هجوم بمسيّرات أوكرانية على موسكو يُعقّد تحضيراتها للاحتفال بـ«عيد النصر»

أزمة دبلوماسية جديدة مع النمسا تفاقم توتر العلاقات الروسية - الأوروبية

مبنى سكني متضرر جراء غارة جوية أوكرانية بطائرة مسيّرة استهدفت موسكو الاثنين (إ.ب.أ)
مبنى سكني متضرر جراء غارة جوية أوكرانية بطائرة مسيّرة استهدفت موسكو الاثنين (إ.ب.أ)
TT

هجوم بمسيّرات أوكرانية على موسكو يُعقّد تحضيراتها للاحتفال بـ«عيد النصر»

مبنى سكني متضرر جراء غارة جوية أوكرانية بطائرة مسيّرة استهدفت موسكو الاثنين (إ.ب.أ)
مبنى سكني متضرر جراء غارة جوية أوكرانية بطائرة مسيّرة استهدفت موسكو الاثنين (إ.ب.أ)

قبل أيام قليلة على احتفال روسيا بعيد النصر على النازية، وفي ظل تحضيرات واسعة للعرض العسكري الضخم الذي يقام تقليدياً في الساحة الحمراء وسط العاصمة موسكو، تلقى الروس تحذيراً أمنياً إضافياً مهماً، زاد تعقيد الإجراءات الأمنية المشددة التي اتخذتها موسكو لضمان أمن المناسبة الأهم في البلاد. إذ عكس استهداف العاصمة الروسية بمسيّرتين أوكرانيتين، الاثنين، مستوى الصعوبات التي ترافق التحضيرات الواسعة في البلاد.

وأعلن عمدة موسكو سيرغي سوبيانين أن الدفاعات الجوية الروسية تعاملت مع الهجوم، ونجحت في إسقاط المسيّرتين قبل بلوغهما الهدف، لكنّ الحادث رمى بظلال على الفعاليات النشطة التي تجري حالياً تحضيراً للاحتفالات الكبرى.

وكانت موسكو تحدثت عن تقليص محتمل في العرض العسكري الكبير الذي يحضره عادة الرئيس فلاديمير بوتين وزعماء من بلدان عدة. وأعاد الهجوم برغم فشله التذكير بأن سماء العاصمة الروسية ما زالت غير آمنة كفاية، بعدما كانت هجمات مماثلة استهدفت مطارات عدة مرات وأصابتها بشلل في حالات عدة، فضلاً عن استهداف متواصل لمنشآت تحتية للطاقة وتخزين الوقود والمعدات وغيرها من المواقع الروسية.

وكان الكرملين حذّر من مخاطر استمرار استهداف البنى التحتية للطاقة، وقال الناطق الرئاسي ديمتري بيسكوف، مساء الاثنين، إن التهديد باستمرار ارتفاع أسعار النفط يتصاعد في حال تضررت البنية التحتية التصديرية للنفط الروسي جراء الضربات الأوكرانية. وجاء حديث بيسكوف رداً على تصريحات الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي التي قال فيها إن كييف رفضت طلبات الغرب بعدم استهداف البنية التحتية الروسية للنفط. وأشار بيسكوف في حديث صحافي إلى أن أسعار النفط مرتفعة بالفعل بسبب الأزمة في الشرق الأوسط، وأنها قد ترتفع بشكل أكبر في حال تعرض البنية التحتية التصديرية الروسية لأضرار من قبل كييف. وقال المتحدث الرئاسي: «لا أعلم إن كان هناك رفض من الأوروبيين أم لا، لكن الوضع الحالي يشير إلى أنه في ظل أزمة طاقة حادة جداً بسبب الأوضاع في مضيق هرمز، فإن كمية النفط في السوق أقل بكثير مما ينبغي، وإذا خرجت كميات إضافية من نفطنا من السوق، فإن الأسعار سترتفع أكثر مما هي عليه الآن، وهي حالياً تتجاوز 120 دولاراً للبرميل». وكان رئيس صندوق الاستثمار المباشر الروسي كيريل ديميترييف قد أكد أن العالم يتجه نحو أكبر أزمة طاقة في التاريخ بسبب أسعار النفط القياسية.

