بعد كلام نتنياهو... هل تستطيع إسرائيل أن «تستقلّ» عسكرياً عن الولايات المتحدة؟

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (رويترز)
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (رويترز)
TT

بعد كلام نتنياهو... هل تستطيع إسرائيل أن «تستقلّ» عسكرياً عن الولايات المتحدة؟

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (رويترز)
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (رويترز)

تُعدّ العلاقة العسكرية بين إسرائيل والولايات المتحدة من أقوى التحالفات الاستراتيجية في العالم المعاصر. فقد ثُبّت هذا الرباط عبر عقود من الحروب والدبلوماسية والتعاون التكنولوجي وتداخل المصالح الجيوسياسية، ليتحول من علاقة حذرة ومحدودة إلى شراكة أمنية عميقة ومتشابكة. واليوم تشمل هذه العلاقة، على أقل تقدير، المساعدات العسكرية، وتبادل المعلومات الاستخباراتية، والتعاون في مجال الدفاع الصاروخي، والمناورات العسكرية المشتركة، والتنسيق الاستراتيجي في قضايا الشرق الأوسط. ومع ذلك، تشير التطورات الأخيرة إلى أن هذه العلاقة قد تدخل مرحلة جديدة تسعى فيها إسرائيل إلى تعزيز اعتمادها العسكري على نفسها مع الحفاظ على شراكتها الوثيقة مع واشنطن.

لم تبدأ العلاقة بوصفها تحالفاً فورياً. فعندما أُعلن قيام إسرائيل عام 1948، سارع الرئيس الأميركي هاري ترومان إلى الاعتراف بها، لكن الولايات المتحدة تجنبت في البداية أن تصبح المورد العسكري الرئيسي لإسرائيل. وخلال خمسينات القرن الماضي، برزت فرنسا بوصفها المصدر الأساسي للسلاح الإسرائيلي، بينما بقيت واشنطن حذرة من إغضاب الدول العربية أو تهديد المصالح النفطية الغربية في الشرق الأوسط. وبعد أزمة قناة السويس والعدوان الثلاثي عام 1956، فرضت الولايات المتحدة قيوداً على تصدير السلاح إلى المنطقة، الأمر الذي أبقى التعاون العسكري محدوداً نسبياً.

دبابة «الميركافا» عماد القوات البرية الإسرائيلية (رويترز)

بدأ التحالف يتعمق خلال ستينات القرن العشرين. ففي عهد الرئيس جون كينيدي، وافقت الولايات المتحدة على بيع إسرائيل أنظمة دفاعية، من بينها صواريخ مضادة للطائرات. لكن التحول الحاسم جاء بعد حرب الأيام الستة عام 1967، حين غيّرت الانتصارات الإسرائيلية السريعة على الجيوش العربية، المدعومة جزئياً من الاتحاد السوفياتي، النظرة الأميركية إلى إسرائيل خلال الحرب الباردة. فقد بدأت واشنطن ترى في إسرائيل حليفاً إقليمياً قادراً على موازنة النفوذ السوفياتي في الشرق الأوسط. ومنذ ذلك الحين، شرعت الولايات المتحدة في تزويد إسرائيل بطائرات متطورة، أبرزها طائرات «فانتوم إف-4»، وبدأ بناء شراكة عسكرية طويلة الأمد.

وتوسعت العلاقة بشكل كبير بعد حرب عام 1973. فعندما شنّت مصر وسوريا هجوماً مفاجئاً على إسرائيل، أطلقت الولايات المتحدة عملية «نيكل غراس»، وهي جسر جوي طارئ لنقل الأسلحة والإمدادات العسكرية التي ساعدت إسرائيل على استعادة توازنها العسكري. وقد غيّرت هذه الحرب طبيعة العلاقات الثنائية، إذ أدت إلى تعزيز التنسيق الاستخباراتي، وترسيخ الالتزامات الأميركية بالمساعدات العسكرية على المدى الطويل، وتوسيع التخطيط الاستراتيجي المشترك.

بحلول أواخر السبعينات والثمانينات، أصبحت إسرائيل من أكبر متلقي المساعدات العسكرية الأميركية. وخلال رئاسة رونالد ريغان (1981 – 1989)، اعتُبرت شريكاً استراتيجياً في مواجهة النفوذ السوفياتي. وتوسعت المناورات العسكرية المشتركة، كما تم تخزين معدات أميركية داخل إسرائيل، وازداد تبادل المعلومات الاستخباراتية حول الأنشطة السوفياتية في المنطقة. وفي عام 1987، مُنحت إسرائيل صفة «حليف رئيسي من خارج الناتو»، وهو ما أتاح لها وصولاً مميزاً إلى التكنولوجيا العسكرية الأميركية وبرامج التعاون الدفاعي.

