جامعة الكسليك تُكرّم ريمون جبارة... وعودة «شربل» بعد نصف قرن

المسرحية واجهت زمناً جديداً وسط انتقالات خاطفة وإيقاع ثقيل

بدت الأمسية مصافحةً متأخّرةً بين ريمون جبارة وجمهور لم يعش زمنه الأول (الشرق الأوسط)
بدت الأمسية مصافحةً متأخّرةً بين ريمون جبارة وجمهور لم يعش زمنه الأول (الشرق الأوسط)
TT

جامعة الكسليك تُكرّم ريمون جبارة... وعودة «شربل» بعد نصف قرن

بدت الأمسية مصافحةً متأخّرةً بين ريمون جبارة وجمهور لم يعش زمنه الأول (الشرق الأوسط)
بدت الأمسية مصافحةً متأخّرةً بين ريمون جبارة وجمهور لم يعش زمنه الأول (الشرق الأوسط)

أعادت جامعة الروح القدس - الكسليك وضع تجربة ريمون جبارة في مواجهة حساسيّة مسرحية تبدَّلت كثيراً، وكرَّمته في أمسية استضافها مسرح «كازينو لبنان» بعنوان «ريمون جبارة: الرحلة المقدَّسة عبر مسرحياته»، برعاية وزير الثقافة غسّان سلامة وحضوره. بدا الحدث محاولة لإعادة وصل جيل جديد بإرث أحد أبرز وجوه المسرح اللبناني، الكاتب والمخرج والممثّل الذي جعل الخشبة مساحة للقلق والسخرية الكاشفة والبحث الدائم عن الحقيقة.

عاد ريمون جبارة إلى «كازينو لبنان» عبر أمسية جمعت التكريم بمسرحية «شربل» (الشرق الأوسط)

جاء التكريم في وقت يحتاج فيه المسرح اللبناني إلى مَن يستعيد أسماءه المؤسِّسة. فريمون جبارة الذي شكّل إحدى العلامات المؤثّرة في صياغة ملامح المسرح الحديث، حَضَر عبر شهادات مَن عاصروه وعرفوا مزاجَيه الفنّي والإنساني. تخلّلت الأمسية كلمات للجامعة والعائلة، والشاعر هنري زغيب، والممثّلين والمخرجين غبريال يمّين وكميل سلامة وعصام الأشقر، وأطلَّ رفعت طربيه عبر شهادة مُصوَّرة. بيَّنت هذه الشهادات أنّ ريمون جبارة لم يتحوَّل إلى اسم من زمن مُنتهٍ، فتجربته لا تزال تفرض نفسها كلّما عاد الحديث إلى المسرح القادر على إقلاق الإنسان، وليس فقط تسليته.

هنري زغيب تحدَّث عن ريمون جبارة كأنه حاضر بين المقاعد (الشرق الأوسط)

في شهادته، استعاد غسّان سلامة المرحلة التي وصفها بـ«الإبداع غير الطبيعي» في الثقافة اللبنانية بين أواخر الخمسينات وبداية الحرب الأهلية، حين برزت أسماء أسَّست لهوية المسرح اللبناني الحديث، من بينها منير أبو دبس، وروجيه عساف، وجلال خوري، وأنطوان ولطيفة ملتقى. كما روى جانباً من علاقته الشخصية بريمون جبارة، يوم اقترح عليه في شبابه فتح التمارين المسرحية أمام الطلّاب والشباب لتوسيع جمهور المسرح اللبناني. وتوقَّف عند السخرية التي ميَّزت أعماله، وتكريسها وسيلةً فكريةً لكشف الزيف والاقتراب من جوهر الإنسان، في تجربة ارتبطت بمناخ «مسرح العبث» الذي طبع تلك المرحلة.

غسّان سلامة ربط تكريم ريمون جبارة بحفظ الذاكرة الثقافية اللبنانية (جامعة الروح القدس)

جامعة الروح القدس طرف فاعل في حماية هذا الإرث المسرحي وإعادته إلى التداول الثقافي. لقد نظّمت الأمسية الاحتفالية وربطت التكريم بمسار يعتني بحفظ الأرشيف وصون الذاكرة المسرحية اللبنانية. فإعادة فتح ملف ريمون جبارة اليوم تعني إحياء مرحلة كاملة من المسرح اللبناني، ومن جيل كَتَبَ وأخرَجَ ومثَّل من عمق القلق الوجودي والسياسي والإنساني الذي طبع تلك الحقبة.