مدخل السفارة الروسية في فيينا كما بدا الاثنين بعد قرار النمسا بطرد ثلاثة دبلوماسيين روس بتهمة «التجسس» (أ.ف.ب)

دوافع سياسية

في غضون ذلك، برز تصعيد جديد في العلاقات الروسية - الأوروبية، الاثنين، وتعهدت موسكو بالرد بالمثل على قرار النمسا طرد ثلاثة دبلوماسيين روس. وقالت السفارة الروسية في فيينا في بيان إنها أحيطت علماً بقرار الخارجية النمساوية إعلان موظفين بالسفارة الروسية والبعثة الدائمة لدى منظمة الأمن والتعاون في أوروبا أشخاصاً غير مرغوب بهم، معربة عن استيائها من هذا القرار الذي وصفته بأنه «غير مبرر وذو دوافع سياسية وغير مقبول على الإطلاق». وأشارت السفارة إلى أن الخارجية النمساوية، في قرارها بطرد الدبلوماسيين الروس لم تقدم أي دليل على انتهاكاتهم المزعومة لاتفاقية فيينا.

وقالت السفارة الروسية إن «هذه التصرفات المتهورة للغاية من الجانب النمساوي سترد عليها موسكو بقوة دون أدنى شك»، محملة فيينا «كامل المسؤولية عن التدهور الكبير للعلاقات الثنائية التي وصلت بالفعل إلى أدنى مستوياتها في التاريخ الحديث». وكانت فيينا قد بررت قرارها بالاشتباه بنشاط تجسسي قام به الموظفون الروس، وتحدثت عن «شبكة هوائيات» على أسطح المباني الدبلوماسية، التي يحتمل استخدامها للتجسس، حسبما أفادت وكالة «رويترز».

وقالت وزيرة الخارجية النمساوية بيات ماينل - رايزينغر في بيان إنه «من غير المقبول استخدام الحصانة الدبلوماسية للتجسس». وبذلك ارتفع عدد الدبلوماسيين الروس الذين طردتهم النمسا منذ عام 2020 إلى 14 دبلوماسياً.

تكتل أشد عداوة

ويأتي هذا التطور في سياق تصعيد قوي في العلاقات الروسية - الأوروبية، خصوصاً بعد إقرار الاتحاد الأوروبي حزمة مساعدات مالية ضخمة لأوكرانيا، وإطلاق مناورات مشتركة قرب الحدود في بحر البلطيق. ووصف مسؤولون روس الاتحاد الأوروبي بأنه «يتحول سريعاً إلى تكتل عسكري أشد عداوة وأكثر خطراً من حلف شمال الأطلسي». وكانت موسكو قد حذرت في السابق من ميل النمسا إلى الانضمام إلى حلف شمال الأطلسي، ورأت أن التطور يشكل تهديداً خطيراً، بعدما صنفت فيينا روسيا بأنها تشكل تهديداً لأمن الاتحاد الأوروبي، ولمح سياسيون إلى احتمال انضمام البلاد إلى الحلف العسكري الغربي.

سكان في حالة صدمة بعد مقتل شخص بغارة روسية على بلدة ميريفا بمنطقة خاركيف بأوكرانيا الاثنين (رويترز)

ميدانياً، أعلنت وزارة الدفاع الروسية أن قواتها تقدمت في الأجزاء الشمالية الشرقية والجنوبية الشرقية من بلدة كراسني ليمان في دونيتسك. وأكدت في حصيلة عسكرية يومية لمجريات المعارك أن الجيش الروسي نجح في تعزيز مواقعه على الأطراف الشرقية لمدينة راي - ألكساندريفكا، كما قام بقطع خطوط إمداد القوات المسلحة الأوكرانية قرب دوبروبيليا. وتواصل روسيا تقدمها على طول خطوط التماس، ورغم أن هذا التقدم بطيء لكنه ثابت وفقاً للمصادر العسكرية الروسية. وشنّت القوات الروسية، الاثنين، غارات على منشآت نقل يستخدمها الجيش الأوكراني في مناطق الإسناد قرب خطوط التماس. ومن بين الأهداف المدمرة وفقاً لبيان عسكري روسي «مستودعات ذخيرة، ومواقع تخزين طائرات مسيّرة، ومواقع انتشار مؤقتة للقوات المسلحة الأوكرانية ومرتزقة أجانب في 142 منطقة».



