«مجزرة غرغور» تعيد إلى الواجهة ملف «الإعدامات المجمَّدة» في ليبيا

تعطل تنفيذها منذ 2011 رغم استمرار صدورها في قضايا «قتل وإرهاب وانتهاكات جسيمة»

سيدتان من أهالي ضحايا أحداث غرغور الليبية خلال وقفة احتجاجية سابقة (صفحة تجمع أسر ضحايا غرغور)
سيدتان من أهالي ضحايا أحداث غرغور الليبية خلال وقفة احتجاجية سابقة (صفحة تجمع أسر ضحايا غرغور)
TT

«مجزرة غرغور» تعيد إلى الواجهة ملف «الإعدامات المجمَّدة» في ليبيا

سيدتان من أهالي ضحايا أحداث غرغور الليبية خلال وقفة احتجاجية سابقة (صفحة تجمع أسر ضحايا غرغور)
سيدتان من أهالي ضحايا أحداث غرغور الليبية خلال وقفة احتجاجية سابقة (صفحة تجمع أسر ضحايا غرغور)

أعاد حكم قضائي بالإعدام صدر في ليبيا على أحد المُدانين بقتل متظاهرين عام 2013، فيما عُرف وقتها بـ«مجزرة غرغور»، إلى الواجهة، ملف الأحكام المشابهة التي تصدرها محاكم محلية منذ سقوط نظام العقيد معمر القذافي في عام 2011؛ لكنها لم تنفَّذ.

وقوبل الحكم الصادر عن محكمة جنايات طرابلس، في 11 مايو (أيار) الجاري، بالإعدام رمياً بالرصاص على عبد المجيد الضراط، لتورطه بقتل متظاهرين خلال احتجاجات طالبت بإخلاء العاصمة من التشكيلات المسلحة، باهتمام شعبي وقانوني واسع، باعتبار أن الحكم يُعد «استعادة لهيبة القانون، وتأكيداً على أن حقوق الضحايا لا تسقط بالتقادم».

أحكام معطلة

يتعطل في ليبيا -حسب قانونيين ومتابعين- تنفيذ أحكام الإعدام منذ عام 2011، رغم استمرار صدورها في قضايا «قتل وإرهاب وانتهاكات جسيمة». وكان النائب العام الليبي المستشار الصديق الصور قد أشار إلى وجود عشرات الأحكام النهائية بالإعدام التي لم تنفَّذ، وهو ما نقلته عنه منظمة «هيومن رايتس ووتش» الحقوقية الدولية، في تقرير لها صدر العام الماضي.

النائب العام الليبي الصديق الصور (مكتب الصور)

ووسط تخوفات من إفلات الجناة من العقاب، طالبت فتحية البخبخي، شقيقة إحدى ضحايا «مجزرة غرغور»، ورئيسة «الاتحاد النسائي الليبي العام»، بضرورة تنفيذ الحكم وملاحقة بقية المتورطين في الجريمة، وقالت لـ«الشرق الأوسط» إن تنفيذ الحكم وتحقيق العدالة يمثلان «رسالة ردع قوية» تعيد الاعتبار لهيبة القانون ولدماء المغدورين.

وشهدت طرابلس في نوفمبر (تشرين الثاني) 2013 واحدة من أعنف محطات الفوضى المسلحة بعد سقوط النظام السابق، حين قُتل أكثر من 60 شخصاً، وأصيب نحو 500 آخرين خلال مظاهرة طالبت بخروج الجماعات المسلحة من العاصمة.

ويعكس التقاعس عن تنفيذ أحكام الإعدامات في ليبيا حجم التعقيدات التي تواجه القضاء المحلي. فقد نقلت «هيومن رايتس ووتش» عن النائب العام تأكيده -العام الماضي- وجود نحو 250 شخصاً محكومين بالإعدام حتى سبتمبر (أيلول) 2024، بينهم مدانون في قضايا تعود إلى ما قبل 2011.

وحسب المنظمة الدولية، استنفد 105 متهمين منهم «جميع درجات التقاضي»، بينما لم يكن محتجزاً سوى 19 شخصاً، بينما خُففت أحكام 3 مدانين إلى السجن المؤبد بعد تنازل أولياء الدم.

