«قبور حديثة امتلأت بالجثث»... «حزب الله» يتكبد خسائر فادحة وسط انتقادات لبنانية متزايدة

مقتل الآلاف من عناصره ونزوح مئات الآلاف منذ دخوله على خط حرب إيران في مارس

مشيّعون يحملون نعوشاً خلال جنازة أربعة عناصر من «حزب الله» ومدنييْن اثنين وسط وقف مؤقت لإطلاق النار بين لبنان وإسرائيل في قرية معروب بجنوب لبنان 26 أبريل 2026 (رويترز)
مشيّعون يحملون نعوشاً خلال جنازة أربعة عناصر من «حزب الله» ومدنييْن اثنين وسط وقف مؤقت لإطلاق النار بين لبنان وإسرائيل في قرية معروب بجنوب لبنان 26 أبريل 2026 (رويترز)
TT

«قبور حديثة امتلأت بالجثث»... «حزب الله» يتكبد خسائر فادحة وسط انتقادات لبنانية متزايدة

مشيّعون يحملون نعوشاً خلال جنازة أربعة عناصر من «حزب الله» ومدنييْن اثنين وسط وقف مؤقت لإطلاق النار بين لبنان وإسرائيل في قرية معروب بجنوب لبنان 26 أبريل 2026 (رويترز)
مشيّعون يحملون نعوشاً خلال جنازة أربعة عناصر من «حزب الله» ومدنييْن اثنين وسط وقف مؤقت لإطلاق النار بين لبنان وإسرائيل في قرية معروب بجنوب لبنان 26 أبريل 2026 (رويترز)

أظهرت تقديراتٌ خسائر لم يُكشف عنها من قبل من داخل «حزب الله» اللبناني أنه تكبد ثمناً باهظاً بسبب خوض الحرب الأحدث مع إسرائيل، في الثاني من مارس (آذار) الماضي، إذ احتلت إسرائيل جزءاً من جنوب لبنان، وشرّدت مئات الآلاف، وقتلت الآلاف من مقاتلي «حزب الله».

كما أسفرت هذه الخطوة عن عواقب سياسية وخيمة، ففي بيروت زادت حدة المعارضة لتسلُّح «حزب الله»، إذ يَعدّ خصوم الجماعة في لبنان أن هذا التسلح يُعرّض الدولة لحروب متكررة مع إسرائيل، وفقاً لتقرير لوكالة «رويترز» للأنباء.

وفي أبريل (نيسان) الماضي، أجرت الحكومة اللبنانية محادثات مباشرة مع إسرائيل، لأول مرة منذ عقود، في قرارٍ عارضه «حزب الله» بشدة.

ومع ذلك، صرّح أكثر من 12 مسؤولاً في «حزب الله»، لـ«رويترز»، بأنهم يرون «فرصة لقلب الموازين»، بما يرجح كِفة الجماعة، عبر التحالف مع طهران في حربها ضد إسرائيل والولايات المتحدة. وبدأت الجماعة، التي أسسها «الحرس الثوري» الإيراني في عام 1982، إطلاق النار بعد يومين من اندلاع الحرب على إيران بضربات أميركية وإسرائيلية في 28 فبراير (شباط) الماضي.

وقال المسؤولون إن حسابات «حزب الله» تستند إلى تقييمٍ مفاده أن مشاركة الجماعة ستؤدي حتماً إلى جعل لبنان جزءاً من جدول أعمال المفاوضات الأميركية الإيرانية، وأن الضغط الإيراني يمكن أن يضمن وقف إطلاق نار أكثر تماسكاً من ذلك الذي دخل حيز التنفيذ في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024 في أعقاب صراع سابق بين «حزب الله» وإسرائيل اندلع بالتزامن مع الحرب في قطاع غزة.

وتكبدت الجماعة أيضاً خسائر فادحة في ذلك الصراع الذي أسفر عن مقتل الأمين العام لـ«حزب الله» حسن نصر الله، إلى جانب نحو خمسة آلاف مسلَّح، وأضعف من هيمنة تمتَّع بها «حزب الله» لفترة طويلة على شؤون الدولة اللبنانية، وفق «رويترز».

وبعد إعادة التسلح بمساعدة إيرانية، استخدمت جماعة «حزب الله» أساليب جديدة وطائرات مُسيّرة، مما أثار دهشة كثيرين بقدراتها بعد هدنةٍ هشة استمرت 15 شهراً توقَّف خلالها «حزب الله» عن إطلاق النار، حتى مع استمرار إسرائيل في قتل أعضاء الجماعة.

ونفى إبراهيم الموسوي، النائب عن «حزب الله»، أن تكون الجماعة قد تصرفت نيابة عن إيران عندما استأنفت الأعمال القتالية، وهو ما يقوله مُعارضوها. وقال، لـ«رويترز»، إن «حزب الله» رأى فرصة «لكسر هذه الحلقة المفرغة... حيث يستطيع الإسرائيليون استهداف واغتيال وقصف وقتل أي شخص دون أي رد».