بوتين يعلن وقف إطلاق النار مع أوكرانيا يومي 8 و9 مايو

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (أ.ب)
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (أ.ب)
TT

بوتين يعلن وقف إطلاق النار مع أوكرانيا يومي 8 و9 مايو

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (أ.ب)
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (أ.ب)

ذكرت وكالات أنباء روسية، نقلاً عن وزارة الدفاع، أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أعلن اليوم الاثنين وقفاً لإطلاق النار لمدة يومين في الحرب مع أوكرانيا تزامناً مع الاحتفال بذكرى إلحاق الهزيمة بألمانيا النازية في الحرب العالمية الثانية.


القبض على شخصين أشعلا حريقاً استهدف جداراً تذكارياً في لندن

ضباط شرطة يؤدون مهامهم خلال مظاهرة أمام مقر رئاسة الوزراء البريطانية في داونينغ ستريت بلندن 30 أبريل 2026 (رويترز)
ضباط شرطة يؤدون مهامهم خلال مظاهرة أمام مقر رئاسة الوزراء البريطانية في داونينغ ستريت بلندن 30 أبريل 2026 (رويترز)
TT

القبض على شخصين أشعلا حريقاً استهدف جداراً تذكارياً في لندن

ضباط شرطة يؤدون مهامهم خلال مظاهرة أمام مقر رئاسة الوزراء البريطانية في داونينغ ستريت بلندن 30 أبريل 2026 (رويترز)
ضباط شرطة يؤدون مهامهم خلال مظاهرة أمام مقر رئاسة الوزراء البريطانية في داونينغ ستريت بلندن 30 أبريل 2026 (رويترز)

ألقت الشرطة البريطانية، الاثنين، القبض على رجل وامرأة على خلفية واقعة إشعال حريق عن عمد استهدفت جداراً تذكارياً في منطقة بشمال لندن يقطنها عدد كبير من اليهود.

وقالت الشرطة في بيان إنها ألقت القبض على رجل يبلغ من العمر 46 عاماً وامرأة (38 عاماً)، بينما يتصل بالواقعة التي يحقق فيها ضباط مكافحة الإرهاب للاشتباه في ارتكابهما جريمة الإحراق العمد، وفق وكالة «رويترز» للأنباء.

وأضاف البيان أن الجدار يضم صوراً لمن يقال إنهم محتجون قتلتهم الدولة الإيرانية في يناير (كانون الثاني). ووقع هذا الهجوم في 27 أبريل (نيسان) بعد هجمات إحراق متعمدة على أهداف يهودية في غولدرز غرين؛ حيث أُحرقت سيارات إسعاف تابعة لمنظمة يهودية، الشهر قبل الماضي.

وقالت الشرطة إنها تحقق في احتمال أن تكون وقائع إشعال الحرائق المتعمدة مرتبطة بإيران.

وأدى طعن رجلين يهوديين في المنطقة نفسها، الأسبوع الماضي، إلى تزايد المخاوف إزاء سلامة اليهود، وهو ما دفع الحكومة إلى رفع مستوى التهديد الإرهابي في أنحاء البلاد.

وقالت الشرطة، الاثنين، إن جهاز مكافحة الإرهاب في العاصمة البريطانية يعمل على عدد من التحقيقات في الوقائع التي حدثت في شمال غربي لندن منذ هجوم سيارات الإسعاف في مارس (آذار)، موضحة أنها ألقت القبض على 30 شخصا، ووجهت تهماً إلى تسعة منهم منذ ذلك الهجوم.


