ماذا لو كان أكثر ما يؤثر في جودة حياة المريض... هو ما لا يُفصِح به المريضُ نفسُه، وما لا يُبادر الطبيب إلى سؤاله؟
في العيادة الطبية، حيث تُقاس الصحة بالأرقام، وتُتابع المؤشرات الحيوية بدقة، تبقى هناك مساحات لا تُقاس، لكنها تؤثر بعمق في حياة الإنسان... مساحات من التردد، والحرج، والصمت، تتوارى خلف أسئلة لم تُطرح، وأجوبة لم يُتح لها أن تُقال.
في مقدمة هذه المساحات، تأتي الصحة الجنسية، بوصفها أحد أكثر الجوانب ارتباطاً بجودة الحياة، وأقلها حضوراً في الحوار السريري. فبين حساسية الموضوع، وضيق الوقت، وتردد كلٍ من المريض والطبيب، يتشكل صمتٌ مزدوج، قد يحجب فهماً مهماً للحالة الصحية، ويؤخر فرص التدخل المبكر.

الصحة الجنسية
• مفهوم الصحة الجنسية. في هذا الموضوع، يطرح ملحق «صحتك» قضية الصحة الجنسية للنقاش، مستنداً إلى محاضرة علمية متخصصة ألقيت أخيراً في أحد المؤتمرات الطبية، قدّمها الدكتور عمر باناعمة، استشاري طب الأسرة بمدينة الملك عبد العزيز الطبية بالحرس الوطني في جدة، والحاصل على زمالة اللجنة الأوروبية للطب الجنسي (FECSM)، بهدف إطلاع القارئ على هذا الملف الطبي، والاجتماعي الحساس من منظور توعوي، وعلمي، وسريري متكامل.
يستهلّ الدكتور عمر باناعمة حديثه بتعريف الصحة الجنسية، مؤكداً، استناداً إلى تعريف منظمة الصحة العالمية، أنها حالة من الرفاه الجسدي، والنفسي، والاجتماعي، وليست مجرد غياب الاضطراب، أو الخلل. ويشير إلى أن هذا التعريف يعيد صياغة المفهوم الطبي التقليدي، لينقل الصحة الجنسية من إطار ضيق مرتبط بالوظيفة البيولوجية، إلى مفهوم أوسع يشمل جودة الحياة، والعلاقات الإنسانية، والتوازن النفسي.
كما يوضح أن هذا البعد يرتبط ارتباطاً وثيقاً بعدة محاور صحية، من بينها:
- التوازن النفسي، والعاطفي.
- جودة العلاقات الإنسانية.
- الشعور بالرضا، والقبول الذاتي.
ويؤكد الدكتور باناعمة أن الاضطرابات في هذا المجال قد تكون مؤشراً مبكراً لمشكلات صحية أعمق، مثل:
- أمراض القلب، والأوعية الدموية.
- داء السكري.
- اضطرابات القلق، والاكتئاب.
- التأثيرات الجانبية لبعض الأدوية.
ومن هنا، فإن تجاهل هذا الجانب لا يعني عزله، بل قد يؤدي إلى إغفال إشارات مهمة تتعلق بصحة المريض العامة. ويضيف أن الدراسات العالمية تشير إلى أن تحسن الصحة الجنسية يرتبط بشكل مباشر بتحسن جودة الحياة لدى نسب كبيرة من الرجال، والنساء، وهو ما يعزز أهمية إدماجها ضمن التقييم الصحي الشامل.
• الاضطرابات الجنسية. يشير الدكتور عمر باناعمة إلى أن البيانات المحلية لا تترك مجالاً للشك في أن الصحة الجنسية ليست قضية هامشية، بل تعد واقعاً حاضراً، وإن كان غير معلن، حيث تكشف الأرقام فجوة واضحة بين ما يحدث فعلياً وما يُطرح داخل العيادات.
في دراسة مدرسية (Alsubaie AS et al.، Journal of Family & Community Medicine.2019) أُجريت في مدينة الرياض بالمملكة، أفاد نحو نصف المراهقين الذكور بسلوكيات مرتبطة بالتجربة الجنسية، في سياق يعكس مزيجاً من الفضول، والارتباك، ونقص المعلومات، وهي عوامل قد تقود إلى سلوكيات غير مدروسة في غياب التوجيه العلمي المناسب.
