تشكيل «المجلس الأعلى للأعمال اللبناني - السوري» لتنشيط العلاقات الاقتصادية

وزير الاقتصاد لـ«الشرق الأوسط»: ينطلق أواخر يونيو... ويضم القطاع الخاص

الرئيس السوري أحمد الشرع يستقبل رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام في دمشق (رئاسة الحكومة اللبنانية)
الرئيس السوري أحمد الشرع يستقبل رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام في دمشق (رئاسة الحكومة اللبنانية)
TT

تشكيل «المجلس الأعلى للأعمال اللبناني - السوري» لتنشيط العلاقات الاقتصادية

الرئيس السوري أحمد الشرع يستقبل رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام في دمشق (رئاسة الحكومة اللبنانية)
الرئيس السوري أحمد الشرع يستقبل رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام في دمشق (رئاسة الحكومة اللبنانية)

يسعى لبنان وسوريا خلال الأسابيع المقبلة إلى ترجمة الاتفاقات والتفاهمات التي تم التوصل إليها خلال زيارة رئيس الحكومة اللبنانية إلى دمشق مؤخراً، عبر مجموعة من الخطوات والقرارات التي ستصدر تباعاً، بما يؤكد وجود قرار واضح لدى الدولتين بالانتقال بالعلاقة بينهما إلى مستوى جديد من التعاون والتنسيق بعد سنوات من علاقة غير سوية أثرت سلباً على الطرفين.

ومن أبرز ما بدأ العمل عليه في هذا المجال، تشكيل «المجلس الأعلى للأعمال اللبناني - السوري» الذي يهدف إلى تنشيط العلاقات الاقتصادية والتجارية بين البلدين ويشمل القطاع الخاص.

ويوضح وزير الاقتصاد والتجارة، عامر البساط، أن «الحديث عن إنشاء هذا المجلس بدأ منذ فترة وقد تم التفاهم على أن يعقد أول اجتماعاته أواخر شهر يونيو (حزيران) المقبل»، لافتاً إلى أنه «سيتشكل من ممثلين عن القطاع الخاص وتتولى وزارة الاقتصاد الإشراف عليه، وتدعمه وتراقب أعماله وتساعد في وضع أجندته وتقديم الإرشاد».

ويشدد البساط في تصريح لـ«الشرق الأوسط» على «أهمية العلاقات اللبنانية - السورية باعتبار أن البلدين تحكمهما الجغرافيا والتاريخ وبالتالي النهوض بهذه العلاقات هدف استراتيجي لحكومتنا»، مضيفاً: «العلاقات المؤسساتية الاقتصادية مع سوريا بحاجة إلى تحديث أو حتى الانطلاق من الصفر، ويمكن القول إنه تم راهناً وضع الأمور على السكة الصحيحة، وقد بدأنا بمسار قد يكون طويلاً».

ويؤكد البساط أن الدولة السورية لاقت الرغبة اللبنانية بالنهوض بالعلاقة بين البلدين بالترحيب والالتزام والإرادة الإيجابية، موضحاً أن «هناك قناعة لدى الطرفين بأن نجاح سوريا من نجاح لبنان والعكس صحيح، وبأن العلاقات التي يتم بناؤها اليوم تقوم على المصالح المشتركة وعلى أسس جديدة وصحية وعلى الاحترام المتبادل».

الرئيس السوري أحمد الشرع مستقبلاً رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام على رأس وفد من الوزراء السبت الماضي (سانا)

إلغاء المجلس الأعلى

وفي أكتوبر (تشرين الأول) 2025، أعلنت سوريا عن تعليق عمل المجلس الأعلى اللبناني - السوري وهو مجلس انبثق عن «معاهدة الأخوة والتنسيق» بين لبنان وسوريا، التي تم توقيعها في عام 1991، وشكّلت «منعطفاً كبيراً» في تاريخ العلاقات بين البلدين؛ إذ رسخت «الوصاية السورية» على لبنان التي ظلت قائمة حتى خروج الجيش السوري عام 2005.

وحسب مصدر رسمي لبناني، فإن هذه المعاهدة وهذا المجلس «باتا بحكم غير الموجوديْن، وإن كانت هناك خطوات قانونية يفترض أن تتخذ في هذا المجال».