بصوت يحمل كثيراً من الذاكرة استحضر كميل سلامة زمن ريمون جبارة (الشرق الأوسط)

ثم عُرِضت مسرحية «شربل» من تأليف المُكرَّم، في نسخة جديدة أخرجها كريم شبلي، وقدَّمها طلّاب قسم الفنون الأدائية في الجامعة، إلى جانب أساتذة ومُشاركة الممثّل جوزيف ساسين. بذلك انتقل التكريم من الكلمات والشهادات إلى مواجهة بين نصّ كُتِب في زمن مختلف وجمهور ينتمي إلى إيقاع آخر، ممّا وضع المسرحية أمام تحدّي الحفاظ على وهجها الروحي والمسرحي خارج شروطها الأولى.

أعاد غبريال يمّين ملامح ريمون جبارة إلى الجمهور (الشرق الأوسط)

امتلك العرض عناصر بصرية لافتة. جاءت الأزياء موحية بالمرحلة التي عاش فيها القديس، ومُنسجمةً مع عالم القرية والرهبنة والتقشُّف. طغت الألوان البنّية، كأنها امتداد للتراب والحياة الريفية الأولى. كذلك بدا استخدام الكراسي الشبيهة بالسلال في البداية موفّقاً، حين تحوَّلت إلى أدوات مسرحية قابلة للتشكيل منحت المشهد طابعاً قروياً مُعبّراً. وإنما الإكثار لاحقاً من تحريكها أضعف وظيفتها، فبدا أنّ الحركة صارت غاية في ذاتها أكثر ممّا هي ضرورة درامية. ومع ذلك، التقط كريم شبلي في أكثر من مشهد صوراً إخراجية امتلكت حسّاً بصرياً جميلاً، ونجحت في منح العرض بعض لحظاته الأكثر تماسكاً وتأثيراً.

رفعت طربيه يطلّ عبر الشاشة مستعيداً ذاكرة ريمون جبارة (الشرق الأوسط)

ملأ عدد كبير من الطلاب الخشبة، ممّا منح المسرحية طاقة جماعية. على خشبة واسعة مثل «كازينو لبنان»، ساعد هذا الحضور الكثيف في تجنُّب الفراغات البصرية وأعطى بعض المَشاهد بُعداً احتفالياً وطقوسياً. لكنّ المكان ظَلَم طبيعة العمل. فالمسرحية ذات نَفَس أكاديمي وطلّابي، وكان يمكن لخشبة جامعية أكثر حميمية أن تُظهِر أدواتها بإنصاف أكبر وتمنح ثغراتها المشروعة معنى تدريبياً وجمالياً. على مسرح كبير، تُقاس التجربة بمعايير عروض أكبر إنتاجاً، فتبدو بعض التفاصيل أقلّ تماسكاً ممّا كانت ستبدو عليه في فضائها الطبيعي.

امتلأت الخشبة بطلّاب الفنون الأدائية فيما ظلّ اسم ريمون جبارة طاغياً (الشرق الأوسط)

على المستوى الدرامي، عانت شخصية القديس شربل من معالجة بدت محدودة الكثافة. فقد قُدِّمت في سياق تجريدي وروحي عام، فيما لم تتبلور طبقاتها الداخلية بما يكفي لتعميق صراعها وخوفها وتدرّجها وانتقالها من الحياة العائلية إلى الاختيار الرهباني. ولولا المعرفة المُسبقة بسيرة القديس، لكان بناء العلاقة معه أصعب. هنا راحت فجوة الإيقاع تفرض نفسها على العرض. فالإحساس بالزمن تمدَّد تحت وطأة البطء وهيمنة التراتيل، في حين بدت التحوّلات الكبرى في حياة شربل سريعة وخاطفة. من نشأته في عائلته، إلى دخوله الدير، ثم تقدُّمه في السنّ، من دون أن تترك هذه المحطّات أثرها الدرامي الكامل. وربما كان هذا النَّفَس المسرحي أكثر انسجاماً مع زمن قُدِّمت فيه المسرحية للمرة الأولى في سبعينات القرن الماضي، يوم كان المُتفرّج أكثر ميلاً إلى التلقّي التأمّلي البطيء. أمّا اليوم فتظهر المسافة بشكل أكبر بين إيقاع النصّ وحساسية جمهور اعتاد بناءً درامياً أكثر كثافة وتدفُّقاً.