جناح لشركة «رافائيل» الإسرائيلية في معرض «لوبورجيه» الفرنسي (رويترز)

ومع انهيار الاتحاد السوفياتي، تكيفت الشراكة مع واقع أمني جديد. فقد أبرزت حرب الخليج عام 1991 أهمية أنظمة الدفاع الصاروخي بعد تعرض مدن إسرائيلية لـ39 صاروخ «سكود» أطلقها الجيش العراقي. وبناءً على ذلك، كثّفت الولايات المتحدة وإسرائيل تعاونهما في تطوير أنظمة الدفاع المضاد للصواريخ.

وبعد هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001، تكثّف التعاون بين البلدين في مجالات مكافحة الإرهاب، والأمن السيبراني، والطائرات المسيّرة، وتكنولوجيا الحرب داخل المدن.

*علاقة مؤسساتية

واليوم أصبحت الشراكة العسكرية مؤسساتية ومتشابكة على مستويات متعددة. فبموجب مذكرة التفاهم الممتدة لـ10 سنوات والموقعة عام 2016، تقدم الولايات المتحدة لإسرائيل نحو 3.8 مليار دولار سنوياً كمساعدات عسكرية. ويُستخدم جزء كبير من هذه الأموال لشراء أسلحة أميركية متطورة مثل مقاتلات «إف 35»، إضافة إلى الذخائر الدقيقة وأنظمة الرادار والمراقبة المتقدمة. ويتعاون الجانبان بشكل وثيق في تطوير أنظمة الدفاع الصاروخي مثل «القبة الحديدية» ومنظومتي «مقلاع داود» و«حيتس»، إذ تجمع هذه المشاريع بين التمويل والدعم الصناعي الأميركيين والخبرة العملياتية والابتكار الإسرائيليين.

ويُعد التعاون الاستخباراتي ركناً أساسياً آخر في العلاقة، إلى جانب التدريبات البحرية والجوية ومناورات الدفاع الصاروخي المشتركة.

ومع ذلك، أصبحت هذه العلاقة موضع جدل متزايد داخل الولايات المتحدة وإسرائيل على حد سواء. فمنتقدو التحالف يرون أن حجم المساعدات الأميركية لإسرائيل مبالغ فيه، وأن واشنطن توفر لإسرائيل حماية دبلوماسية مفرطة. وفي المقابل، يؤكد المؤيدون أن إسرائيل تمثل حليفاً أساسياً في منطقة حيوية، وأن التعاون العسكري بين البلدين يحقق فوائد استراتيجية وتكنولوجية مهمة للطرفين.

وقد ازداد هذا الجدل حدة بعد حرب غزة عام 2023، التي دفعت الولايات المتحدة إلى تسريع شحنات الأسلحة وتعزيز انتشارها العسكري في المنطقة. وفي المقابل، بدأ مسؤولون إسرائيليون يتحدثون بشكل متزايد عن ضرورة تقليص الاعتماد على المساعدات العسكرية الأميركية. وأخيراً، أعلن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو صراحةً رغبته في استغناء إسرائيل تدريجياً عن المساعدات الأميركية خلال العقد المقبل، في خطوة يُنظر إليها على أنها محاولة لتعزيز استقلال القرار السياسي الإسرائيلي.

مقاتلة «إف 35» من سلاح الجو الإسرائيلي... صناعة أميركية لا غنى عنها (رويترز)

*هدف واقعي؟

هل تستطيع إسرائيل فعلاً الاستغناء عن الارتباط العسكري بالولايات المتحدة؟

لا يبدو هذا الطموح بعيداً كلياً عن الواقع، فإسرائيل تملك واحدة من أكثر الصناعات الدفاعية تطوراً في العالم، بوجود شركات مثل شركات «صناعات الفضاء الإسرائيلية»، و«رافائيل لأنظمة الدفاع المتقدمة»، و«إلبيت سيستمز». وتطور إسرائيل طائرات مسيّرة، وأنظمة صواريخ، وتقنيات للحرب السيبرانية، وأنظمة للمراقبة والحرب الإلكترونية، إضافة إلى دبابة «ميركافا». وتحتل المرتبة الثامنة عالمياً بين أكبر الدول المصدّرة للأسلحة، وقد سجلت رقماً قياسياً في عام 2024 بلغ 14.8 مليار دولار.