وأقرّ الموسوي بالخسائر والأضرار في جنوب لبنان، لكنه قال: «لا ينبغي للمرء التطرق لحسابات من قبيل عددِ مَن سيُقتلون... (عندما تكون) الكرامة والسيادة والاستقلال» على المحك.

ودخل وقف إطلاق النار، الذي توسطت فيه الولايات المتحدة، حيز التنفيذ في 16 أبريل، وأدى إلى تراجع كبير في الأعمال القتالية الكبرى، لكن إسرائيل و«حزب الله» يواصلان تبادل الضربات في الجنوب، حيث تُبقي إسرائيل قوات في «منطقة عازلة» أعلنتها بشكل أحادي الجانب.

وقال يزيد صايغ، وهو باحث كبير في مركز كارنيجي الشرق الأوسط ببيروت، إن «(حزب الله) أظهر ثباتاً أكبر مما كان يعتقد كثيرون أنه ممكن، لكن ذلك لم يكن مكسباً استراتيجياً في حد ذاته».

وأضاف لـ«رويترز»: «الشيء الوحيد الذي سيُحجّم إسرائيل هو اتفاق شامل بين الولايات المتحدة وإيران... ما لم يجرِ إبرام اتفاق، فسيعاني الجميع معاناة شديدة، وفي أحسن الأحوال سيصل الوضع إلى طريق مسدود مؤلم».

* قبور حفرت حديثاً وامتلأت سريعاً

قالت وزارة الصحة اللبنانية إن أكثر من 2600 شخص قُتلوا منذ الثاني من مارس، وإنَّ خُمسهم تقريباً من النساء والأطفال والمُسعفين. ولا تُفرّق البيانات بين المدنيين والمسلّحين.

وقالت ثلاثة مصادر، من بينهم مسؤولان في «حزب الله»، إن بيانات الوزارة لا تشمل كثيراً من قتلى الجماعة. وذكرت المصادر أن عدة آلاف من مقاتلي «حزب الله» قُتلوا، لكن الجماعة ليس لديها إحصاء نهائي بعدُ.

وفي بيان لـ«رويترز»، نفت العلاقات الإعلامية في «حزب الله» الأرقام التي ذكرتها المصادر، وقالت إن أرقام وزارة الصحة اللبنانية تشمل أعضاءه الذين قُتلوا في الغارات الإسرائيلية. وذكر أحد المصادر، وهو قائد عسكري في «حزب الله»، أن عشرات المقاتلين توجهوا إلى بلدتيْ بنت جبيل والخيام الواقعتين على خط المواجهة عازمين على القتال حتى الموت. ولم يجرِ انتشال جثثهم حتى الآن.

وفي الضاحية الجنوبية لبيروت، التي يسيطر عليها «حزب الله»، امتلأ أكثر من 20 قبراً حديث الحفر بجثث مقاتلين، في الأيام التي أعقبت سَرَيان وقف إطلاق النار. وتشير شواهد قبور بسيطة من الرخام إلى أن بعضهم قادة، والبعض الآخر من المقاتلين.

وفي قرية ياطر وحدها بجنوب لبنان، جرى تسجيل مقتل 34 مقاتلاً من «حزب الله».

وتعمل إسرائيل على ترسيخ سيطرتها على منطقة تأمين تمتد لمسافة تصل إلى 10 كيلومترات داخل لبنان، وتهدم القرى قائلة إنها تهدف إلى حماية شمال إسرائيل من هجمات مسلّحي «حزب الله» المتمركزين في المناطق المدنية.

وقال مسؤول في الحكومة الإسرائيلية إن «حزب الله» انتهك وقف إطلاق النار المعلَن في نوفمبر 2024 بإطلاق النار على مواطنين إسرائيليين في الثاني من مارس. وأضاف أن التهديد الذي يواجه شمال إسرائيل سيجري القضاء عليه، مشيراً إلى مقتل الآلاف من مسلَّحي «حزب الله»، وأن إسرائيل تعمل بثبات على تدمير البنية التحتية للجماعة.

ويقول الجيش الإسرائيلي إن «حزب الله» أطلق مئات الصواريخ والطائرات المُسيرة على إسرائيل منذ الثاني من مارس. وأعلنت إسرائيل مقتل 17 جندياً في جنوب لبنان، إلى جانب مدنيين اثنين في شمال إسرائيل.

ويواصل «حزب الله» الهجمات قائلاً إن وقف إطلاق النار المعلَن في أبريل لا معنى له، مشيراً إلى استمرار الغارات الإسرائيلية.

* إيران «لن تبيع» أصدقاءها

وصف دبلوماسي على اتصال مع «حزب الله» قرار دخول الجماعة في الحرب بأنه مغامرة كبيرة واستراتيجية للبقاء، قائلاً إنها شعرت بأنه من الضروري أن تكون جزءاً من المشكلة حتى تصبح طرفاً في أي حل على المستوى الإقليمي، في نهاية المطاف.

ولم يتضح بعدُ ما إذا كانت هذه المجازفة ستؤتي ثمارها.