حمل إخراج كريم شبلي روح الذاكرة أكثر من السعي إلى الإبهار المسرحي (الشرق الأوسط)

تبقى للتجربة دلالتها. فقيمة «شربل» اليوم تكمن في كونها تمريناً على الذاكرة ومحاولة لإخراج نصّ من أرشيف ريمون جبارة من عزلته الطويلة. لم تستعد المسرحية وهجها كاملاً أمام المُتفرّج المُعاصر، وبدا زمنها المسرحي أبعد من إيقاع العصر، لكنّ استعادتها دفعت إرثه إلى منطقة يلتقي فيها زمنان مختلفان للمسرح.

نجحت الأمسية ثقافياً أكثر مما نجحت مسرحياً. فقد انتزعت المُكرَّم من المسافة التي تفصل الأسماء الكبيرة عن الحياة، وأكّدت أنّ المسرح اللبناني يملك ذاكرة تستحقّ الصون. ومع إسدال الستارة، بدا أنّ تغيُّر الزمن المسرحي لم ينتقص من ثقل تجربة ريمون جبارة داخل الذاكرة اللبنانية، بقدر ما كشف عن حجم التحوُّل الذي أصاب علاقة الجمهور بالمسرح.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


مقالات ذات صلة

«شهرزاد» تشرق مجدداً بموسيقى كورساكوف وتابلوهات «الرقص الحديث»

يوميات الشرق «شهرزاد» و«شهريار» خلال العرض (الشرق الأوسط)

«شهرزاد» تشرق مجدداً بموسيقى كورساكوف وتابلوهات «الرقص الحديث»

عادت القطعة الموسيقية الملحمية الأشهر للروسي ريمسكي كورساكوف، يتردد صداها في المسرح الكبير بدار الأوبرا المصرية، في عرض الرقص المسرحي الحديث «شهرزاد».

محمد الكفراوي (القاهرة )
يوميات الشرق حنان مطاوع تراهن على دورها في «هيروشيما» (حسابها على فيسبوك)

حنان مطاوع لـ«الشرق الأوسط»: أتمنى ترسيخ أقدامي في الكوميديا

أبدت الفنانة المصرية حنان مطاوع حزنها لعدم عرض مسلسها «حياة أو موت» حتى الآن، رغم الانتهاء من تصويره منذ عامين.

مصطفى ياسين (القاهرة)
يوميات الشرق خلال التمارين الخاصة بالمسرحية (مازن سعد الدين)

مسرحية «ماشي أون لاين» قصة اجتماعية في زمن افتراضي

تخوض جوي حلاق تجربتها المسرحية الأولى في هذا العمل إلى جانب الممثل المعروف إيلي متري...

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق جانب من عرض «الملك لير» على خشبة المسرح القومي (صفحة المسرح في «فيسبوك»)

لماذا ظلَّ المسرح القومي «بيت» الفنانين المصريين حتى لحظاتهم الأخيرة؟

يحظى المسرح القومي بمكانة خاصة لما يمثّله من تاريخ عريق؛ إذ شهد أهم العروض المسرحية التي قدَّمها كبار نجوم المسرح.

انتصار دردير (القاهرة )
يوميات الشرق تُعرض المسرحية في «فيللا في» مساء كلّ جمعة بمنطقة برمانا (صور غابي حويك)

غابي حويك يعود إلى الشانسونييه: الضحكة حاجة في زمن الأزمات

يطلّ غابي حويك خلال العرض عبر تقليد مجموعة من الشخصيات المعروفة، من بينها جبران باسيل ومورغان أورتيغاس...

فيفيان حداد (بيروت)

«الشرق الأوسط» في «مهرجان كان»: فيلمان في واحد... كلاهما رائع

خافيير بارديم وفيكتوريا لوينغو في «المحبوبة» (ملف مهرجان برلين)
خافيير بارديم وفيكتوريا لوينغو في «المحبوبة» (ملف مهرجان برلين)
TT

«الشرق الأوسط» في «مهرجان كان»: فيلمان في واحد... كلاهما رائع

خافيير بارديم وفيكتوريا لوينغو في «المحبوبة» (ملف مهرجان برلين)
خافيير بارديم وفيكتوريا لوينغو في «المحبوبة» (ملف مهرجان برلين)

لا تعرف شاشة صالات السينما التفرقة... لا العنصرية ولا الطائفية ولا الطبقية. لا تعرف السياسة ولا تهتمّ بتحليل المواقف أو الحُكم على اتجاهاتها. لا يهمّها أن تعرف الفيلم الجيّد من الفيلم الرديء، ولا الفيلم الذي سينال ذهبية أحد المهرجانات أو سيفشل في استقطاب المعجبين والمؤيّدين.