ويعتبر البروفسور مارون خاطر، الكاتب والباحث في الشؤون المالية والاقتصادية، أن «الحديث عن إنشاء مجلس أعلى جديد للأعمال بين لُبنان وسوريا يتجاوز البعد الاقتصادي التقني إلى إعادة طرح طبيعة العلاقة الثنائية نفسها»، لافتاً إلى أن «التجربة اللبنانية مع المجلس الأعلى اللبناني - السوري الذي نشأ بموجب اتفاقية الأخوّة والتعاون والتنسيق الموقّعة عام 1991، بقيت موضع جدل واسع في لبنان، نظراً إلى ما رافق تلك المرحلة من اختلال كبير في موازين القوى وتداخل سياسي وأمني نسف في أغلَب الأحيان مَفهوم العلاقة الطبيعية بين دولتين مستقلتين. وبناءً على ما تقدَّم، لا يمكن لأي إطار اقتصادي أو مؤسساتي جديد أن يَنجح ما لم ينطلق أولاً مِن مُراجعة نقديَّة عميقة لِتَجربة تِلك الاتفاقيات، وللشوائب التي رافقت تطبيقها»، مضيفاً: «بل إنّ أي محاولة لإبرام اتفاقيات جديدة أو إنشاء أطر تعاون حديثة تبقى منقوصة ما لم تُطرح بوضوح مسألة نقض وإلغاء اتفاقية الأخوّة والتعاون والتنسيق بصيغتها الحالية المجحفة بحق لبنان».

تنظيم العلاقات الاقتصادية

ويشدد خاطر، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، على أن «الحاجة إلى تنظيم العلاقات الاقتصادية بين البلدين حاجة واقعية وضرورية بِحُكم الجغرافيا والتداخل الاقتصادي الاستراتيجي العميق. فالمجالس العليا للأعمال تُنشأ عادةً لتأمين منصة مؤسساتية دائمة للحوار بين القطاعين العام والخاص، ولمتابعة ملفات التجارة والاستثمار والطاقة والنقل والمعابر والتنسيق الجمركي، إضافة إلى إزالة العوائق أمام حركة البضائع ورؤوس الأموال».

أما عن الملفات الاقتصادية العالقة بين البلدين، فيشير خاطر إلى أنها «كثيرة ومتراكمة، وفي مقدّمتها تهريب السلاح والبضائع والأموال وتجارة الممنوعات عبر المعابر غير الشرعية والأنفاق، التي استنزفت الاقتصاد اللبناني لعقود، وملف الترانزيت البري الذي يشكّل شرياناً حيوياً للصادرات اللبنانية نحو الخليج العربي. كذلك يبرز ملف الطاقة واستجرار الغاز والكهرباء عبر الأراضي السورية، إضافة إلى التعاون الجمركي، والرسوم، والتنسيق المالي الذي أصبح معقداً وضبابياً بعدَ العقوبات الدولية التي كانت مفروضة على سوريا. ومن بين أبرز الملفات تبادل المعلومات الأمنيَّة وملف النازحين السوريين من أكثر الملفات حساسيةً لما يترتب عليه من تداعيات اقتصادية واجتماعية ومالية ثقيلة على لبنان».


مقالات ذات صلة

لبنان ينطلق إلى المفاوضات مكبلاً بتشدد إسرائيل ورهانات «حزب الله»

خاص نساء ينتحبن على نعش عنصر في الدفاع المدني قتل بغارة إسرائيلية في جنوب لبنان خلال تشييعه الأربعاء (أ.ب)

لبنان ينطلق إلى المفاوضات مكبلاً بتشدد إسرائيل ورهانات «حزب الله»

يذهب لبنان إلى المفاوضات المباشرة مع إسرائيل، التي تنطلق الخميس وتستكمل الجمعة، كالقابض على الجمر

ثائر عباس (بيروت)
المشرق العربي الدخان يتصاعد جراء سقوط مسيّرة في موقع «اليونيفيل» جنوب لبنان (اليونيفيل)

مسيّرات لـ«حزب الله» تسقط قرب مواقع لـ«اليونيفيل» في جنوب لبنان

أعلنت قوات حفظ السلام المؤقتة العاملة في جنوب لبنان (اليونيفيل) أن قواتها تشعر بقلق كبير إزاء أنشطة عناصر «حزب الله» والجنود الإسرائيليين بالقرب من مواقعها

