إسرائيل ما بعد الهدنة: من الردع إلى إعادة تشكيل الحدود

توسعة «المنطقة الأمنية» بالنار... وإنذارات الإخلاء تتمدّد شمال الليطاني

رجل يتفقد سيارته المتضررة وسط أنقاض محال دمّرتها غارات إسرائيلية سابقة في حي الحوش بمدينة صور جنوب لبنان (أ.ب)
رجل يتفقد سيارته المتضررة وسط أنقاض محال دمّرتها غارات إسرائيلية سابقة في حي الحوش بمدينة صور جنوب لبنان (أ.ب)
TT

إسرائيل ما بعد الهدنة: من الردع إلى إعادة تشكيل الحدود

رجل يتفقد سيارته المتضررة وسط أنقاض محال دمّرتها غارات إسرائيلية سابقة في حي الحوش بمدينة صور جنوب لبنان (أ.ب)
رجل يتفقد سيارته المتضررة وسط أنقاض محال دمّرتها غارات إسرائيلية سابقة في حي الحوش بمدينة صور جنوب لبنان (أ.ب)

لم تعد الهدنة في جنوب لبنان فاصلاً بين الحرب والسلم؛ بل تحوّلت إلى منصة إسرائيلية لإعادة تشكيل الميدان وفرض وقائع أمنية وجغرافية جديدة بالنار، عبر توسيع الإنذارات والغارات والتحركات شمال الليطاني، بما يوحي بمحاولة رسم حدود أمنية غير معلنة داخل الجنوب.

وبرز هذا التحول مع التصعيد الواسع، الجمعة، حيث شنّ الجيش الإسرائيلي غارات مكثفة من صور إلى النبطية، بالتزامن مع توسيع إنذارات الإخلاء إلى بلدات بعيدة نسبياً عن الشريط الحدودي، في مشهد استعاد بدايات الحرب، لكن بدلالات تتجاوز الضغط العسكري، إلى إعادة رسم الخريطة الأمنية للجنوب.

ووجّه المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي، إنذارات عاجلة إلى سكان عين بعال والخرايب والزرارية وعربصاليم وعرب الجل، داعياً إلى الإخلاء الفوري والابتعاد أكثر من ألف متر، بعدما سبقت ذلك صباحاً، تحذيرات مشابهة شملت شبريحا وحمادية صور وزقوق المفدي ومعشوق والحوش، في مؤشر إلى أن سياسة الإنذارات باتت جزءاً من استراتيجية ضغط نفسي وميداني، لدفع السكان تدريجياً بعيداً عن مساحات واسعة من الجنوب.

الهدنة تتحول إلى ساحة عمليات

ميدانياً، توسعت الغارات الإسرائيلية لتشمل شحور والنبطية الفوقا وميفدون وفرون والقصيبة ومجدل سلم، إضافة إلى مناطق بين تبنين والسلطانية والحمادية والشبريحا وطيرفلسيه والشعيتية وحوش - صور، فيما استهدفت غارتان صريفا وبرج قلاويه.

وترافق التصعيد مع قصف مدفعي على ميفدون والنبطية الفوقا وكونين وبرعشيت وبيت ياحون وزوطر الشرقية، واستهداف دراجة نارية في المجادل، وغارة على مركز «النجدة الشعبية» قرب مستشفى حيرام أدت إلى إصابات، بينما دُمّر حي كامل في شوكين والنبطية الفوقا يضم مبنى البلدية ومباني سكنية. وفي النبطية، قتلت غارة قرب النادي الحسيني، شخصين وأصابت ثالثاً أثناء نقل مساعدات، كما ألحقت أضراراً بـ3 سيارات إسعاف تعطلت إحداها بالكامل.

تصاعد الدخان من موقع غارة إسرائيلية استهدفت مدينة صور جنوب لبنان (أ.ف.ب)

وفي موازاة التصعيد، أعلن الجيش الإسرائيلي قتل نحو 60 مسلحاً خلال أسبوع، واستهداف أكثر من 100 بنية تحتية لـ«حزب الله»، رغم استمرار الحديث عن الهدنة.