مع ذلك، يبقى تحقيق استقلال عسكري كامل عن الولايات المتحدة أمراً بالغ الصعوبة. فالقوات الجوية الإسرائيلية تعتمد بشكل كبير على المقاتلات الأميركية مثل «إف-35» و«إف-15» و«إف-16»، وهي طائرات تحتاج إلى قطع غيار وبرمجيات وصيانة وذخائر أميركية. وخلال الحروب الواسعة جغرافياً وزمنياً، تعتمد إسرائيل على الإمدادات الأميركية السريعة من القنابل الموجهة والصواريخ الاعتراضية وقذائف المدفعية ومكونات الدفاع الجوي. والأهم من ذلك أن الولايات المتحدة توفر لإسرائيل مظلة استراتيجية ودبلوماسية حيوية، سواء عبر الدعم في مجلس الأمن الدولي حيث ورقة «الفيتو» جاهزة دوماً، أو من خلال الردع الإقليمي والتعاون الاستخباراتي.

تجدر الإشارة إلى أن الكونغرس الأميركي وافق أخيراً على 14.5 مليار دولار مساعدات عسكرية إضافية خلال الحرب الحالية. كذلك، تقدر تقارير بنك إسرائيل أن تكاليف الحرب للفترة 2023-2025 قد تصل إلى 55.6 مليار دولار، ما يلقي بعبءٍ ثقيل على الاقتصاد الإسرائيلي ويجعل التخلي عن الدعم المالي والعسكري الأميركي في الوقت الراهن تحدياً كبيراً.

هل يستطيع الجيش الإسرائيلي الاستغناء عن السلاح الأميركي؟ (رويترز)

بل إن ثمة محللين يرون أن في كلام نتنياهو مناورة ترمي إلى قطع الطريق على أي تلكؤ أميركي في تزويد إسرائيل كل ما تحتاج إليه من أسلحة وذخائر. وقد سبق له أن لام إدارة الرئيس جو بايدن على تأخرها في مدّ جيشه بما يريده. الأمر الذي أدى إلى ارتفاع عدد القتلى في صفوف الجنود الإسرائيليين في غزة، حسب زعمه.

يمكن القول ختاماً؛ إنه من غير المرجح أن يشهد المستقبل انفصالاً كاملاً بين البلدين على مستوى العلاقات العسكرية. بل يبدو أن العلاقة تتجه نحو نموذج أكثر توازناً، تسعى فيه إسرائيل إلى تعزيز اكتفائها الذاتي مع الحفاظ على تعاون استراتيجي عميق مع الولايات المتحدة. وهكذا قد تتحول العلاقة تدريجياً من نموذج «المانح والمتلقي» إلى شراكة بين قوتين عسكريتين متداخلتين تعملان بتنسيق كامل.


مقالات ذات صلة

مقتل 7 في غزة وإسرائيل تعلن استهداف قائد الجناح العسكري لـ«حماس»

المشرق العربي اندلع حريق في شقة سكنية بمدينة غزة بعد قصف إسرائيلي (رويترز) p-circle

مقتل 7 في غزة وإسرائيل تعلن استهداف قائد الجناح العسكري لـ«حماس»

أعلنت إسرائيل، الجمعة، أنها شنّت غارة جوية في غزة استهدفت عز الدين الحداد، الذي وصفته بأنه قائد الجناح العسكري لحركة «حماس» الفلسطينية.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (د.ب.أ) p-circle

نتنياهو: إسرائيل تسيطر على 60 % من قطاع غزة

قال رئيس الوزراء الإسرائيلي إن قواته تسيطر على 60 في المائة من غزة، في ما يُظهر أنها وسّعت من نطاق سيطرتها داخل القطاع إلى أبعد مما نصّ عليه اتفاق وقف النار.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
المشرق العربي محتجّون عرب في إسرائيل يحملون لافتات تُحمّل حكومة نتنياهو المسؤولية عن تفشي الجرائم ضدهم خلال مظاهرة بتل أبيب (أرشيفية-أ.ف.ب)

خطة نتنياهو الانتخابية مبنية على نزع شرعية الأحزاب العربية

يدفع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو نحو توحيد صفوف كل أحزاب اليمين المتطرف وإغراق الأحزاب الدينية «الحريدية» بالمال.

نظير مجلي (تل أبيب)
شؤون إقليمية معتقلون فلسطينيون داخل أحد السجون الإسرائيلية (وكالة الانباء والمعلومات الفلسطينية)

إسرائيل لمقاضاة «نيويورك تايمز» على خلفية تحقيق العنف الجنسي بحق معتقلين فلسطينيين

أوعز نتنياهو ووزير الخارجية جدعون ساعر بـ«الشروع في إقامة دعوى تشهير على صحيفة نيويورك تايمز»، بحسب بيان مشترك صادر عن مكتبيهما.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
أوروبا مجمّع سجن «شيفينينغن» الذي يضم مركز الاحتجاز التابع لـ«المحكمة الجنائية الدولية» في لاهاي (أ.ف.ب)

رياضة وطهو و«25 يورو أسبوعياً» في مركز الاحتجاز التابع لـ«الجنائية الدولية»

في مركز الاحتجاز التابع لـ«المحكمة الجنائية الدولية» في لاهاي، يقبع السجناء في زنزانات من 9 أمتار مربّعة، ويمارسون الرياضة ساعة بالهواء الطلق ويحصلون على مصروف.