انطلاق مبكر لسباق الرئاسة بفرنسا

جان لوك ميلونشون زعيم حزب «فرنسا الأبية» خلال حوار تلفزيوني مع القناة الأولى الفرنسية ليل الأحد - الاثنين (أ.ف.ب)
جان لوك ميلونشون زعيم حزب «فرنسا الأبية» خلال حوار تلفزيوني مع القناة الأولى الفرنسية ليل الأحد - الاثنين (أ.ف.ب)
TT

انطلاق مبكر لسباق الرئاسة بفرنسا

جان لوك ميلونشون زعيم حزب «فرنسا الأبية» خلال حوار تلفزيوني مع القناة الأولى الفرنسية ليل الأحد - الاثنين (أ.ف.ب)
جان لوك ميلونشون زعيم حزب «فرنسا الأبية» خلال حوار تلفزيوني مع القناة الأولى الفرنسية ليل الأحد - الاثنين (أ.ف.ب)

بعد عام من اليوم، تنتهي ولاية الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الثانية (2022 - 2027)، وبموجب أحكام الدستور لن يحق له الترشح لولاية أخرى، ما يعني أنه سيكون غائباً عن الحملة الرئاسية المقبلة بعكس ما كان عليه الوضع في عامي 2017 و2022 حين فاز بسهولة على مارين لوبان، مرشحة اليمين المتطرف. ويبدو أن السباق الرئاسي بدأ مبكراً، مع إعلان جان لوك ميلونشون، زعيم حزب «فرنسا الأبية» مساء الأحد الترشح.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يتحدث للصحافة بمناسبة القمة الثامنة لـ«المجموعة السياسية الأوروبية» في يريفان الاثنين (أ.ف.ب)

سيترتب على غياب ماكرون تبعات على السجال الانتخابي، خصوصاً أنه لا أحد ممن تعاون معهم إن في رئاسة الحكومة (إدوار فيليب، وجان كاستيكس، وإليزابيث بورن، وغبريال أتال، وفرنسوا بايرو وسيباستيان لو كورنو) أو من بين الوزراء البارزين، بوسعه الادعاء أنه وريثه الشرعي، لا بل هناك من يؤكد أن «الماكرونية السياسية» ستنتهي مع رحيل ماكرون عن قصر الإليزيه في مايو (أيار) العام المقبل.

تشظي اليمين

لكن هذا الواقع لا يحول دون تكاثر الترشيحات داخل «الكتلة المركزية» المشكّلة من ثلاثة أحزاب، أبرزها حزب «معاً من أجل الجمهورية» الذي أسسه ماكرون في 2016 ويرأسه اليوم غبريال أتال. ويضاف إليه حزب «الحركة الديمقراطية» الوسطي برئاسة فرنسوا بايرو، وحزب «هورايزون» (آفاق) المتموضع يمين الوسط، ويرأسه إدوار فيليب الذي يشغل في الوقت عينه منصب عمدة مدينة لوهافر، حيث يوجد أكبر ميناء فرنسي مطل على المحيط الأطلسي. والحال أن الأخير كان أول من أعلن رسمياً ترشحه للانتخابات الرئاسية قبل عدة أشهر. ورغم مشاركة وزراء من حزبه في الحكومات كافة التي تشكلت في عهدي ماكرون، فإن فيليب ابتعد عن ساكن الإليزيه ولم يتردد، جراء الأزمة السياسية - الحكومية، نهاية العام الماضي في تأكيد أنه يتعين على ماكرون الاستقالة في حال عجز عن التغلب على الأزمة السياسية الحادة التي عانت منها فرنسا في تلك المرحلة التي شهدت استقالة حكومتين متتاليتين، قبل أن تستقر حكومة سيباستيان لوكورنو الحالية.