ما يجري جنوباً لم يعد يُقرأ بوصفه خروقات متفرقة لوقف إطلاق النار؛ بل بوصفه مساراً إسرائيلياً متدرّجاً لإعادة هندسة الجغرافيا الأمنية للجنوب، عبر توسيع نطاق النار والإنذارات والتحركات العسكرية، بما يوحي بأن تل أبيب انتقلت من منطق الردع إلى محاولة فرض حدود ميدانية جديدة بالقوة.

خط نار جديد

في موازاة التصعيد الجوي، برزت التحركات العسكرية الإسرائيلية في محيط زوطر الشرقية، وسط مخاوف من محاولة توسيع نطاق العمليات شمال الليطاني، وخلق شريط ميداني جديد يتجاوز القرى الحدودية التقليدية.

وشهد محيط زوطر الشرقية ليل الخميس - الجمعة، تحركات إسرائيلية وُصفت بأنها محاولة تقدم واستكشاف ميداني في المنطقة، بالتزامن مع قصف مكثف طال الأطراف المحيطة بعلي الطاهر.

وقال مصدر محلي في جنوب لبنان لـ«الشرق الأوسط»، إن القوات الإسرائيلية «حاولت التقدم ليلاً في محيط زوطر تحت غطاء ناري كثيف واستطلاع جوي متواصل»، مشيراً إلى أن التحركات ترافقت مع نشاط للطيران المروحي والاستطلاعي فوق المنطقة.

وأوضح المصدر أن «التحرك بدا أقرب إلى عملية جس نبض ميدانية ومحاولة تثبيت نقاط نار ومراقبة في التلال المشرفة»، لافتاً إلى أن المنطقة تشهد منذ أيام، تصعيداً متدرجاً يوحي بمحاولة إسرائيلية لتوسيع نطاق عملياتها شمال الليطاني.

وأشار المصدر إلى أن القصف المكثف والاستطلاع الجوي المستمر يتركزان على زوطر «في محاولة توحي بتحضير تحرك ما نحو علي الطاهر»، لافتاً إلى أن الجيش الإسرائيلي «يحاول إحراق المناطق المفتوحة والمشرفة لمنع أي تحرك أو تموضع في تلك التلال والأودية».

لا إعادة ترسيم... بل منطقة عازلة بالنار

رغم تصاعد الخطاب الإسرائيلي حول إعادة رسم الحدود بالنار، يؤكد العميد المتقاعد خليل الحلو، أن ما يجري يرتبط باعتبارات أمنية وعسكرية فرضتها الحرب الأخيرة، وليس بأي تعديل قانوني للحدود اللبنانية.

رجل يتفقد سيارته المتضررة وسط أنقاض محال دمّرتها غارات إسرائيلية سابقة في حي الحوش بمدينة صور جنوب لبنان (أ.ب)

وقال الحلو لـ«الشرق الأوسط»، إن «الحديث الإسرائيلي عن إعادة رسم الحدود مع لبنان، لا يستند إلى أي أساس قانوني»، موضحاً أن «الحدود الدولية الوحيدة المرسّمة والمعترف بها بين لبنان وفلسطين رُسمت عام 1923، ثم ثُبّتت مجدداً في اتفاقية الهدنة عام 1949، وهذه الحدود لا تزال قائمة ومعترفاً بها دولياً».

وأضاف أن «كل ما يُثار اليوم عن خطوط جديدة لا علاقة له بترسيم الحدود؛ بل يرتبط باعتبارات أمنية وعسكرية فرضتها الحرب الأخيرة»، مشيراً إلى أن «خط التماس الحالي مع إسرائيل، يبلغ نحو 140 كيلومتراً بسبب احتلال الجولان السوري، بينما الحدود الدولية الفعلية بين لبنان وفلسطين لا تتجاوز 70 كيلومتراً».

وأوضح الحلو أن «الخط الأصفر الذي يجري الحديث عنه حالياً ليس حدوداً جديدة؛ بل منطقة أمنية تبعد نحو 10 كيلومترات عن الحدود، هدفها إبعاد الأسلحة المضادة للدروع التي يستخدمها (حزب الله) ضد الداخل الإسرائيلي».

وأضاف أن «إسرائيل أقامت جنوب هذا الخط مواقع وتحصينات ونقاط تمركز فعلية، فيما تعمل شماله على خلق منطقة عازلة غير معلنة عبر الضغط على السكان ودفعهم إلى المغادرة، بسبب استمرار استخدام المسيّرات والصواريخ من تلك المناطق».