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي عناصر من الجيش اللبناني في موقع استهداف إسرائيلي لسيارة بمنطقة الجية على أوتوستراد بيروت - الجنوب (رويترز)

إسرائيل تستهدف خطوط إمداد مقاتلي «حزب الله» باتجاه جنوب لبنان

جدّد الجيش الإسرائيلي الأربعاء استهدافاته لسيارات تسلك الطريق السريع الذي يصل بيروت بجنوب لبنان في مسعى لتقليص وصول المقاتلين إلى منطقة المعارك 

نذير رضا (بيروت)
المشرق العربي الرئيس الأميركي دونالد ترمب مستضيفاً في جولة المفاوضات الثانية السفيرين اللبنانية ندى حمادة معوض والإسرائيلي يحيئيل ليتر في المكتب البيضاوي بحضور نائب الرئيس جي دي فانس ووزير الخارجية ماركو روبيو والسفيرين الأميركيين لدى لبنان ميشال عيسى وإسرائيل مايك هاكابي (أ.ف.ب)

المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية يتصدرها وقف النار ونزع سلاح «حزب الله»

فوجئ لبنان بالتوقيت الذي اختارته إسرائيل للعبور بوحدات مدرّعة من جيشها، وللمرة الأولى، من جنوب نهر الليطاني إلى شماله.

محمد شقير (بيروت)
المشرق العربي مبان مدمرة بالضاحية الجنوبية لبيروت نتيجة القصف الإسرائيلي (أ.ب)

خسائر متفاقمة لـ«حزب الله»... لا حصيلة للقتلى ومأساة النزوح تتعمق

تكبّد «حزب الله» خسائر كبيرة منذ إطلاقه الصواريخ الستة باتجاه إسرائيل معلناً فتح جبهة «إسناد إيران» ثأراً لمقتل المرشد علي خامنئي

«الشرق الأوسط» (بيروت)

كيف سيشارك أعضاء «فتح» في غزة بفعاليات مؤتمرها الثامن؟

مئات الآلاف يشاركون في مهرجان انطلاقة حركة «فتح» في غزة 2022 (نقلاً عن وكالة وفا)
مئات الآلاف يشاركون في مهرجان انطلاقة حركة «فتح» في غزة 2022 (نقلاً عن وكالة وفا)
TT

كيف سيشارك أعضاء «فتح» في غزة بفعاليات مؤتمرها الثامن؟

مئات الآلاف يشاركون في مهرجان انطلاقة حركة «فتح» في غزة 2022 (نقلاً عن وكالة وفا)
مئات الآلاف يشاركون في مهرجان انطلاقة حركة «فتح» في غزة 2022 (نقلاً عن وكالة وفا)

تضع اللجنة المشرفة على انعقاد المؤتمر العام الثامن لحركة «فتح» اللمسات الأخيرة لإطلاقه يوم الخميس المقبل، في 4 ساحات مختلفة لأول مرة، وهي: رام الله وغزة والقاهرة وبيروت، بينما تشهد ساحة غزة محاولات تشكيل تحالفات وتكتلات للظفر بعضوية «المجلس الثوري» و«اللجنة المركزية» للحركة.

وتنطلق أعمال المؤتمر العام الثامن لـ«فتح»، الخميس، في حدث غير مسبوق منذ 10 سنوات، ويتوقع أن يشهد تشكيل قيادة فلسطينية جديدة.

ويجتمع 2580 عضواً حصلوا على عضوية المؤتمر في 4 ساحات تتوزع على: مقر الرئاسة في رام الله، وهي القاعة الرئيسية، وستضم 1600 عضو على رأسهم الرئيس الفلسطيني محمود عباس وأعضاء اللجنة المركزية والمجلس الثوري وقادة السلطة، إضافة إلى 400 عضو في قطاع غزة، و400 عضو في القاهرة، و200 عضو في بيروت.

وسينعقد المؤتمر في قطاع غزة، بجامعة الأزهر التي تتبع للسلطة الفلسطينية، وتقرر تعليق الدراسة فيها مؤقتاً، حيث سيتم توفير الحماية الأمنية للمؤتمر من قِبَل عناصر تابعة لجهاز حرس الرئاسة الفلسطينية ممن يوجدون في القطاع، ومن دون حمل السلاح أو ارتداء الزي العسكري. وفقاً لما علمته «الشرق الأوسط» من مصادر مطلعة في حركة «فتح».