إجراءات مطولة

إجرائياً، وعلى وقع صدور الحكم الأخير في «مجزرة غرغور»، قال الدكتور مبروك الفاخري، المستشار السابق بالمحكمة العليا الليبية، إن «أحكام الإعدام تمر بسلسلة من الإجراءات القضائية المطوَّلة، بعد صدورها من محاكم الجنايات»، موضحاً أنها «تُحال وجوباً إلى المحكمة العليا لمراجعتها، سواء طعن المحكوم عليه في الحكم أم لم يطعن، وذلك للتحقق من سلامتها القانونية».

أبو رزيزة رئيس المحكمة العليا في ليبيا (الصفحة الرسمية للمحكمة)

وأوضح الفاخري لـ«الشرق الأوسط» أن «المحكمة العليا قد تُقر الحكم أو تنقضه، وتعيد القضية إلى محكمة الجنايات في حال رصد أخطاء قانونية»، مبرزاً أن «القانون الليبي يتيح، قبل تنفيذ الحكم، تنازل أولياء الدم عن حقهم، بما يؤدي إلى استبدال السجن المؤبد مع الدية بعقوبة الإعدام، باعتبار ذلك أحد المسارات القانونية المعمول بها قبل التنفيذ».

وبين عامَي 2023 و2026، واصلت المحاكم الليبية إصدار أحكام بالإعدام في قضايا مرتبطة بـ«الإرهاب والقتل والانتهاكات المسلحة»، من دون إعلان رسمي عن تنفيذ أي منها، كان أبرزها حكم محكمة جنايات مصراتة في مايو 2023 بإعدام 23 متهماً في قضية مرتبطة بتنظيم «داعش».

كما صدرت أحكام مماثلة عن محاكم في طرابلس والزاوية بحق متهمين في قضايا اغتيال وقتل عمد، وانتهاكات نُسبت إلى جماعات مسلحة، بينهم أحد عناصر «الكانيات» المتهمين بارتكاب انتهاكات في ترهونة خلال الحرب على العاصمة بين عامي 2018 و2020.

ويُرجع الدكتور شعبان عكاش، عضو «المجلس العلمي بمركز البحوث الجنائية» بمكتب النائب العام، تأجيل تنفيذ أحكام الإعدام في ليبيا، إلى «الانقسام السياسي والهشاشة الأمنية، وتغوُّل الميليشيات، وتعدد مراكز السلطة منذ عام 2011». ويرى أن هذه الأجواء «تحُول دون تنفيذ الأحكام بصورة متساوية على كامل الأراضي الليبية، الأمر الذي وضع النائب العام أمام معضلة قانونية، تتعلق بتحقيق العدالة والمساواة بين المواطنين».

دائرة الجنايات بمحكمة استئناف طرابلس (صفحة المحكمة على فيسبوك)

وأشار عكاش لـ«الشرق الأوسط» إلى أن «تنفيذ الأحكام في بعض المناطق مقابل تعذُّر تنفيذها في مناطق أخرى، قد يثير إشكاليات ازدواجية تطبيق العدالة؛ وهو ما دفع السلطات القضائية إلى إرجاء تنفيذ أحكام الإعدام إلى حين تهيؤ ظروف تسمح بتطبيقها بشكل موحَّد في جميع المحاكم الليبية».

وتعيش ليبيا انقساماً بين حكومتين متنافستين: الأولى في غرب البلاد برئاسة عبد الحميد الدبيبة، والثانية في الشرق والجنوب برئاسة أسامة حماد، مدعومة من «الجيش الوطني» بقيادة المشير خليفة حفتر. وهو انقسام امتد إلى مؤسسات الدولة، بما فيها القضاء.

وإذ عدَّ عكاش أن «هذا الوضع يظل استثنائياً ومرتبطاً بخصوصية المرحلة التي تمر بها ليبيا»، فإنه رأى أيضاً أن استمرار تعليق تنفيذ أحكام الإعدام يترك آثاراً سلبية على منظومة العدالة الجنائية. واعتبر أن غياب تنفيذ العقوبات يمثل إخلالاً بمبدأ الردع، ويفتح المجال أمام الإفلات من العقاب، كما ينعكس سلباً على فاعلية المواجهة الجنائية في البلاد.