وفيما يتعلق بالتحركات الإسرائيلية في محيط زوطر وأرنون وقلعة الشقيف، رأى الحلو أن «ما يجري لا علاقة له بإعادة ترسيم الحدود؛ بل هو احتلال ميداني مؤقت تفرضه الحسابات العسكرية».

وقال إن «هذه المنطقة تُعدّ استراتيجية لأنها تطل على الداخل الإسرائيلي، ولأن استمرار وجود (حزب الله) فيها يسمح باستهداف مواقع إسرائيلية، لذلك تلجأ إسرائيل إلى عمليات تسلل تنفذها وحدات خاصة صغيرة بدلاً من الاجتياحات التقليدية الواسعة».

آلية عسكرية إسرائيلية عند الحدود مع لبنان (رويترز)

عمليات الحزب

في المقابل، أعلن «حزب الله» تنفيذ سلسلة عمليات الجمعة، شملت التصدّي لطائرات ومسيّرات إسرائيلية بصواريخ أرض - جو، وتفجير عبوات ناسفة بقوات وآليات إسرائيلية في الطيبة وحداثا، ما أدى إلى «تدمير جرافتي D9 وإصابات مؤكدة». كما استهدف الحزب قوة قرب موقع البياضة ودبابة «ميركافا» بصليات صاروخية وصاروخ موجّه، إضافة إلى قصف قوة في بيدر الفقعاني، واستهداف دبابة في رشاف بمحلّقة انقضاضية، و3 آليات «بوكلين» في الخيام بقذائف المدفعية، في إطار استمرار المواجهات على المحاور الجنوبية.


مقالات ذات صلة

الأزمات والحروب المتلاحقة تهدد مستوى التعليم في لبنان

المشرق العربي وزيرة التربية ريما كرامي خلال مؤتمر صحافي يوم الجمعة (الوكالة الوطنية للإعلام)

الأزمات والحروب المتلاحقة تهدد مستوى التعليم في لبنان

لم يكن قرار وزيرة التربية والتعليم العالي في لبنان ريما كرامي إلغاء امتحانات الشهادة المتوسطة لهذا العام مفاجئاً للطلاب وأهاليهم.

بولا أسطيح (بيروت)
المشرق العربي الدخان يتصاعد عقب غارة إسرائيلية على مدينة صور بجنوب لبنان (أ.ف.ب) p-circle

الأمم المتحدة: مفاوضات لبنان وإسرائيل توفّر «فرصة حاسمة» لوقف الحرب

عدّ منسق الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في لبنان، الجمعة، أن المفاوضات الجارية بين لبنان وإسرائيل تشكِّل «فرصة حاسمة» لوقف الحرب، مندداً باستمرار غارات تل أبيب.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
خاص وليد جنبلاط يرسم صورة التشظي اللبناني في «قدر من المشرق»

خاص وليد جنبلاط يرسم صورة التشظي اللبناني في «قدر من المشرق»

مذكرات وليد جنبلاط الصادرة في كتاب باللغة الفرنسية تحت عنوان «قدر من المشرق» ليست سيرة بالعنى الحرفي بل نافذة على تاريخ لبنان الحديث.

ميشال أبونجم (باريس)
المشرق العربي عناصر من الجيش اللبناني ينتشرون في أحد شوارع العاصمة بيروت (إ.ب.أ)

إسرائيل ترفض الانسحاب من لبنان قبل «تحييد» «حزب الله»

رفضت إسرائيل وقف إطلاق النار بناء على طلب لبنان خلال الجولة الثالثة من المفاوضات التي شهدتها واشنطن العاصمة بضيافة وزارة الخارجية

علي بردى (واشنطن)
المشرق العربي نساء ينتحبن على نعش عنصر في الدفاع المدني قُتل بغارة إسرائيلية في جنوب لبنان (أ.ب)

بري يترك كلمة الفصل للنتائج في ملف المفاوضات مع إسرائيل

استبق «حزب الله» انطلاق المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية المباشرة في واشنطن بإعلان تبرئه من أي اتفاق يمكن التوصل إليه.