مقر مدمر لجامعة الأزهر في مدينة غزة (أ.ف.ب)

ولوحظ في الأيام الأخيرة، حملات مضادة عبر منصات السوشيال ميديا، ضد بعض الشخصيات الفتحاوية التاريخية في غزة، في وقت كانت شخصيات محلية من حركة «فتح» تدعو لإنصاف غزة من خلال تمثيلها باعتبارها كتلة واحدة.

وقال مصدر من الصف الثاني في حركة «فتح» بغزة، لـ«الشرق الأوسط»، فضل عدم ذكر هويته، لأنه عضو في المؤتمر الحالي، إن «هناك قيادات من الصف الأول اختارت أسماء ورشحتها مسبقاً لتكون في مراكز قيادية في أسلوب تكرر في المؤتمر السابع، قبل نحو عقد من الزمن».

ونقل المصدر أن «هناك قيادات موجودة في المجلس الثوري الأخير، الذي ستنتهي ولايته مع بداية المؤتمر الحالي، مرشحة لتكون في اللجنة المركزية، وبعض القيادات من داخل غزة وخارجها تواصلوا معها وطلبوا منها الاكتفاء بالترشح للمجلس الثوري، وطلب منها آخرون ألا يرشحوا أنفسهم لأي مناصب».

وتنص شروط الترشح للجنة المركزية أن يكون العضو قد أمضى 20 عاماً في الحركة، وتدرج في مواقع تنظيمية مختلفة، فيما يشترط للترشح للمجلس الثوري مضي 15 عاماً في الحركة، إلى جانب أن يكون سن الانتساب للحركة قد بلغ 18 عاماً، ما يجعل الحد الأدنى التقريبي لسن الترشح بين 32 و33 عاماً. كما يوضح النظام الداخلي.

وكتب حسن أحمد، عضو الهيئة القيادية لحركة «فتح»، عبر صفحته على «فيسبوك»، منتقداً الحملات الإعلامية للمرشحين عبر السوشيال ميديا، قائلاً: «اليوم نشاهد التنافس على عضوية الثوري والمركزية بشكل فاق التصور، ونأمل أن يكون هذا التنافس من أجل حركة (فتح) الفكرة، وليس من أجل الجاه والسلطان والمكتسبات؛ ففتح لا تحتمل أمراضاً جديدة، بل نريدها أن تتعافى، وأن تستنهض على أيدي أبنائها المخلصين من قادة قادرين على العطاء فكراً وممارسة، ونحافظ على ديمومة الحركة». وفق قوله.

من جانبه دعا الناشط الفتحاوي صالح ساق الله، إلى ضرورة إنصاف غزة في تمثيل المجلس الثوري، معتبراً أن ذلك «يشكل واجباً فتحاوياً ووطنياً». وبعدما أكد ضرورة «شراكة غزة العادلة في القرار والتنظيم»، وجه انتقادات حادة للمؤتمر والقائمين عليه.


«فيتو» أميركي على بقاء «اليونيفيل»... ولو تحت الفصل السابع

جنود من البعثة الفرنسية في «اليونيفيل» ضمن عداد «اليونيفيل» في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
جنود من البعثة الفرنسية في «اليونيفيل» ضمن عداد «اليونيفيل» في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
TT

«فيتو» أميركي على بقاء «اليونيفيل»... ولو تحت الفصل السابع

جنود من البعثة الفرنسية في «اليونيفيل» ضمن عداد «اليونيفيل» في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
جنود من البعثة الفرنسية في «اليونيفيل» ضمن عداد «اليونيفيل» في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

باشر مفاوضون لبنانيون وإسرائيليون، الأربعاء، محادثات وصفت بأنها «أولية» مع مسؤولين كبار في إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب تمهيداً لجولة ثالثة تعقد الخميس من المفاوضات المباشرة، أملاً في الوصول إلى «ترتيبات» تعدها واشنطن، وسط جهود موازية في نيويورك لإنشاء «بديل دولي» من القوة الموقتة للأمم المتحدة في لبنان «اليونيفيل».

