الجزائر تُدوّل ملف «السموم النووية» الفرنسية من منبر الأمم المتحدة

17 تفجيراً خلفت جرحاً لا يزال ينزف رغم مرور عشرات السنين

صورة لأحد التفجيرات النووية في الجزائر (مؤسسة الأرشيف الجزائري)
صورة لأحد التفجيرات النووية في الجزائر (مؤسسة الأرشيف الجزائري)
TT

الجزائر تُدوّل ملف «السموم النووية» الفرنسية من منبر الأمم المتحدة

صورة لأحد التفجيرات النووية في الجزائر (مؤسسة الأرشيف الجزائري)
صورة لأحد التفجيرات النووية في الجزائر (مؤسسة الأرشيف الجزائري)

نقلت الجزائر ملف تطهير مواقع التجارب النووية الفرنسية إلى أروقة الأمم المتحدة، مما يضع العلاقات المتأزمة أصلاً أمام فصل جديد من التصعيد.

ودخل «ملف التجارب النووية الفرنسية في الصحراء الجزائرية» مرحلة جديدة، بمناسبة «المؤتمر الحادي عشر لمراجعة معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية» المعروف اختصاراً بـ«تي إن بي»، في الفترة من 27 أبريل (نيسان) إلى 22 مايو (أيار) 2026 بمقر الأمم المتحدة بنيويورك، حيث تم انتخاب الجزائر لمنصب نائب رئيس هذه الهيئة.

ويعكس هذا الانتخاب «الثقل الدبلوماسي للجزائر في هيكلية نزع السلاح العالمية، ويمنحها أيضاً منصة لمطالبة باريس بكشف الحساب عن الموروث الإشعاعي الذي خلفته في الصحراء الجزائرية»، بحسب ما نقلته وسائل الإعلام العمومية الجزائرية.

مندوب الجزائر لدى الأمم المتحدة (وزارة الخارجية الجزائرية)

وخلال النقاش العام، لفت الممثل الدائم للجزائر لدى الأمم المتحدة عمار بن جامع، الأنظار بمداخلة اتسمت بالصراحة والحدة تجاه فرنسا، حيث وصف تجاربها النووية بأنها «صفحة مؤلمة» في التاريخ النووي العالمي، موجهاً خطاباً مباشراً لباريس وسفيرها لدى الهيئة الأممية، بشأن «التداعيات الإنسانية والبيئية لـ17 تجربة نووية أجريت بصحراء الجزائر في ستينات القرن الماضي».

ويبرز تساؤل محوري أثاره بن جامع في كلمته التي نشرتها وزارة الخارجية الجزائرية: «هل سينجح الرهان الجزائري في استثمار هذا الموقع الدبلوماسي الرفيع لانتزاع شفافية فرنسية غائبة، خصوصاً أن هذا الضغط يأتي في وقت تهاجم فيه الجزائر (ازدواجية المعايير) التي تضع مصداقية معاهدة عدم الانتشار على المحك؟».

غبار إشعاعي طويل

بين عامي 1960 و1966، أجرت فرنسا 17 تجربة نووية في جنوب الجزائر، تحديداً في منطقتي رقان (تجارب جوية) وإينكر (تجارب باطنية). وكانت التجربة الأولى، المعروفة بـ«اليربوع الأزرق» في 13 فبراير (شباط) 1960 برقان، وبقوة 70 كيلوطناً، أي أكثر من 3 أضعاف قنبلة هيروشيما، بمثابة بداية لمأساة بيئية وإنسانية. وذكّر السفير بن جامع بأن «الغبار الإشعاعي لهذه التجربة الأولى، امتد إلى أكثر من 3 آلاف كيلومتر في المحيط».

أحد مواقع التجارب النووية الفرنسية بالصحراء الجزائرية (أرشيفية)

وبعد مرور أكثر من 60 عاماً، لا يزال التأثير الصحي والبيئي مدمراً، مع استمرار غير طبيعي لحالات السرطان واللوكيميا والتشوهات الخلقية بين السكان، حسب تقارير للصحة العامة في الجزائر. كما تأثر قطاع الرعي والحياة الاقتصادية المحلية في بعض المناطق بشكل دائم. وأكد بن جامع أن تبعات هذه التجارب «تظل جرحاً مفتوحاً للسكان الجزائريين ضحايا التفجيرات، من أمراض وتشوهات وأراضٍ باتت عاقراً. حتى الوكالة الدولية للطاقة الذرية سجلت مستويات مرتفعة ومستمرة من الإشعاع في هذه المناطق».

