالأرزة وتراب لبنان وجراح أهله وصوت عبير نعمة لإيصال رسالته.
وشرفان، الذي وصل إلى العالمية وحقَّق نجاحات لافتة بلوحاته الراقصة عبر فرقة «ميّاس»، يشرح لـ«الشرق الأوسط» كيف وُلدت فكرة الكليب: «لم أتوقَّع يوماً أن أرى بلدي بهذه الصورة الموجعة. فهو مُلهمي ومصدر إبداعي، وحتى في زمن الحرب أتخيّله جميلاً لا يُقهر. لكنه عاش في السنوات الأخيرة معاناة طويلة، من انفجار بيروت وصولاً إلى اليوم. ومؤخراً لاحظتُ حجم الأذى الذي يمارسه بعض اللبنانيين بحق بعضهم البعض، فشعرت بجرح كبير يخترق قلبي. وطوال هذا الوقت كان لبنان يحاول تضميد جراحه والشفاء منها، وانطلاقاً من المحبّة التي تجمعنا، وقدرتنا على تجاوز التفرقة ورفض الانقسام، قرّرتُ إطلاق هذه المبادرة والدعوة من خلالها إلى الوحدة الوطنية».
ويقول إنه لا يعتمد عادة أسلوباً تقليدياً في كتابة أفكاره: «أتخيّل اللوحة قبل ولادتها، فأكتب تفاصيلها تلقائياً في خيالي. أراها بوضوح كامل قبل تنفيذها، وعندما تبصر النور تأتي تماماً كما رسمتها في ذهني».
وفي هذه المبادرة، اختار شرفان تقديم رسالة بصرية مكثفة وقصيرة. ويشرح فكرته قائلاً إنها تعكس واقعنا، إذ صوَّر لبنان في هيئة امرأة شابة ترتدي «الطنطور» الأخضر، في إشارة إلى الأرزة الخالدة، وطُرّزت عباءتها برسومات ذهبية وبمساحة لبنان البالغة 10452 كيلومتراً مربعاً.

ويُلاحظ مُشاهد الكليب أنها تحتضن شيئاً ثميناً لا يظهر في القسم الأول من الشريط، في حين تراقب مجموعة من الفتيات، تمثّل كلّ واحدة منهن، برقصها التعبيري، صورة مُوجعة عن المجتمع اللبناني وسط الصراعات والأذى والاقتتال. ثم تتحوَّل المرأة إلى أخرى أكبر سنّاً، تكشف عن أرزة تحتضنها وتُعيد زرعها في التراب.
ويُعلق شرفان: «علينا، نحن أبناء لبنان متعدّد الطوائف والأديان، أن نعمل على تعزيز وحدتنا حتى لا نخسر وطننا. يجب أن نقتنع بألا شيء قادر على تفريقنا مهما حاول الآخرون. وفرقة (ميّاس) تُمثّل مختلف فئات المجتمع اللبناني، وتُوحّد جهودها لإظهار صورة لبنان الجميلة».
ويرافق هذه اللوحات صوت عبير نعمة مع عزف على البيانو للنشيد الوطني اللبناني. ويتابع شرفان: «تربطني بها علاقة عمل وطيدة منذ كنتُ في السابعة عشرة من عمري. وعندما طلبتُ منها المشاركة في المبادرة وافقت فوراً من دون تردُّد. إنها فنانة لبنانية بامتياز، وصوتها عبَّر بصدق عن رسالة الوحدة التي أحلم بها، بكلّ ما تحمله من مشاعر وطنية».

أما موسيقى الكليب، فمن تأليف وتوزيع هاري أديشيان، الذي وضع سابقاً الموسيقى الخاصة بلوحات فرقة «ميّاس». ويوضح شرفان: «لدي فريق متكامل يهتم بكلّ تفصيل في أي عمل أقدّمه، من تصميم الأزياء إلى الموسيقى والمؤثرات البصرية وغيرها. هذا التضامن داخل فريقنا، أتمنّى أن ينتقل إلى جميع اللبنانيين، فنحافظ على بلدنا قوياً وقادراً على مواجهة الصعاب والنهوض منها».
ويُشدّد شرفان في مبادرته على نبذ الكراهية والتشبُّث بالجذور وتراب الوطن، ويختم: «الألوان المُستخدمة في اللوحة مستوحاة من العلم اللبناني. أما الفتاة التي تتحوَّل إلى امرأة أكبر سنّاً، فهما في الحقيقة أم وابنتها. أتمنّى أن تصل الرسالة إلى جميع اللبنانيين، ويبرهنوا على حبّهم للبنان بمبادلة المحبّة بعضهم لبعض».