ويعود آخر تنفيذ موثق لعقوبة الإعدام في ليبيا إلى يونيو (حزيران) 2010، حين تحدثت منظمة العفو الدولية عن إعدام 18 شخصاً رمياً بالرصاص، بينهم مواطنون من تشاد ومصر ونيجيريا، عقب إدانتهم بالقتل العمد.


مقالات ذات صلة

المدعون بـ«الجنائية الدولية» يطالبون بتأكيد 17 تهمة ضد الليبي الهيشري

شمال افريقيا الهيشري المتهم بارتكاب «جرائم حرب» (الجنائية الدولية)

المدعون بـ«الجنائية الدولية» يطالبون بتأكيد 17 تهمة ضد الليبي الهيشري

أكدت نائبة المدعي العام لـ«الجنائية الدولية» نزهة خان أن قضية الليبي الهيشري تمثل «محطة مفصلية بمسار العدالة لمحاسبة المشتبه بارتكابهم جرائم في ليبيا»

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا سيف الإسلام القذافي أثناء القبض عليه عام 2011 وإلى يساره العجمي العتيري (رويترز)

ليبيا: براءة السنوسي من «قمع متظاهري فبراير» وإسقاط التهمة عن سيف القذافي

برأت محكمة استئناف طرابلس عبد الله السنوسي رئيس جهاز الاستخبارات السابق في عهد القذافي من تهمة قمع متظاهري (ثورة 17 فبراير) كما أسقطت الجريمة عن سيف الإسلام.

جمال جوهر (القاهرة)
شمال افريقيا جانب من احتفالية نظمتها «هيئة الرقابة الإدارية» في طرابلس (الهيئة)

اتهامات بـ«الهدر المالي» تلاحق حكومات ليبيا ما بعد 2011

في ظل تفشي حالة الفساد في ليبيا، سلّط مسؤول رقابي الضوء على حجم الأموال التي أنفقتها الحكومات التي تعاقبت على إدارة شؤون البلاد منذ عام 2011.

جاكلين زاهر (القاهرة)
شمال افريقيا بدوي وصالح في مقر البرلمان المصري (البرلمان)

مصر تُجدد التزامها بدعم استقرار ليبيا وأمنها القومي  

أكد رئيس مجلس النواب المصري هشام بدوي أن بلاده «تلتزم التزاماً ثابتاً بدعم الدولة الليبية ووحدتها، وصون مؤسساتها الوطنية والدستورية».

خالد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا جندي بـ«الجيش الوطني» الليبي يقف بالقرب من دبابات مشاركة في مناورات «درع الكرامة 2» العسكرية (أ.ف.ب)

مناورات عسكرية منفصلة في شرق ليبيا وغربها

تجري قوات «الجيش الوطني» الليبي مناورة عسكرية بشرق البلاد، في حين تنفذ قوات غرب ليبيا مشروعاً للرماية بسلاح المدفعية في ظل تساؤلات عن مدلول هذه التحركات.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

قائد الأركان الجزائري: التفوق العسكري لا يقاس بنوعية السلاح بل بالقدرة على الصمود

الوزير المنتدب للدفاع خلال إلقاء كلمة على كوادر الجيش (وزارة الدفاع)
الوزير المنتدب للدفاع خلال إلقاء كلمة على كوادر الجيش (وزارة الدفاع)
TT

قائد الأركان الجزائري: التفوق العسكري لا يقاس بنوعية السلاح بل بالقدرة على الصمود

الوزير المنتدب للدفاع خلال إلقاء كلمة على كوادر الجيش (وزارة الدفاع)
الوزير المنتدب للدفاع خلال إلقاء كلمة على كوادر الجيش (وزارة الدفاع)

أكد الفريق أول السعيد شنقريحة، الوزير المنتدب لدى وزير الدفاع الوطني، رئيس أركان الجيش الجزائري، اليوم (الثلاثاء)، أن «التفوُّق العسكري الحقيقي لا يُقاس بنوعية السلاح فقط، بل يكمن في القدرة على الصمود، وامتلاك البدائل التكتيكية، واكتساب الجاهزية العملياتية النوعية».

