بدا خلال الأسبوع الفائت أن الحرب الأوكرانية كانت على بعد خطوة واحدة صغيرة من الانزلاق نحو مرحلة جديدة وخطرة؛ إذ استعد الطرفان الروسي والأوكراني لتصعيد غير مسبوق. وفي مقابل تهديد كييف بتخريب احتفالات روسيا بـ«عيد النصر على النازية» في 9 مايو (أيار)، جهّزت موسكو جيشها لتقويض مراكز صنع القرار في العاصمة الأوكرانية، وهددت بثمن باهظ قد يدفعه الأوكرانيون وحلفاؤهم في أوروبا. وأيضاً ألغت روسيا الجزء الأكبر من احتفالاتها المقرّرة وفرضت تدابير أمنية مشددة، وأبلغت البعثات الدبلوماسية الأجنبية أنها ستضرب أوكرانيا بقسوة، وطالبت البعثات بسحب رعاياها فوراً منها. باختصار، كان الوضع يتجه بسرعة نحو نتيجة حتمية. لكن الرئيس الأميركي دونالد ترمب التقط المبادرة في لحظة حاسمة، وأعلن عشية احتفالات روسيا وقفاً فورياً مؤقتاً لإطلاق النار لمدة ثلاثة أيام، ضاغطاً على موسكو وكييف لقبول سريع بالاقتراح.
جاءت المبادرة الأميركية لتنقذ الموقف. وعلى الرغم من كل الاستعدادات الحربية بدا أن الطرفين الروسي والأوكراني يدركان خطورة الانزلاق نحو تصعيد ينسف كل الآمال بكسر جمود العملية السياسية، ويضع العالم أمام استحقاق الحسم العسكري الصعب. لذا سارعت موسكو وكييف إلى قبول الهدنة المعلنة، التي شَكَّلت، رغم الخروق التي شابتها، اختباراً جدّياً وجديداً لقدرة ترمب على التدخل بقوة في لحظة حاسمة.
النجاح في احتواء الموقف فتح شهية الرئيس الأميركي للانعطاف مجدداً نحو ملف التسوية الأوكرانية، بعدما كان قد انشغل لأشهر في «حرب إيران». فأعلن رغبته بفرض هدنة جديدة أطول، وبإعادة إطلاق «المسار التفاوضي». وسرعان ما اتخذ النقاش بُعداً جديداً مع الإعلان عن زيارة مرتقبة إلى موسكو للمبعوثين الأميركيين ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر.
تمسّك بالسقف التفاوضي
لقد كان طبيعياً، مع توقع إعادة الزخم لحضور واشنطن في ملف التسوية، أن يضع الطرفان الروسي والأوكراني تصوراتهما لشروط السلام وسقفهما التفاوضي المحتمل.
في مقابل مواصلة الرئيس فولوديمير زيلينسكي «التمترس» خلف الموقف الأوروبي القوي الداعم لشروط كييف، بما في ذلك في إطار الكلام عن الانسحابات المحتملة وخريطة التموضع المقبلة لكل طرف، تمسّكت موسكو بشروطها المُعلنة لإنجاح أي تسوية مقبلة، وعلى رأسها الانسحاب الأوكراني الكامل وغير المشروط من منطقة «الدونباس» (دونيتسك ولوغانسك)، والإقرار بسيادة موسكو عليها.
وأيضاً، عزّزت الرسائل التي وجهّها الكرملين الآمال بأن قطار السلام قد ينطلق بشكل قوي في أي وقت، فور إقرار كييف وعواصم أوروبية بالشروط الروسية المطروحة. وبيّن ذلك إشارة الرئيس فلاديمير بوتين إلى أن «نهاية الحرب باتت وشيكة»، وإعلانه الاستعداد للقاء خصمه اللدود الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي «في أي مكان» بعدما كان يشترط حضوره إلى موسكو سابقاً.
صحيح أن الكرملين شدد على أن اللقاء مع زيلينسكي ينبغي أن يكون «نتيجة لعملية تفاوضية وليس جزءاً منها»؛ بمعنى أن المفترض من لقاء الرئيسين التوقيع على الصياغة النهائية لاتفاق سلام يضعه المفاوضون، لا الدخول في نقاشات تفصيلية حول السلام المنشود، لكن المهم هنا أن بوتين منح ترمب مجدداً فرصة لتطوير مبادرته ووضعها موضع التنفيذ.