وأمام هذا الواقع، طرح السفير الجزائري أسئلة «لا تزال بلا إجابة حتى يومنا هذا»: «لماذا لم تزوّد فرنسا الجزائر بعد بالخرائط التي تحدد المواقع الدقيقة للتجارب والنفايات المدفونة؟ وما العقبات التي لا تزال تمنع الكشف عن الأرشيف التاريخي والبيانات الإشعاعية والملفات الطبية الضرورية للتطهير البيئي وحماية الصحة العامة؟ وهل تتجاوز هذه العقبات المبادئ الأساسية والحقوق الأولية للسكان المعنيين؟».

ومن شأن هذه الأرشيفات، حسب الدبلوماسي الجزائري، أن تسمح بتحديد أماكن التجارب، والمعدات الملوثة، ومواقع تخزين النفايات الإشعاعية المدفونة أو المتروكة في عين المكان بعد مغادرة فرنسا مواقع التجارب عام 1967، وفقاً لما جاء في «اتفاقيات إيفيان» الموقعة عام 1962 والتي أنهت الحرب.

الرئيسان الجزائري والفرنسي - 27 أغسطس 2022 (الرئاسة الجزائرية)

أما «قانون موران» الفرنسي الصادر في 2010، والذي يتضمن تعويض ضحايا التجارب النووية الفرنسية عبر العالم، فهو يتجاهل تماماً الضحايا الجزائريين والأضرار الجسيمة التي لحقت بالبيئة، حسب بن جامع. كما أنه «يغيّب مبدأً أساسياً وهو قرينة المنشأ، ويضع سقفاً منخفضاً للتعرض للإشعاع ولعدد الأمراض المعترف بها أمراضاً ناتجة عن الإشعاع».

مقترحات جزائرية

وأفاد الدبلوماسي الجزائري بأن الجزائر «قدمت مقترحات ملموسة وبناءة لإعادة تأهيل المواقع الملوثة، لكن فرنسا لا تزال تتجاهل هذه المقترحات وتنكر مسؤولياتها».

وإلى جانب البحث عن البيانات الواقعية، تشير الجزائر إلى «معاملة تفضيلية» من جانب الدولة الفرنسية. وتساءل بن جامع عن «ازدواجية سياسة التعويضات الفرنسية»؛ فبينما بذلت باريس جهوداً في التطهير، وفككت منشآتها الفنية ووضعت آليات للتعويض في «بولينيزيا الفرنسية» بالمحيط الهادئ، حيث أجرت 193 تجربة بين 1966 و1996، لا يزال الوضع في الصحراء الجزائرية يتسم بالغموض وإنكار المسؤولية، حسب بن جامع، الذي أشار إلى أن «هذا الرفض الفرنسي بالالتزام بإعادة تأهيل المواقع الجزائرية، يكشف عن التعقيدات المستمرة في ملف الذاكرة الاستعمارية».

ويظل ملف التجارب النووية أحد أبرز الخلافات العالقة في ملف الذاكرة بين الجزائر وباريس.

وكان الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، طالب عام 2024، فرنسا رسمياً، بتنظيف مواقع التجارب، مؤكداً أن بلاده «تنتظر أفعالاً لا أقوالاً في ملف الذاكرة». وشدد حينها على أن الجانب التقني المتعلق بتطهير الأرض من الإشعاعات هو «مسؤولية فرنسية بشكل كامل».

وفي 2022، صرّح الرئيس تبون في خطاب رسمي، بأن «جرائم الاستعمار لا تسقط بالتقادم»، وأن ملف التجارب النووية يظل في طليعة القضايا التي تجب تسويتها، مطالباً بضرورة «تحمل فرنسا مسؤولياتها بخصوص تطهير الأرض من السموم الإشعاعية».