ووسط تكتم حول الصيغ المقترحة من الطرفين للمضي في اتجاه إحراز «تقدم ملموس وسريع» في المحادثات اللبنانية - الإسرائيلية، يرغب الوسطاء الأميركيون في السعي إلى «التوصل إلى اتفاق شامل للسلام والأمن يُعالج جوهرياً الشواغل الأساسية للبلدين»، وعدم العودة إلى «النهج الفاشل» من المحادثات السابقة، بما فيها الاجتماعات الثلاثية التي كانت ذات طابع عسكري بمشاركة «اليونيفيل».

وكانت وزارة الخارجية الأميركية أكدت بعد الجولة الثانية أن الولايات المتحدة تعمل على «التوفيق بين هذه المصالح بطريقة تُحقق أمناً دائماً لإسرائيل، وسيادة وإعماراً للبنان».

الدخان يتصاعد جراء غارة إسرائيلية استهدفت بلدة في جنوب لبنان (إ.ب.أ)

وعلمت «الشرق الأوسط» أن الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش يجري مشاورات واسعة النطاق مع مسؤولين كبار من الولايات المتحدة وفرنسا وبقية الدول الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن، فضلاً عن دول غربية وعربية، في شأن «الصيغ المستقبلية» للمحافظة على «وجود دولي الطابع» عبر الحدود اللبنانية - الإسرائيلية بعد انتهاء التفويض الحالي لـ«اليونيفيل» في نهاية العام الجاري، وسط تركيز على «ضرورة وجود آلية مراقبة قوية».

«فيتو» أميركي على بقاء «اليونيفيل»

وفيما يبدو أنه تناغم مع الرفض الإسرائيلي، وضعت الولايات المتحدة «فيتو» على اقتراحات لإبقاء «اليونيفيل» وإعطائها «دوراً جديداً بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة»، بما يعني تمكينها من تطبيق ولايتها بالقوة العسكرية إذا اقتضت الضرورة.

ولم يعرف ما إذا كان غوتيريش سيستمع أكثر إلى اقتراح آخر يتضمن توسيع وتعزيز مهمة مراقبة الهدنة «أونتسو» المنتشرة منذ عام 1949 على طول الحدود بين لبنان وإسرائيل (وكذلك بين دول عربية أخرى وإسرائيل) لمراقبة ما يسمى «خط الهدنة» الذي أنشئ باتفاق لبناني - إسرائيلي وقع في 23 مارس (آذار) 1949، على أن يعاد تسمية المهمة باسم «أونتسو بلس»، وهناك اقتراح آخر يقتضي بإنشاء قوة مراقبة دولية جديدة تتألف من أكثر من ألف عنصر على غرار القوة المتعددة الجنسيات والمراقبين في سيناء، التي تراقب تنفيذ اتفاق كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل من دون تفويض من الأمم المتحدة.

وفي ظل هذه الجهود، تبدأ الجولة الثالثة من المفاوضات بمشاركة وفد لبناني برئاسة السفير السابق سيمون كرم، ترافقه السفيرة في الولايات المتحدة ندى حمادة معوض، ونائب رئيس البعثة الدبلوماسية وسام بطرس، والملحق العسكري في السفارة اللبنانية أوليفر حاكمة.

ومن الجانب الإسرائيلي، يحضر السفير في واشنطن يحيئيل ليتر والمسؤول أوري رزنيك، ولم يتأكد بعد حضور رون ديرمر.

ويسعى الوفد اللبناني إلى إحراز تقدم في خمس نقاط هي: وقف إطلاق النار وتثبيته، والانسحاب الإسرائيلي الكامل من لبنان، ومعالجة ملف الحدود، والإفراج عن الأسرى، وعودة السكان النازحين إلى قراهم مع إعادة إعمار ما هدمته الحرب، كمقدمة لاتفاق سلام دائم بين لبنان وإسرائيل.

في المقابل، يطالب الوفد الإسرائيلي بالقضاء على «حزب الله» باعتباره منظمة إرهابية، وإقامة منطقة عازلة على طول الحدود اللبنانية مع إسرائيل، وإقامة سلام وتطبيع بين البلدين.