ولكن، هل تقترب الحرب فعلاً من نهايتها؟... وهل الآمال المعقودة في هذا الشأن لها مبررات قوية على الأرض؟
اللافت أن الجواب عن هذا السؤال بدا يحمل الكثير من التباينات، حتى في الداخل الروسي؛ إذ برزت تفسيرات متناقضة بعض الشيء لتصريحات بوتين.
قراءة «نوفوستي»
وفي مقابل تفسيرٍ وضعه المعلق السياسي لوكالة أنباء «نوفوستي» الحكومية بأن «الغرب لم يفهم تماماً فحوى كلام بوتين»، وجد معلّق آخر مقرّب من أوساط صنع القرار أن مناورة بوتين أسفرت عن مسارعة الأطراف الغربية، وخصوصاً في أوروبا، إلى الوقوف في طابور لتطبيع العلاقات مع الكرملين!
لقد رأى المعلق السياسي المخضرم ألكسندر فوسوفياتش في مقالة تصدّرت صفحات «نوفوستي» - ما يعني أن كلمات بوتين حظيت بضوء أخضر للنشر في هذا التوقيت - أن «غالبية المحللين الغربيين وجدت في تصريح الرئيس الروسي ضمانة شخصية بتوقيع معاهدة سلام غداً»، ولا سيما، مع ربط التصريح بتطورات أوكرانية مثل فضائح الفساد التي ترهق كاهل زيلينسكي وفريقه، و«تعب» الغرب من هذه الحرب ومحاولته البحث عن مخرج منها.
ورأى المحلل أيضاً أن فضائح الفساد في جزء كبير منها «متعمد من جهة أطراف أوروبية» لإظهار «شفافية» الحكم في أوكرانيا، وأن زيلينسكي مستعد للتضحية بمقربين منه في سياق محاربته الجدية للفساد. وبالأخص، أنه حصل أخيراً على دعم مالي أوروبي سخيّ تصل قيمته إلى نحو 90 مليار دولار مشروط بتوسيع مكافحة الفساد.
وجهة النظر هذه تقول إن فهم كلام بوتين جاء في سياق مختلف يلبي أهداف الغرب، وإن الرئيس الروسي لن يتراجع عن موقفه المعلن بتحقيق كل أهدافه قبل توقيع أي اتفاق سلام.
موسكو متمسكة بشروطها المُعلنة لإنجاح أي تسوية مقبلة وعلى رأسها
الانسحاب الأوكراني الكامل وغير المشروط من «الدونباس»
الرأي الآخر
في المقابل، رأى الخبير البارز كيريل سترلنيكوف، القريب بدوره من مراكز صنع القرار، أن إشارة بوتين إلى نهاية وشيكة للصراع، دفعت أطرافاً أوروبية إلى محاولة فتح قنوات حوار مع موسكو. وأن الكل بات مقتنعاً بأن حرب أوكرانيا لن تحقق للغرب هدفه الأصلي بإلحاق هزيمة استراتيجية بروسيا.
وأردف الكاتب الروسي البارز: «في الأيام الأخيرة، تطوّع 12 من القادة الأوروبيين وكبار مسؤولي الاتحاد الأوروبي لتمثيل أوروبا في مباحثات السلام مع بوتين. بالنسبة للأوروبيين، لم يعد الكلام عن الحوار مع الكرملين من المحرّمات، بل غدا هو القاعدة الجديدة. وتُعدّ هذه الضجة خير دليل على صحة تصريحات الرئيس الروسي بأن الصراع الأوكراني يقترب من نهايته. وفي المقابل، يتأخر الأوروبيون عن الجدول الزمني، عاجزين عن مواكبة الوتيرة، ولذا يلجأون إلى استراتيجية أثبتت نجاحها بالفعل: محاكاة عملية السلام وكسب الوقت».

عسكرة أوروبا
هنا، مع التباين في تفسير مدى جدية الطرح القائم على النهاية الوشيكة للصراع، يبرز العنصر الثابت المشترك في كل تفسيرات الخبراء المقرّبين من الكرملين عن أن أوروبا غدت عقبة في وجه أي سلام، وأن المشكلة الرئيسة باتت تكمن هنا وليس في استعدادات موسكو وكييف لتقديم تنازلات متبادلة.