محمد شقير (بيروت)

أميركا تدرس مطالبة إسرائيل بتخصيص أموال الضرائب الفلسطينية لمجلس ترمب للسلام

فلسطينيون يسيرون وسط مبانٍ مدمرة في مدينة غزة (أ.ب)
فلسطينيون يسيرون وسط مبانٍ مدمرة في مدينة غزة (أ.ب)
TT

أميركا تدرس مطالبة إسرائيل بتخصيص أموال الضرائب الفلسطينية لمجلس ترمب للسلام

فلسطينيون يسيرون وسط مبانٍ مدمرة في مدينة غزة (أ.ب)
فلسطينيون يسيرون وسط مبانٍ مدمرة في مدينة غزة (أ.ب)

قالت 5 مصادر مطلعة إن الولايات المتحدة تدرس مطالبة إسرائيل بتحويل جزء من عائدات الضرائب التي تحجبها عن السلطة الفلسطينية إلى مجلس السلام الذي شكله الرئيس الأميركي دونالد ترمب، وذلك لتمويل خطته لمرحلة ما بعد الحرب في قطاع غزة.

وأوضح 3 من المصادر -وهم مسؤولون مطلعون على المداولات الأميركية مع إسرائيل- أن إدارة ترمب لم تحسم أمرها بعد بشأن تقديم طلب رسمي إلى إسرائيل، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.


نتنياهو: إسرائيل تسيطر على 60 % من قطاع غزة

TT

نتنياهو: إسرائيل تسيطر على 60 % من قطاع غزة

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (د.ب.أ)
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (د.ب.أ)

قال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إن قواته تسيطر على 60 في المائة من قطاع غزة، في ما يُظهر أنها وسّعت من نطاق سيطرتها داخل القطاع إلى أبعد مما نصّ عليه اتفاق وقف إطلاق النار المبرم في أكتوبر (تشرين الأول).

وجاءت تصريحات نتنياهو بينما لا يزال القطاع الفلسطيني يشهد أعمال عنف يومية، وفي ظلّ تعثّر الجهود الرامية إلى تثبيت الهدنة، ووضع نهاية دائمة للحرب.

وقال نتنياهو خلال فعالية لمناسبة «يوم القدس»، الخميس: «خلال العامين الماضيين، أظهرنا للعالم أجمع القوة الهائلة الكامنة في شعبنا ودولتنا وجيشنا وتراثنا».

وأضاف: «لقد أعدنا جميع رهائننا إلى الوطن، حتى آخر واحد منهم»، في إشارة إلى أحد الأهداف الرئيسة المعلنة للحرب في غزة. وتابع: «هناك من كان يقول: انسحبوا، انسحبوا! نحن لم ننسحب. اليوم نسيطر على 60 في المائة، وغداً سنرى»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وينصّ اتفاق وقف إطلاق النار الذي توسّطت فيه الولايات المتحدة على انسحاب القوات الإسرائيلية إلى ما يُعرف بـ«الخط الأصفر» داخل غزة، مع بقائها مسيطرة على أكثر من 50 في المائة من أراضي القطاع.

وتعدّ تصريحات نتنياهو أول تأكيد رسمي على توسيع الجيش نطاق انتشاره، بعد تقارير إعلامية تحدّثت في الأسابيع الأخيرة عن تقدّم القوات الإسرائيلية نحو ما يُسمّى «الخط البرتقالي».

وشهدت المرحلة الأولى من الهدنة إطلاق سراح آخر الرهائن الذين احتجزتهم حركة «حماس» خلال هجمات عام 2023 التي أشعلت الحرب في غزة، وذلك مقابل الإفراج عن معتقلين فلسطينيين لدى إسرائيل.

أما المرحلة الثانية، فتشمل قضايا معقّدة، لعلّ من أبرزها نزع سلاح «حماس» يليه انسحاب تدريجي للقوات الإسرائيلية من قطاع غزة.

ومع تعثّر التقدّم في هذه الملفات خلال المفاوضات الجارية بين «حماس» والوسطاء، أفادت وسائل إعلام إسرائيلية بأن الجيش يستعدّ لاستئناف القتال في غزة إذا رفضت الحركة نزع سلاحها.

