التعليم واستقرار الخدمات يعززان خيار بقاء سودانيين في مصر

مع دخول الحرب ببلادهم العام الرابع

سيدتان سودانيتان تتجولان في شارع فيصل بمصر (الشرق الأوسط)
سيدتان سودانيتان تتجولان في شارع فيصل بمصر (الشرق الأوسط)
TT

التعليم واستقرار الخدمات يعززان خيار بقاء سودانيين في مصر

سيدتان سودانيتان تتجولان في شارع فيصل بمصر (الشرق الأوسط)
سيدتان سودانيتان تتجولان في شارع فيصل بمصر (الشرق الأوسط)

ودعت الأربعينية السودانية غادة حسن، على مدار الأسابيع الماضية، العديد من معارفها من السودانيين الذين التقت بهم في مصر خلال السنوات الماضية، قبل عودتهم إلى وطنهم ضمن موجات العودة الطوعية المتلاحقة، لكن بالنسبة لغادة ما زال قرار العودة ليس سهلاً، خصوصاً مع رحلة علاج ابنها الذي أصيب خلال الحرب، وصعوبة الخدمات بالخرطوم مقارنة بالقاهرة.

وعاد إلى السودان من مصر أكثر من 538 ألف شخصاً، خلال الفترة من يناير (كانون الثاني) 2024، وحتى فبراير (شباط) 2026، وفق تقرير المنظمة الدولية للهجرة الصادر في أبريل (نيسان) الماضي، ويمثل هذا الرقم نحو 87 في المائة من مجمل العائدين إلى السودان من دول الجوار.

العودة ليست سهلة

ودَّعت الأربعينية السودانية غادة حسن، على مدار الأسابيع الماضية، العديد من معارفها من السودانيين الذين التقت بهم في مصر خلال السنوات الماضية، قبل عودتهم إلى وطنهم، ضمن موجات العودة الطوعية المتلاحقة، لكن بالنسبة لغادة ما زال قرار العودة صعباً، خصوصاً مع رحلة علاج ابنها الذي أُصيب خلال الحرب، وصعوبة الخدمات بالخرطوم مقارنة بالقاهرة.

وعاد إلى السودان من مصر أكثر من 538 ألف شخص، خلال الفترة من يناير (كانون الثاني) 2024، وحتى فبراير (شباط) 2026، وفق تقرير المنظمة الدولية للهجرة الصادر في أبريل (نيسان) الماضي، ويمثل هذا الرقم نحو 87 في المائة من مجمل العائدين إلى السودان من دول الجوار.

العودة ليست سهلة

تقول غادة، التي تعمل مدرّسة في إحدى المدارس الدولية السودانية في القاهرة، لـ«الشرق الأوسط»، إنها «لا تعلم أحداً ممن جاءوا إلى مصر من السودان بعد الحرب ينوي الاستقرار فيها للأبد. الجميع سيعودون، لكن قرار العودة الآن ليس سهلاً على الكثيرين، خصوصاً في ظل غياب الخدمات في السودان، فالكهرباء لا تأتي سوى ساعتين في اليوم، ومن ثمّ المياه في انقطاع دائم».

ويضيف الباحث السوداني في الشأن الأفريقي، محمد تورشين، السبب الأمني، ضمن الأسباب التي تعوق عودة كثير من الأسر السودانية حالياً، قائلاً لـ «الشرق الأوسط» إن استخدام «قوات الدعم السريع» للمسيّرات يجعل الشعور بالأمن يتراجع داخل السودان، بخلاف عدم قدرة الحكومة السودانية حتى الآن على استعادة الخدمات الأساسية في السودان سواء الخدمات التعليمية أو الطبية التي سيشجع وجودها كثيرين على العودة.

وأضاف تورشين أن غياب هذه الخدمات يجعل العديد من السودانيين ممن لديهم ارتباطات في مصر، سواء للتعليم أو الاستثمار أو علاقات تصاهر أو من يبقون للعلاج، يفضلون البقاء في مصر، بالنظر إلى جودة هذه الخدمات، بالإضافة إلى متانة العلاقات الأخوية بين الشعبين.

رئيس هيئة الجوازات السوداني يستقبل أفواج العائدين من مصر أبريل 2026 (لجنة الأمل للعودة الطوعية)

تتذكر غادة جيداً كيف خرجت من الخرطوم، حيث كانت تسكن في منطقة راقية بالقرب من مطارها الدولي، بعد 9 أشهر من اندلاع الحرب، إثر إصابة نجلها الأكبر بثلاث رصاصات في قدمه. قائلة: «لدي جواز سفر دبلوماسي، إذ كنت مديرة قسم بريطاني في وزارة الخارجية، وزوجي دبلوماسي، وفررنا إلى القاهرة بعدما أخبرنا الطبيب بضرورة إجراء عملية لابني بسرعة تفادياً لبتر القدم».