هي شاشة عريضة مهمّتها عرض الفيلم المُنتَج، قديماً كان أو جديداً، جيّداً أو رديئاً. وما تتميّز به عن سواها من الشاشات أنها أكبر وأثرى وأنقى، وتحيط بالتفاصيل على نحو مختلف. تحيطك صوتاً وصورةً، وتعرض عليك جماليات الفيلم ومؤثّراته وبصرياته بحجم كبير وتأثير أقوى.

ما تفعله هو صيانة الجماليات وتوفيرها دعماً للفيلم ولمشاهديه. بذلك، يبرهن الفيلم عن جدارته بمجرّد أن تمتلئ الشاشة به.

العام الماضي احتفلت الشاشة بهذه العناصر متكاملةً عندما عرض الإسباني أوليفر لاكس فيلم «صراط». كان مبهراً على شكل حالة فنية، ومبهراً كذلك على هيئة استعراض جمالي شامل لدراما ليس هناك فنّ آخر يستطيع إنجازها على النحو نفسه أو أفضل.

وقبله بعام، قدَّم فرنسيس فورد كوبولا أسئلته الحارّة حول أميركا في وجدان المتلقي عبر «ميغالوبوليس». وكان بدوره فيلماً ثرياً بالصورة والتصاميم والمضامين على السواء، بصرف النظر عن الموقف منه حيال أميركا الغد.

فيكتوريا لوينغو في «المحبوبة» (كابالو فيلمز)

هذا العام لدينا «المحبوبة» (The Beloved) لمخرج إسباني آخر هو رودريغو سوروغوين. كلّ لقطة فيه مشغولة باهتمام فائق. كلّ إضاءة وإطار، وكلّ حركة ومشهد، داخلياً كان أو خارجياً. ومرة أخرى، وحدها الشاشة الكبيرة تستطيع الاحتفاء بكلّ هذه العناصر، وتضيف إليها عنصر تجسيد جماليات العمل مقرونةً بموضوعه.

في البطولة شبه المُطلقة، الممثل الإسباني خافيير بارديم، الذي قد لا نجد بين الممثلين المُشاركين في مسابقة المهرجان مَن يستحق جائزة أفضل ممثل أكثر منه. وخلال مؤتمره الصحافي، رسم صورة بديعة عن كيفية استلهامه الأداء، وما يعنيه الفيلم بالنسبة إليه.

كذلك خصَّص جزءاً من حديثه للتطرُّق إلى الوضع السياسي، منتقداً نتنياهو، وقال: «هل هي حرب إبادة؟ بالتأكيد»، كما انتقد ترمب وبوتين على السواء.

فيلم داخل فيلم

إنه عن مخرج يُحقّق فيلماً. ليس أيّ مخرج، وليس أيّ فيلم، بل فنان لا يستطيع إنجاز أي عمل من دون إتقان. ستيفان (خافيير بارديم) هو المخرج، وإيميليا (فيكتوريا لوينغو) هي الممثلة التي يريدها للبطولة.

في مطلع الفيلم، نراه جالساً في مطعم ينتظر. وما تلبث إيميليا أن تصل، لتنطلق بينهما 23 دقيقة من الحوار حول الفيلم الذي يعرض عليها بطولته. ويتطرَّق الحديث إلى تاريخ كلّ منهما مع الآخر. إيميليا هي ابنة هذا المخرج، وتريد أن تقول لا للعرض، لكنها، في المشهد التالي، تظهر بين المشاركين في العمل.

إنه فصل من المَشاهد التي تثير الأسئلة من خلال الحوار، وكذلك من خلال هاتين الشخصيتين المتقاربتين عائلياً والمتباعدتين على مستوى العلاقة. الكاميرا تمسح الوجهين، وتتبادل اللقطات بينهما، أو تحصرهما في لقطة واحدة. ويثير ذلك التساؤل حول ما إذا كان المخرج سيحقّق فيلمه كلّه على هذا المنوال، لكنّ المفاجآت تتوالى على نحو غير متوقَّع.

