السودان يجدد تمسكه بالحل السلمي والتوافق الوطني لإنهاء الحرب

وزير الخارجية: ملتزمون بخريطة طريق لوقف النزاع وإجراء انتخابات

وزير الخارجية السوداني محيي الدين أحمد سالم خلال مشاركته بالمنتدى الحضري الثالث عشر في باكو (الخارجية)
وزير الخارجية السوداني محيي الدين أحمد سالم خلال مشاركته بالمنتدى الحضري الثالث عشر في باكو (الخارجية)
TT

السودان يجدد تمسكه بالحل السلمي والتوافق الوطني لإنهاء الحرب

وزير الخارجية السوداني محيي الدين أحمد سالم خلال مشاركته بالمنتدى الحضري الثالث عشر في باكو (الخارجية)
وزير الخارجية السوداني محيي الدين أحمد سالم خلال مشاركته بالمنتدى الحضري الثالث عشر في باكو (الخارجية)

جدّد السودان التأكيد على استعداده للالتزام بإنهاء الأزمة عبر الوسائل السلمية، وبناء توافق وطني شامل يمهد الطريق لانتخابات حرة ونزيهة بنهاية الفترة الانتقالية، استناداً إلى مبادرة قدمها إلى الأمم المتحدة العام الماضي رئيس مجلس السيادة الانتقالي قائد الجيش، عبد الفتاح البرهان، لتحقيق السلام ووقف الحرب.

وقال وزير الخارجية السوداني محيي الدين أحمد سالم، في كلمته أمام المشاركين في المنتدى الحضري الثالث عشر الذي انعقد في العاصمة الأذربيجانية باكو، إن بلاده ملتزمة بمبادرة البرهان، عادّاً أنها تعكس التزام السودان بإنهاء الأزمة عبر الوسائل السلمية وصولاً إلى توافق وطني شامل يفضي إلى انتخابات حرة ونزيهة بنهاية الفترة الانتقالية.

وأضاف الوزير، حسب بيان صحافي صادر عن وزارة الخارجية في وقت مبكر من صباح الاثنين، أن مبادرة البرهان حظيت بدعم وتأييد عدد من الدول والمنظمات الإقليمية والدولية، كما تضمنت خريطة طريق متكاملة لإنهاء النزاع وتحقيق سلام مستدام، تشمل وقف إطلاق النار، وحماية المدنيين، وضمان وصول المساعدات الإنسانية، ودعم اللاجئين والنازحين، إلى جانب برامج نزع السلاح والتسريح، وإعادة الدمج والمصالحة الوطنية، وإعادة الإعمار.

رئيس «مجلس السيادة» السوداني قائد الجيش عبد الفتاح البرهان (أ.ف.ب)

ووصف وزير الخارجية المنتدى بأنه «منصة دولية مهمة» لتبادل الخبرات ومناقشة التحديات المرتبطة بالتنمية الحضرية وبناء المدن الآمنة والقادرة على الصمود، مشيراً إلى أن شعار الدورة الحالية «إسكان العالم: مدن ومجتمعات آمنة وقادرة على الصمود»، يعكس بصورة مباشرة واقع السودان وتطلعات شعبه.

وقال إن بلاده تعيش ظروفاً استثنائية نتيجة الهجمات التي اتهم قوات «الدعم السريع» بشنها على المدن والبنية التحتية والمرافق الحيوية، مضيفاً أن السودان شهد دماراً واسعاً شمل المناطق السكنية والمنشآت الصحية وشبكات الكهرباء والمياه والمؤسسات التعليمية، ما أدى إلى نزوح الملايين، وفرض تحديات كبيرة أمام جهود إعادة الإعمار واستعادة الخدمات الأساسية، وإعادة تأهيل المدن والمجتمعات المتضررة.

كما كشف المسؤول السوداني عن شروع حكومته في تنفيذ برامج وطنية لإعادة تأهيل الخدمات الأساسية في المناطق التي بدأت تشهد عودة النازحين واللاجئين ضمن برامج العودة الطوعية «بدعم من عدد من الدول الشقيقة والصديقة والمنظمات الدولية العاملة في المجال التنموي».