بيد أن فيليب، الأكثر شعبية في المعسكر الرئاسي حتى اليوم، يعاني من منافسة غبريال أتال ( 37 عاماً) الذي كان أصغر رئيس حكومة في تاريخ فرنسا منذ زمن الإمبراطور نابليون بونابرت، نهاية القرن التاسع عشر. وأتال يدين بموقعه ولبروزه السياسي للرئيس ماكرون. بيد أن هوة أخذت تفصل بينهما منذ أن قرر ماكرون حل البرلمان والدعوة إلى انتخابات جديدة صيف عام 2024 ما أخرجه من رئاسة الحكومة. ومنذ ذلك التاريخ، يسعى أتال إلى التخلص من «صورة الأب» المسيطر، مستفيداً من ترؤسه لمجموعة الحزب الرئاسي البرلمانية البالغة 91 نائباً. وحتى اليوم لم يعلن أتال ترشحه. لكن كل ما يقوم به يصب في سياق التحضير للمعركة المقبلة. وهناك من يرى أنه لا يريد إحراق أوراقه الآن، والمرجح أن يعلن ترشحه مع نهاية الصيف المقبل. ثم إن جيرالد درامانان، وزير العدل راهناً والداخلية سابقاً يراوده طيف الترشح، ومن الأوراق التي قد يلعبها قدرته على الجمع بين أصوات الكتلة المركزية وأصوات اليمين التقليدي الممثل بالجمهوريين. لكن استطلاعات الرأي تبين أنه يحتل موقعاً متراجعاً بعد فيليب وأتال. ثم إن أصواتاً أخذت تدعو سيباستيان لوكورنو المقرب جداً من ماكرون إلى التحضير لخوض غمار المنافسة الرئاسية. لكن أي إيحاءات من هذا النوع لم تصدر عنه.

مارين لوبان وجوردان باريلا زعيما اليمين المتطرف الفرنسي خلال تجمع في مدينة ماكون بجنوب فرنسا بمناسبة الأول من مايو (رويترز)

من سيكون مرشح اليمين المتطرف؟

الثابت الوحيد اليوم أن مرشح أو مرشحة اليمين المتطرف حزب «التجمع الوطني» سوف يتأهل للجولة الرئاسية الثانية وفق ما تبينه استطلاعات الرأي كافة. ولذا، فإن المعادلة التي تفرض نفسها على الكتلة المركزية واليمين التقليدي تكمن في كيفية التأهل لجولة الإعادة. والحال أن تكاثر أعداد المرشحين من هاتين المجموعتين سيقضي على حظوظهما لإيصال مرشح عنهما إلى الدورة الثانية. ذلك أن برونو روتايو، رئيس الجمهوريين ووزير الداخلية السابق عمد إلى تنظيم انتخابات داخلية لحزبه، كانت نتيجتها مطابقة لما أريد لها، أي تسميته مرشح الحزب رسمياً للانتخابات الموعودة. بيد أن الأخير لا يحظى بإجماع داخلي؛ إذ إنه يعاني من منافسة شخصيتين رئيسيتين: الأولى، لوران فوكييه، رئيس مجموعة الحزب البرلمانية، والثانية ديفيد ليسنار، عمدة مدينة كان المتوسطية، ورئيس جمعية عمداء المدن الفرنسية. والاثنان يسكنهما الهاجس الرئاسي، ما يبين أن التشظي الذي يضرب «الكتلة المركزية» يصيب أيضاً اليمين التقليدي الذي يعاني كذلك من انقسامات داخلية حادة بين من يدعو لتحالف مفتوح مع اليمين المتطرف، وبين من يرفض تبني آيديولوجيته ويفضل التحالف مع «الكتلة المركزية» التي يشارك معها في الحكومات المتعاقبة، ويصوت إلى جانبها في البرلمان.