وشدَّد شنقريحة، في كلمة له خلال زيارة عمل وتفقد إلى الناحية العسكرية الخامسة شرق البلاد، أنَّ الجيش الجزائري «مصمم على مواصلة مسار بناء مقدراته العسكرية، والرفع من جاهزيته العملياتية، بما يمكِّنه من أداء مهامه الدستورية على أكمل وجه، وبما يسمح لنا بالتحكم في أدوات أمننا، والدفاع عن سيادتنا ومصالحنا العليا».

وأضاف شنقريحة أنه «لن يتأتَّى لنا ذلك إلا من خلال مواصلة تنفيذ برامج التحضير القتالي، بجدية وصرامة لبناء منظومة دفاعية قائمة على التحضير العالي والجاهزية العملياتية والصلابة الشاملة»، مبرزاً أن «الطريق الأقوم لبلوغ هذه الجاهزية يبدأ أولاً، وقبل كل شيء، من ميدان التدريب، ومن الإيمان الراسخ بأنَّ كل خطوة نخطوها باحترافية، وكل خطة تُنفَّذ بدقة ستسهم بفاعلية في بناء القدرة على الردع والحسم».

في سياق ذلك، حثَّ شنقريحة أفراد الجيش في المنطقة الحدودية الحساسة المتاخمة لتونس إلى «العمل بمثابرة أكثر من أجل اجتثاث آخر العناصر الإرهابية من أرض بلادنا الطاهرة، ودحر شبكات دعمهم وإسنادهم، للتفرغ نهائياً لمهام تحضير القوات وإعدادها الجيد، لتتوافق مع التزاماتنا الجمهورية، وتسمح لنا برفع تحديات السياقات الإقليمية والدولية الراهنة».

في هذا الصدد، هنَّأ شنقريحة عناصر الوحدات المقحمة في مكافحة الإرهاب والتخريب على «النتائج النوعية المُحقَّقة في هذا المجال، والتي سمحت بالقضاء على كثير من الإرهابيين والمجرمين، خونة الأمة، وإحباط مشروعاتهم الدنيئة التي تستهدف المساس بأمن الوطن والمواطن».


باريس «مطمئنة» لطريقة تعامل الجزائر مع صحافي فرنسي مسجون لديها

الصحافي الفرنسي كريستوف غليز (من حسابه الخاص بالإعلام الاجتماعي)
الصحافي الفرنسي كريستوف غليز (من حسابه الخاص بالإعلام الاجتماعي)
TT

باريس «مطمئنة» لطريقة تعامل الجزائر مع صحافي فرنسي مسجون لديها

الصحافي الفرنسي كريستوف غليز (من حسابه الخاص بالإعلام الاجتماعي)
الصحافي الفرنسي كريستوف غليز (من حسابه الخاص بالإعلام الاجتماعي)

قال وزير العدل الفرنسي جيرالد دارمانان، اليوم الثلاثاء، إنه «مطمئن جداً» إلى الطريقة التي يُعامل بها الصحافي كريستوف غليز في الجزائر حيث يُحتجز، وذلك غداة زيارة للجزائر العاصمة.

وأورد دارمانان خلال برنامج بثته إذاعة وقناة تلفزيون خاصتان: «ذكّرنا بأنه يجب إعادة كريستوف غليز، لا إلى فرنسا، بل إلى والدته»، مضيفاً أن الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون «سيكون متفهماً لذلك، في أي حال (...) أنا أثق به في هذا الأمر»، مشيراً إلى أنه أجرى معه «محادثات معمقة جداً».

كان الصحافي الرياضي الفرنسي قد أوقف في مايو (أيار) 2024 في منطقة القبائل، شمال شرق الجزائر، حيث كان ينجز تحقيقاً صحافياً، وحُكم عليه في يونيو (حزيران) 2025 بالسجن سبع سنوات بتهمة «تمجيد الإرهاب».