«الشرق الأوسط» (لاهاي)

واشنطن وطهران تندفعان بحذر نحو استئناف الحرب

عناصر «الحرس الثوري» خلال مناورة في محيط العاصمة الإيرانية طهران (إ.ب.أ)
عناصر «الحرس الثوري» خلال مناورة في محيط العاصمة الإيرانية طهران (إ.ب.أ)
TT

واشنطن وطهران تندفعان بحذر نحو استئناف الحرب

عناصر «الحرس الثوري» خلال مناورة في محيط العاصمة الإيرانية طهران (إ.ب.أ)
عناصر «الحرس الثوري» خلال مناورة في محيط العاصمة الإيرانية طهران (إ.ب.أ)

تتصاعد المخاوف من انهيار ما تبقى من مسارات التهدئة، واحتمال العودة إلى مواجهة أوسع، بين إيران والولايات المتحدة وحلفائها. ونقلت مصادر إعلامية إسرائيلية عن مسؤولين، السبت، أن إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب أبدت استعداداً لمنح «ضوء أخضر» لعمل عسكري ضد إيران في حال فشل المسار الدبلوماسي، مع التأكيد على عدم صدور قرار نهائي حتى الآن، وفق تقرير نشرته «القناة 12» الإسرائيلية.

ونُقل عن الرئيس الأميركي دونالد ترمب قوله إن «النافذة الدبلوماسية تغلق بسرعة»، مضيفاً أن بلاده لا تسعى إلى التصعيد، لكنها «لن تسمح بتجاوز الخطوط الحمراء»، في إشارة إلى البرنامج النووي الإيراني ودور طهران الإقليمي.

وأعلنت وزارة الدفاع البريطانية نشر منظومة صاروخية منخفضة التكلفة في الشرق الأوسط مخصصة للتصدي لهجمات الطائرات المسيّرة، مع تركيبها على مقاتلات «تايفون»، إضافة إلى إرسال 4 طائرات إلى قاعدة في قطر خلال الأسابيع الأولى من الحرب الأخيرة.

وتأتي هذه الخطوة في سياق تعزيز القدرات الدفاعية الغربية في بيئة صراع باتت فيها الطائرات المسيّرة عنصراً حاسماً في الهجمات المتبادلة.

مروحية «سي هوك» تهبط على متن المدمرة الأميركية «تروكستون» خلال عمليات دعم الحصار البحري على إيران في بحر العرب (سنتكوم)

تأهب إيراني

في المقابل، ترفع إيران من سقف استعداداتها العسكرية؛ إذ نقلت وكالة «نور نيوز» الإيرانية عن مسؤول عسكري إيراني أن طهران أبلغت جميع مستوياتها العملياتية بما وصفه بـ«خطة شاملة للرد الفوري» في حال استئناف الحرب، محذراً من أن أي «خطأ حسابي» من جانب الولايات المتحدة سيقابل بهجمات واسعة ومتزامنة على مصالح وبنى تحتية أميركية في المنطقة.

وأضاف المسؤول أن القيود التي كانت مفروضة على اختيار الأهداف في الحرب السابقة تم تخفيفها، وأن نطاق الرد المحتمل توسع ليشمل مواقع لم تكن ضمن بنك الأهداف سابقاً.

كما أشار إلى أن التخطيط الجديد يأخذ في الحسبان عوامل موسمية ولوجستية واقتصادية، في مؤشر على انتقال العقيدة العملياتية الإيرانية إلى مستوى أكثر تعقيداً واستعداداً لحرب طويلة.

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي خلال مؤتمر صحافي في نيودلهي (إ.ب.أ)

محادثات إيرانية - أوروبية

أفادت وسائل إعلام رسمية إيرانية بأن دولاً أوروبية بدأت محادثات مع طهران لضمان مرور سفنها عبر المضيق، في وقت تعمل فيه إيران على تطبيق آلية جديدة لتنظيم الملاحة تتيح المرور للسفن التجارية المتعاونة معها مقابل رسوم، مع استمرار القيود على أطراف تصفها بأنها غير متعاونة.