يحمل الفيلم داخل الفيلم عنوان «صحراء»، وهو يدور حول الصحراء الغربية في ثلاثينات القرن الماضي، عندما كانت لا تزال تحت الوصاية الإسبانية. ولا يفصح سوروغوين كثيراً عن مضمون هذا الفيلم، لكن ذلك لا يهم، لأن الموضوع الماثل على الشاشة هو علاقة المخرج بابنته، ممثلةً وابنةً في الوقت نفسه.

وكان من المفترض أن تنفصل الحالتان، وفي أحد المَشاهد تقول لوالدها: «أنا هنا ممثلة، ولستُ ابنتك». ترفض النصيحة، لكنها لا تردعه. المواجهة ما زالت في بدايتها.

توتّر علاقات

ستيفان (يؤدّيه خافيير بارديم بإتقان) مخرج عنيد وصارم. يريد لكلّ تفصيلة في باله أن تُنفذ بالطريقة التي يراها. هي الطريقة الوحيدة، وهناك أكثر من مشهد دالٍ على ذلك، أهمها مشهد يُصوّر ممثلي الفيلم، بينهم ابنته، على طاولة غداء ممتدّة. يوقف المخرج التصوير ليُنبّه أحد الممثلين الرئيسيين إلى أنّ عليه أن يأكل كأنه جائع، لا كأنه ممثل. يحاول الممثل مرة ومرتين وثلاثاً ثم أكثر، وفي كلّ مرة يتقدَّم منه المخرج رافضاً ما أدّاه في اللقطة السابقة ويصرخ في وجهه.

ثم يأتي دور ابنته، التي يُوجه إليها الملاحظة نفسها حول كيفية تناول الطعام. لكن إيميليا ترفض هذه المعاملة، ولاحقاً تنوي ترك الفيلم. نتابع ما يبدو هوس المخرج بالتفاصيل. يرفض أن يتنازل أمام تفصيلة قد لا يلاحظها سواه، حتى لو تطلَّب الأمر إعادة المشهد 10 مرات. إنه المخرج الذي يعرف ما لا يعرفه الآخرون، وعلى الجميع تأمين ما يطلبه مهما كانت الحركة صغيرة.

في محور العلاقة بين هذا المخرج وممثليه، وباقي فريق العمل، هناك توتّر شديد بينه وبين ابنته خلال التصوير. يطلب منها الدقة، وتطلب منه التصرف بلياقة تجاه الآخرين. لا يستطيع. لكن، في أحيان كثيرة، نراهما يتبادلان أحاديثهما بحنان ومودّة، ممّا يرفع من حدّة التساؤل حول موقع كلّ منهما من الآخر.

يجمع سوروغوين خيوطاً عدّة في هذا الفيلم، إلى جانب تصوير العلاقة بين مخرج يريد لابنته النجاح، وبين امرأة لا تستطيع الالتقاء مع والدها في المنهج الذي يمارس به عنايته وحتى فنّه.

وهو أيضاً فيلم عن تصوير فيلم، كما كانت حالة عدد من الأفلام السابقة، آخرها الفيلم النرويجي «قيمة عاطفية» ليواكيم ترير (2025)، الذي يعالج بدوره علاقة مخرج بابنته الممثلة.

لكن «المحبوبة» أكثر انشغالاً بصعوبة تلك العلاقة، وصعوبة العلاقات الأخرى بين المخرج ونفسه، وبينه وبين جميع العاملين معه. وهو أفضل من الفيلم الكلاسيكي «ليلة أميركية» لفرنسوا تروفو (1973)، لأنّ ذلك الفيلم تناول هذه العلاقات على نحو ظاهري، في حين بقيت التحدّيات داخل الفيلم الذي يُصوَّر، لا ضمن نطاق الفيلم الذي نشاهده.

أسود وأبيض بالألوان

إجادة «المحبوبة» تبلغ درجة مذهلة على مستوى العلاقة بين الفيلم الذي يخرجه سوروغوين لنا، والفيلم الذي يخرجه بطله ستيفان. كلا الفيلمين مشغول بالإحكام نفسه، وبحُبّ التفاصيل، وحالة الانصهار ذاتها.