استقرت غادة وأبناؤها في فيصل، وفيما بعد لحق بها أخوها وأبناؤه ووالدتها، بينما انتقلت شقيقة لها إلى قطر، ونزحت شقيقة أخرى إلى إحدى المدن السودانية الآمنة نسبياً، ليتشتت شمل عائلتها حتى الآن، مشيرة إلى أنها تتقصى من العائدين إلى السودان الأوضاع هناك فتسمع بتفشي أمراض، وعدم وجود مستشفيات أو خدمات، فتقرر البقاء في مصر، خصوصاً أن إقامتها مع أبنائها، الحاصلين عليها على البطاقة الصفراء لمفوضية اللاجئين، مستمرة لعام مقبل، وتضيف: «بعد العام لا أعلم ماذا سأفعل، في ظل حملات الترحيل»، لافتة إلى أن «العائدين إلى السودان حالياً إما أسر نفدت مدخراتها، أو ليس لديها إقامات، أو ترغب في لم شملها مع باقي عائلاتها».

بقاء رغم حملات ترحيل المخالفين

وتشهد مصر حملات أمنية مشددة لترحيل مخالفي الإقامة منذ ديسمبر (كانون الأول) الماضي، وأسفرت عن ترحيل الآلاف وفق مراقبين، كما دفعت آخرين للعودة الطوعية.

مثل غادة، لا يفكر المهندس السوداني الثلاثيني، نبيل عباس، في العودة قريباً إلى السودان، في ظل تردي الخدمات هناك، مقارنة بإتاحتها في القاهرة، فضلاً عن استقراره في العمل هنا، وحصوله على إقامة، وفق حديثه لـ«الشرق الأوسط». جدير بالذكر أن عباس جاء إلى مصر قبل عامين بصحبة أسرته، بعدما أصيب في يده برصاصة، وبعد العلاج عمل في إحدى الشركات، وسكن منطقة التجمع الخامس (شرق القاهرة).

سودانيون عائدون إلى السودان عبر معبر أرقين (صورة أرشيفية)

وتشير التقديرات الرسمية إلى أن نحو مليون سوداني جاءوا إلى مصر عقب الحرب.

أما السودانية نون عبد المجيد (28 عاماً) فوصلت إلى مصر هي وأسرتها قبل الحرب التي نشبت في أبريل (نيسان) من عام 2023، وإن كان قدومها بسبب عدم شعورها بالأمان نتيجة عدم استقرار الأوضاع ونقص الخدمات وتوقف التعليم كل فترة. تقول لـ«الشرق الأوسط»: «جئنا إلى مصر في زيارة قبل الاستقرار فيها لفترة، وشعرنا بالألفة والأمان والخدمات المتاحة، ففكرنا أنها تصلح للعيش إذا ما قررنا في يوم مغادرة السودان».

قدمت نون لدراسة الإعلام في مصر، بعدما تعثرت في استكماله في السودان، وحالياً هي في السنة الأخيرة. ليست لدى الشابة السودانية مشكلة في الإقامة هي وأمها وأختها، التي تدرس أيضاً في مصر، أما باقي عائلتها فلديهم إقامة سياحية تتجدد كل فترة. لا تعتقد نون أنها ستجد فرصة عمل مناسبة لها في مصر بعد الحصول على البكالوريوس، لذا تفكر في السفر إلى إحدى دول الخليج، بينما ستبقى أسرتها في مصر، ولا يفكرون في العودة قريباً للسودان، على أمل تجديد إقامتهم السياحية.

Your Premium trial has ended


مقالات ذات صلة

السيسي وماكرون... حوار سياسي معمق وسط أزمات إقليمية متصاعدة

شمال افريقيا السيسي يرحب بماكرون ويبحث معه تطورات القضايا الإقليمية (الرئاسة المصرية)

السيسي وماكرون... حوار سياسي معمق وسط أزمات إقليمية متصاعدة

افتتح الرئيسان المصري عبد الفتاح السيسي والفرنسي إيمانويل ماكرون، السبت، جامعة «سنجور» بالإسكندرية وسط حضور أفريقي.

