تتَّجه الحكومة المصرية لتنفيذ إجراءات جديدة تستهدف الحدَّ من «الغش» في امتحانات «الثانوية العامة»، وتطرَّقت لأول مرة لإمكانية «قطع الإنترنت» عن بعض اللجان، مشيرة إلى أنَّها تدرس الأمر مع الجهات المختصة، بينما قرَّرت تقريب لجان الامتحانات داخل «مجمعات امتحانية» قريبة جغرافياً من بعضها؛ لتسهيل عملية السيطرة عليها، وذلك بعد أن قرَّرت تركيب كاميرات «مراقبة» داخل جميع لجان الامتحانات.
هذه الخطوات، التي تستهدف التعامل مع حالات الغش المتكرِّرة في مناطق مختلفة، يراها معلمون وخبراء تربية تحدَّثوا لـ«الشرق الأوسط» إيجابيةً، لكنهم في الوقت ذاته يشدِّدون على أنَّها لا تُشكِّل حلاً جذرياً للقضاء على ظاهرة الغش، التي تظلُّ هاجساً مستمراً في ظلِّ الاعتماد على أدوات تكنولوجية حديثة، ومع بروز ثغرات قانونية يستغلها الغشاشون لصالحهم، إلى جانب استمرار طريقة التقييم عبر نظام «البابل شيت» الذي يسهِّل عملية الغش.
وتعتمد منظومة «البابل شيت» في مصر على أسئلة موضوعية (اختيار من متعدد) تشمل 85 في المائة من إجمالي أسئلة الامتحان، إلى جانب 15 في المائة أسئلة مقالية، وهو أمر طالَب خبراء التربية مرات كثيرة بتعديله للحدِّ من الغش، مع التوسُّع في الاعتماد على «سماعات الأذن الدقيقة» التي يُقبل الطلاب على شرائها بوقت مبكر قبل انطلاق الامتحانات.
إجراءات جديدة
وقال وزير التربية والتعليم والتعليم الفني المصري، محمد عبد اللطيف: «إن تنظيم اللجان الامتحانية خلال العام الحالي يقوم على نظام مجمعات سير امتحانات، التي ستضم عدداً من لجان الامتحانات داخلها بما يُحقِّق مزيداً من الانضباط والتنظيم»، مشيراً إلى أنَّ «تلك الخطوة تؤدي لتقليل عدد اللجان، بما يسهم في إحكام السيطرة، والمتابعة الدقيقة داخل اللجان الامتحانية».
وأضاف وزير التربية والتعليم خلال لقائه مجموعة من الصحافيين، الخميس، أن «فكرة قطع الإنترنت عن بعض لجان امتحانات الثانوية العامة ما زالت محل دراسة»، مشيراً إلى أنَّ «الهدف من دراسة هذا المقترح هو تعزيز إجراءات تأمين الامتحانات، وضمان سيرها في أجواء منضبطة، خصوصاً في ظلِّ التطوُّر السريع لوسائل الغشِّ المعتمِدة على التكنولوجيا».
وأوضح أنَّ وزارته تدرس جميع البدائل المتاحة للتعامل مع هذه التحديات، مع التأكيد على ضرورة تحقيق التوازن بين تأمين الامتحانات، وعدم التأثير على الخدمات الأساسية المُقدَّمة للمواطنين.
وتجد الجهات المصرية القائمة على تنظيم الامتحانات صعوبات في ضبطها بشكل كامل، ويخوض الامتحانات هذا العام، التي تنطلق الشهر المقبل، 921 ألفاً و709 طلاب وطالبات.
وتعوّل وزارة التربية والتعليم على تراجع حالات الغش مع تطبيق منظومة «البكالوريا»، وهي نظام تعليمي يركز على تنويع المسارات التعليمية والتقييم المستمر، مع فرص امتحانية متعددة (بما فيها فرص تحسين المجموع)، وهي تعمل بالتوازي مع نظام «الثانوية العامة»، الذي يعتمد على فرصة امتحانية واحدة.