وصباح السبت، أشار رئيس لجنة الأمن القومي في البرلمان إبراهيم عزيزي إلى أن طهران «وضعت آلية احترافية لإدارة حركة الملاحة» في مضيق هرمز، مؤكداً أنها ستكون جاهزة قريباً. وأضاف أن هذه الآلية «لن تستفيد منها سوى السفن التجارية والأطراف المتعاونة مع إيران»، مضيفاً أن «الرسوم اللازمة ستُحصّل مقابل الخدمات المتخصصة». وتابع: «سيظل الممر مغلقاً أمام مشغلي ما يسمى بـ(مشروع الحرية)»، في إشارة إلى عملية عسكرية أطلقتها الولايات المتحدة، وتراجعت عنها سريعاً، وكانت تهدف إلى مساعدة السفن التجارية العالقة على مغادرة الخليج.

وتشير المعطيات إلى أن هذا التحرك الإيراني يهدف إلى تحويل المضيق من ممر مفتوح إلى أداة تنظيم وضغط اقتصادي، في ظل استمرار اضطراب أسواق الطاقة العالمية، وارتفاع المخاوف من انقطاع الإمدادات عبر أحد أهم الشرايين النفطية في العالم.

وكان ترمب قد صرح بأن الرئيس الصيني شي جين بينغ يتفق معه في ضرورة إعادة فتح المضيق، غير أن بكين لم تؤكد هذا الطرح، واكتفت بالإشارة إلى أن استمرار الحرب في الشرق الأوسط «لا يخدم أحداً». وتبقى الصين لاعباً محورياً في هذا الملف، بوصفها أكبر مستورد للنفط الإيراني؛ ما يجعل موقفها عاملاً مؤثراً في أي تسوية محتملة.

إيرانية تسير بجانب نموذج رمزي لصاروخ «خيبر» الباليستي في طهران (رويترز)

محاولة باكستانية

في الداخل الإيراني، يتصاعد الخطاب السياسي المتشدد، حيث دعا بعض المقربين من دوائر القرار إلى توسيع نطاق الردود المحتملة لتشمل أطرافاً إقليمية إضافية في حال اتساع رقعة المواجهة. ويعكس ذلك، وفق مراقبين، تحوّلاً في التفكير الاستراتيجي الإيراني نحو ردع متعدد الجبهات بدل الرد المحدود.

مع ذلك، تحاول باكستان إنعاش الهدنة؛ فقد وصل وزير الداخلية الباكستاني محسن نقوي، السبت، إلى طهران في زيارة مهمة تأتي في ظل حالة الجمود في المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران.

وبحسب وسائل إعلام، من المقرر أن يعقد الوزير الباكستاني اجتماعات مع كبار المسؤولين الإيرانيين خلال الزيارة لبحث القضايا الثنائية والتطورات الإقليمية.

وأشارت تقارير إعلامية إيرانية إلى أن باكستان قد تلعب مجدداً دوراً دبلوماسياً فاعلاً في الجهود الرامية لإحياء مسار الوساطة بين طهران وواشنطن.

وقالت مصادر إن باكستان ستشجع الطرفين الإيراني والأميركي على إبداء مرونة أكبر من أجل دفع المفاوضات إلى الأمام، وفق موقع «ناشونال» الباكستاني.


تركيا تطالب إسرائيل بالتزام اتفاق فض الاشتباك مع سوريا

جنود إسرائيليون خلال عملية استطلاع في هضبة الجولان السورية المحتلة (رويترز)
جنود إسرائيليون خلال عملية استطلاع في هضبة الجولان السورية المحتلة (رويترز)
TT

تركيا تطالب إسرائيل بالتزام اتفاق فض الاشتباك مع سوريا

جنود إسرائيليون خلال عملية استطلاع في هضبة الجولان السورية المحتلة (رويترز)
جنود إسرائيليون خلال عملية استطلاع في هضبة الجولان السورية المحتلة (رويترز)

أكدت تركيا أن أحد أبرز العوامل التي تهدد الاستقرار في المنطقة هو النشاط العسكري الإسرائيلي داخل الأراضي السورية، داعية إلى الالتزام باتفاق فض الاشتباك الموقع عام 1974.

وطالب مندوب تركيا الدائم لدى الأمم المتحدة، أحمد يلديز، إسرائيل بالالتزام الكامل، ومن دون تأخير، باتفاق فض الاشتباك الموقع مع سوريا، برعاية أميركية في جنيف عام 1974، وتجنب التصعيد.

وقال يلديز، خلال جلسة لمجلس الأمن الدولي حول سوريا ليل الجمعة–السبت: «نجدد دعوتنا لإسرائيل للالتزام الكامل من دون تأخير بالاتفاق، وتجنب اتخاذ خطوات جديدة من شأنها تصعيد التوتر، وإنهاء احتلالها للأراضي السورية».