وتُطالب طهران بجعل وقف الهجمات الإسرائيلية على «حزب الله» جزءاً من أي اتفاق لإنهاء الحرب الأوسع نطاقاً، لكن الرئيس الأميركي دونالد ترمب قال، الشهر الماضي، إن أي اتفاق تتوصل إليه واشنطن مع طهران «لا يشمل لبنان بأي شكل من الأشكال».

وردّاً على أسئلة من «رويترز»، أشار المتحدث باسم وزارة الخارجية الباكستانية طاهر أندرابي إلى بيانٍ صدر في 16 أبريل قال فيه إن السلام في لبنان ضروري للمحادثات التي تتوسط فيها إسلام آباد بين الولايات المتحدة وإيران. وقال مسؤول غربي إنهم يرون احتمالاً بأن تتوصل الولايات المتحدة وإيران، في نهاية المطاف، إلى تسويةٍ لا تتطرق إلى الحرب في لبنان.

ولم تردَّ وزارة الخارجية الأميركية ولا بعثة إيران لدى الأمم المتحدة في جنيف ولا الحكومة اللبنانية بعدُ على طلبات للتعليق بهذا الشأن.

وقال الموسوي النائب عن «حزب الله» إن وقف إطلاق النار في لبنان لا يزال أولوية قصوى لإيران، مضيفاً أن طهران تُشاطر لبنان أهدافه، بما في ذلك وقف إسرائيل هجماتها والانسحاب من لبنان. وأضاف أن «(حزب الله) يثق ثقة تامة في إيران، وأن الإيرانيين لن يبيعوا أصدقاءهم».

وردّاً على أسئلة لـ«رويترز»، أشارت وزارة الخارجية الأميركية إلى مقابلةٍ أجراها الوزير ماركو روبيو مع «فوكس نيوز» في 27 أبريل، قال فيها إن لإسرائيل الحق في الدفاع عن نفسها في مواجهة هجمات «حزب الله»، وإنه يستبعد أن تكون إسرائيل راغبة في الإبقاء على المنطقة العازلة في لبنان إلى أجل غير مسمى. وقال روبيو أيضاً إن الولايات المتحدة حثت إسرائيل «على التأكد من أن ردودها متناسبة ومحددة الأهداف».

وعندما أُعلن وقف إطلاق النار في 16 أبريل، قال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إن نزع سلاح «حزب الله» سيكون مطلباً أساسياً في أي محادثات سلام مع لبنان.

لكن «حزب الله» استبعد إلقاء سلاحه قائلاً إن مسألة التسلح تخضع فقط للحوار الوطني. ومِن شأن أي تحرك من جانب لبنان لنزع سلاح الجماعة بالقوة أن يشعل الصراع في بلدٍ عانى الحرب الأهلية من عام 1975 إلى 1990.

ويسعى الرئيس اللبناني جوزيف عون، ورئيس الوزراء نواف سلام، منذ العام الماضي، إلى نزع سلاح «حزب الله» سلمياً. وفي الثاني من مارس، حظرت الحكومة الأنشطة العسكرية لـ«حزب الله».

ويطالب «حزب الله» الحكومة بإلغاء هذا القرار وإنهاء محادثاتها المباشرة مع إسرائيل.

وقال مسؤولون لبنانيون، لـ«رويترز»، إنهم يعتقدون أن المحادثات المباشرة مع إسرائيل، برعاية الولايات المتحدة، هي أفضل سبيل لضمان وقف إطلاق نار دائم وانسحاب القوات الإسرائيلية، إذ إن واشنطن وحدها تمتلك النفوذ اللازم على إسرائيل لتحقيق هذين الهدفين.


مقالات ذات صلة

دمشق: تسارع وتيرة اعتقال المرتبطين بنظام الأسد يطول محسوبين على «قسد»

المشرق العربي عناصر من «قسد» التي يقودها الأكراد يصطفون لتسوية أوضاعهم مع الحكومة السورية في الرقة خلال يناير الماضي (رويترز)

دمشق: تسارع وتيرة اعتقال المرتبطين بنظام الأسد يطول محسوبين على «قسد»

أفادت مصادر محلية متقاطعة بتنفيذ قوات الأمن السورية اعتقالات في محافظة الرقة خلال الأيام القليلة الماضية، بينهم ثلاثة مواطنين أكراد محسوبين على قوات «قسد».

سعاد جروس (دمشق)
المشرق العربي الرئيس عون مستقبِلاً وفد «القوات» الذي دعم مواقفه ومبادرته التفاوضية (رئاسة الجمهورية)

عون: لا بديل عن التفاوض... وسلام: قرارات الحكومة ستُنفّذ بالكامل

أكد الرئيس اللبناني جوزيف عون أنه «لا عودة عن مسار المفاوضات مع إسرائيل؛ لأنه لا خيار آخر أمامنا».