خافيير بارديم يبدو كما لو كان رودريغو سوروغوين، لأنّ الأخير يمنح مشاهديه فيلماً منفذاً بالطريقة عينها. ربما لا يصرخ في ممثليه ولا يتصرّف خلال التصوير على هذا النحو، لكنه، وكما تشهد اللقطات، حريص على تنفيذ رؤيته بكلّ تفاصيلها، ممّا يجعل التماثل بينه وبين المخرج في فيلمه متطابقاً.

ويؤدّي بارديم الدور المرسوم له بنَفَس واحد منذ البداية. لا يتعثّر لحظة ولا تفوته ثانية. لا تسقط من أدائه أيّ تفصيلة. يعرف ما يُراد منه ويتنفّس الدور بإتقان.

ولزيادة الحرص على التميُّز، يعمد المخرج سوروغوين إلى الانتقال من أسلوب الكاميرا المحمولة إلى الكاميرا الثابتة، ومن اللقطات العريضة إلى لقطات مصوَّرة بنظام 35 ملم، ومن الألوان إلى الأبيض والأسود. وحده يستطيع الإجابة عن سبب هذه الانتقالات في مَشاهدها المحدّدة ولماذا لجأ إليها.

وليست هذه النقلات عشوائية، وإنما مدروسة ولها أسبابها. وأبرزها التدخُّل لنقل المُشاهد عبر الأحوال النفسية والمشاعر العاطفية للشخصيات. أما الأبيض والأسود فيُستخدمان عادةً للوجوه لحظة اكتشافها من جديد. وهي انتقالات تفصل بين الألوان، لكنها لا تؤثّر في سياق العمل وسلاسته.

Your Premium trial has ended


كِتاب مَنسيٌّ في روما يكشف أقدم قصيدة إنجليزية في التاريخ

صفحات عتيقة أخفت كنزاً أدبياً طوال قرون (أ.ب)
صفحات عتيقة أخفت كنزاً أدبياً طوال قرون (أ.ب)
TT

كِتاب مَنسيٌّ في روما يكشف أقدم قصيدة إنجليزية في التاريخ

صفحات عتيقة أخفت كنزاً أدبياً طوال قرون (أ.ب)
صفحات عتيقة أخفت كنزاً أدبياً طوال قرون (أ.ب)

في اكتشاف وصفه الباحثون بأنه أشبه بالمعجزة، نجح فريق أكاديمي من آيرلندا في العثور على أقدم قصيدة إنجليزية معروفة حتى اليوم داخل مخطوطة نادرة تعود إلى العصور الوسطى، كانت محفوظة لعقود في مكتبة بالعاصمة الإيطالية روما، من دون أن تحظى باهتمام يُذكَر من المتخصِّصين.

وأُصيب الباحثون بالذهول وهم يحدِّقون في شاشة حاسوبهم خلال تصفُّحهم كتاباً منسيّاً من العصور الوسطى، عُثر عليه في مكتبة بروما. وبينما كانوا يقلِّبون صفحاته الرقمية، عثروا على الكنز الذي طالما بحثوا عنه: أقدم قصيدة إنجليزية باقية معروفة حتى اليوم.

ذهول الباحثين سبق الكلمات لحظة اكتشاف المخطوطة (أ.ب)

وفي هذا السياق، قالت الباحثة الزائرة في قسم اللغة الإنجليزية بكلية «ترينيتي» في دبلن، إليزابيتا مانيانتي، لـ«وكالة أسوشييتد برس» الأميركية: «صُدمنا بشدة. عجزنا عن الكلام. لم نصدِّق أعيننا عندما رأينا ذلك للمرة الأولى».

وأضافت أنَّ القصيدة كانت مُدرجة ضمن المتن الرئيسي للنص اللاتيني نفسه، قائلة: «كان ذلك استثنائياً».

وتظهر قصيدة «ترنيمة كيدمون»، التي ألَّفها باللغة الإنجليزية القديمة عامل زراعي من نورثمبريا في القرن السابع، ضمن بعض نُسَخ كتاب «التاريخ الكنسي للشعب الإنجليزي»، الذي كتبه باللاتينية راهب وقديس يُعرف باسم «بيدي الجليل». ويُعد هذا العمل أحد أكثر نصوص العصور الوسطى تداولاً واستنساخاً؛ إذ توجد منه قرابة 200 مخطوطة، وفق مارك فولكنر، زميل مانيانتي وأستاذ الأدب في العصور الوسطى بكلية «ترينيتي».