وأعلن كذلك إطلاق خطة لبناء مليون وحدة سكنية مخصصة للشباب من ذوي الدخل المحدود، ضمن مشروع لتوفير المأوى للمواطنين، رغم التحديات التي تواجهها البلاد، بهدف تعزيز الاستقرار المجتمعي وتوفير السكن الملائم للفئات المتأثرة بالحرب والنزوح.

وقدم سالم شرحاً للمشاركين حول «مبادرة السلام الشاملة» التي سلمتها الحكومة السودانية إلى الأمم المتحدة ومجلس الأمن أواخر عام 2025، والتي تتضمن خريطة طريق لإنهاء النزاع وتحقيق سلام مستدام عبر وقف إطلاق النار، وحماية المدنيين، وضمان وصول المساعدات الإنسانية، ودعم اللاجئين والنازحين، إلى جانب برامج نزع السلاح والتسريح وإعادة الدمج والمصالحة الوطنية وإعادة الإعمار.

وكان وزير الخارجية قد ترأس الوفد السوداني إلى المنتدى الحضري الثالث عشر الذي انعقد في العاصمة الأذربيجانية باكو، بتنظيم مشترك مع برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية، وبمشاركة عدد من رؤساء الدول والحكومات والوزراء وممثلي المنظمات الدولية.

وفي نهاية العام الماضي، قدّم البرهان مبادرة سلام إلى الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، كشف عنها رئيس الوزراء كامل إدريس أمام مجلس الأمن في ديسمبر (كانون الأول)، وقال إنها تتكامل مع المبادرة الأميركية - السعودية - المصرية - الإماراتية المعروفة بـ«مبادرة الرباعية».

ونصت المبادرة السودانية لإحلال السلام، التي عُرفت إعلامياً بـ«مبادرة البرهان»، على استعداد السودان للدخول في عملية سياسية تنسحب بموجبها قوات «الدعم السريع» من المدن، وتتجمع في مواقع يتم الاتفاق عليها في إقليم دارفور، قبل الشروع في أي مفاوضات.


مقالات ذات صلة

أزمة الكهرباء تفاقم معاناة السودانيين في صيف لاهب

شمال افريقيا وزير الطاقة والنفط السوداني المعتصم إبراهيم (وكالة السودان للأنباء)

أزمة الكهرباء تفاقم معاناة السودانيين في صيف لاهب

تشهد العديد من مناطق العاصمة السودانية الخرطوم ازدياداً في انقطاع التيار الكهربائي، وهو ما أرجعه وزير الطاقة إلى «السلوك الخاطئ لبعض المواطنين».

وجدان طلحة (الخرطوم)
شمال افريقيا السافنا متحدثاً في المؤتمر الصحافي عن أسباب انشقاقه (وكالة السودان للأنباء/ سونا)

السافنا: «الدعم السريع» في حالة انهيار... والانشقاقات مستمرة

قال الضابط المنشق عن «قوات الدعم السريع»، العميد علي رزق الله الشهير بـ«السافنا»، إن القائد محمد حمدان دقلو «حميدتي»، أُصيب أمام قيادة الجيش في الخرطوم

وجدان طلحة (الخرطوم)
شمال افريقيا العميد محمد رزق الله «السافنا» المنشق عن قوات «الدعم السريع» وصل الخرطوم (فيسبوك) p-circle 00:44

المنشق «السافنا» يصل إلى الخرطوم ويعمق أزمة «الدعم السريع»

وصل القائد الميداني السابق بقوات «الدعم السريع» علي رزق الله الشهير بـ«السافنا»، إلى العاصمة السودانية الخرطوم، بعد أيام من إعلانه الانسلاخ عن تلك القوات.

أحمد يونس (كمبالا)
خاص تجمعات باعة المياه الذين يستخدمون عربات الكارو للحصول على المياه وبيعها (الشرق الأوسط)

خاص العطش يحاصر سكان الخرطوم في عام الحرب الرابع

تزداد حياة السودانيين تعقيداً في ظل الانقطاع الطويل للتيار الكهربائي، وبات الحصول على المياه معركة يومية لا تقل قسوة عن أصوات المدافع والقذائف.

