أعادت جامعة الروح القدس - الكسليك وضع تجربة ريمون جبارة في مواجهة حساسيّة مسرحية تبدَّلت كثيراً، وكرَّمته في أمسية استضافها مسرح «كازينو لبنان» بعنوان «ريمون جبارة: الرحلة المقدَّسة عبر مسرحياته»، برعاية وزير الثقافة غسّان سلامة وحضوره. بدا الحدث محاولة لإعادة وصل جيل جديد بإرث أحد أبرز وجوه المسرح اللبناني، الكاتب والمخرج والممثّل الذي جعل الخشبة مساحة للقلق والسخرية الكاشفة والبحث الدائم عن الحقيقة.

جاء التكريم في وقت يحتاج فيه المسرح اللبناني إلى مَن يستعيد أسماءه المؤسِّسة. فريمون جبارة الذي شكّل إحدى العلامات المؤثّرة في صياغة ملامح المسرح الحديث، حَضَر عبر شهادات مَن عاصروه وعرفوا مزاجَيه الفنّي والإنساني. تخلّلت الأمسية كلمات للجامعة والعائلة، والشاعر هنري زغيب، والممثّلين والمخرجين غبريال يمّين وكميل سلامة وعصام الأشقر، وأطلَّ رفعت طربيه عبر شهادة مُصوَّرة. بيَّنت هذه الشهادات أنّ ريمون جبارة لم يتحوَّل إلى اسم من زمن مُنتهٍ، فتجربته لا تزال تفرض نفسها كلّما عاد الحديث إلى المسرح القادر على إقلاق الإنسان، وليس فقط تسليته.

في شهادته، استعاد غسّان سلامة المرحلة التي وصفها بـ«الإبداع غير الطبيعي» في الثقافة اللبنانية بين أواخر الخمسينات وبداية الحرب الأهلية، حين برزت أسماء أسَّست لهوية المسرح اللبناني الحديث، من بينها منير أبو دبس، وروجيه عساف، وجلال خوري، وأنطوان ولطيفة ملتقى. كما روى جانباً من علاقته الشخصية بريمون جبارة، يوم اقترح عليه في شبابه فتح التمارين المسرحية أمام الطلّاب والشباب لتوسيع جمهور المسرح اللبناني. وتوقَّف عند السخرية التي ميَّزت أعماله، وتكريسها وسيلةً فكريةً لكشف الزيف والاقتراب من جوهر الإنسان، في تجربة ارتبطت بمناخ «مسرح العبث» الذي طبع تلك المرحلة.

جامعة الروح القدس طرف فاعل في حماية هذا الإرث المسرحي وإعادته إلى التداول الثقافي. لقد نظّمت الأمسية الاحتفالية وربطت التكريم بمسار يعتني بحفظ الأرشيف وصون الذاكرة المسرحية اللبنانية. فإعادة فتح ملف ريمون جبارة اليوم تعني إحياء مرحلة كاملة من المسرح اللبناني، ومن جيل كَتَبَ وأخرَجَ ومثَّل من عمق القلق الوجودي والسياسي والإنساني الذي طبع تلك الحقبة.

ثم عُرِضت مسرحية «شربل» من تأليف المُكرَّم، في نسخة جديدة أخرجها كريم شبلي، وقدَّمها طلّاب قسم الفنون الأدائية في الجامعة، إلى جانب أساتذة ومُشاركة الممثّل جوزيف ساسين. بذلك انتقل التكريم من الكلمات والشهادات إلى مواجهة بين نصّ كُتِب في زمن مختلف وجمهور ينتمي إلى إيقاع آخر، ممّا وضع المسرحية أمام تحدّي الحفاظ على وهجها الروحي والمسرحي خارج شروطها الأولى.