وسيتوجب على الوفدين التوافق على تمديد وقف إطلاق النار برغم استمرار العمليات القتالية بين إسرائيل و«حزب الله»، في ظل عمليات تدمير إسرائيلية واسعة النطاق للمدن والقرى اللبنانية.


«بتول علوش» من غياب شابة عن بيت أهلها إلى قضية رأي عام

صورة من فيديو لوجهاء الطائفة العلوية والإعلام المحلي يلتقي بتول سليمان علوش
صورة من فيديو لوجهاء الطائفة العلوية والإعلام المحلي يلتقي بتول سليمان علوش
TT

«بتول علوش» من غياب شابة عن بيت أهلها إلى قضية رأي عام

صورة من فيديو لوجهاء الطائفة العلوية والإعلام المحلي يلتقي بتول سليمان علوش
صورة من فيديو لوجهاء الطائفة العلوية والإعلام المحلي يلتقي بتول سليمان علوش

رغم نفي المحامي العام في محافظة اللاذقية على الساحل السوري وجود أي جرم خطف بحق الفتاة بتول علوش ( 21 عاماً)، فإن اختفاءها من سكن الجامعة ومن بيت عائلتها، ثم ظهورها بملابس حجاب غريبة عن البيئة السورية، لا تزال قضية تتفاعل وتتحول لقضية رأي عام، وانقسام حاد جدّد الجدل حول ما يشاع من اختطاف النساء في الساحل السوري.

المحامي العام في محافظة اللاذقية، أسامة شناق، وحسماً لتضارب رواية والديّ الفتاة حول اختطافها وتعرضها للتهديد وبين تصريح الفتاة بأنها غادرت منزل عائلتها بسبب خلاف معهم يتعلق بقرارها تغيير معتقدها الديني، أصدر بياناً قال فيه إن بتول «حرة طليقة ولا يوجد أي جرم خطف بحقها، خلافاً لما يتم تداوله». وقال أيضاً إن «التحقيقات الأولية أظهرت أن مغادرتها منزل عائلتها كانت بمحض إرادتها لأسباب تتعلق بمعتقدها الديني»، مشيراً إلى أن النيابة العامة في جبلة قررت تركها، فوراً، عقب إجراء مقابلة وجاهية بينها وبين ذويها، بحسب بيان «مديرية إعلام اللاذقية».

تصريح مديرية إعلام اللاذقية حول قضية بتول سليمان علوش

لم تعد بتول إلى بيت العائلة حتى الآن، وفق مصادر متابعة في اللاذقية قالت لـ«الشرق الأوسط»، إن مكان اقامتها ما زال مجهولاً، خصوصاً بعد ظهورها في بث مباشر لجلسة عقدها وجهاء وإعلاميين ومسؤولين أمنيين في المنطقة مع بتول، أكدت خلاله أنها غير مختطفة، وأنها خرجت بسبب تغيير عقيدتها الدينية (من المذهب العلوي إلى السني بحسب تصريحاتها).

إلا أن ظروف الجلسة بدت غامضة من حيث التوقيت، (فجراً)، والأجواء المتوترة في اللقاء مع الإعلاميين ووجهاء الطائفة، وقول بتول أمامهم: «أنا هنا بكامل إرادتي، وأنا بخير، وعلاقتي مع أهلي... مشكلة شخصية تخصّني أنا».

لكن بدل حسم الجدل حول غيابها عن منزل عائلتها، تجددت الشكوك بتعرضها للترهيب أو وقوعها تحت تأثير أدوية نفسية، بحسب والديها اللذين طالبا مع زعامات روحية للطائفة، «بفتح تحقيق دولي في القضية في سياق ملف اختطاف النساء العلويات».

الناشط السياسي المعروف محمد صالح، وصف عرض قضية بتول في وسائل الإعلام بأنها «سيئة جداً» و«لعب بالنار»، مشيراً إلى أن الاستثمار السياسي رفع درجة الخطورة مع تهديد السلم الأهلي، وتعزز الخوف وغياب الثقة. وقال: «إن حالة من الخوف لا تزال تهيمن على الطائفة العلوية»، وإنه هو شخصياً مضطر إلى أن يقوم بتوصيل بناته يومياً إلى مكان العمل والعودة بهن عند انتهاء الدوام.