بهرام عبد المنعم (الخرطوم)
شمال افريقيا الفريق ياسر العطا خلال لقائه في وقت سابق حاكم إقليم النيل الأزرق (فيسبوك) p-circle

العطا يتفقد جبهة النيل الأزرق وسط تصاعد هجمات «الدعم السريع»

جدد عضو مجلس السيادة السوداني رئيس هيئة أركان الجيش، الفريق أول ياسر العطا، تعهده بمواصلة دعم العمليات العسكرية في إقليم النيل الأزرق بجنوب شرقي البلاد.

محمد أمين ياسين (نيروبي)

عبد العاطي في مدريد... تطوير الشراكة وبحث قضايا إقليمية

رئيس وزراء إسبانيا خلال استقباله الرئيس المصري في مدريد خلال فبراير 2025 (الرئاسة المصرية)
رئيس وزراء إسبانيا خلال استقباله الرئيس المصري في مدريد خلال فبراير 2025 (الرئاسة المصرية)
TT

عبد العاطي في مدريد... تطوير الشراكة وبحث قضايا إقليمية

رئيس وزراء إسبانيا خلال استقباله الرئيس المصري في مدريد خلال فبراير 2025 (الرئاسة المصرية)
رئيس وزراء إسبانيا خلال استقباله الرئيس المصري في مدريد خلال فبراير 2025 (الرئاسة المصرية)

ضمن مساعٍ تستهدف تعميق التعاون، توجه وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي، إلى إسبانيا لبحث سبل تطوير «الشراكة الاستراتيجية» بين البلدين، والتشاور في عدد من القضايا الإقليمية.

وتأتي زيارة عبد العاطي ضمن مساعي القاهرة لحشد تأييد أوروبي ودولي لمواقفها بشأن مواجهة تحديات المنطقة، وفق دبلوماسيين مصريين سابقين أشاروا إلى «توافق مصري إسباني في عدد من الملفات، لا سيما الأوضاع في غزة ورفض سيناريوهات تهجير الفلسطينيين»، إلى جانب رغبة مصر في تعزيز الاستثمارات الإسبانية ورفع مستوى التعاون الاقتصادي.

وحسب إفادة لـ«الخارجية المصرية»، الاثنين، «سيعقد عبد العاطي مشاورات سياسية مع نظيره الإسباني لبحث تطوير الشراكة الاستراتيجية»، إلى جانب «تبادل الرؤى بشأن عدد من القضايا الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك».

وتطورت العلاقات بين البلدين الفترة الأخيرة، خصوصاً بعد زيارة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي إلى مدريد في فبراير (شباط) 2025، التي تضمّنت «توقيع الإعلان المشترك لرفع مستوى العلاقات الدبلوماسية إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية»، وترتب عليها حينها توقيع مذكرات تفاهم في مجالات النقل والاقتصاد والصحة.

ملك إسبانيا فيليبي السادس مستقبلاً الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في مدريد خلال فبراير 2025 (الرئاسة المصرية)

كما أجرى ملك إسبانيا فيليبي السادس برفقة قرينته زيارة إلى مصر في سبتمبر (أيلول) من العام الماضي، وسط احتفاء رسمي وشعبي واسع، بوصفها أول زيارة رسمية يجريها للقاهرة منذ توليه العرش عام 2014.

وتنطلق زيارة وزير الخارجية المصري لمدريد من مسار تعزيز الشراكة الاستراتيجية بين البلدين، وفق مساعد وزير الخارجية المصري السابق، الأمين العام لوحدة الشراكة المصرية-الأوروبية السابق، السفير جمال بيومي، الذي أشار إلى أن «مسار التعاون يشهد مشاركة في عدد من المجالات على الصعيد الاقتصادي والثقافي والاجتماعي».