وفي بيئة العيادات، يلفت الدكتور باناعمة إلى دراسة أخرى (Madbouly K et al.، Sexual Medicine.2021) منشورة في مجلة الطب الجنسيSexual Medicine Journal التي أظهرت أن نسبة ملحوظة من النساء تنطبق عليهن معايير الاضطرابات الجنسية، ما يعكس فجوة حقيقية بين الاحتياج الفعلي وطلب المساعدة.
كما تشير دراسات وبائية حديثة إلى أن ما يقارب واحداً من كل خمسة رجال يعاني من ضعف الانتصاب، وهو رقم لا يعكس مجرد حالة فردية، بل يُعد مؤشراً متعدد الأبعاد يتقاطع مع الصحة الجسدية، والنفسية، والاجتماعية.
ويختصر الدكتور باناعمة هذه الصورة بوضوح بقوله: «المشكلة موجودة... لكن الوصول إليها ليس مباشراً؛ لأن ما لا يُسأل عنه غالباً لا يُكشف. إنهم لا يحتاجون إلى مزيدٍ من الوقت، بل يحتاجون إلى من يتجاوز الخطوط الحمراء، ويكسر حاجز الصمت...».
متابعة الصحة الجنسية
• «صمت مزدوج» بين المريض والطبيب. يوضح الدكتور عمر باناعمة أن ما يميز هذا الموضوع هو ما يسميه «الصمت المزدوج»، حيث يتردد المريض في الحديث، ويتردد الطبيب في السؤال، لتبقى هذه القضية الحساسة خارج نطاق النقاش.
ويرى أن هذا الصمت لا يرتبط فقط بالثقافة، بل هو نتيجة تفاعل عدة عوامل، من أبرزها:
- الحرج، والخوف من الوصمة الاجتماعية.
- الاعتقاد بأن المشكلة طبيعية، أو غير قابلة للعلاج.
- نقص التثقيف الصحي.
- غياب المبادرة داخل العيادة.
وفي المقابل، يشير إلى أن الطبيب قد يواجه تحديات تتعلق بضيق الوقت، أو محدودية التدريب، أو الحساسية الثقافية. وهنا يؤكد على رسالة محورية في محاضرته: «إذا لم تسأل... فلن يخبرك المريض».
• الصحة الجنسية والعمر. يؤكد الدكتور عمر باناعمة أن احتياجات الصحة الجنسية تتغير مع مراحل العمر، لكنها لا تختفي، بل تتخذ أشكالاً مختلفة تتطلب فهماً سريرياً مرناً.
ففي مرحلة المراهقة، يمر الأفراد بحالات من الفضول، والارتباك، ونقص المعرفة، مما يجعل التوجيه المبكر ضرورة صحية، وليس خياراً. وفي مرحلة البلوغ، تتداخل العوامل الجسدية، والنفسية، وتظهر قضايا الأداء، والضغوط، والتوقعات.
أما في مراحل العمر المتقدمة، فيؤكد أن الحاجة إلى الحميمية لا تنتهي، بل تتغير طبيعتها، مشيراً إلى عبارة لافتة وردت في محاضرته: «الحميمية لا تتقاعد». ويضيف أن تقارير منظمة الصحة العالمية تؤكد أن هذا الجانب يظل جزءاً مهماً من جودة الحياة حتى في الشيخوخة.
• دور الرعاية الأولية. يرى الدكتور عمر باناعمة أن الرعاية الصحية الأولية تمثل نقطة التحول الحقيقية في التعامل مع هذا الملف الحساس، من الصمت إلى المبادرة؛ نظراً لطبيعتها الشمولية، واستمرارية العلاقة بين الطبيب والمريض.
ويؤكد أن الصحة الجنسية ليست موضوعاً فرعياً، بل هي جزء أصيل من ممارسة طب الأسرة الذي يقوم على فهم المريض فهماً شمولياً، لا اختزاله في أعراضه فقط.