مندوب تركيا الدائم لدى الأمم المتحدة أحمد يلديز (الخارجية التركية)

وأكد أن تركيا تتابع من كثب المسارات السياسية والاقتصادية في سوريا، وتواصل تقديم الدعم لها في العديد من الملفات، لافتاً إلى أن أحد أبرز العوامل التي تهدد الاستقرار في المنطقة هو النشاط العسكري الإسرائيلي داخل الأراضي السورية.

وعبّر المندوب التركي عن ترحيب بلاده بالتزام السلطات السورية باتفاق فض الاشتباك للعام 1974، رغم الأنشطة المزعزعة للاستقرار التي تنفذها إسرائيل في سوريا على مدى فترة العام ونصف العام الماضية، واحتلالها للأراضي السورية، بحسب ما قال.

وزير الخارجية التركي هاكان فيدان (رويترز)

وفي تصريحات الأسبوع الماضي، أكد وزير الخارجية التركي، هاكان فيدان، أن التوسع الإسرائيلي لا يزال يمثل المشكلة الأولى للاستقرار والأمن في المنطقة.

ولفت فيدان إلى أن النهج التوسعي الإسرائيلي المتبع في غزة ولبنان والضفة الغربية وسوريا أودى بحياة الكثيرين، وحوّل النازحين قسراً من ديارهم إلى لاجئين.

في السياق ذاته، أكد الرئيس التركي رجب طيب إردوغان ضرورة إنهاء الاستفزازات التي تمارسها إسرائيل، والتي تعرقل بناء سلام حقيقي في المنطقة.

وقال إردوغان، في تصريحات لصحافيين أتراك رافقوه خلال عودته من كازاخستان حيث شارك في قمة غير رسمية لمنظمة الدول التركية، إن أحد العوامل الرئيسة لاندلاع حرب إيران والأزمة التي تسببت فيها هو استفزازات إسرائيل التي لا تنتهي.

وأضاف بحسب تصريحاته التي نشرت السبت أن إسرائيل أظهرت مراراً من خلال هذه الاستفزازات، ومن خلال انسياقها وراء أوهام وخيالات، أنها لا تتردد في إشعال منطقتنا من أجل نزواتها الخاصة، وأنها تريد أن تمتد هذه الحرب إلى كامل المنطقة، وأن يزداد الغموض فيها.

وأضاف: «يجب إنهاء استفزازات إسرائيل، ثم يجب بناء سلام حقيقي، وبصفتنا تركيا، نبذل وسنبذل كل ما في وسعنا لمنع تحول هذه الفوضى إلى مشهد أكثر تعقيداً».

إردوغان خلال القمة غير الرسمية لمنظمة الدول التركية في كازاخستان الجمعة (الرئاسة التركية)

وشدد إردوغان على أن تركيا تؤمن بأن مشكلات المنطقة يمكن أن تحلها دول المنطقة بنفسها، داعياً إياها لبذل مزيد من الجهود المشتركة من أجل السلام، والاستقرار، والأمن، وإفشال الألعاب الدموية.

وقال: «إذا كان المطلوب هو تحقيق استقرار دائم في المنطقة، فعلى الجميع أن يضعوا حساباتهم قصيرة المدى جانباً، وعلى دول المنطقة أن تدافع عن حقوق مواطنيها، لا عن مصالح أطراف من خارج المنطقة».

من ناحية أخرى، وبشأن عملية اندماج قوات سوريا الديمقراطية (قسد) في مؤسسات الدولة السورية، قال مندوب تركيا الدائم لدى الأمم المتحدة، أحمد يلديز، إن استكمال عملية الدمج بشكل سريع ومن دون انقطاع يمثلان أهمية كبيرة لوحدة البلاد، وسلامتها الإقليمية.

الرئيس السوري أحمد الشرع وقع مع قائد قوات سوريا الديمقراطية (قسد) اتفاقاً لاندماجها في مؤسسات الدولة السورية في 10 مارس 2025 في دمشق (أ.ب)

وأكد ضرورة هذه الخطوة لدفع جهود إعادة الإعمار، وتحقيق انتقال سياسي شامل في سوريا.

وأكد يلديز أن تركيا ستواصل دعمها لسوريا في القضايا التي تمس حياة ملايين السوريين بالتعاون الوثيق مع جميع هيئات الأمم المتحدة، وبخاصة مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية.

ولفت إلى أن محاكمة المتورطين في انتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان خلال فترة نظام بشار الأسد تمثل خطوة مهمة نحو تحقيق العدالة الانتقالية في البلاد.