مطالب بحلول جذرية
يرى محمد إسماعيل، وهو مُعلم لغة عربية بمحافظة سوهاج (جنوب) ويشارك في أعمال الامتحانات سنوياً، أنَّ قرارات الوزارة الجديدة بشأن مواجهة الغش منقوصة لأنَّها لم تراعِ الأبعاد التربوية والمجتمعية التي تساعد على الغش، بينها طريقة الامتحان، وتشجيع بعض أولياء الأمور لأبنائهم على شراء «سماعات الغش»، وفقدان ثقة البعض في تكافؤ الفرص.
يقول إسماعيل في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إن الحلول الجذرية للحدِّ من الغش يجب أن تتضمَّن إجراءات رقابية أكثر حسماً داخل وخارج اللجان الامتحانية، وسد الثغرات القانونية التي تجعل «مراقب الامتحان» متهماً في حال ضبط طالباً متلبساً بالغش داخل لجنة الامتحان، وبالتالي يبقى لدى البعض مخاوف من تحرير «محاضر الغش».
وفي المقابل، يؤكد وزير التعليم المصري «استمرار التنسيق الكامل مع جميع الجهات المعنية؛ استعداداً لمنظومة الامتحانات، ومواجهة أي تجاوزات أو محاولات للإخلال بسير العملية الامتحانية، من خلال تطبيق إجراءات وآليات رقابية وتقنية حديثة تتواكب مع التطورات التكنولوجية المتسارعة». ويضيف: «الوزارة مستمرة في تطوير منظومة الامتحانات بشكل شامل، من خلال تطبيق ضوابط صارمة داخل اللجان، تشمل منع اصطحاب الهاتف الجوال، أو أي وسائل تكنولوجية تُستخدَم في الغش».

أستاذ المناهج وطرق التدريس بجامعة عين شمس، الدكتور محسن فراج، يرى أنَّ وزارة التربية والتعليم طرحت كثيراً من الأفكار خلال هذا العام والسنوات السابقة للتعامل مع «الغش» باستخدام الوسائل التكنولوجية الحديثة، لكن تستمر الظاهرة تؤرق الجهات القائمة على تنظيم الامتحانات وأولياء الأمور، مشيراً إلى ما أعلنه وزير التعليم مؤخراً من أفكار إيجابية حال تنفيذها، خصوصاً ما يتعلق بقطع الإنترنت عن بعض اللجان.
جهات عدة مسؤولة
ويقول فراج في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إن «الحد من الغش» لا يجب أن يكون مسؤولية وزارة التعليم بمفردها، بل تتشارك فيه جهات كثيرة، أبرزها وزارات الاتصالات والداخلية والشباب والرياضة، إلى جانب الجهات المجتمعية التي تبقى مهمتها في التوعية بمخاطر تفشي الظاهرة، مشيراً إلى أنَّ تجميع الطلاب داخل مجمعات قريبة من بعضها لخوض الامتحانات يساعد على تأمين اللجان، وكذلك يُمكِّن الجهات التقنية من قطع الإنترنت في مناطق بعينها.
وطالب بزيادة نسبة الأسئلة المقالية في الامتحانات لكي تتجاوز 60 في المائة بوصفها إجراءً يستهدف مكافحة الغش، وكذلك ضمان قياس قدرات الطلاب المختلفة من الناحيتين العلمية والتربوية.
وفي شهر ديسمبر (كانون الأول) الماضي، وجَّه الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، بـ«تشديد العقوبات المُوقَّعة على مَن يثبت تورطهم في الغش بامتحانات الثانوية العامة».
وتواجه وزارة التربية والتعليم المصرية انتقادات؛ نتيجة استمرار وقائع «الغش» ولم تعلن الوزارة خلال امتحانات العام الماضي أعداد الطلاب الذين تمَّ ضبطهم بتهمة «الغش»، غير أنَّها أعلنت في امتحانات الثانوية العامة عام 2024 إحالة 425 طالباً إلى جهات التحقيق؛ بسبب مخالفة قانون أعمال الامتحانات، بعد أن تمَّ إجراء محاضر غش لهم خلال أدائهم الامتحانات.