هناك واقع سياسي - اجتماعي تبينه الدراسات السوسيولوجية كافة التي تظهر أن فرنسا تميل يميناً إن لجهة طبيعة الاقتصاد الليبرالي، أو حول القيم والتعامل في ملفي الهجرة والإسلام، وكيفية المحافظة على الهوية الوطنية، فيما تتكاثر الدراسات المحذرة مما يسمى «ظاهرة الاستبدال الديمغرافي والقيمي». وليس صعود نجم اليمين المتطرف سوى ترجمة لهذه الظاهرة. فهذا اليمين أصبح اليوم في فرنسا، كما في كثير من الدول الأوروبية، على أبواب السلطة. وكثير من الفرنسيين يتوقعون أن يكون جوردان بارديلا، رئيس حزب «التجمع الوطني» والنائب الأوروبي، البالغ من العمر ثلاثين عاماً، الرئيس المقبل، إلا إذا تمكنت مارين لوبان، رئيسته التاريخية وابنة مؤسسه جان ماري لوبان، من تجاوز الامتحان القضائي الذي ينتظرها في يوليو (تموز) المقبل، وتمكنت من الترشح للرئاسة للمرة الرابعة. وما يترسخ في قناعات مناضلي الحزب المذكور أن ما سمي في السابق «الجبهة الجمهورية» التي كانت تنشأ لمنع اليمين المتطرف من الوصول إلى السلطة قد تهاوت نهائياً، لا بل إن تحالفات انتخابية برزت خلال الانتخابات البلدية الأخيرة ما يبين أن الهوة السابقة التي كانت تحول دون التعاون بين جناحي اليمين قد اضمحلت.

عودة ميلونشون

كان الحدث السياسي الأبرز ليل الأحد - الاثنين إعلان جان لوك ميلونشون، زعيم حزب «فرنسا الأبية» الترشح للانتخابات الرئاسية للمرة الرابعة، في وقت يعيش اليسار الفرنسي بتشكيلاته كافة (الأحزاب الاشتراكية والشيوعية والخضر وفرنسا الأبية) هزات انقسامية عنيفة عنوانها: التحالف مع ميلونشون أو رفض التحالف معه. ورغم التحالف الذي حصل إبان الانتخابات البلدية الأخيرة مع مرشحي ميلونشون، فإن موجة معادية له تزداد نمواً داخل «الحزب الاشتراكي»، و«الخضر» إن بسبب تشدده أو بسبب ما يزعم حول تصريحات عن معاداة السامية أو مواقفه السياسية المتطرفة في الداخل والخارج. وسبق لميلونشون أن حل في المرتبة الثالثة في الانتخابات الأخيرة بحصوله على 22 في المائة من الأصوات، بينما حصلت آن هيدالغو، مرشحة الاشتراكيين على 1,75 في المائة من الأصوات.

الرئيس الفرنسي السابق فرنسوا هولاند الراغب في الترشح لانتخابات الرئسية بعد عشرة أعوام على مغادرته قصر الإليزيه (رويترز)

ويعتقد أنصار ميلونشون أنه قادر هذه المرة أن يسحق منافسيه من اليسار. وحتى اليوم، هناك مرشحون اشتراكيون غير معلنين رسمياً وهم: فرنسوا هولاند، رئيس الجمهورية السابق، وبرنار كازنوف آخر رئيس حكومة في عهده، ورافاييل غلوكسمان رئيس الحزب الاشتراكي الديمقراطي الصغير «الساحة العامة». وعداء ميلوشنون هو ما يجمع بين هؤلاء. كذلك، فإن مارين توندوليه، رئيسة حزب «الخضر» أعلنت أيضاً استعدادها للترشح، ما يعني أن التشظي الذي يعاني منه اليمين يضرب أيضاً التيارات اليسارية. وقال ميلونشون، في حديثه التلفزيوني الأخير إنه «لم يتبق سوى أقل من عام على الانتخابات. بالنسبة لنا، كل شيء جاهز - لدينا فريق وبرنامج انتخابي ⁠ومرشح واحد» أي هو شخصياً. ويؤكد ميلونشون أنه قادر على «سحق» مرشح أو مرشحة اليمين المتطرف فيما يعد آخر فرصة له لخوض الانتخابات الرئاسية، إذ إنه في سن الـ74 عاماً، وسيكون الأكبر سناً من بين المرشحين كافة، ولكن أيضاً الأكثر خبرة وبلاغة.