وعد يلديز أن سوريا «مستقرة وموحدة» يمكن أن تلعب دور نقطة وصل حيوية تربط الشرق الأوسط وتركيا وأوروبا عبر شبكات التجارة، والنقل، والطاقة، والبنية التحتية، بالنظر إلى تأثير إغلاق مضيق هرمز على مشكلات الطاقة والنقل في الشرق الأوسط.


حزمة خيارات أمام ترمب لاستئناف الحرب على إيران

الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال مؤتمر صحافي في البيت الأبيض يوم 6 أبريل 2026 (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال مؤتمر صحافي في البيت الأبيض يوم 6 أبريل 2026 (أ.ب)
TT

حزمة خيارات أمام ترمب لاستئناف الحرب على إيران

الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال مؤتمر صحافي في البيت الأبيض يوم 6 أبريل 2026 (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال مؤتمر صحافي في البيت الأبيض يوم 6 أبريل 2026 (أ.ب)

عاد الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الجمعة، من الصين وهو يواجه قرارات كبرى بشأن إيران، في وقت أعد فيه كبار مساعديه خططاً للعودة إلى الضربات العسكرية إذا قرر ترمب محاولة كسر الجمود عبر مزيد من القصف.

ولم يتخذ ترمب بعد قراراً بشأن خطواته التالية، حسبما قال مساعدوه. وكان مسؤولون من دول معنية يحاولون تجميع تسوية من شأنها أن تدفع إيران إلى إعادة فتح مضيق هرمز، وتسمح لترمب بإعلان النصر ومحاولة إقناع الناخبين الأميركيين المتشككين بأن التدخل العسكري المكلف في إيران كان ناجحاً.

لكن ترمب كرر للصحافيين بعد وقت قصير من مغادرته بكين أن أحدث عرض سلام قدمته إيران غير مقبول. وقال: «إذا لم تعجبني الجملة الأولى أرميه جانباً».

وقال ترمب إنه ناقش مسألة إيران مع الرئيس الصيني شي جينبينغ، الشريك الاستراتيجي لطهران الذي يعتمد على النفط والغاز المنقولَين عبر المضيق. لكنه قال إنه لم يطلب من شي الضغط على إيران.

ويواجه ترمب تيارات متعارضة بشأن الحرب. فعلى الرغم من أنها أصبحت عبئاً سياسياً عليه، وبدا مراراً حريصاً على تجاوزها، فإن الرئيس لم يحقق ما قدمه مراراً باعتباره الهدف النهائي للحرب: منع إيران من امتلاك سلاح نووي على الإطلاق.

ترمب يتحدث إلى الصحافيين على متن طائرة الرئاسة في طريقه إلى الولايات المتحدة عقب زيارته للصين (رويترز)

وتخطط وزارة الحرب الأميركية لاحتمال استئناف عملية «الغضب الملحمي» خلال الأيام المقبلة، حتى وإن كان ذلك تحت اسم جديد. وقال وزير الحرب بيت هيغسيث للمشرعين خلال شهادة أمام «الكونغرس» هذا الأسبوع: «لدينا خطة للتصعيد إذا لزم الأمر». كما قال إن هناك خططاً لحزم الأمتعة والعودة إلى الوطن، عبر إعادة أكثر من 50 ألف جندي تم إرسالهم إلى الشرق الأوسط إلى مستويات الانتشار المعتادة.

وقال مسؤولان من الشرق الأوسط، تحدثا شريطة عدم الكشف عن هويتيهما لمناقشة مسائل عملياتية، إن الولايات المتحدة وإسرائيل منخرطتان في استعدادات مكثفة، هي الأكبر منذ دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ، لاحتمال استئناف الهجمات ضد إيران في أقرب وقت من الأسبوع المقبل.

وقال ترمب الثلاثاء الماضي قبل مغادرته إلى الصين: «إما أن يبرموا صفقة وإما سيتم تدميرهم بالكامل. لذلك، بطريقة أو بأخرى، نحن ننتصر».

خيارات على طاولة ترمب

إذا قرر ترمب استئناف الضربات العسكرية، فإن الخيارات تشمل تنفيذ غارات قصف أكثر شراسة ضد أهداف عسكرية وبنى تحتية إيرانية، بحسب مسؤولين أميركيين.

وقال المسؤولون إن خياراً آخر يتمثل في نشر قوات عمليات خاصة على الأرض لملاحقة المواد النووية المدفونة عميقاً تحت الأرض. وأضافوا أن عدة مئات من قوات العمليات الخاصة وصلوا إلى الشرق الأوسط في مارس (آذار) ضمن انتشار يهدف إلى منح ترمب هذا الخيار.