فتحية الدخاخني (القاهرة )
شمال افريقيا رئيس جيبوتي يستقبل رئيس الوزراء المصري (مجلس الوزراء المصري)

رئيس الوزراء المصري في جيبوتي لتعزيز علاقات «الشراكة»

تستهدف مصر تعزيز علاقات «الشراكة» مع جيبوتي، إلى جانب تطوير «محاور التعاون الاستراتيجي» بين البلدين.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
خاص فلسطينيون نازحون ينقلون صناديق في عربة عبر أنقاض المباني المدمرة في جباليا شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)

خاص مصدر مصري: تحركات لإدخال «لجنة غزة» إلى القطاع قبل عيد الأضحى

تحدث مصدر مصري مطلع لـ«الشرق الأوسط»، السبت، عن أن هناك تحركات للوسطاء لإدخال عناصر من «لجنة إدارة غزة» للقطاع قريباً.

محمد الريس (القاهرة)
شمال افريقيا تلاحق حملات المرور المخالفين من قائدي «التوك توك» (محافظة أسوان)

«التوك توك» في مصر... قرارات تنظيمية متعثرة وحوادث متصاعدة

قتيلان وأكثر من 10 مصابين سقطوا في حوادث متفرقة بمصر بسبب  «التوك توك» خلال الأسبوع الماضي، نتيجة انقلابه خلال السير على الطريق بسرعة.

أحمد عدلي (القاهرة)
شمال افريقيا تحذيرات للعملاء من تصاعد عمليات الاحتيال (وزارة الاتصالات المصرية)

«النَّصب الإلكتروني» يثير قلق قطاعات مصرفية في مصر

أثارت جرائم «النصب الإلكتروني» قلق قطاعات مصرفية في مصر، ووجَّهت بنوك عدة تحذيرات للعملاء من تصاعد عمليات الاحتيال وتطور أساليبها.

عصام فضل (القاهرة)

السيسي وماكرون... حوار سياسي معمق وسط أزمات إقليمية متصاعدة

السيسي يرحب بماكرون ويبحث معه تطورات القضايا الإقليمية (الرئاسة المصرية)
السيسي يرحب بماكرون ويبحث معه تطورات القضايا الإقليمية (الرئاسة المصرية)
TT

السيسي وماكرون... حوار سياسي معمق وسط أزمات إقليمية متصاعدة

السيسي يرحب بماكرون ويبحث معه تطورات القضايا الإقليمية (الرئاسة المصرية)
السيسي يرحب بماكرون ويبحث معه تطورات القضايا الإقليمية (الرئاسة المصرية)

وسط أزمات إقليمية متصاعدة، يتواصل حوار سياسي استراتيجي معمق بين القاهرة وباريس، يمتد لأبعاد ثقافية وتعليمية، حيث افتتح الرئيسان المصري عبد الفتاح السيسي والفرنسي إيمانويل ماكرون، السبت، جامعة «سنجور» بالإسكندرية وسط حضور أفريقي.

ووصل ماكرون، عصر السبت، إلى مدينة برج العرب في الإسكندرية (شمال) لافتتاح المقر الجديد لجامعة «سنجور»، وعلى هامش الافتتاح عقد السيسي وماكرون جلسة محادثات شهدت حواراً سياسياً حول العلاقات الثنائية والمستجدات الإقليمية.

وعدّ الرئيس المصري زيارة ماكرون «انعكاساً لتميز علاقات الصداقة بين البلدين»، مشيداً حسب إفادة رسمية بما «تشهده العلاقات من تطور ملحوظ في مختلف المجالات، خاصة عقب ترفيعها إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية خلال زيارة الرئيس الفرنسي إلى مصر في أبريل (نيسان) 2025».

وشدّد السيسي خلال المحادثات على «أهمية مواصلة العمل لتعزيز التعاون الثنائي في مجالات التجارة والاستثمار والتعليم والصناعة والنقل، بما يحقق المصالح المشتركة للشعبين، ويسهم في دفع العلاقات الاستراتيجية بين مصر والاتحاد الأوروبي»، بحسب المتحدث باسم الرئاسة المصرية، السفير محمد الشناوي.

وتناول اللقاء تطورات القضايا الإقليمية، واستعرض السيسي «الجهود المصرية الرامية لاحتواء التوترات الراهنة»، مشدّداً على «ضرورة تجنيب المنطقة المزيد من التصعيد وعدم الاستقرار، بالنظر إلى تداعياته السلبية على أمن المنطقة والعالم، فضلاً عن انعكاساته على سلاسل الإمداد وحركة التجارة والنقل».

وجدد التأكيد على موقف بلاده الثابت الداعم لأمن واستقرار الدول العربية، مؤكداً «رفض مصر القاطع لأي مساس بسيادتها أو بمقدرات شعوبها».

محادثات السيسي وماكرون السبت أكدت أهمية مواصلة العمل لتعزيز التعاون (الرئاسة المصرية)

بدوره، أعرب الرئيس الفرنسي عن تطلعه إلى «سرعة تسوية الأزمة الراهنة بما يعيد السلم والاستقرار إلى الشرق الأوسط».

كما تطرقت المحادثات إلى تطورات القضية الفلسطينية، حيث استعرض السيسي التحركات المصرية لتثبيت اتفاق وقف الحرب في قطاع غزة وتنفيذ استحقاقات المرحلة الثانية، مؤكداً «ضرورة تعزيز نفاذ المساعدات الإنسانية للقطاع دون قيود، والشروع في عملية التعافي المبكر وإعادة الإعمار».

وفي هذا الصدد، أعرب السيسي عن «قلق مصر البالغ إزاء تصاعد الانتهاكات في الضفة الغربية»، وشدد على أنه «لا سبيل سوى إحياء العملية السياسية التي تفضي إلى قيام الدولة الفلسطينية المستقلة على خطوط الرابع من يونيو (حزيران) عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، وفقاً لمقررات الشرعية الدولية واستناداً لحل الدولتين».

وبحث الرئيسان تطورات الأوضاع في لبنان، حيث تم التأكيد بحسب متحدث الرئاسة على «أهمية الحفاظ على السلم والاستقرار، فضلاً عن بحث سبل تعزيز التعاون بين دول المتوسط بما يحقق التنمية والازدهار والرخاء المشترك لضفتيه».

وكان المتحدث باسم وزارة أوروبا والشؤون الخارجية الفرنسية، باسكال كونفافرو، قد أكد أن زيارة ماكرون إلى مصر «تحمل أهمية بالغة» وتجسد عمق الشراكة الاستراتيجية بين البلدين، وتعكس ثقة باريس في الدور المحوري الذي تضطلع به القاهرة في استقرار المنطقة.

السيسي يستقبل ماكرون في مدينة برج العرب بالإسكندرية (الرئاسة المصرية)

وقال كونفافرو في تصريح لوكالة «أنباء الشرق الأوسط» الرسمية، إن «الزيارة تأتي استمراراً للزخم المتصاعد الذي تشهده العلاقات بين باريس والقاهرة، والذي شهد دفعة كبيرة منذ أبريل 2025 مع إطلاق الحوار الاستراتيجي بين البلدين، بالتوازي مع تعزيز التعاون في القطاعات ذات الأولوية، لا سيما الاقتصاد والطاقة والنقل، بدعم من الوكالة الفرنسية للتنمية».

وشهد الرئيسان افتتاح المقر الجديد لجامعة سنجور، بحضور نستور انتاهونتويي، رئيس وزراء جمهورية بوروندي، ولويز موشيكيوابو، سكرتير عام المنظمة الدولية للفرنكفونية، وشيخ نيانج، وزير خارجية جمهورية السنغال، وجاسباربانيا كيمبونا، مفوض التعليم والعلوم والتكنولوجيا والابتكار بمفوضية الاتحاد الأفريقي.

وقال السيسي في كلمته خلال الافتتاح إن «افتتاح المقر الجديد، لجامعة سنجور يأتي في لحظة فارقة؛ تتعاظم فيها التحديات التنموية، وتتزايد فيها الحاجة إلى بناء شراكات دولية فعالة، قائمة على التضامن والتكامل، خاصة بين دول الجنوب». وأشار إلى الدور الذي تلعبه بلاده «بعدّها نقطة التقاء استراتيجية بين أفريقيا والعالم العربي ودول منطقة المتوسط ودول الفرنكفونية».

كما لفت إلى أنه على «مدار أكثر من ثلاثة عقود، نجحت جامعة سنجور في ترسيخ مكانتها، بوصفها مؤسسة أكاديمية رائدة؛ في إعداد الكوادر الأفريقية الشابة».

وأكد أن «دفع العلاقات بين مصر وباقي الدول الأفريقية يمثل ركيزة أساسية في السياسة الخارجية المصرية في ظل ما تحظى به هذه العلاقات، من عمق تاريخي واحترام متبادل ووحدة المصير».

وجامعة «سنجور» مؤسسة متخصصة بالتنمية الأفريقية تأسست عام 1990 بمبادرة من المنظمة الفرنكفونية وهي تهتم بقضايا التنمية وإعداد القادة المستقبليين للقارة.

الرئيسان السيسي وماكرون خلال افتتاح جامعة «سنجور» بالإسكندرية السبت (الرئاسة المصرية)

فيما عدّ الرئيس الفرنسي جامعة «سنجور» صرحاً أكاديمياً يعزز التعاون العلمي والثقافي بين الدول الأعضاء في المنظمة الدولية للفرنكفونية، ويدعم جهودها في إعداد الكوادر المؤهلة للقيادة.

وقال في كلمته خلال الافتتاح إن «تحالف مصر وفرنسا هو تحالف من أجل السلام والاستقرار والكرم والسخاء»، مشيراً إلى «حب المصريين للغة الفرنسية وأن اللغة العربية هي اللغة الثانية المحكية في بلاده».

وأضاف ماكرون أن «بلاده تسعى إلى وحدة أفريقية متوسطية قوامها التعددية اللغوية». وقال إن الفرنكفونية تمتلك عوامل التعدد والتنوع والوحدة. وأشار إلى أنه سيتوجه إلى نيروبي لعقد قمة «أفريقيا للأمام» إيماناً منه بأن أفريقيا قارة التعددية اللغوية وليس الفرنسية فقط.

ومن المقرر أن يزور ماكرون والسيسي قلعة قايتباي التي تعود للقرن الخامس عشر والمشيدة على أنقاص منارة الإسكندرية القديمة، قبل حضورهما عشاء عمل.

وستكون كينيا المحطة الثانية لماكرون حيث سيحضر قمة فرنسية - أفريقية هي الأولى التي تعقد في دولة ناطقة بالإنجليزية، بحسب بيان لقصر الإليزيه نشرته «وكالة الصحافة الفرنسية». ويختتم ماكرون جولته، الأربعاء، في أديس أبابا بلقاء مع رئيس الوزراء آبي أحمد في العاصمة الإثيوبية.


رئيس الوزراء المصري في جيبوتي لتعزيز علاقات «الشراكة»

رئيس جيبوتي يستقبل رئيس الوزراء المصري (مجلس الوزراء المصري)
رئيس جيبوتي يستقبل رئيس الوزراء المصري (مجلس الوزراء المصري)
TT

رئيس الوزراء المصري في جيبوتي لتعزيز علاقات «الشراكة»

رئيس جيبوتي يستقبل رئيس الوزراء المصري (مجلس الوزراء المصري)
رئيس جيبوتي يستقبل رئيس الوزراء المصري (مجلس الوزراء المصري)

وسط تصاعد التوترات بمنطقة القرن الأفريقي، تستهدف مصر تعزيز علاقات «الشراكة» مع جيبوتي، إلى جانب تطوير «محاور التعاون الاستراتيجي» بين البلدين، لا سيما أن هذه المنطقة تربطها بالقاهرة مصالح حيوية.

وشارك رئيس الوزراء المصري، مصطفى مدبولي، السبت، في مراسم حفل تنصيب الرئيس الجيبوتي إسماعيل عمر غيله، وهي مشاركة تأتي حرصاً من القاهرة على «تعزيز تعاونها الثنائي مع جيبوتي بمختلف المستويات، وبما يتناسب مع حجم العلاقات الاستراتيجية بين البلدين»، حسب إفادة لـ«مجلس الوزراء».

وقال خبراء إن الحضور المصري رفيع المستوى في مراسم تنصيب رئيس جيبوتي «يعكس حجم اهتمام القاهرة بالشراكة الاستراتيجية، ويقدم رسالة لدول الجوار حول حجم التقارب والتنسيق مع جيبوتي في منطقة القرن الأفريقي».

وتطورت العلاقات المصرية - الجيبوتية خلال السنوات الأخيرة، وانعكس ذلك خلال الزيارات الرئاسية بين البلدين، والتي من بينها زيارة الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى جيبوتي في مايو (أيار) من العام الماضي، وأشار وقتها إلى «اعتزاز بلاده بعلاقات الشراكة الاستراتيجية» إلى جانب «أهمية التنسيق بين البلدين بشأن الأوضاع الإقليمية في البحر الأحمر والقرن الأفريقي»، وفق الرئاسة المصرية.

مدبولي خلال مشاركته في حفل تنصيب الرئيس غيله (مجلس الوزراء المصري)

وجاءت مشاركة مدبولي في مراسم تنصيب غيله، نيابة عن السيسي؛ لتأكيد «حرص القاهرة على تعزيز تعاونها الثنائي مع جيبوتي في مختلف المستويات».

وشهد حفل تنصيب الرئيس الجيبوتي، الذي أعيد انتخابه لفترة رئاسية سادسة، في أبريل (نيسان) الماضي مشاركة من رؤساء الدول والحكومات، ومُمثلي الدول العربية والأفريقية والدولية، وجانب من ممثلي المُنظمات والهيئات الدولية.

وأكد مدبولي خلال محادثات مع غيله على «عمق علاقات بلاده التاريخية والأخوية مع جيبوتي، والتي تقوم على أسس متينة من التعاون والاحترام المتبادل، ووحدة المصير»، وشدد على «حرص بلاده على التنسيق المستمر مع جيبوتي في القضايا المشتركة على المستويين الإقليمي والدولي».

بينما عدّ الرئيس الجيبوتي العلاقات المشتركة مع القاهرة «نموذجاً يحتذى به للتعاون المدعوم بروابط تاريخية وثقافية وسياسية».

وتناولت المحادثات محاور التعاون الاستراتيجي بين البلدين في عدة مجالات، منها «تطوير الموانئ والمناطق الحرة، وتعزيز البنية التحتية واللوجستيات»، إلى جانب «التعاون في قطاعات الكهرباء والطاقة والاقتصاد والزراعة والخدمات الصحية».

مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق للشؤون الأفريقية، السفير محمد حجازي، عدّ المشاركة المصرية الرفيعة في حفل تنصيب رئيس جيبوتي «رسالة تعكس حجم الاهتمام المصري بالشراكة مع جيبوتي»، وأشار إلى أن «التعاون بين البلدين يتجاوز حدود العلاقات الثنائية إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية بحكم المصالح الحيوية التي تربط البلدين».

ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أن الأهمية الاستراتيجية في الشراكة بين القاهرة وجيبوتي تنطلق من دور الأخيرة في مسألة تأمين الملاحة بمضيق باب المندب والبحر الأحمر، ودورها في استقرار منطقة القرن الأفريقي.

محادثات الرئيس الجيبوتي مع رئيس الوزراء المصري (مجلس الوزراء المصري)

ويشير حجازي إلى أن «أمن الملاحة مسألة حيوية بالنسبة للقاهرة، بحكم ارتباطها بأمان الملاحة في قناة السويس»، ويوضح أن «هناك إدراكاً مصرياً لما تشهده منطقة القرن الأفريقي من توترات، تؤثر في استقرارها وأمان الملاحة في البحر الأحمر».

وتشهد منطقة القرن الأفريقي توترات متصاعدة؛ ما يثير المخاوف بشأن أمن الملاحة في البحر الأحمر، لا سيما بعد الإعلان أحادي الجانب، من قبل إسرائيل بالاعتراف بإقليم «أرض الصومال» دولة مستقلة، وسط رفض عربي وأفريقي ودولي.

وأمام التهديدات التي تتعرض لها معابر المنطقة أخيراً وفي مقدمتها مضيق هرمز، يرى حجازي أن «تأمين الملاحة في باب المندب بات ضرورة حيوية بحكم تأثيره في حركة التجارة العالمية»، ويشير إلى أن «مصر تسعى لحوكمة البحر الأحمر بتعزيز علاقاتها مع الدول العربية والأفريقية المشاطئة له، وترفض تواجد أي طرف دولي آخر في هذه المنطقة».

وترفض القاهرة مشاركة أي دولة غير مشاطئة للبحر الأحمر، في حوكمته، وتدعو إلى تفعيل «مجلس الدول العربية والأفريقية المشاطئة للبحر الأحمر»، الذي تم تأسيسه عام 2020 في الرياض، ويضم 8 دول عربية وأفريقية، هي «مصر والسعودية واليمن والأردن والسودان والصومال وجيبوتي وإريتريا»، ويستهدف «تعزيز الأمن والتنمية بين أعضائه».

ووفق المتخصص في الشؤون الأفريقية، رامي زهدي «تنطلق الشراكة المصرية مع جيبوتي، من منطلق كونها دولة عربية وأفريقية تربطهما مصالح تاريخية»، وأشار إلى أن «علاقات الرئيس غيله مع الرؤساء المصريين ممتدة وتاريخية، وتعبر دائماً عن مستوى التعاون الجيد بين البلدين».

ويوضح لـ«الشرق الأوسط» أن القاهرة تبعث برسالة إلى دول الجوار بشأن مستوى تقاربها مع جيبوتي ودول القرن الأفريقي، في وقت تشهد فيه المنطقة تنافساً على النفوذ بهذه المنطقة. ويقول إن «التحركات الإثيوبية والإسرائيلية في سواحل البحر الأحمر، والتوترات في السودان، تحديات تعمل القاهرة على مواجهتها، بتعزيز الشراكة مع دول القرن الأفريقي».