وقال بيومي لـ«الشرق الأوسط» إن المشاورات المصرية-الإسبانية «تأتي في توقيت حرج بالمنطقة، تسعى فيه القاهرة لحشد تأييد دولي وأوروبي وعربي وأفريقي لمواقفها في مواجهة التحديات الراهنة». وأضاف أن «التنسيق بين البلدين حاضر بشأن تداعيات الحرب الإيرانية وأيضاً حرب غزة والحرب الأوكرانية»، منوهاً إلى أن «إسبانيا تقدّر مواقف مصر لا سيما في دعم القضية الفلسطينية».

وتعارض مدريد مقترحات «تهجير الفلسطينيين»، كما تُعدّ من أكثر الدول الأوروبية انتقاداً للهجمات الإسرائيلية على لبنان وإيران. وقال رئيس الوزراء الإسباني، بيدرو سانشيز، في أبريل (نيسان) الماضي، إن «بلاده ستطلب من الاتحاد الأوروبي فسخ اتفاق الشراكة مع إسرائيل التي تنتهك القانون الدولي».

وأشار بيومي إلى الشراكة المصرية-الإسبانية، قائلاً إنها لا تنفصل عن منحنى علاقات القاهرة مع الاتحاد الأوروبي التي جرى رفعها إلى مستوى الشراكة، منوهاً إلى حرص الاتحاد الأوروبي على دعم الاقتصاد المصري عبر منح ومساعدات واستثمارات مشتركة، في إطار تعاون الجانبين في مجالات عديدة، خصوصاً مواجهة الهجرة غير الشرعية ومكافحة الإرهاب.

وتستهدف زيارة عبد العاطي إلى مدريد رفع مستوى العلاقات الاقتصادية، لترتقي إلى مستوى العلاقات السياسية، وفق مساعد وزير الخارجية المصري السابق، السفير يوسف الشرقاوي الذي أشار إلى أن القاهرة تسعى على الصعيد الثنائي لتوسيع الاستثمارات الإسبانية خصوصاً في المنطقة الاقتصادية بقناة السويس، إلى جانب «تعزيز التعاون في مجال ربط الموانئ والنقل البحري والسياحة والبنية التحتية ومشروعات الطاقة المتجددة والربط الكهربائي والتبادل التجاري بين البلدين».

وسجل حجم التبادل التجاري، بين مصر وإسبانيا 3.1 مليار دولار خلال العام الماضي، مقابل 3.2 مليار دولار عام 2023. وبلغت قيمة الاستثمارات الإسبانية في مصر 123 مليون دولار خلال العام المالي الماضي، وفق الجهاز المركزي للإحصاء المصري.

وقال الشرقاوي لـ«الشرق الأوسط»: «المواقف الإسبانية الإيجابية تجاه القضية الفلسطينية من أكثر المواقف التي تحظى بتقدير من الجانبَين العربي والمصري»، مضيفاً: «مواقفها عادة في صالح القضايا العربية، خصوصاً القضية الفلسطينية، لا سيما رفض تهجير الفلسطينيين، ودعم إقامة دولة مستقلة».

Your Premium trial has ended


ليبيا: براءة السنوسي من «قمع متظاهري فبراير» وإسقاط التهمة عن سيف القذافي

سيف الإسلام القذافي أثناء القبض عليه عام 2011 وإلى يساره العجمي العتيري (رويترز)
سيف الإسلام القذافي أثناء القبض عليه عام 2011 وإلى يساره العجمي العتيري (رويترز)
TT

ليبيا: براءة السنوسي من «قمع متظاهري فبراير» وإسقاط التهمة عن سيف القذافي

سيف الإسلام القذافي أثناء القبض عليه عام 2011 وإلى يساره العجمي العتيري (رويترز)
سيف الإسلام القذافي أثناء القبض عليه عام 2011 وإلى يساره العجمي العتيري (رويترز)

برّأت محكمة استئناف طرابلس عبد الله السنوسي، رئيس جهاز الاستخبارات السابق في عهد الرئيس الراحل معمر القذافي وعدداً من رموزه، من بينهم منصور ضو، وذلك من تهمة قمع متظاهري (ثورة 17 فبراير)، كما أسقطت الجريمة عن سيف الإسلام القذافي لوفاته.