وبوصفهم قوات برية متخصصة، يمكن استخدامهم في مهمة تستهدف اليورانيوم الإيراني عالي التخصيب في موقع أصفهان النووي. لكن مثل هذه العملية ستحتاج أيضاً إلى آلاف الجنود الداعمين، الذين من المرجح أن يشكلوا طوقاً أمنياً وقد ينجرون إلى قتال مع القوات الإيرانية.

وأقر مسؤولون عسكريون بأن هذا الخيار ينطوي على مخاطر كبيرة لوقوع خسائر بشرية. في حين قال مسؤولون إيرانيون إنهم يستعدون لعودة الأعمال العدائية.

وكتب رئيس البرلمان الإيراني، محمد باقر قاليباف، على وسائل التواصل الاجتماعي الاثنين الماضي: «قواتنا المسلحة مستعدة لتقديم رد مستحق على أي عدوان؛ فالاستراتيجية الخاطئة والقرارات الخاطئة تؤدي دائماً إلى نتائج خاطئة. لقد أدرك العالم كله ذلك بالفعل. نحن مستعدون لجميع الخيارات؛ وسوف يُفاجأون».

ومن المرجح أن يستأنف أي هجوم متجدد على إيران القتال من حيث توقف قبل أن تتوصل الأخيرة والولايات المتحدة إلى وقف إطلاق نار في اللحظة الأخيرة يوم 7 أبريل (نيسان). وقبل ذلك الاتفاق، كان ترمب قد هدد ببدء محو «الحضارة الإيرانية بأكملها» إذا لم تسمح إيران بمرور الشحن التجاري بأمان عبر مضيق هرمز.

قطع بحرية أميركية تفرض الحصار في مضيق هرمز (غيتي)

وكان الرئيس الأميركي قد تعهد لأيام بإصدار أوامر للجيش الأميركي بالتدمير المنهجي لكل جسر ومحطة كهرباء في إيران إذا لم تُعِد حكومتها فتح مضيق هرمز أمام ناقلات النفط. وقال مسؤولون عسكريون أميركيون إن الأهداف المحددة لها ارتباط مباشر بعمليات «الحرس الثوري» الإيراني. لكن قوانين الحرب تحظر التدمير المتعمد للبنية التحتية المدنية بوصفه وسيلة لإكراه الحكومات.

ومنذ بدء وقف إطلاق النار، قال كبار مسؤولي «البنتاغون» والقادة العسكريين إن الولايات المتحدة استغلت فترة التوقف عن القصف التي استمرت شهراً، لإعادة تسليح سفنها الحربية وطائراتها الهجومية في المنطقة.

وقال رئيس هيئة الأركان المشتركة، الجنرال دان كين، أمام لجنة فرعية للدفاع في مجلس الشيوخ هذا الأسبوع، إن المسؤولين العسكريين «يحتفظون ويواصلون الاحتفاظ بمجموعة من الخيارات لقادتنا المدنيين». ورفض الكشف عن طبيعة العمل العسكري المحتمل الذي قد يأمر به ترمب.

وفي إحاطة بـ«البنتاغون» يوم 5 مايو (أيار) 2026، قال كين إن أكثر من 50 ألف جندي، وحاملتي طائرات، وأكثر من اثنتي عشرة مدمرة بحرية، وعشرات الطائرات الحربية «لا تزال جاهزة لاستئناف العمليات القتالية الكبرى ضد إيران إذا صدرت الأوامر بذلك. لا ينبغي لأي خصم أن يفسّر ضبط النفس الحالي لدينا على أنه نقص في العزم».

لكن مسؤولين عسكريين يعترفون سراً بأن تحقيق النصر قد يكون مهمة صعبة. ويقولون إن الجيش الأميركي قام بعمل جيد في ضرب الأهداف التي حددها لنفسه، بما في ذلك مواقع إطلاق الصواريخ الباليستية الإيرانية، ومستودعات ذخيرة «الحرس الثوري»، وغيرها من مواقع البنية التحتية العسكرية. لكن إيران استعادت الوصول إلى معظم مواقع الصواريخ والقاذفات والمنشآت تحت الأرض، وفقاً لوكالات الاستخبارات الأميركية.

كما استعادت إيران القدرة التشغيلية على الوصول إلى 30 من أصل 33 موقعاً صاروخياً تحتفظ بها على طول مضيق هرمز، مما قد يهدد السفن الحربية الأميركية وناقلات النفط العابرة للممر المائي الضيق، حسبما ذكرت صحيفة «نيويورك تايمز» هذا الأسبوع.

* خدمة «نيويورك تايمز»

Your Premium trial has ended