امتلك العرض عناصر بصرية لافتة. جاءت الأزياء موحية بالمرحلة التي عاش فيها القديس، ومُنسجمةً مع عالم القرية والرهبنة والتقشُّف. طغت الألوان البنّية، كأنها امتداد للتراب والحياة الريفية الأولى. كذلك بدا استخدام الكراسي الشبيهة بالسلال في البداية موفّقاً، حين تحوَّلت إلى أدوات مسرحية قابلة للتشكيل منحت المشهد طابعاً قروياً مُعبّراً. وإنما الإكثار لاحقاً من تحريكها أضعف وظيفتها، فبدا أنّ الحركة صارت غاية في ذاتها أكثر ممّا هي ضرورة درامية. ومع ذلك، التقط كريم شبلي في أكثر من مشهد صوراً إخراجية امتلكت حسّاً بصرياً جميلاً، ونجحت في منح العرض بعض لحظاته الأكثر تماسكاً وتأثيراً.

ملأ عدد كبير من الطلاب الخشبة، ممّا منح المسرحية طاقة جماعية. على خشبة واسعة مثل «كازينو لبنان»، ساعد هذا الحضور الكثيف في تجنُّب الفراغات البصرية وأعطى بعض المَشاهد بُعداً احتفالياً وطقوسياً. لكنّ المكان ظَلَم طبيعة العمل. فالمسرحية ذات نَفَس أكاديمي وطلّابي، وكان يمكن لخشبة جامعية أكثر حميمية أن تُظهِر أدواتها بإنصاف أكبر وتمنح ثغراتها المشروعة معنى تدريبياً وجمالياً. على مسرح كبير، تُقاس التجربة بمعايير عروض أكبر إنتاجاً، فتبدو بعض التفاصيل أقلّ تماسكاً ممّا كانت ستبدو عليه في فضائها الطبيعي.

على المستوى الدرامي، عانت شخصية القديس شربل من معالجة بدت محدودة الكثافة. فقد قُدِّمت في سياق تجريدي وروحي عام، فيما لم تتبلور طبقاتها الداخلية بما يكفي لتعميق صراعها وخوفها وتدرّجها وانتقالها من الحياة العائلية إلى الاختيار الرهباني. ولولا المعرفة المُسبقة بسيرة القديس، لكان بناء العلاقة معه أصعب. هنا راحت فجوة الإيقاع تفرض نفسها على العرض. فالإحساس بالزمن تمدَّد تحت وطأة البطء وهيمنة التراتيل، في حين بدت التحوّلات الكبرى في حياة شربل سريعة وخاطفة. من نشأته في عائلته، إلى دخوله الدير، ثم تقدُّمه في السنّ، من دون أن تترك هذه المحطّات أثرها الدرامي الكامل. وربما كان هذا النَّفَس المسرحي أكثر انسجاماً مع زمن قُدِّمت فيه المسرحية للمرة الأولى في سبعينات القرن الماضي، يوم كان المُتفرّج أكثر ميلاً إلى التلقّي التأمّلي البطيء. أمّا اليوم فتظهر المسافة بشكل أكبر بين إيقاع النصّ وحساسية جمهور اعتاد بناءً درامياً أكثر كثافة وتدفُّقاً.

تبقى للتجربة دلالتها. فقيمة «شربل» اليوم تكمن في كونها تمريناً على الذاكرة ومحاولة لإخراج نصّ من أرشيف ريمون جبارة من عزلته الطويلة. لم تستعد المسرحية وهجها كاملاً أمام المُتفرّج المُعاصر، وبدا زمنها المسرحي أبعد من إيقاع العصر، لكنّ استعادتها دفعت إرثه إلى منطقة يلتقي فيها زمنان مختلفان للمسرح.
نجحت الأمسية ثقافياً أكثر مما نجحت مسرحياً. فقد انتزعت المُكرَّم من المسافة التي تفصل الأسماء الكبيرة عن الحياة، وأكّدت أنّ المسرح اللبناني يملك ذاكرة تستحقّ الصون. ومع إسدال الستارة، بدا أنّ تغيُّر الزمن المسرحي لم ينتقص من ثقل تجربة ريمون جبارة داخل الذاكرة اللبنانية، بقدر ما كشف عن حجم التحوُّل الذي أصاب علاقة الجمهور بالمسرح.