أما المخطوطة التي عثر عليها فولكنر ومانيانتي فتُعدُّ من أقدم النسخ؛ إذ تعود إلى القرن التاسع الميلادي. وكانت هناك نسختان أقدم تحتويان على القصيدة باللغة الإنجليزية القديمة، ولكن على هيئة إضافات لاحقة مترجمة من اللاتينية، ومكتوبة على الهوامش أو ملحقة بالنصِّ، لا ضمن المتن الرئيسي، وفق الباحثين.

باحثون لم يصدِّقوا أعينهم أمام مخطوطة منسيَّة منذ قرون (أ.ب)

وقال فولكنر، خلال حديثه من روما؛ حيث سافر مع مانيانتي لمعاينة النصِّ شخصياً للمرة الأولى، إنَّ هذا الاكتشاف يُسلِّط الضوء على الانتشار الواسع للغة الإنجليزية في مرحلة أسبق بكثير مما كان يُعتقد سابقاً. وأضاف: «قبل اكتشاف مخطوطة روما، كانت أقدم نسخة معروفة تعود إلى أوائل القرن الثاني عشر. أي أنَّ هذه المخطوطة أقدم منها بثلاثة قرون. وهذا يثبت الأهمية التي كانت تُمنح بالفعل للغة الإنجليزية في أوائل القرن التاسع».

ويُعدُّ العثور على هذه المخطوطة أشبه بالمعجزة؛ إذ مرَّ الكتاب برحلة طويلة ومعقَّدة عبر القرون. ويُعتقد أنّ كيدمون ألَّف القصيدة خلال عمله في دير ويتبي بمقاطعة نورث يوركشاير، بعدما بدأ الضيوف في إحدى الولائم بإلقاء القصائد، ولكنه شَعَر بالحرج لأنه لم يكن يعرف شيئاً مناسباً يقدِّمه، فغادر ونام، قبل أن تظهر له شخصية في المنام وتأمره بإنشاد قصيدة عن الخلق، فأنشدها بصورة وُصفت بالإعجازية.

وبعد نحو 1400 عام، ظهرت هذه النسخة من القصيدة مجدَّداً في المكتبة العامة الرئيسية في روما، بعدما تنقَّلت بين أديرة ومكتبات وجامعي مخطوطات في أوروبا والولايات المتحدة، قبل أن تشتريها وزارة الثقافة الإيطالية عام 1972 وتُعيدها إلى مكتبة روما؛ حيث بقيت محفوظة لعقود من دون دراسة متخصِّصة فعلية.

وقالت الباحثة مانيانتي إنها أمضت أكثر من 4 سنوات في دراسة تاريخ كتاب «بيدي»، وكانت تُعد فهرساً للنسخ الباقية منه، قبل أن تكتشف أنَّ هذه المخطوطة لم تحظَ فعلياً بأي دراسة أكاديمية متخصِّصة بسبب تاريخها المعقَّد وتنقلاتها الطويلة.

وأكدت أمينة المخطوطات فالنتينا لونغو أنَّ المكتبة قامت برقمنة مجموعة نونانتولا بالكامل، وأتاحتها مجاناً عبر الإنترنت ضمن مشروع ضخم يهدف إلى فتح أبواب آلاف الكتب النادرة والمخطوطات أمام الباحثين حول العالم.

بدوره، قال رئيس قسم المخطوطات والكتب النادرة في المكتبة، أندريا كابا، إنَّ هذا الاكتشاف «قد يُمهِّد الطريق لاكتشافات لا حصر لها».


تقنية مبتكرة تدعم إنعاش القلب السريع

الإنعاش القلبي الرئوي إجراء طارئ يستخدم عند توقف القلب أو التنفس (جامعة هدرسفيلد)
الإنعاش القلبي الرئوي إجراء طارئ يستخدم عند توقف القلب أو التنفس (جامعة هدرسفيلد)
TT

تقنية مبتكرة تدعم إنعاش القلب السريع

الإنعاش القلبي الرئوي إجراء طارئ يستخدم عند توقف القلب أو التنفس (جامعة هدرسفيلد)
الإنعاش القلبي الرئوي إجراء طارئ يستخدم عند توقف القلب أو التنفس (جامعة هدرسفيلد)

كشفت دراسة أميركية أن نظاماً مدعوماً بالذكاء الاصطناعي نجح في تقديم إرشادات للإنعاش القلبي الرئوي (CPR) بدقة تفوقت على موظفي الطوارئ في خطوط «911» بالولايات المتحدة.