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي رئيس البرلمان نبيه بري مستقبلاً السفير الأميركي ميشال عيسى (رئاسة البرلمان)

السفير الأميركي في بيروت يشدد على أهمية لقاء عون وترمب

جدّد السفير الأميركي لدى بيروت ميشال عيسى تأكيده على أهمية زيارة الرئيس اللبناني للولايات المتحدة الأميركية، معتبراً أن ذلك «ليس خسارة».

كارولين عاكوم (بيروت)
شؤون إقليمية عناصر من الشرطة الإسرائيلية تركب الخيول خلال تفريق تجمع لليهود المتشددين في مدينة بني براك (أ.ف.ب)

السلطات الإسرائيلية تحظر احتفالاً دينياً قرب الحدود مع لبنان

أعلنت الشرطة الإسرائيلية، الاثنين، إلغاء احتفال ديني سنوي يستقطب عادة عشرات الآلاف من اليهود إلى جبل ميرون (الجرمق) في شمال البلاد بالقرب من الحدود مع لبنان.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
المشرق العربي الأمين العام لـ«حزب الله» نعيم قاسم (د.ب.أ)

قاسم: لا وقف للنار في لبنان... والحل ليس الاستسلام

أكد الأمين العام لـ«حزب الله» نعيم قاسم، اليوم الاثنين، أنه لا يوجد وقف إطلاق نار في لبنان بل عدوان إسرائيلي أميركي مستمر.

«الشرق الأوسط» (بيروت)

دمشق: تسارع وتيرة اعتقال المرتبطين بنظام الأسد يطول محسوبين على «قسد»

عناصر من «قسد» التي يقودها الأكراد يصطفون لتسوية أوضاعهم مع الحكومة السورية في الرقة خلال يناير الماضي (رويترز)
عناصر من «قسد» التي يقودها الأكراد يصطفون لتسوية أوضاعهم مع الحكومة السورية في الرقة خلال يناير الماضي (رويترز)
TT

دمشق: تسارع وتيرة اعتقال المرتبطين بنظام الأسد يطول محسوبين على «قسد»

عناصر من «قسد» التي يقودها الأكراد يصطفون لتسوية أوضاعهم مع الحكومة السورية في الرقة خلال يناير الماضي (رويترز)
عناصر من «قسد» التي يقودها الأكراد يصطفون لتسوية أوضاعهم مع الحكومة السورية في الرقة خلال يناير الماضي (رويترز)

أفادت مصادر محلية متقاطعة بتنفيذ قوات الأمن السورية اعتقالات في محافظة الرقة خلال الأيام القليلة الماضية، بينهم ثلاثة مواطنين أكراد محسوبين على قوات سوريا الديمقراطية (قسد).

كما جرى اعتقال قياديين سابقين في النظام السابق بالمحافظة، دون صدور أي تأكيد رسمي، سواء من قِبل الحكومة أو «قسد»، وذلك فيما تواصل قوات الأمن السورية تعقب رموز النظام السوري المخلوع.

وقالت تقارير إعلامية محلية غير مؤكدة، الاثنين، أنه تم إلقاء القبض على العميد طلال العلي، رئيس «فرع 220» في بلدة سعسع بريف دمشق الغربي، والعميد مرهف السلامة، المعروف بلقب «عقيد الكيماوي»، المسؤول عن منظومة صواريخ «سكود» في «اللواء 155». لكن «الشرق الأوسط» لم تتمكن من تأكيد الخبرَين من مصادر موثوقة.

وإن صح الخبران فإن العميد طلال العلي الذي جرى تداول خبر القبض عليه في بلدته الحطانية التابعة لمنطقة بانياس في محافظة طرطوس على الساحل السوري، كان رئيس فرع «سعسع» التابع لشعبة المخابرات العسكرية والمشرف على أمن مناطق غرب محافظة ريف دمشق ومحافظة القنيطرة. وذلك بعد نحو أربعة أشهر من القبض على العميد علي أديب سليمان الذي سبق العلي في رئاسة «فرع 220»، ويُعرف باسم فرع «الجبهة» لإشرافه على منطقة تمتد من بلدة كناكر في ريف دمشق الغربي، وصولاً إلى المناطق الحدودية مع الجولان المحتل.

ويُعدّ القبض على رئيس هذا الفرع، إن صح، بمثابة القبض على كنز معلومات يتعلق بعلاقة النظام المخلوع مع إسرائيل، وأيضاً العلاقات مع «حزب الله» وإيران وتنسيق طرق الإمداد والتهريب.

في السياق ذاته، قالت مصادر محلية، في أنباء غير مؤكدة، إن السلطات السورية اعتقلت، الاثنين، العميد مرهف السلامة، المعروف بلقب «عقيد الكيماوي»، المسؤول عن منظومة صواريخ «سكود» في «اللواء 155» الواقع في منطقة القطيفة بريف دمشق. وتُعدّ صواريخ «سكود» غير دقيقة، لكنها مؤذية، وامتلك نظام الأسد نحو 700 صاروخ بمدى 440 ميلاً، استخدمها في قصف مناطق المعارضة لا سيما الرقة وإدلب، وأودت بحياة مئات المدنيين.