وكشفت عائلته أنه سحب في مارس (آذار) طعناً قضائياً في مسعى إلى إفساح المجال لعفو من الرئيس تبون.

واعتبر وزير العدل الفرنسي أن الرئيس الجزائري قادر على «القيام بهذه المبادرة من أجل هذه العائلة، وبالطبع من أجل علاقتنا الجيدة».

وأجرى دارمانان زيارة استمرت يومين للجزائر لبحث قضية غليز، إضافة إلى التعاون القضائي بين البلدين. وجسدت هذه الزيارة تهدئة بين البلدين بدأت في الأشهر الأخيرة، بعد أزمة حادة استمرت نحو عامين.


المدعون بـ«الجنائية الدولية» يطالبون بتأكيد 17 تهمة ضد الليبي الهيشري

الهيشري المتهم بارتكاب «جرائم حرب» (الجنائية الدولية)
الهيشري المتهم بارتكاب «جرائم حرب» (الجنائية الدولية)
TT

المدعون بـ«الجنائية الدولية» يطالبون بتأكيد 17 تهمة ضد الليبي الهيشري

الهيشري المتهم بارتكاب «جرائم حرب» (الجنائية الدولية)
الهيشري المتهم بارتكاب «جرائم حرب» (الجنائية الدولية)

قال ‌مدعون عامون لقضاة المحكمة الجنائية الدولية، الثلاثاء، إن الليبي خالد الهيشري، المتهم بالإشراف على أحد أسوأ السجون سمعة في ليبيا، كان معروفاً بأنه «يعذب من دون رحمة»، مما دفع المعتقلين لتلقيبه بـ«عزرائيل». ويمثل هذا الإجراء أول مثول فعلي لمتهم أمام المحكمة، يواجه اتهامات بجرائم ارتكبت داخل الأراضي الليبية منذ بدء تفويض المحكمة قبل نحو 15 عاماً. وذكر المدعون العامون أن الهيشري (47 عاماً) كان يشرف على جناح النساء في سجن معيتيقة، الذي يديره «جهاز الردع لمكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة» في ليبيا. مضيفين حسب وكالة «رويترز» أن «آلاف الضحايا اعتقلوا واحتجزوا دون أساس قانوني في ظروف غير ‌إنسانية، وتعرضوا ‌للإساءة والتعذيب على نحو ممنهج».

الهيشري المتهم بارتكاب «جرائم حرب» (الجنائية الدولية)

وقالت نزهة ‌شميم ⁠خان، نائبة المدعي ⁠العام، في بداية الجلسات التي تستمر ثلاثة أيام، والمقرر أن تحدد التهم التي ستوجه للمشتبه به: «كان الهيشري معروفاً على نطاق واسع بأنه (رجل) سيئ السمعة، يمارس التعذيب وهو من أكبر المسؤولين في سجن معيتيقة».

وأضافت، خلال الجلسة، أن قضية الهيشري تمثل «محطة مفصلية ومهمة في مسار العدالة الدولية لمحاسبة المشتبه بارتكابهم جرائم في ليبيا، بغض النظر عن نفوذهم أو سلطتهم»، مشددة على أن القضية تبعث برسالة واضحة مفادها أن «لا أحد فوق القانون».

وفي عرض الادعاء، نقلت نائبة المدعي العام عن أحد الشهود قوله إن الهيشري كان «من أسوأ المحرّضين على العنف»، فيما أشار شاهد آخر إلى أنه كان يُلقَّب بـ«ملاك الموت». لافتة إلى أن «إحدى طرق التعذيب المفضّلة لديه، حسب الشهادات، كانت إطلاق النار على الأشخاص خصوصاً في الساق والركبة». كما كان «يعلّق الأشخاص وأيديهم مقيّدة خلف ظهورهم ويضربهم بالمجارف»، وفق الادعاء. وتحدّثت عن ظروف «لا يمكن تصوّرها» داخل السجن، مشيرة إلى أن الهيشري، الذي كان مسؤولاً عن سجن النساء، استخدم الأمراض «سلاحاً» من خلال وضع المعتقلين في زنازين يحتمل أن يُصابوا فيها بعدوى. وبيّنت أن المتهم كان يرتكب بنفسه عمليات اغتصاب وقتل وتعذيب بحقّ السجناء. كما أوضح المدعون أن ⁠الهيشري اعتدى شخصياً على سجينات، وعذبهن واغتصبهن ‌في إطار نمط ‌من التعذيب الجنسي. وطلبوا من القضاة تأكيد 17 تهمة ضده، من بينها ارتكاب ‌جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب، والاغتصاب والاضطهاد والاستعباد من فبراير «شباط» 2015 حتى أوائل 2020.