واغتيل سيف الإسلام القذافي في 3 فبراير (شباط) الماضي، وحدّد النائب العام هوية ثلاثة متهمين بالتورط في قتله، لكنه لم يكشف عن أسمائهم حتى الآن.

السنوسي يلتقي خارج محبسه وفداً من قبيلته في 24 ديسمبر 2024 (المجلس الاجتماعي بسوق الجمعة والنواحي الأربع)

وقال أحمد نشاد، محامي السنوسي، إن الدائرة 13 بمحكمة استئناف طرابلس «قضت ببراءة موكلي وسيف الإسلام القذافي وعدد من رموز النظام السابق من التهم المنسوبة إليهم، في القضية رقم 630 المعروفة بـ(قمع متظاهري ثورة فبراير)».

وتعد قضية «قمع المتظاهرين» التي تأجلت عدة مرات من قبل، الأطول منذ سقوط نظام القذافي، لأسباب من بينها أن السنوسي مسجون في معتقل، كان خاضعاً حتى مطلع سبتمبر (أيلول) 2025، لـ«جهاز الردع» لمكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة بقيادة عبد الرؤوف كارة ذي التوجه السلفي.

والسنوسي (74 عاماً)، هو عديل معمر القذافي، وأحد أبرز رجال نظامه السابق، ولا يزال يُحاكم في القضية المعروفة بـ«مذبحة سجن أبو سليم» في طرابلس، التي قُتل فيها نحو 1200 سجين عام 1996.

وقال العجمي العتيري، الآمر السابق لكتيبة «أبو بكر الصديق» التي كانت تتولى حراسة سيف الإسلام في الزنتان حتى عام 2017: «بعد 15 عاماً من المداولات، برأت المحكمة (المغدور) سيف الإسلام والسنوسي».

وأضاف أن «النطق بالحكم جاء بعد اغتيال سيف الإسلام القذافي»، وسط تأكيدات بأن هذه القضية كانت تُستخدم طيلة السنوات الماضية ذريعةً لمنعه من خوض الانتخابات الرئاسية.

واستغل العتيري الحكم، وقال: «أتمنى من النائب العام الصديق الصور أن يفعل ما فعلته المحكمة ويفصح عن مرتكبي جريمة اغتيال سيف القذافي، ومن يقف وراءها ومن دعّمها».

وكان السنوسي قد مثل، في 29 يناير (كانون الثاني) 2025، أمام محكمة استئناف طرابلس عبر دائرة تلفزيونية مغلقة، بعد سلسلة طويلة من تأجيلات القضية، إثر رفض «جهاز الردع» مثوله هو وضو أمام القضاء.

وسبق لأنصار السنوسي أن اتهموا آمر «جهاز الردع» باحتجازه «رهينة»، مشيرين إلى أن سجانيه «يتخوفون من شعبيته حال إطلاق سراحه». وفي ظل الترتيبات الأمنية الجديدة بين «الجهاز» وحكومة «الوحدة» المؤقتة برئاسة عبد الحميد الدبيبة، تنتظر قبيلة المقارحة الإفراج عن السنوسي.

والسنوسي زوج شقيقة صفية فركاش، الزوجة الثانية للرئيس الراحل معمر القذافي، وكان ضمن دائرته المقربة طوال فترة حكمه التي تجاوزت 42 عاماً، ولا يزال ملاحقاً من المحكمة الجنائية الدولية.

منصور ضو القائد السابق للحرس الشعبي بنظام معمر القذافي (أنصاره على فيسبوك)

أما منصور ضو، المودَع في سجن مصراتة العسكري غرب ليبيا، فكان آمراً لحرس القذافي برتبة عميد، وظل إلى جواره حتى اعتُقل معه في 20 أكتوبر (تشرين الأول) 2011، لكنه نجا من القتل، ومنذ ذلك الحين ينتظر تنفيذ حكم الإعدام بتهمة التنكيل بمتظاهري (ثورة 17 فبراير)، قبل أن تعلن المحكمة براءته الاثنين.