فتحي علي مسلم أحد قيادات الأمن القومي في حزب العمال الكردستاني الفرع السوري (مواقع تواصل)

وفي الرقة تسود الأوساط الكردية حالة من الحذر، بعد معلومات عن توقيف ثلاثة أشخاص من المحسوبين على «قسد»، وهم فتحي مسلم الذي يُعدّ من قيادات الأمن القومي والاستخبارات لدى حزب العمال الكردستاني الفرع السوري، فيما قالت مصادر في الرقة إن مسلم متعهد بناء، ورجحت أن سبب الاعتقال تنفيذه أعمال حفر الأنفاق في الرقة، وأنه قد يواجه تهماً تتعلق بتخريب البنى التحتية.

وبين المعتقلين، إياد كيتكاني، من قوات الأمن لدى «قسد». كما تم اعتقال هوكر شيخو، وكان مسؤولاً عن التحصينات والأنفاق العسكرية لدى «قسد» في مدينة عين عيسى.

العميد الركن عاطف نجيب المسؤول السابق في النظام السوري يدخل إلى جلسة محاكمته في دمشق 26 أبريل (إ.ب.أ)

وسبق ذلك اعتقال أحمد مصطفى النويران في حي المشلب بالرقة، الملقب بـ«أحمر النويران»، ويُقال إنه قيادي في استخبارات «قسد»، ويتهمه أهالي الرقة بارتكاب انتهاكات خلال فترة نفوذه في محافظتهم. كما اعتقل في ريف الرقة محمد إسماعيل الجويد، وهو أحد البعثيين البارزين، وكان مسؤولاً عن قيادة الدفاع الوطني خلال فترة الصراع.

يُشار أيضا إلى أن محكمة استوكهولم حكمت بالسجن المؤبد، الاثنين، على القيادي السابق في تنظيم «الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين» محمود سويدان، بعد إدانته بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في مخيم اليرموك بدمشق عام 2014.

ومنذ إعلان دمشق انطلاق مسار العدالة الانتقالية خلال الشهر الماضي، تسارعت وتيرة ملاحقة رموز النظام السابق والمشتبه بتورطهم بارتكاب جرائم جسيمة وانتهاكات في عهد النظام المخلوع.

ومن المنتظر انعقاد الجلسة الثانية من محاكمة عاطف نجيب رئيس فرع الأمن العسكري بدرعا حضورياً، وعدد من رموز النظام المخلوع غيابياً، في العاشر من مايو (أيار) الحالي.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


عون: لا بديل عن التفاوض... وسلام: قرارات الحكومة ستُنفّذ بالكامل

الرئيس عون مستقبِلاً وفد «القوات» الذي دعم مواقفه ومبادرته التفاوضية (رئاسة الجمهورية)
الرئيس عون مستقبِلاً وفد «القوات» الذي دعم مواقفه ومبادرته التفاوضية (رئاسة الجمهورية)
TT

عون: لا بديل عن التفاوض... وسلام: قرارات الحكومة ستُنفّذ بالكامل

الرئيس عون مستقبِلاً وفد «القوات» الذي دعم مواقفه ومبادرته التفاوضية (رئاسة الجمهورية)
الرئيس عون مستقبِلاً وفد «القوات» الذي دعم مواقفه ومبادرته التفاوضية (رئاسة الجمهورية)

أكد الرئيس اللبناني جوزيف عون أنه «لا عودة عن مسار المفاوضات مع إسرائيل؛ لأنه لا خيار آخر أمامنا»، مكرراً أن التوقيت غير مناسب حالياً للقاء رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو قبل التوصل إلى اتفاق أمني ووقف الاعتداءات، في وقت أكد فيه رئيس الحكومة نواف سلام أن قرار حصر السلاح بيد الدولة يشكّل مساراً ثابتاً لا تراجع عنه، وأن قرارات مجلس الوزراء ستُنفّذ بالكامل ولو تطلّب ذلك وقتاً.

عون: المفاوضات فرصة يجب استثمارها

شدد الرئيس عون على أنه «بقرارنا الوطني ووحدتنا يمكننا مواجهة جميع التحديات، وكل الأجواء السلبية المفتعلة حول الفتنة في لبنان لا جذور لها»، مؤكداً أنه آلى على نفسه عدم الرد على الانتقادات غير المبررة.

وأشار إلى أن اللقاءات التي تُعقد في واشنطن برعاية أميركية تشكّل إنجازاً مهماً للبنان، الذي يحظى باهتمام شخصي من الرئيس الأميركي دونالد ترمب، معتبراً أنها «فرصة كبيرة يجب الاستفادة منها».

وأوضح عون أن «هناك محادثات تحضيرية مرتقبة مع سفيرة لبنان في واشنطن، وهي اللقاء الثالث الذي سيمهّد لبدء المفاوضات»، لافتاً إلى أن لبنان جاهز لتسريع وتيرة المفاوضات بقدر ما تعمل عليه الولايات المتحدة.