وأوضح الباحثون من جامعة كاليفورنيا في سان دييغو أن هذه النتائج، المنشورة، الاثنين، بدورية (JAMA Internal Medicine) تشير إلى إمكانية استخدام الذكاء الاصطناعي لتعزيز الاستجابة الأولية في حالات الطوارئ الطبية.

ويُعد الإنعاش القلبي الرئوي إجراءً إسعافياً طارئاً يُستخدم عند توقف القلب أو التنفس، بهدف الحفاظ على تدفق الدم والأكسجين إلى الدماغ والأعضاء الحيوية حتى وصول المساعدة الطبية. ويعتمد هذا الإجراء على الضغطات المنتظمة على الصدر، وأحياناً التنفس الاصطناعي، للمساعدة في إبقاء المصاب على قيد الحياة وتقليل خطر تلف الدماغ أو الوفاة.

ويُعد توقف القلب خارج المستشفيات من الحالات شديدة الخطورة، إذ يتعرض له أكثر من 350 ألف شخص سنوياً بالولايات المتحدة، بينما لا تتجاوز نسبة النجاة نحو 9 في المائة. كما أن محدودية عدد الأشخاص المدربين على الإنعاش القلبي تجعل سرعة تلقي التعليمات الدقيقة عاملاً حاسماً في إنقاذ المصابين.

واعتمدت الدراسة على تقييم عدد من نماذج الذكاء الاصطناعي الشائعة، من بينها (ChatGPT) و(Gemini)، من خلال سيناريوهات تحاكي حالات توقف القلب في ظروف مختلفة.

وأظهرت النتائج أن هذه النماذج حققت أداءً جيداً في الخطوات الأساسية للإنعاش القلبي، مثل تحديد موضع الضغطات الصدرية وسرعتها، بمتوسط بلغ 90 في المائة. إلا أن الأداء تراجع في الخطوات الأكثر دقة المرتبطة بتحسين فرص النجاة، مثل ضمان العمق الصحيح للضغطات، والسماح بارتداد الصدر بالكامل بين الضغطات.

ودفعت هذه الفجوات الباحثين إلى تطوير نظام جديد يحمل اسم (ChatCPR)، وهو نظام مفتوح المصدر جرى تدريبه على بروتوكولات موظفي الطوارئ وأفضل الممارسات الطبية الخاصة بالإنعاش القلبي الرئوي.

وفي اختبارات المحاكاة، حقق النظام أداءً كاملاً بنسبة 100 في المائة بجميع الخطوات الأساسية والمتقدمة، قبل أن يُختبر على تسجيلات حقيقية لمكالمات طوارئ سابقة.

وأظهرت النتائج أن النظام تفوق على موظفي الطوارئ في جميع الحالات التي شملها التقييم؛ إذ سجل 100 في المائة في الخطوات الأساسية مقابل 85 في المائة للموظفين، بينما حقق 99 في المائة في الخطوات المتقدمة مقابل 63 في المائة فقط لموظفي الطوارئ.

وأشار الباحثون إلى أن النظام تميز بشكل خاص في سرعة تقييم حالة المصاب، وتقديم تعليمات دقيقة حول عمق الضغطات الصدرية وسرعتها، إضافة إلى الالتزام الكامل بالإرشادات الطبية المعتمدة، وهي عناصر قد تتأثر أحياناً تحت ضغط المكالمات الطارئة وتعقيدها.

وأكد الفريق البحثي أن الهدف من هذه التقنية ليس استبدال العنصر البشري، بل دعم موظفي الطوارئ وتحسين جودة الإرشادات المقدمة للمارة خلال الدقائق الأولى الحرجة.

ورغم هذه النتائج، شدّد الباحثون على ضرورة إجراء مزيد من الاختبارات الواقعية لضمان سلامة استخدام هذه الأنظمة في الظروف الفعلية، إلى جانب وضع أطر تنظيمية وقانونية واضحة لاستخدام الذكاء الاصطناعي في الحالات الطبية الطارئة.