وكانت وزيرة العدل بحكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة، حليمة عبد الرحمن، قد أمرت في نهاية عام 2022 بالإفراج الصحي عن منصور ضو، لكن «جهاز الردع» لم يسمح له بمغادرة سجنه.

وعقب إلقاء القبض عليه في سرت، وتعرضه للاعتداء الجسدي، نفى ضو، الذي كان يُعرف بأنه «الصندوق الأسود» لأسرار القذافي، أي علاقة له بقمع الاحتجاجات الليبية.


اتهامات بـ«الهدر المالي» تلاحق حكومات ليبيا ما بعد 2011

جانب من احتفالية نظمتها «هيئة الرقابة الإدارية» في طرابلس (الهيئة)
جانب من احتفالية نظمتها «هيئة الرقابة الإدارية» في طرابلس (الهيئة)
TT

اتهامات بـ«الهدر المالي» تلاحق حكومات ليبيا ما بعد 2011

جانب من احتفالية نظمتها «هيئة الرقابة الإدارية» في طرابلس (الهيئة)
جانب من احتفالية نظمتها «هيئة الرقابة الإدارية» في طرابلس (الهيئة)

أعاد حديث رئيس «هيئة الرقابة الإدارية» في ليبيا عبد الله قادربوه بشأن مسؤولية الحكومات السابقة عن إنفاق تريليون ومليار دينار منذ عام 2011، الجدل والاتهامات المتعلقة بـ«الهدر المالي»، في ظل غياب الرقابة على المال العام.

وكان قادربوه قد وصف، خلال احتفالية أقامتها الهيئة بالعاصمة الليبية طرابلس، هذا الرقم بـ«المخيف»، ما أعاد فتح باب النقاش بشأن مصير هذه الأموال وكيف أُنفقت، بالنظر إلى محدودية عدد السكان. و(الدولار يساوي 6.33 دينار في السوق الرسمية، و8.28 دينار في الموازية).

جانب آخر من احتفالية «هيئة الرقابة» في طرابلس (الهيئة)

وفي محاولة للإجابة، أشار بعض المحللين إلى أن واقع الانقسام القائم منذ سنوات، وسعي كل حكومة للإنفاق العام «دون اهتمام بالتنمية أو تفعيل الرقابة»، أسهما في احتلال البلاد مرتبةً متقدمةً في قوائم الدول الأكثر فساداً، فيما أشار آخرون إلى أن «فاتورة التسليح، وما مرت به البلاد من فوضى أمنية، وتضخم باب الرواتب، أتت على هذه الأموال».

واعتبر وزير الدولة للشؤون الاقتصادية السابق سلامة الغويل أن التقرير الذي استعرضته الهيئة «يمثل كشف حساب سياسياً ومالياً»، وأبدى تضامنه مع المواطن الذي قال إن «هذا الرقم يصدمه، وهو يصطف ساعات في طوابير أمام المصارف للحصول على سيولة، وأمام محطات الوقود، وينشد العلاج في الخارج».

وقدّر الغويل، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، «تبديد نحو 40 في المائة من الأموال المنفقة جراء الفساد بمختلف أشكاله»، مذكّراً بمقولة المبعوث الأممي الأسبق غسان سلامة: «كل يوم يولد مليونير جديد في ليبيا» جراء الفساد والتهريب.

واستند الغويل إلى «ما يُكشف من حين لآخر من شحنات وقود مهربة، وملفات فساد إداري ومالي في سفارات ليبيا»، منتقداً عدم مراجعة «الاعتمادات المستندية التي يستغلها تجار استيراد سلع غذائية بالسعر الرسمي للدولار، وبيعها بسعر السوق السوداء، فضلاً عن ضخامة الكميات بما يفوق احتياجات السوق بهدف تهريبها لمضاعفة أرباحهم».

ويتهم مراقبون، بعض الحكومات التي تعاقبت على ليبيا بـ«توظيف عوائد النفط لشراء الولاءات، لتعزيز موقعها في مواجهة خصومها».