وجدد التأكيد على أنه «لا عودة عن مسار المفاوضات؛ لأنه لا خيار آخر أمامنا»، مشدداً على أن الأهداف التي يقوم عليها أي مسار تفاوضي تتمثل في انسحاب إسرائيل من الأراضي اللبنانية المحتلة وإعادة الأسرى. كما شدد على اعتماد خيار الدبلوماسية، خصوصاً بعد أن أثبت خيار الحرب أنه لم يحقق النتائج المرجوة، مؤكداً أن المبادرة التي طرحها لاقت تفهماً وقبولاً من الولايات المتحدة وأوروبا والدول العربية.

تأييد «القوات» لمواقف عون

مواقف عون جاءت خلال استقباله النائبة ستريدا جعجع، ووفداً من كتلة حزب «القوات اللبنانية»، نقل إليه تأييده للمواقف التي يتخذها لإعادة القرار اللبناني إلى الدولة، وللمبادرة التي أطلقها من أجل وضع حد للحرب الدائرة، ولوقف معاناة اللبنانيين.

وبينما أكد عون أن المرحلة دقيقة وتتطلب تعزيز الوحدة الوطنية وعدم السماح بأي أمر يؤثر سلباً عليها، شدد على أن «أهم ما يمكن أن تقوم به القوى السياسية هو الالتفاف حول الجيش والمؤسسات الأمنية التي تشكّل أساس قيام الدولة»، مشيراً إلى أن الجيش يقوم بواجباته في حفظ الأمن وحصر السلاح بالتنسيق مع الأجهزة المختصة.

السعودية تدعم لبنان... والتواصل قائم مع برّي

وتحدث عون عن الدور الذي تقوم به الدول الشقيقة والصديقة، ومنها المملكة العربية السعودية التي تساهم في دعم لبنان من خلال الاتصالات الجارية، مؤكداً أن المسار الذي تعتمده الدولة يصب في مصلحة جميع اللبنانيين، ولا يستهدف أي فئة.

وأكد أن التواصل قائم مع رئيس مجلس النواب نبيه برّي، ولم ينقطع يوماً، مشيراً إلى أن الجميع يشعر بحجم الخسائر البشرية والمادية التي يتكبدها اللبنانيون، لا سيما في الجنوب.

وجدد عون التأكيد على أن التوقيت غير مناسب حالياً للقاء نتنياهو، مشدداً على ضرورة التوصل أولاً إلى اتفاق أمني ووقف الاعتداءات قبل البحث في أي لقاء.

كما تطرق إلى الوضع الاقتصادي، معتبراً أن ما يعانيه لبنان هو نتيجة تراكم أزمات، إضافة إلى تداعيات الحرب، معرباً عن أمله في أن يشكّل نجاح المبادرة المطروحة مدخلاً لتحسين الأوضاع، ومؤكداً ثقته في قدرة اللبنانيين على تخطي الأزمات.

سلام: قرارات الحكومة ستُنفّذ

من جهته، أكد رئيس الحكومة نواف سلام أن قرار حصر السلاح بيد الدولة يشكّل مساراً ثابتاً لا تراجع عنه، مشدداً على أن قرارات مجلس الوزراء ستُنفذ بالكامل، ولو تطلّب ذلك وقتاً، في إطار خطة تدريجية تهدف إلى بسط سلطة الدولة الكاملة، ولا سيما في بيروت.

وجاءت مواقف سلام عقب مشاركته في اجتماع مجلس الأمن الداخلي المركزي الذي عقده وزير الداخلية والبلديات أحمد الحجار في وزارة الداخلية، لبحث الأوضاع الأمنية في البلاد.

رئيس الحكومة نواف سلام مجتمعاً مع وزير الداخلية أحمد الحجار قبيل مشاركته في اجتماع مجلس الأمن الداخلي المركزي بوزارة الداخلية (الوكالة الوطنية للإعلام)

وأكد سلام بعد الاجتماع أن «قرارات مجلس الوزراء ستُنفذ»، منوهاً بالجهود التي بذلتها مختلف الأجهزة الأمنية خلال الشهر الأخير لتنفيذ القرار المتعلق بجعل بيروت منزوعة السلاح، والتشدد في توقيف كل من يخلّ بالأمن. وشدد على أنه «في هذه الظروف يجب تكثيف الحواجز المتنقلة أو الثابتة عند مداخل بيروت أو في داخلها، والتشدد في الإجراءات بحق من ينقل السلاح أو ينتقل في سيارات تحمل لوحات مزورة».

وتحدث سلام عن إطلاق النار خلال تشييع في الضاحية الجنوبية لبيروت الأحد، مؤكداً: «سنتابع الموضوع، وقد أوقفنا عدداً من الأشخاص، وسنستمر في توقيف كل من أطلق الرصاص أو استخدم قذائف (آر بي جي)؛ لما لذلك من تداعيات، لا سيما على مطار بيروت، في حين تقوم قوى الأمن بدورها في هذا الإطار».