وأشار إلى إرشادات الأكاديمية الأميركية لأطباء الأسرة التي توصي بإدماج أسئلة بسيطة ومهنية ضمن التاريخ المرضي، وبطريقة طبيعية، وغير مباشرة، وتراعي الخصوصية، والسياق الثقافي.
كما أوضح أن نموذج ExPLISSIT (وهو أحد النماذج المعتمدة في الممارسة الإكلينيكية للصحة الجنسية) يوفر إطاراً عملياً يساعد طبيب الأسرة على فتح الحوار بشكل آمن، ومهني، بدءاً بمنح المريض الإذن للحديث عن مشكلته، ومروراً بتقديم معلومات محددة، وملائمة، ثم اقتراح تدخلات أولية، وصولاً إلى الإحالة للتدخل المتخصص عند الحاجة.
وفي السياق ذاته، يؤكد الدكتور عمر باناعمة أن إدماج الصحة الجنسية ضمن التقييم الروتيني قد يُحدث فرقاً جوهرياً في جودة الرعاية، وهو ما تدعمه إرشادات مراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها (CDC).
ويشير إلى أن الفرق بين صمتٍ طويل وتشخيصٍ مبكر قد يكون مجرد سؤالٍ بسيط؛ إذ إن كثيراً من المرضى لا يحتاجون إلى وقتٍ إضافي، بل إلى مساحةٍ آمنة للحديث.
الخلاصة
رغم التقدم الكبير في مفاهيم الرعاية الصحية، لا تزال بعض الجوانب المرتبطة بجودة حياة المريض تُطرح على استحياء، أو تُترك دون نقاش كافٍ، وفي مقدمتها الصحة الجنسية. فهذا الجانب، على أهميته، كثيراً ما يبقى خارج دائرة التقييم السريري، ليس لغيابه، بل لحساسيته، وهو ما قد يحوّل الصمت مع مرور الوقت إلى عائق حقيقي أمام التشخيص المبكر، والفهم المتكامل للحالة الصحية.
وقد نُجيد في العيادة متابعة المؤشرات الحيوية، وضبط الأمراض المزمنة، لكن تبقى هناك مساحة لا تُقاس بالأرقام، ومع ذلك تؤثر بعمق في حياة المريض. وهنا تتقاطع المسؤولية بين المريض والطبيب، وتبدأ بخطوة بسيطة قد تغيّر كل شيء.
رسالتنا إلى القارئ: إذا كنت، سابقاً، تظن أن الحديث عن هذا الجانب من صحتك يمكن تأجيله، أو تجاهله، فقد حان الوقت، الآن، لإعادة التفكير. فالصحة لا تقتصر على ما يظهر في الفحوصات، بل تشمل أيضاً ما تشعر به، وما قد تتردد في الإفصاح عنه. لا تجعل الحرج حاجزاً بينك وبين فهم أعمق لصحتك؛ فقضايا كثيرة من هذا الجانب قابلة للفهم، والتعامل، لكنها تحتاج فقط إلى خطوة أولى... قد تكون إفصاحاً صريحاً، أو حتى بداية حديث.
وإلى طبيب الأسرة، والرعاية الأولية، نقول: إن تجاهل هذا الجانب لم يعد خياراً مهنياً. فالصحة الجنسية جزء لا يتجزأ من الرعاية الشاملة، وطرحها لا يعني تجاوزاً، بل ممارسة طبية متكاملة. ابدأ بسؤال بسيط، بصياغة مهنية، وفي الوقت المناسب؛ فليس المطلوب أن تملك جميع الإجابات، بل أن تفتح الباب، وتوفر بيئة آمنة للحديث. ففي كثير من الأحيان لا يكون دور الطبيب في الحل المباشر، بقدر ما يكون في تمكين المريض من التعبير، والوصول إلى الرعاية المناسبة.
ولعل البداية لا تحتاج إلى أكثر من وعي مختلف... وسؤال يُطرح في الوقت المناسب؛ سؤال قد يبدو عابراً، لكنه كفيل بأن يزيح غموضاً طال السكوت عنه، ويكسر حاجز الصمت، ويعيد تعريف معنى الرعاية الصحية.
*استشاري طب المجتمع