وأقر الغويل بأن «المنافسة السياسية والعسكرية ألقت بظلالها على أموال الدولة»، معتبراً أن «ما أنفق عموماً خلال تلك الفترة، كان كفيلاً، لو وُجه بشكل صحيح لنقل ليبيا إلى مصاف الدول المتقدمة، غير أن أغلب الحكومات أدارت الوضع بشكل عشوائي دون خطط أو التزام بمعايير الشفافية».

وتعيش ليبيا انقساماً سياسياً بين حكومتين متنافستين؛ الأولى «الوحدة» برئاسة عبد الحميد الدبيبة في طرابلس، والأخرى مكلفة من البرلمان برئاسة أسامة حماد في الشرق وبعض الجنوب، وتحظى بدعم القائد العام لـ«الجيش الوطني» خليفة حفتر.

وسجل الباحث في «المعهد الملكي للخدمات المتحدة» جلال حرشاوي اعتراضه على ما طرحه قادربوه، معتبراً أنه قدم خطاباً «تحركه المزايدة الشعبوية ويفتقر إلى الدقة المنهجية».

وأوضح حرشاوي، لـ«الشرق الأوسط»، أن «جمع ميزانيات 15 عاماً دون التمييز بين سنوات الإقفال النفطي وسنوات الوفرة، وفي ظل تغير سعر الصرف، منهج مضلل يخدم التعمية».

ويرى أن «اتهام جميع الحكومات هو، في حقيقته، طريقة لعدم اتهام أي حكومة بعينها»، ودعا إلى «التركيز على إصدار تقارير مفصلة ومتاحة للعموم تركز على أحدث الاختلالات والتطورات، خاصةً أن التجاوزات المختلفة التي تضر بالاقتصاد الليبي باتت مقلقة».

ويعتقد أستاذ الاقتصاد بجامعة بنغازي أيوب الفارسي أن الرقم الذي ذكره قادربوه، رغم ضخامته، «مرشح للزيادة إذا احتُسبت ديون الدولة الداخلية»، ويرى، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن «87 في المائة من هذه الأموال ذهبت للاستهلاك، ولم تنعكس في شكل تنمية حقيقية على البنية التحتية أو قطاعات الصحة والتعليم».

ولفت إلى أن «بند الرواتب وحده ناهز 73 مليار دينار في العام الماضي، جراء عمل نحو 2.6 مليون ليبي في وظائف حكومية غير منتجة في مجملها... إضافة إلى ما يخصص أيضاً لدعم المحروقات».

ووفقاً لتقرير «الهيئة الرقابية» لعام 2025، تجاوز إجمالي الدين العام 270 مليار دينار، مع توقعات بارتفاعه إلى 303 مليارات بنهاية 2026، موزعاً بين 186 مليار دينار على «مصرف ليبيا المركزي»- بنغازي، و84 مليار دينار على «مصرف ليبيا المركزي»- طرابلس.

ويرى الفارسي أن «الخلل الهيكلي في الاقتصاد الليبي يسبق عام 2011، إذ يعود إلى الاتكال على عوائد النفط منذ اكتشافه في النصف الثاني من القرن الماضي، وتقصير الدولة في تنويع مصادر الدخل»، مؤكداً أن «الاتهام الحقيقي الموجه للميزانيات الليبية هو إهمال حق الأجيال القادمة في اقتصاد قوي ومتنوع».

وألقى بعض الناشطين المسؤولية على أجهزة الرقابة، معتبرين أن دورها انحصر في تدوين خسائر الهدر بدلاً من حماية المال العام.

ووصف رئيس حزب «التجديد الليبي» سليمان البيوضي، ما تم هدره بـ«الفرصة الضائعة لبناء دولة حديثة ومتطورة»، معتبراً إياه ترجمةً واضحةً لـ«سوء إدارة الموارد الوطنية»، ومحملاً المسؤولية «لعشر حكومات تعاقبت على إدارة ليبيا»، وحذر من أن «هذا النزف لن يتوقف ما دام الفساد متجذراً في الفضاء العام».