وأضاف سلام: «وضعنا البلد في مسار جديد بعد قرار الخامس من أغسطس (آب)، الذي أقره مجلس الوزراء لتعزيز سلطة الدولة وحصر السلاح، ولا تراجع عن هذا القرار وما تلاه من قرارات وعن تنفيذها، وإن كانت تحتاج وقتاً لتُطبّق». وشدد على أن «قرار حصر السلاح هو مسار لا تراجع عنه، وقد يستلزم أسابيع أو أشهراً وليس بين ليلة وضحاها»، مشيراً إلى أنه سيتم تطبيق قرار بسط سيطرة الدولة على بيروت بالكامل، وأن «قرارات مجلس الوزراء التي تم اتخاذها ستُنفّذ».


بين الجنوب والضاحية... لبنانيون يواجهون خسارة مصدر الرزق

عمال ينظّفون شوارع الضاحية الجنوبية لبيروت من الركام تمهيداً لعودة السكان (الشرق الأوسط)
عمال ينظّفون شوارع الضاحية الجنوبية لبيروت من الركام تمهيداً لعودة السكان (الشرق الأوسط)
TT

بين الجنوب والضاحية... لبنانيون يواجهون خسارة مصدر الرزق

عمال ينظّفون شوارع الضاحية الجنوبية لبيروت من الركام تمهيداً لعودة السكان (الشرق الأوسط)
عمال ينظّفون شوارع الضاحية الجنوبية لبيروت من الركام تمهيداً لعودة السكان (الشرق الأوسط)

يتعامل أصحاب المصالح في لبنان مع واقع لا يشبه أي دورة اقتصادية تقليدية. التكلفة مستمرة، والإنتاج متراجع، والسوق معلّقة بين الخوف والانتظار. هنا، لا تُقاس الخسارة بالأرقام فقط، بل بالقدرة المفقودة على التخطيط. تتقاطع قصص من مناطق الجنوب والضاحية الجنوبية شبه المدمرة، لتؤكد أن الاقتصاد دخل مرحلة استنزاف مفتوح، عنوانها الأبرز: البقاء... لا أكثر.

نقل الأعمال بوصفه استراتيجية دفاع

يروي أحمد جابر أنّ الحرب لم تترك له متّسعاً للاختيار، بل دفعته قسراً إلى اقتلاع عمله من مكانه، تماماً كما اقتُلعت حياة كثيرين من أبناء الجنوب. يقول لـ«الشرق الأوسط» إنّه كان يعمل في مجال التجارة والتعهّدات، قبل أن يجد نفسه مضطراً، مع بداية الحرب، إلى نقل مصلحته من منطقته إلى الشياح، المنطقة المعرضة بدورها للخطر خلال الحرب، في محاولة منه لحماية ما تبقّى من رأسماله: «لم يكن أمامي خيار، إمّا أن أنقل عملي وإما أن أخسره».

جانب من الدمار الذي لحق بمباني الضاحية الجنوبية لبيروت (رويترز)

يشرح جابر أنّ القرار لم يكن لحظة عابرة، بل نتيجة تراكم الخوف من تدهور الوضع الأمني واستحالة الاستمرار في بيئة غير مستقرة، مضيفاً: «الوضع لم يعد يُحتمل، لم يعد يسمح لنا بالعيش أو العمل. لذلك نقلنا المكاتب والمعدّات وكل تفاصيل العمل. في البداية، نقلنا جزءاً بسيطاً، لكن مع اشتداد الحرب اضطررنا إلى نقل كل شيء تقريباً».

ويؤكد أنّ ما قام به لم يكن سعياً إلى التوسّع أو تحسين شروط العمل، بل خطوة دفاعية بحتة هدفها تقليل الخسائر. «كنت أحاول فقط أن أحمي رأسمالي، وأن أحافظ على مكانتي في السوق، وأن أمنع خسارة كل ما بنيته».

ورغم نجاحه في نقل عمله مادياً فإنّه يصف الواقع الحالي بالشلل شبه الكامل. «الشغل متوقف، ولا يوجد استقرار. حتى بعد الانتقال، لم يتحسن الوضع. بالعكس، نحن نعمل في بيئة غير واضحة، بلا أفق، وبلا أي ضمانة للاستمرار».

يتحدث جابر عن عبء المسؤوليات التي تلاحقه يومياً، في ظل غياب أي مدخول فعلي بالقول: «يعمل معي نحو سبعة موظفين، بينهم سائقون ومحاسِبة وعمال. هؤلاء يعتمدون على هذا العمل بوصفه مصدر رزق، وأنا مسؤول عنهم. الرواتب مستمرة، رغم أن العمل شبه متوقف». ويضيف: «المصاريف كبيرة جداً... هناك رواتب، والتزامات تشغيلية، وتكلفة نقل وإعادة تجهيز، وكل ذلك من دون أي إنتاج فعلي».