ولوّح نتنياهو في عدة مناسبات بأن إسرائيل ستستأنف الحرب إذا لم تتخلَّ «حماس» عن سلاحها.

ومنذ دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في أكتوبر 2025، قُتل ما لا يقل عن 850 فلسطينياً بحسب وزارة الصحة التي تديرها حركة «حماس» في غزة. وخلال الفترة نفسها، أعلن الجيش الإسرائيلي مقتل خمسة من جنوده في غزة.


الأزمات والحروب المتلاحقة تهدد مستوى التعليم في لبنان

وزيرة التربية ريما كرامي خلال مؤتمر صحافي يوم الجمعة (الوكالة الوطنية للإعلام)
وزيرة التربية ريما كرامي خلال مؤتمر صحافي يوم الجمعة (الوكالة الوطنية للإعلام)
TT

الأزمات والحروب المتلاحقة تهدد مستوى التعليم في لبنان

وزيرة التربية ريما كرامي خلال مؤتمر صحافي يوم الجمعة (الوكالة الوطنية للإعلام)
وزيرة التربية ريما كرامي خلال مؤتمر صحافي يوم الجمعة (الوكالة الوطنية للإعلام)

لم يكن قرار وزيرة التربية والتعليم العالي في لبنان، ريما كرامي، الذي أعلنت عنه يوم الجمعة، بإلغاء امتحانات الشهادة المتوسطة لهذا العام، واعتماد العلامات المدرسيّة وامتحان داخل المدرسة، بوصف ذلك بديلاً، أمراً مفاجئاً للطلاب وأهاليهم كما للكادر التعليمي، فهم اعتادوا في السنوات الماضية قرارات مماثلة تماشياً مع الأزمات والحروب المتتالية التي شهدها لبنان.

وقد أتى هذا الإعلان بعد أيام من إعلان مماثل لوزارة التربية الفرنسية بإلغاء شهادة البكالوريا الفرنسية في لبنان وعدد من دول الشرق الأوسط، وهي شهادة ثانوية رسمية تتبع المنهاج الفرنسي، وتُشرف عليها وزارة التربية الفرنسية عبر شبكة المدارس الفرنسية في الخارج التابعة لها.

وعلى الرغم من تأكيد الوزيرة اللبنانية الإبقاء على امتحانات الشهادة الثانوية، مع قرار بتقليص الدروس في مواد معينة واعتماد 3 دورات متتالية، فإن أكاديميين ومعنيين بالقطاع التعليمي باتوا يدقون ناقوس الخطر مع التراجع المدوي في مستوى التعليم في البلاد، مع تآكل جودة التعليم وضعف اكتساب الطلاب للمهارات والمعارف الأساسية، نتيجة تراجع عدد أيام التدريس الفعلية في المدارس اللبنانية التي تحول قسم كبير منها إلى مراكز نزوح.

الفيدرالية التعليمية

لم يعد الحديث عن التفاوت في مستوى التعليم بين المدارس الرسمية والخاصة كما بين المناطق اللبنانية، مجرّد توصيف عابر لأزمة ظرفية؛ بل بات، وفق أكاديميين وتربويين، أقرب إلى ما يشبه «فيدرالية تعليمية» غير معلنة؛ ففي وقت تتمكن فيه بعض المدارس الخاصة من الحفاظ نسبياً على برامجها التعليمية واستقرار كوادرها، تواجه مدارس رسمية، خصوصاً في المناطق التي تعدّ غير آمنة، صعوبات هائلة أدت لدمار أو إقفال العدد الأكبر منها، واعتماد بعضها التعليم عن بُعد الذي لم يتمكن عدد كبير من التلامذة الالتحاق به.

ويرى أكاديميون أن استمرار هذا الواقع يهدد وحدة النظام التربوي اللبناني، ويضرب مبدأ تكافؤ الفرص بين التلامذة، بحيث بات مستوى التحصيل العلمي مرتبطاً أكثر من أي وقت مضى بالمنطقة الجغرافية والوضع الاجتماعي والقدرة المادية للأهل؛ لا بالمناهج الرسمية أو السياسات التربوية الموحدة.