مقالات ذات صلة

سلطات بنغازي تجدد رفضها توطين «المهاجرين» في ليبيا

شمال افريقيا عدد من المهاجرين المصريين قبيل ترحيلهم من شرق ليبيا في 3 مايو (جهاز مكافحة الهجرة غير المشروعة)

سلطات بنغازي تجدد رفضها توطين «المهاجرين» في ليبيا

في ظل تدفّق أفواج من المهاجرين غير النظاميين على ليبيا، جددت سلطات شرق البلاد «رفضها القاطع لأي شكل من أشكال توطينهم في ليبيا»، مشجّعة على «ترحيلهم طوعياً».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
المشرق العربي زيارة لمخيمات في إدلب بحضور المنسقة الإنسانية المقيمة للأمم المتحدة بسوريا ناتالي فوستيه وأهالي النازحين (سانا)

مسؤولة أممية في مخيم شمال سوريا للاطلاع على تحديات عودة النازحين

شملت الجولة مخيم الملعب القديم ببلدة حزانو، والاطلاع على أوضاع النازحين المعيشية والإنسانية، ومعالجة التحديات المتعلقة بملف العودة، بحسب وكالة «سانا».

«الشرق الأوسط» (دمشق - لندن)
شمال افريقيا «المجلس الأعلى للدولة» في ليبيا مستقبلاً وفداً برلمانياً إيطالياً الأسبوع الماضي (المجلس الأعلى)

«الأعلى للدولة» الليبي يصعّد حديثه في مواجهة البعثة الأممية

في تصعيد لافت، دعا المجلس الأعلى للدولة في ليبيا البعثة الأممية إلى «مراجعة نهجها والالتزام بحدود ولايتها بالتعامل مع المؤسسات الشرعية وفق التشريعات الناظمة».

خالد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا المنفي مستقبلاً تيتيه في مكتبه بطرابلس في 21 أبريل الحالي (المجلس الرئاسي الليبي)

الأزمة الليبية: تعدُّد لجان الحل... وأمل الوصول إلى الانتخابات «بعيد»

منذ أن اتجه «ملف الأزمة» الليبية إلى مدينة غدامس (جنوباً)، وهي قيد البحث حتى الآن، إمّا على طاولات خارجية، وإما عبر لجان محلية؛ سعياً للتواصل إلى حل توافقي.

جمال جوهر (القاهرة)
شؤون إقليمية الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش (د.ب.أ)

غوتيريش: إغلاق مضيق هرمز يخنق الاقتصاد العالمي

أعرب الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، الخميس، عن قلقه إزاء «خنق» الاقتصاد العالمي بسبب شلل مضيق هرمز الحيوي، خصوصاً لتجارة المحروقات والأسمدة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

تصريحات للبرهان تثير مخاوف أطباء السودان

رئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان يخاطب الملتقى الصحي يوم السبت وإلى جانبه وزير الصحة هيثم محمد إبراهيم (منصة وزارة الصحة على «فيسبوك»)
رئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان يخاطب الملتقى الصحي يوم السبت وإلى جانبه وزير الصحة هيثم محمد إبراهيم (منصة وزارة الصحة على «فيسبوك»)
TT

تصريحات للبرهان تثير مخاوف أطباء السودان

رئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان يخاطب الملتقى الصحي يوم السبت وإلى جانبه وزير الصحة هيثم محمد إبراهيم (منصة وزارة الصحة على «فيسبوك»)
رئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان يخاطب الملتقى الصحي يوم السبت وإلى جانبه وزير الصحة هيثم محمد إبراهيم (منصة وزارة الصحة على «فيسبوك»)

في إطار إشادته بالطواقم الطبية في الخرطوم، قال رئيس مجلس السيادة السوداني وقائد الجيش عبد الفتاح البرهان إن الكوادر الطبية كانت طرفاً داعماً للجيش في الحرب أسهم كثيراً في استعادته السيطرة على المدينة؛ لكن سرعان ما أشاعت التصريحات قلقاً وتخوفاً بين الأطباء الذين خشوا التشكيك في «حياديتهم»، ومن ثم استهدافهم.

وقال البرهان، في كلمة أمام ملتقى نظمته وزارة الصحة بالخرطوم، السبت: «الكوادر الطبية تحملت أهوال الحرب مع الجميع»، مشيراً إلى أنها لعبت «دوراً كبيراً» في استعادة السيطرة على مناطق جنوب الخرطوم من خلال «تزويد الجهات المختصة بمعلومات حول تحركات العدو وآلياته في تلك المناطق».

وتعهد البرهان خلال المناسبة بتنفيذ توصيات الملتقى، والشروع في تأهيل مستشفيات القوات النظامية، ووجه باستبقاء الكوادر في المناطق الطرفية بعلاوات وتقديم الدعم.

لكن تصريحات البرهان أثارت استياءً واسعاً وسط الأطباء والعاملين في المجال الصحي والإنساني في السودان، خشية تعرضهم للخطر والتشكيك في التزامهم الأخلاقي بالحيادية المهنية.

وقال عضو نقابة أطباء السودان، ولي الدين النور الفكي، لـ«الشرق الأوسط»، إن هذا التصريح «صادم، وقد يعرّض الأطباء للخطر، ويقدح في حياديتهم».

وأضاف: «منذ اندلاع الحرب، التزم أطباء السودان بواجبهم الأخلاقي في إنقاذ الأرواح بعيداً عن الاستقطاب»، رافضاً «إقحام الكوادر الطبية في العملَين الاستخباراتي أو العسكري». وتابع: «نحن رسالتنا إنسانية محضة، وندعو جميع الأطراف إلى احترام حيادية الطب وحماية المنشآت الصحية، لضمان استمرار الخدمة المنقذة للحياة للمدنيين المنكوبين».

وأعربت «شبكة أطباء السودان»، وهي تنظيم مهني مساند لرئيس مجلس السيادة، في بيان، الاثنين، عن استنكارها لفحوى التصريحات، وقالت إن الحديث يناقض «رسالة الأطباء الإنسانية»، ويعرّض حياة العاملين في المجال الصحي لخطر جسيم في ظل حرب لم تضع أوزارها.

ودعت الشبكة الأطراف العسكرية إلى التوقف عن إقحام الأطباء في الصراع، مشيرة إلى الثمن الباهظ الذي دفعه الأطباء بسبب الحرب بوصفهم جزءاً من أبناء الشعب السوداني، لا سيما في الظروف بالغة التعقيد التي يعمل فيها الأطباء، بما في ذلك النقص الحاد في الإمكانيات وتدهور الأوضاع الأمنية، ما يستوجب توفير الحماية لهم، وضمان بيئة آمنة، تمكّنهم من تقديم الخدمات المنقذة للحياة.

من جهتها، حذّرت اللجنة التمهيدية لنقابة أطباء السودان من إقحام الأطباء في الأعمال الاستخباراتية والعسكرية، لافتة إلى أن ذلك يهدد سلامتهم ويقوّض العمل الإنساني. وأكدت في بيان، الاثنين، التزامها بالقانون الدولي الإنساني، مشيرة إلى أن استهداف المنشآت الصحية، والزج بالكوادر الطبية في الصراع، يمثّلان انتهاكاً للقوانين الدولية.

ودعت اللجنة جميع الأطراف إلى حماية الأطباء والمنشآت الصحية، والامتناع عن استخدامهم في أي أنشطة عسكرية، لما لذلك من أخطار على حياتهم وحرماناً للمدنيين من الخدمات الطبية.

وفي بيان موازٍ، قالت مجموعة «محامو الطوارئ»، وهي مجموعة حقوقية طوعية معارضة، إن التصريح بتزويد الأطباء للجيش بمعلومات عسكرية في منطقة «جنوب الخرطوم» من شأنه أن يعرّضهم لخطر حقيقي في ظل الحرب.


قائد جيش الجزائر يحذر من مسارات انفصالية في أفريقيا تُغذّيها قوى أجنبية

قائد الجيش يلقي كلمة بشأن السلم والأمن في الساحل الأفريقي (وزارة الدفاع الجزائرية)
قائد الجيش يلقي كلمة بشأن السلم والأمن في الساحل الأفريقي (وزارة الدفاع الجزائرية)
TT

قائد جيش الجزائر يحذر من مسارات انفصالية في أفريقيا تُغذّيها قوى أجنبية

قائد الجيش يلقي كلمة بشأن السلم والأمن في الساحل الأفريقي (وزارة الدفاع الجزائرية)
قائد الجيش يلقي كلمة بشأن السلم والأمن في الساحل الأفريقي (وزارة الدفاع الجزائرية)

أكد رئيس أركان الجيش الجزائري، الفريق أول سعيد شنقريحة، أن النزاعات التي تشهدها دول أفريقية «تُنْتهزُ من طرف حسابات خارجية، تحاول الاستثمار في الضعف البنيوي في منظومات الدولة».

وأفاد شنقريحة، اليوم الاثنين، خلال اجتماع بالعاصمة ضمَ أبرز الكوادر العسكريين ومسؤولين في الرئاسة والحكومة، بأن قوى أجنبية لم يسمها «تسعى لإحداث انقسامات سياسية (في البلدان الأفريقية التي تعاني من الهشاشة)، لإعادة نسج وقائع أخرى، أحياناً عبر خلق كيانات موازية، أو الدفع بمسارات انفصالية، أو إضفاء شرعية أمر واقع على ترتيبات لا تحظى بإجماع وطني أو إقليمي». من دون ذكر اسم أي بلد أفريقي، لكن كلامه يوحي بأنه يقصد الجارة مالي حيث تواجه السلطة العسكرية هجومات متتالية، منذ شهر، تشنها المعارضة المسلحة وجماعات متطرفة.

كما يفهم من كلام قائد الجيش، بأنه يقصد واقعاً جديداً خلَفته أنظمة حكم جاءت عن طريق الانقلابات، خصوصاً في مالي والنيجر وبوركينافاسو، تمثل في عقد تحالفات مع مجموعات «فاغنر» المسلحة التي تتبع لروسيا، بغرض توفير الحماية لهذه الأنظمة ضد الإسلاميين المسلحين وحركات المعارضة في الداخل.

ووفق شنقريحة، «لم تعد المعضلات الأمنية في أفريقيا مجرد نتاج لعوامل داخلية وحدها، بل تتأثر بتداخل أجندات خارجية حولت بعض الأزمات الأفريقية لساحات مفتوحة لإعادة تشكيل موازين القوى وبسط النفوذ، حيث تتقاطع اعتبارات القوة، والموارد، والمواقع الاستراتيجية، ضمن صراع صامت في ظاهره، عميق في رهاناته، ومتعدّد الأبعاد في أدواته»، مشيراً إلى أن «المشهد يزداد تعقيداً في مناطق ذات حساسية جيوسياسية بالغة».

جانب من الاجتماع الرفيع الذي ترأسه رئيس أركان الجيش (وزارة الدفاع)

وأكد شنقريحة أن الاجتماع الذي ترأسه «يسعى إلى صياغة مقاربة جزائرية لبناء السلم والأمن في أفريقيا، تستند إلى ثوابت واضحة، تقوم على رؤية متماسكة ومتكاملة للعلاقات الأفريقية».

وأشار إلى أن هذا التوجه يجسد عقيدة الجزائر الدبلوماسية في أفريقيا؛ حيث تضع في مقدمة أولوياتها الشراكات العادلة والحلول الأفريقية الخالصة بعيداً عن الإملاءات الخارجية، مع الالتزام التام بقدسية السيادة الوطنية واعتماد الحوار أداةً وحيدةً لتسوية النزاعات، لافتاً إلى أن بلاده «تؤكد باستمرار على مسؤولية الدول الأفريقية في تعزيز مقومات قوتها الوطنية، وترسيخ مناعتها السيادية، بما يمكّنها من الإسهام الجماعي في بناء فضاء أفريقي آمن ومستقر، قائم على الاحترام المتبادل، والتضامن، والعلاقات البينية ذات المنفعة المتبادلة، بعيداً عن منطق التبعية أو الارتهان».

وخلال مقابلة بثها التلفزيون، السبت الماضي، عبَر الرئيس تبون، عن «أسفه» للوضع الذي يعيشه مالي، مؤكداً وجود «اتصالات غير مباشرة بين الجزائر وباماكو»، وذلك في رد على سؤال حول ما إذا كانت السلطات المالية طلبت من الجزائر المساعدة لحل أزمتها مع المعارضين.

وقال تبون: «نحن متأثرون لما يحدث في مالي. لم يكن الأمر نبوءة، لكننا كنا نعلم أن الأمور ستسوء لأن مالي دخلت مرحلة لا تؤدي إلا إلى زعزعة الاستقرار».

وأضاف: «أتحدث بقلبي لأننا نحب مالي. نحن لن نغير مكاننا، ومالي لن تغير مكانها. والتطرف لم يكن يوماً حلاً». ويرى الرئيس أن الأزمة في الجارة الجنوبية، «تعود إلى لجوء باماكو لمحاولة حل المشكلة بالقوة»، مؤكداً أن «القوة لا تحل المشاكل».

Your Premium trial has ended


المعارضة الموريتانية تحتج على رفع الأسعار و«تردي» الأوضاع

من اجتماع سابق لقادة المعارضة في موريتانيا (الشرق الأوسط)
من اجتماع سابق لقادة المعارضة في موريتانيا (الشرق الأوسط)
TT

المعارضة الموريتانية تحتج على رفع الأسعار و«تردي» الأوضاع

من اجتماع سابق لقادة المعارضة في موريتانيا (الشرق الأوسط)
من اجتماع سابق لقادة المعارضة في موريتانيا (الشرق الأوسط)

قررت المعارضة الموريتانية الاحتجاج على «تردي الأوضاع» في البلاد؛ وذلك إثر قرار الحكومة رفع أسعار المحروقات، وانسحب نواب المعارضة من جلسة برلمانية يحضرها وزير الطاقة، الاثنين.

وظهرت مجموعة من نواب المعارضة الموريتانية في مقاطع فيديو متداولة وهم ينسحبون من الجلسة البرلمانية؛ تعبيراً عن احتجاجهم على زيادة جديدة في أسعار المحروقات، أقرَّتها الحكومة، وبدأ العمل بها صباح الاثنين.

وحسب الأسعار الجديدة، فإن سعر لتر البنزين أصبح 61.9 أوقية، وهو ما يعادل أكثر من 1.5 دولار أميركي، في حين وصل سعر لتر المازوت 59.1 أوقية، وهو ما يعادل أكثر من 1.4 دولار، وتعدّ هذه ثاني مرة ترفع فيها الحكومة أسعار المحروقات منذ مارس (آذار) الماضي.

وقال مصدر في المعارضة الموريتانية، إنهم يرفضون هذه الزيادة لأنها مجحفة بالمواطن، مؤكداً أنهم في المعارضة يعتقدون أن الحكومة تستغل الأزمة في العالم للضغط على المواطن بدل أن تتحمل مسؤوليتها وتحميه من تداعيات الحرب الدائرة في الشرق الأوسط.

وأضاف المصدر أن مختلف أقطاب المعارضة قررت الضغط على الحكومة من أجل مراجعة سياساتها فيما يتعلق بالأسعار وغلاء المعيشة، وذلك من خلال الخروج إلى الشارع في مظاهرة شعبية للاحتجاج على ما سماه «تردي الأوضاع المعيشية» في موريتانيا.

وأوضح المصدر أن المظاهرة ستقام الأحد المقبل، في ساحة عمومية بمقاطعة الرياض، جنوب العاصمة نواكشوط، مؤكداً أن التحضيرات الميدانية بدأت بالفعل لحشد أكبر قدر ممكن من المواطنين لإيصال رسالة واضحة للحكومة والسلطة.

ولكن من أجل تنظيم هذه المظاهرة يجب الحصول على ترخيص من السلطات، التي رفضت الأسبوع الماضي الترخيص لمسيرة تنظمها منظمات حقوقية منذ أكثر من عشر سنوات، دون تقديم أي مبررات من طرف السلطات.

ويخشى مراقبون أن ترفض السلطات الترخيص، وتصرّ المعارضة على الخروج؛ ما ينذر بصدامات بين الطرفين، ستكون هي الأولى من نوعها منذ سنوات سيطرت فيها على الساحة السياسية الموريتانية حالة من التهدئة السياسية.

في غضون ذلك، يتزامن هذا التوتر مع محاكمة ناشطتين حقوقيتين، وسط إجراءات أمنية مشددة، الاثنين، وهي المحاكمة التي تثير كثيراً من الجدل، خاصة أن الناشطتين تتمتعان بحصانة برلمانية بعد أن دخلتا البرلمان قبل عامين.

وكانت النيابة العامة قد وجهت إلى الناشطتين الحقوقيتين تهماً، من أبرزها «المساس بالرموز الوطنية عن قصد عبر وسائل التواصل الرقمي، وإصدار وتوزيع عبارات عنصرية بهدف المساس بالسلم الأهلي واللحمة الاجتماعية عن طريق منصات التواصل الاجتماعي، والتهديد والافتراء، والدعوة إلى التجمهر بهدف الإخلال بالأمن العمومي، والسب والشتم ونشرهما، والتحريض على العنف».

وبررت النيابة إحالة الناشطتين إلى السجن، رغم الحصانة البرلمانية، بحجة أنه قد تم ضبطهما في وضعية تلبس؛ وذلك في إشارة إلى أن كل العبارات التي صدرت عنهما كانت في بث مباشر على منصة «فيسبوك»، وهي المنصة الأكثر استخداماً في موريتانيا.