كما تشمل لائحة الاتهام الموجهة للمسؤول السابق في السجن، الذي احتجز فيه آلاف الأشخاص لفترات طويلة، ارتكاب أعمال تعذيب وقتل، والشروع في القتل، والاعتداء الصارخ على الكرامة الشخصية، والمعاملة القاسية وغير الإنسانية، بالإضافة إلى الاغتصاب وغير ذلك من أشكال العنف الجنسي ضد المحتجزين.

واجهة المحكمة الجنائية الدولية (أ.ب)

وأوضحت النيابة العامة للمحكمة أن هناك «أسساً قوية» تدعو للاعتقاد بأن الهيشري يتحمل مسؤولية جنائية فردية عن هذه الانتهاكات، مشيرة إلى أن المتهمين استغلوا حالة «الإفلات من العقاب»، والفراغ الأمني الذي أعقب سقوط نظام القذافي، واستمرار النزاع المسلح غير الحكومي لتمرير جرائمهم.

وكشفت وثائق المحكمة أن الهيشري، الذي اعتقل ⁠في ألمانيا في يوليو (تموز) 2025، لم يقدم رداً رسمياً بعد على التهم المذكورة، لكنّ محاميه طلبوا من ‌القضاة رفض التهم، وطعنوا على اختصاص المحكمة في نظر هذه القضية.

في هذا السياق فند محامي الدفاع عن الهيشري التهم الموجهة لموكله أمام المحكمة، مؤكداً أن الوقائع المنسوبة إليه صيغت «على خلاف الحقيقة»، ودفع بأن سجن «معيتيقة» هو مؤسسة تابعة رسمياً للنيابة العامة، وتخضع لرقابة وإشراف وزارة العدل الليبية، وليس لسيطرة «جهاز الردع».

ويعتقد الدفاع بأن «جهاز الردع» هو جهة «حكومية شرعية»، منشأة بموجب قرارات سيادية صادرة عن الدولة، وليس «جماعة أو ميليشيا مسلحة كما روجت له النيابة العامة للمحكمة».

وإذا أكد القضاة التهم، فقد تصبح قضية الهيشري أول محاكمة أمام المحكمة الجنائية الدولية تركز على ليبيا. يشار إلى أن المحكمة الجنائية الدولية تنظر في مزاعم جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في ليبيا، منذ أن أحال مجلس الأمن الدولي القضية إلى المحكمة في 2011. وتهدف هذه الجلسات الإجرائية إلى تحديد ما إذا كانت هناك أدلة كافية لإثبات وجود «أسباب جوهرية» للاعتقاد بأن المتهم قد ارتكب هذه الجرائم؛ وفي حال اعتماد الدائرة التمهيدية تهمة واحدة أو أكثر، ستحال القضية رسمياً إلى الدائرة الابتدائية لبدء مرحلة المحاكمة الفعلية.

وبالتزامن مع بدء الجلسات، نظم عدد من الناشطين والحقوقيين وقفة تأييد أمام مقر المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي، بينما ينظر مراقبون إلى هذه القضية باهتمام بالغ، كونها تفتح «الصندوق الأسود» لانتهاكات المجموعات المسلحة في طرابلس، خصوصاً وأن سجن معيتيقة خاضع لسيطرة واحدة من أقوى الفصائل الأمنية والعسكرية في الغرب الليبي، مما يضع ملف المحاسبة الدولية على طاولة الصراع الراهن بين سلطة الدولة وقوة السلاح.