أطفال نازحون من الضاحية الجنوبية إلى وسط بيروت (أ.ف.ب)

مستويان تعليميان في لبنان

تشدد الدكتورة نسرين شاهين، رئيسة رابطة الأساتذة المتعاقدين في التعليم الأساسي الرسمي بلبنان، على أنه «لا يمكن اعتماد مقاربة واحدة للتعليم في لبنان، بحيث يختلف الواقع التعليمي خلال الحرب بين المدارس الرسمية والخاصة حتى بين المدارس الرسمية نفسها؛ إذ إن هناك 15 في المائة من المدارس الرسمية خارج نظام التعليم كلياً، نتيجة الدمار والنزوح ووجودها في مناطق غير آمنة، فيما 85 في المائة من المدارس منقسمة بين تعليم حضوري وتعليم عن بُعد، ما يجعلنا بصدد (فيدرالية تعليمية) واضحة يفترض مقاربة كل الواقع التعليمي على أساسها»، متحدثة لـ«الشرق الأوسط»، عن «خلل في سير العام الدراسي، باعتبار أن التعليم عن بُعد أيضاً لم يكن ممكناً ومتاحاً للجميع».

وتعتبر شاهين أن إلغاء «الشهادة المتوسطة كان يفترض أن يحصل، خصوصاً أنها ليست أصلاً معياراً في سلم الشهادات التعليمية، إضافة إلى أنه ونتيجة الحرب الراهنة، فلا عدالة ولا مساواة في تلقي التعليم، ولا إمكانات أمنية ولوجستية تتيح إجراء الامتحانات»، مضيفة: «المدارس الخاصة تمكنت من تطبيق الخطط التعليمية التي وضعتها وأنهت المنهج السنوي، أما المدارس الرسمية فلم تتمكن إلا من إكمال جزء من المنهج، ما يؤدي إلى هوة كبيرة، وإلى وجود مستويين تعليميين في لبنان، ما يوجب التعاطي مع الواقع على هذا الأساس، لا أن تتم معاملة كل الطلاب بالطريقة نفسها، ما يؤدي لتخفيض المستويات التعليمية في البلد ككل».

مخاوف ليست في مكانها

على الرغم من المخاوف التي يعبّر عنها بعض الأهالي من أن يكون لإلغاء الشهادات الرسمية تداعيات على فرص التحاق أولادهم في جامعات خارج لبنان، فإن الباحث محمد شمس الدين يؤكد أن «إلغاء الشهادات الرسمية ليس معياراً لقياس مستوى التعليم ومستوى الطلاب، بحيث إن الجامعات الكبرى تعتمد على امتحانات محددة تختلف عن الامتحانات الرسمية»، مذكراً «الشرق الأوسط» بأنه «كانت هناك 4 شهادات رسمية في لبنان بدأ العمل على إلغائها تباعاً».

أطفال نازحون يلعبون في ملعب مدينة كميل شمعون الرياضية ببيروت التي تحولت إلى مركز للنازحين (إ.ب.أ)

وضع يُرثى له

في مقاربة أوسع للواقع التعليمي، تتحدث الدكتورة في علم النفس بالجامعة اللبنانية في بيروت، منى فياض، عن «مستقبل مأزوم لأجيال كاملة، فالدراسة متقطعة منذ سنوات، إضافة إلى عدم وجود مساواة في تأمين التعليم»، واصفة الوضع بأنه «يرثى له، ما ينعكس تلقائياً على هبوط في مستوى الطلاب اللبنانيين، وإن كان سيبقى هناك على المستوى الفردي من سيتفوقون ويبرعون في الداخل والخارج، لكن واقع الغالبية العظمى سيكون صعباً».

وتضيف فياض لـ«الشرق الأوسط»: «إذا توقفت الحرب قريباً، فسنحتاج لسنوات كي نعود إلى الوضع الذي كنا فيه، وهو أصلاً كان وضعاً سيئاً».

وتعتبر فياض أن «إلغاء الشهادات الرسمية ورمي الكرة في ملعب المدارس يفاقمان الوضع، بحيث إنه ونتيجة الفساد الذي يعصف بكل المؤسسات ومنها المدارس، فلا ثقة بإداراتها بأنها ستتعامل بشفافية مع الامتحانات الموحدة التي قد تحصل... من دون أن ننسى وضع الأساتذة السيئ جداً، الذي قد يكون أسوأ من أوضاع الطلاب أنفسهم».