ورغم عدم وجود معلومات كافية لديه تتعلق بملف المختطفات الذي يثار بين فترة وأخرى، فإنه كان على صلة مباشرة بثلاث حالات لسيدات اختفين وتمت إعادتهن بعد أن طُلب من أهاليهن عدم الكشف عن الجهة التي كن عندها.

ويرى صالح أن «خطف النساء» هدفه إهانة وإذلال طائفة عبر «استضعاف نسائها»، محملاً جميع الأطراف المسؤولية، «والجزء الأكبر تتحمله الدولة التي يجب أن تكون على مسافة واحدة من الجميع»، وطالب بمحاسبة المحرضين من جميع الأطراف.

قضية «بتول» ترافقت بخطاب كراهية يمثل خطراً مزدوجاً على المجتمع السوري، بحسب مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان فضل عبد الغني؛ لأنه يحوّل الفتاة من إنسانة تتمتع بحقوق فردية غير قابلة للتصرف، إلى رمز جماعي لصراع هويّاتي جرّدها من صفتها الفردية القانونية.

كما أن البيئة العدائية التي نتج عنها الخطاب، والكلام لعبد الغني، تجعل أي تحقيق مستقل ومحايد «شبه مستحيل». ولفت في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن الانتشار الواسع لقضية بتول على منصات التواصل، يُنشئ نوعاً من «العقوبة الاجتماعية الرقمية».

وأن ظهور بتول في مؤتمر صحافي كالذي ظهرت فيه «يمكن أن يشكّل انتهاكاً»؛ لأن إظهار فتاة تبلغ من العمر 21 عاماً أمام حشد من الكاميرات والوجهاء في ظروف غامضة، يفضي إلى مخاطر قانونية؛ أبرزها انتهاك الحق في الخصوصية وتقويض أي إجراء قضائي لاحق بسبب «تلوّث» بيئة الإدلاء بالشهادة. وإلحاق ضرر نفسي موثَّق يندرج ضمن مفهوم «الضرر غير الجسدي».

وأضاف مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان أن مسؤولية السلطات تنبثق مباشرة من التزامات سوريا في المرحلة الانتقالية، ومن المعايير الدولية التي التزمت بها.

قضية «بتول» ليست بالجديدة من حيث تكرارها في المجتمعات عموماً، وفي المجتمع السوري المتنوع على نحو خاص، لكن عندما كان يحدث في الماضي، أن تترك فتاة بيت عائلتها لتتزوج من شاب من طائفة أخرى، لم تكن القضية تأخذ هذا البعد الذي قد يؤدي إلى نزاع طائفي أو انهيار السلم الأهلي، بحسب المحامي والناشط الحقوقي عز الدين عز الدين، الذي رد أسباب التداعيات الآن، إلى تركة الحرب المدمرة التي خلفت «انقساماً مجتمعياً حاداً على مختلف المستويات في المجتمع السوري»، إضافة إلى أن ممارسات النظام السابق الذي اتخذ من الدين أداة سياسية للدفاع عن بقائه، أنتجت «حقداً وبغضاء» في ظل عدم وجود قانون فاعل ومتوازن ورادع ينظم حرية الرأي والتعبير، خاصة في منصات التواصل الاجتماعي.

ومن الأسباب أيضاً أن «سلوك السلطة غير الواضح والملتبس تجاه هذه الحوادث»، وهذا بحسب عز الدين، يضعف الثقة بالسلطات ويدفع إلى اتهامها بعدم الحيادية، بل والتشجيع على مثل تلك الحوادث. ويرى أنه كان على السلطة أن تبادر فوراً إلى «تحقيق شفاف وحيادي ومهني تظهر من خلالها الحقيقة الكاملة، وتحدد بدقة حقيقة هذه الحادثة وغيرها»، وفق المعايير الدولية لحقوق الإنسان. وأن تراقب بشكل حيادي وقانوني كل المنشورات المتعلقة بهذه الواقعة؛ كي لا تتحول (كما هو حاصل الآن) إلى خطاب تحريضي.

وخلص عز الدين إلى القول إن هذه المشكلة ستستمر ما دام مجتمعنا «مجتمعاً طائفياً يذوب فيه حق الفرد وإرادته لصالح إرادة الجماعة. وما دامت لم تسد فيه الثقافة المدنية وثقافة المواطنة فستظل هذه الحوادث أخطر ما يهدد السلم الأهلي».