ويشير إلى أنّ الخسارة لم تأتِ فقط من توقف العمل الحالي، بل أيضاً من فقدان أعمال كانت قائمة قبل الحرب. «كنا نعمل مع الدولة، وكانت هناك مشروعات قائمة. كل هذا توقّف فجأة، لم يعد هناك عمل، لا مشروعات ولا دفعات، كل شيء تبخّر».

سيارة أمام بيت مدمر نتيجة القصف الإسرائيلي في بلدة حبوش بجنوب لبنان (رويترز)

أسواق تُفرَّغ... وقطاعات تُصاب بالشلل

في الضاحية الجنوبية لبيروت، تتخذ الأزمة بُعداً آخر، لكن بنتائج متقاربة. محمد نور الدين، تاجر ألبسة أمضى أكثر من 16 عاماً في بناء عمله، وجد نفسه مضطراً إلى إقفال محاله والخروج من المنطقة تحت وطأة الاستهداف المتكرر.

يقول نور الدين لـ«الشرق الأوسط»: «كنت أعمل منذ سنوات طويلة في تجارة الألبسة في الضاحية، وبنيت اسماً وزبائن وعلاقات. لكن مع التصعيد الأخير، اضطررت إلى إقفال محالي والخروج من المنطقة. لم يعد بالإمكان الاستمرار في ظل هذا الخطر، خصوصاً مع الاستهداف المتكرر».

ويشير إلى أنّ الخسارة لم تكن فقط مادية، بل معنوية أيضاً، موضحاً: «هناك سنوات من التعب ذهبت دفعة واحدة». ويكشف في هذا السياق عن أنّه خسر أيضاً عقاراً يملكه في منطقة مار مخايل في الضاحية خلال حرب عام 2024، مما ضاعف من حجم الأضرار.

اليوم، يحاول نور الدين إعادة بناء عمله في منطقة النويري في بيروت، رغم إدراكه صعوبة المهمة، بالإشارة: «أحاول اليوم تأسيس عملي من جديد في منطقة النويري، رغم أنني أعلم أن لا مكان يعوّض الضاحية بالنسبة إليّ». ويضيف: «الضاحية كانت بيئتي الطبيعية، فيها زبائني واسمي. كنت أقول دائماً إنني لن أخرج منها مهما حصل، لكن الواقع فرض نفسه».

غير أنّ التحدي لا يقتصر على الموقع، بل يمتد إلى طبيعة السوق نفسها. إذ يعدّ نور الدين «سوق الألبسة تتأثر بسرعة، لأنها تُعد من الكماليات. ففي أوقات القلق، الناس تركّز على الأساسيات، وهذا يضرب عملنا مباشرة».

ويشير إلى أنّ الحركة التجارية في المناطق البديلة لا تزال ضعيفة: «في النويري مثلاً، لا يوجد زبائن كما في الضاحية. الناس تخاف، والحركة خجولة، وإعادة بناء شبكة الزبائن ليست أمراً سهلاً».

ويؤكد أنّ ما يمرّ به لا يقتصر عليه، «بل يشمل عدداً كبيراً من أصحاب المصالح الذين اضطروا إلى نقل أعمالهم أو إقفالها، في انتظار ما ستؤول إليه الأوضاع الأمنية في البلاد».

من صاحب مؤسسة إلى موظف... انهيار المسار الفردي

في القرى الحدودية، تتخذ الخسارة طابعاً أكثر جذرية. يوسف، ابن بلدة عيترون، يروي كيف أطاحت الحرب بمشروعه بالكامل. يقول لـ«الشرق الأوسط»: «لم أخسر مؤسسة فحسب، بل خسرت تعب عمري. كان لديّ مشتل، إلى جانب شركة خدمات متخصّصة بتجهيز الحدائق والعناية بها. كنّا نعمل مع عدد كبير من الزبائن، وكان العمل مستقرّاً إلى حدّ بعيد، لكن مع اندلاع الحرب، تغيّر كل شيء. قرب عيترون من الحدود وضعنا في قلب الخطر. الدمار كان كبيراً، والناس نزحت، والحدائق تُركت أو دُمّرت. لم يعد هناك طلب، ولا إمكانية للاستمرار».

مزارعان يقطفان الفول الأخضر خلال الهدنة المفترضة في بلدة رأس العين بجنوب لبنان (رويترز)

ويتابع: «خسرنا الزبائن، وتوقّف العمل بالكامل»، مشيراً إلى أنّ مؤسسته كانت تؤمّن مصدر رزق لنحو 12 عاملاً مياوماً، جميعهم توقّفوا عن العمل مع توقّف المشروع».

اليوم، يعيش يوسف في صيدا بعد أن غادر بلدته، ويعمل موظفاً في شركة مواد غذائية، كاشفاً: «بعدما كنت صاحب عمل، أصبحت موظفاً. مدخولي اليوم لا يُذكر مقارنة بما كنت أنتجه سابقاً، بالكاد يكفيني لتأمين الأكل والشرب، فالخسارة ليست فقط مادية، بل شعور بأن كل ما بنيته انهار فجأة، ولم يبقَ منه شيء».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended