غيَّب الموت، صباح اليوم الجمعة، الموسيقار المغربي عبد الوهاب الدكالي عن عمر ناهز 85 عاماً، بعد صراع مع المرض لم يمهله كثيراً، ليرحل تاركاً وراءه خزانة موسيقية تعد من أنفس ذخائر الفن العربي المعاصر، وصفحة مطوية من زمن الريادة الذي صاغ هوية الأغنية المغربية الحديثة.
وبوفاة الدكالي، تفقد الساحة الفنية العربية، ليس فقط مطرباً وملحناً، بل «مؤسسة فنية» متكاملة الأركان، فالرجل الذي لُقب بـ«العميد»، لم يكن مجرد مؤدٍّ للألحان، بل كان مثقفاً موسيقياً استطاع بعبقريته الفذة أن ينقل الأغنية المغربية من نطاقها المحلي الضيق إلى رحابة العالمية، جامعاً في نسيجه اللحني بين أصالة المقامات الشرقية، وخصوصية الإيقاع المغربي، وروح التجديد الغربي.
فلسفة اللحن والأداء
بدأت رحلة الدكالي في مدينة فاس العريقة عام 1941، حيث تشبع بروح الأندلس وعمق التراث، لكن طموحه كان يرمي دوماً إلى ما وراء الأسوار. انطلق في أواخر الخمسينات، وفي حقبة الستينات والسبعينات، كان قد نجح بالفعل في نحت شخصية فنية فريدة، فهو «المسرحي» الذي يجسد الأغنية بحركات جسده وتعبيرات وجهه، وهو «التشكيلي» الذي يرسم باللحن صوراً شعورية معقدة.
خلّف الراحل إرثاً يصعب حصره، لكن تظل أيقونته «مرسول الحب» بمثابة النشيد العابر للأجيال والجغرافيا، وهي الأغنية التي كسرت حواجز اللغة واللهجة، وظل يرددها العرب من المحيط إلى الخليج لعقود. كما شكلت أعمال مثل «كان يا ما كان»، و«ما أنا إلا بشر»، و«أنا والغربة»، محطات فاصلة في تاريخ التلحين العربي، حيث قدم فيها الدكالي حلولاً موسيقية مبتكرة، تميزت بالدراما والعمق الفلسفي.

تتويج بمداد الذهب
لم تكن مسيرة الدكالي مجرد أرقام أو سنوات، بل كانت سلسلة من الإنجازات التي وثقتها أرقى الجوائز والأوسمة. فقد توج الراحل بـ«الأسطوانة الذهبية» عن رائعته «ما أنا إلا بشر»، التي لا تزال تتردد في جنبات العالم العربي كواحدة من أيقونات الموسيقى الإنسانية.
وفي المغرب، ظل الدكالي رقماً صعباً في معادلة الإبداع، حيث انتزع الجائزة الكبرى لمهرجان الأغنية المغربية بالمحمدية عام 1985 عن أغنيته الخالدة «كان يا ما كان»، ليعود ويؤكد علو كعبه بحصده الجائزة ذاتها في مهرجان مراكش عام 1993 عن أغنية «أغار عليك»، التي جسدت قدرته على تطويع المقامات الموسيقية برؤية عصرية.
ريادة عابرة للحدود
تجاوزت شهرة الدكالي الحدود الجغرافية، حيث فرض حضوره في القاهرة، قلب العروبة النابض بالفن، وظفر بـالجائزة الكبرى لمهرجان القاهرة سنة 1997 عن عمله الفلسفي «سوق البشرية». هذا الحضور الطاغي جعل الأنظار تتجه صوبه بوصفه رمزاً ثقافياً؛ إذ اختير أفضل شخصية في العالم العربي لعام 1991، بناءً على استفتاء أجرته مجلة «المجلة» الصادرة عن «الشركة السعودية للأبحاث والنشر»، وهو التكريم الذي يعكس مكانته المرموقة في وجدان الجمهور والمثقفين العرب على حد سواء.
تكريم الفاتيكان
ولم يتوقف صدى فنه عند حدود المنطقة العربية، بل امتد ليتلقى تقديراً عالمياً استثنائياً، حيث تم تكريمه من قبل الفاتيكان في مناسبتين، في لفتة تبرز البعد الإنساني والرسالة الحضارية التي كان يحملها في نوتاته الموسيقية، بوصفه فناناً يدعو للحب والسلام والتعايش.
وبين مرسمه في الدار البيضاء ومسارح العالم التي صفق لها الجمهور طويلاً، يترجل الفارس اليوم، لكن صدى صوته سيظل يتردد في أزقة فاس، وساحات الرباط، وقاعات الأوبرا، بوصفه سفيراً فوق العادة للجمال المغربي في أبهى تجلياته.
وبرحيله، تغيب شمس «الكان يا ما كان» التي أضاءت سماء الفن المغربي، لكن ألحانه ستظل حية، تحكي قصة فنان لم يكتفِ بالعزف على أوتار العود، بل عزف على شغاف قلوب الملايين.