إذ يقول ستريلنيكوف: «الاستراتيجية الحالية للاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة تقوم على عسكرة أوروبا بالكامل بحلول عام 2030، وحتى ذلك الحين، تتمثل في حصر الصراع مع روسيا داخل أوكرانيا، وتقديم الدعم اللازم لنظام كييف. وتضمنت هذه الاستراتيجية تخصيص قرض بقيمة 90 مليار يورو، يكفي كييف لتحمّل سنتين أُخريين على الأقل من الحرب، وتحويل أوروبا إلى منطقة خلفية استراتيجية للقوات المسلحة الأوكرانية».
ضمن هذا التحليل، يرى محللو الكرملين أن «الحقيقة أن أوروبا غير مهتمة بالسلام على الإطلاق، وتتخذ حالياً خطوات تُظهر بوضوح أن كييف والعواصم الأوروبية تستعد لحرب طويلة الأمد». ولوحظ هذا إبان زيارة وزير الدفاع الألماني بيستوريوس إلى كييف، حيث أعلن بدء التطوير والإنتاج المشتركين لطائرات مسيّرة بعيدة المدى. وأُعلن أخيراً، أن شركة «راينميتال» الألمانية العملاقة للصناعات الدفاعية، بالشراكة مع شركة «ديستينوس» الأوكرانية الناشئة، ستبدأ إنتاج صواريخ كروز قادرة على ضرب أهداف على بُعد أكثر من 700 كيلومتر. وكذلك جارٍ حالياً نشر عشرات المشاريع العسكرية المشتركة مع أوكرانيا في جميع أنحاء الاتحاد الأوروبي على قدم وساق، ما يعني، وفقاً لهؤلاء، أن أوروبا «تُصبح خط الدفاع الخلفي الرسمي لنظام كييف».
أيضاً في هذا الإطار جرى التعامل مع تصريح رئيسة الدبلوماسية الأوروبية، كايا كالاس، بأن «الاتحاد الأوروبي» بحاجة ماسة إلى إيجاد طريقة لزيادة الإنتاج العسكري وتسريعه بشكل كبير. ويرى الخبراء الروس أن «استراتيجية عسكرة أوروبا» وتأجيج المواجهة مع موسكو تعكس توجهاً لإطالة أمد الصراع، و«لا يُقدم أي طرف ملتزم باتفاقية سلام على خطط طموحة للاستثمار العسكري لخمس أو عشر سنوات أو أكثر. فالاقتصاد العسكري يعاني من جمود هائل ومصالح راسخة قوية. ونتيجة لذلك، تستمر جميع خطط عسكرة أوروبا في التنفيذ بأقصى سرعة، ولا أحد ينوي إيقافها».
المشكلة الثانية هنا، وفق فهم الأوساط المقربة من الكرملين، تكمن في أن النخب الأوروبية الحاكمة تنظر إلى القوات المسلحة الأوكرانية باعتبارها «نواة الجيش الأوروبي المستقبلي»، الذي، سيكون بفضل تجربة الصراع في أوكرانيا، قادراً ومستعداً ومؤهلاً لمحاربة روسيا.
هذا ما فهمه محللون روس من استراتيجية الدفاع الرسمية للاتحاد الأوروبي، «الاستعداد 2030»، التي اعتُمدت في مارس (آذار) 2025. وتنص الاستراتيجية بأحرف كبيرة وواضحة على أن «أوكرانيا هي خط المواجهة للأمن الأوروبي»، وبالتالي يجب إنشاء «جبهة موحدة مشتركة».
ولهذا السبب تحديداً، دعا زيلينسكي في أبريل (نيسان) الماضي، إلى إنشاء «جيش أوروبا»، وقال: «إما أن تصبح أوكرانيا جزءاً أساسياً من منظومة الأمن الأوروبية، وإما أن أوروبا تُخاطر بأن تصبح جزءاً من العالم الروسي». وأيضاً لهذا السبب بالذات صعّدت موسكو مواقفها تجاه السياسات الأوروبية، ورأت أن الاتحاد الأوروبي «يتحول بسرعة إلى تكتل عسكري أشد خطراً من حلف شمال الأطلسي»، وفق تعبير نائب رئيس مجلس الأمن ديمتري مدفيديف.ومن وجهة نظر روسيا، والكلام هنا لمحللين مقربين من الكرملين، «لا يمكن ولن يستمر هذا الوضع طويلاً، وهذا تحديداً ما قصده الرئيس الروسي عندما تحدث عن نهاية وشيكة للصراع».