الجزائر ترهن التطبيع مع باريس باعتذار صريح عن جرائم الاستعمار

الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون متسلماً رسائل نظيره الفرنسي من الوزيرة المكلفة شؤون القوات المسلحة وقدامى المحاربين أليس روفو (الرئاسة الجزائرية)
الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون متسلماً رسائل نظيره الفرنسي من الوزيرة المكلفة شؤون القوات المسلحة وقدامى المحاربين أليس روفو (الرئاسة الجزائرية)
TT

الجزائر ترهن التطبيع مع باريس باعتذار صريح عن جرائم الاستعمار

الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون متسلماً رسائل نظيره الفرنسي من الوزيرة المكلفة شؤون القوات المسلحة وقدامى المحاربين أليس روفو (الرئاسة الجزائرية)
الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون متسلماً رسائل نظيره الفرنسي من الوزيرة المكلفة شؤون القوات المسلحة وقدامى المحاربين أليس روفو (الرئاسة الجزائرية)

تعاملت السلطات الجزائرية ببرودة تجاه خطوة باريس اللافتة نحو تطبيع العلاقات بين البلدين، والمتمثلة في إرسال الوزيرة الفرنسية لشؤون القوات المسلحة وقدامى المحاربين، أليس روفو؛ للمشارَكة في مراسم إحياء ذكرى «مجازر 8 مايو (أيار) 1945» في شرق الجزائر، حيث قتل الجيش الفرنسي في أثناء الحقبة الاستعمارية آلاف الجزائريين خلال مظاهرات مطالِبة بالاستقلال.

وفي حين غاب ذكر الزيارة، التي بدأت الجمعة، عن غالبية وسائل الإعلام الرسمية، استقبل الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، الوزيرة الفرنسية، السبت، حاملةً إليه رسالةً من نظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون، وفق ما جاء في بيان مقتضب للرئاسة الجزائرية.

وأرجعت مصادر مطلعة تجاهل الإعلام إلى «عدم صدور إدانة صريحة أو اعتذار رسمي من الوزيرة عن الجرائم الاستعمارية»، وهو ما يظلُّ «خطاً أحمر» في ملف الذاكرة المُعقَّد بين البلدين، وقضية فارقة تُحدِّد شكل العلاقات الثنائية.

أليس روفو الوزيرة الفرنسية المكلّفة شؤون المحاربين القدامى (يساراً) إلى جانب وزير المجاهدين وذوي الحقوق الجزائري عبد المالك تشريفت خلال مراسم إحياء ذكرى «مجازر سطيف 1945» في مدينة سطيف شرق الجزائر يوم 8 مايو 2026 (أ.ف.ب)

وغاب أي ذكر لمشارَكة أليس روفو، وزير المجاهدين الجزائري عبد المالك تشريفت، الاحتفالات بمرور 81 سنة على «مذابح سطيف وقالمة وخراطة»، التي جرت بمدينة سطيف (300 كيلومتر شرق العاصمة)، في القنوات التلفزيونية العمومية والصحف الحكومية المعرَّبة والفرنكفونية، بينما خصَّصت الصحف الخاصة حيزاً بسيطاً لوجود عضوة الحكومة الفرنسية، التي حلَّت بالجزائر ومعها سفير فرنسا لدى الجزائر ستيفان روماتيه، الذي كانت باريس قد سحبته قبل سنة في سياق تصاعد التوترات التي نشأت إثر إعلان «الإليزيه» اعترافه بسيادة المغرب على الصحراء بنهاية يوليو (تموز) 2024.

لا مستقبل قبل الاعتذار

وخصَّصت «وكالة الأنباء الجزائرية» 60 كلمة فقط عن حضور روفو الاحتفالات، ونقلت عنها تصريحها بأنَّه «يجب التحلي بالشجاعة للنظر إلى التاريخ كما حدث في حقيقته، مع احترام ذاكرة الجزائر». كما أشارت إلى أنها «وضعت إكليلاً من الزهور أمام النصب التذكاري المخلد للمجازر».

ونشر حساب وزارة المجاهدين بالإعلام الاجتماعي صورة للوزير تشريفت مع الوزيرة الفرنسية روفو، مرفقة ببيان مقتضب يشير إلى «حضور» موفدة الرئاسة الفرنسية إلى سطيف.

وفي تقدير مصادر مقربة من الحكومة، فإنَّ عدم وجود مؤشرات استبقت الزيارة توحي باعتراف فرنسي رسمي بأنَّ «مجازر الثامن من مايو» ترقى لكونها «جريمة ضد الإنسانية»، يفسِّر إلى حدٍّ ما عدم تحمُّس السلطات لاستقبال الوزيرة الفرنسية.

السفير الفرنسي لدى الجزائر ستيفان روماتيه (السفارة الفرنسية)

وبهذا الخصوص، كتبت صحيفة «الوطن» الفرنكفونية، وهي أكبر الصحف الخاصة في الجزائر: «رغم موافقة الجزائر على استقبال وزيرة فرنسية في سطيف يوم 8 مايو، فإنَّها فرضت سُلَّم أولويات واضحاً: لا حديث عن المستقبل قبل مواجهة الماضي. ففي الوقت الذي كانت فيه فرنسا تحتفل بتحرُّرها من النير النازي، كانت مجازر سطيف وقالمة وخراطة تحصد أرواح عشرات الآلاف، (45 ألف قتيل بحسب الأرقام الجزائرية الرسمية)؛ وهذا التناقض الصارخ هو ما طالبت الجزائر باريس دوماً بالاعتراف به صراحة».

ذوبان الجليد لا يعني المصالحة

وعادت الصحيفة إلى خطوات تمَّت في المدة الأخيرة لإزالة التوترات، فقالت: «لقد انتظرت الجزائر تذليل العقبات (في علاقتها مع فرنسا) واحدة تلو الأخرى قبل أن تفتح الأبواب: بدءاً من عفو الرئيس تبون عن بوعلام صنصال، ورحيل وزير الداخلية برونو ريتايو (تصدر الأزمة في بدايتها)، وصولاً إلى زيارة وزير الداخلية الجديد لوران نونيز في فبراير (شباط) الماضي، واستئناف ترحيل الجزائريين المقيمين بطريقة غير قانونية في فرنسا؛ وهي الخطوة الملموسة التي كانت باريس تلحُّ عليها. إنَّ هذا التسلسل للأحداث يظهر جزائر تتفاوض من موقع قوة، مدركةً تماماً أنَّ باريس هي مَن تحتاج إلى هذا المسار من التطبيع أكثر منها».

الرئيس الجزائري خلال استقبال وزير الداخلية الفرنسي في 18 فبراير 2026 (الرئاسة الجزائرية)

وأضافت: «أما قضية الصحراء الغربية، فلا تزال قائمةً بكل تعقيداتها. وفي حين يحرز ملف مصالحة الذاكرتين تقدماً، فإنَّه لا يزال يصطدم بغياب اعتذارات رسمية فرنسية تطالب بها فئات من المجتمع المدني والطبقة السياسية في الجزائر». ووفق «الوطن» فإنَّ «مساعي إذابة الجليد هي حقيقة واقعة، لكن في الجزائر، يدرك الجميع أنَّ ذوبان الجليد لا يعني بالضرورة المصالحة».

خطوات رمزية

من جهتها، كتبت صحيفة «الشروق»، المعروفة بخطها المعادي لفرنسا: «بينما تطالب الجزائر فرنسا باعتراف رسمي وصريح بجرائم الاستعمار كافة (1830 - 1962)، تكتفي باريس باعترافات في بعض الوقائع التاريخية بشكل جزئي»، مشيرة إلى أنَّ «تعاطي فرنسا والرئيس إيمانويل ماكرون مع مجاز 8 مايو لم يتجاوز الخطوات الرمزية».

وعلَّق الباحث الجزائري في تاريخ الاستعمار الفرنسي بالجزائر، حسني قيتوني، على بيان «الإليزيه» الذي يعلن فيه زيارة الوزيرة روفو، قائلاً: «إنه لا يتضمَّن أي كلمة تصف ما وقع. هناك حديث عن الحقيقة دون أي تعريف قانوني للأحداث. وبالتالي، لا يوجد اعتراف رسمي بـ(الجرائم ضد الإنسانية)»، وهو مصطلح شائع الاستخدام بين المؤرخين والجانب الجزائري.

الباحث الجزائري المختص في تاريخ الاستعمار حسني قيتوني (حسابه الخاص بالإعلام الاجتماعي)

وفي قراءته للبيان ذاته، لفت قيتوني إلى «خلوّه من أي تعبير عن الندم أو اعتذار صريح»، عادّاً أنه «مجرد سردٍ للذاكرة التاريخية، يفتقر لطلب المغفرة». كما انتقد «غياب أي إشارة لمسؤوليات فرنسية محددة عن الجرائم التي اقترفها الجيش الاستعماري والمستوطنون وأجهزة القمع، أو حتى تسمية الشخصيات المتورطة فيها، رغم أنَّها موثَّقة بشكل واسع، بما في ذلك في الأرشيف الفرنسي نفسه».