أنشطة تعزز صفاء الذهن مع التقدم في السن

الكتابة التحليلية تعزز صفاء الذهن عند الكبر (مجلة VegOut)
الكتابة التحليلية تعزز صفاء الذهن عند الكبر (مجلة VegOut)
TT

أنشطة تعزز صفاء الذهن مع التقدم في السن

الكتابة التحليلية تعزز صفاء الذهن عند الكبر (مجلة VegOut)
الكتابة التحليلية تعزز صفاء الذهن عند الكبر (مجلة VegOut)

مع التقدم في العمر، لا يتراجع صفاء الذهن بالضرورة كما يُعتقد، بل إن استمرار العقل في أداء مهام فكرية معقدة قد يكون العامل الأهم في الحفاظ على قدراته.

ويشير خبراء في طب الشيخوخة إلى أن العقل، تماماً مثل الجسم، يحتاج إلى التحدي المستمر ليبقى نشطاً ومرناً، بينما يؤدي الركون إلى الراحة والروتين المتكرر إلى تراجع تدريجي في الكفاءة الذهنية، وفقاً لتقرير نشرته مجلة «VegOut» الأميركية.

وحسب التقرير، فإن الأشخاص الذين يحتفظون بحدة ذهنية عالية في السبعينات والثمانينات من العمر يشتركون في سمة أساسية، وهي أنهم لم «يُحيلوا عقولهم إلى التقاعد»، بل واصلوا تحديها بأنشطة فكرية صعبة ومستمرة؛ فالعقل الذي يُطلب منه التفكير يظل قادراً على التفكير، بينما العقل الذي يُعفى من الجهد يتراجع تدريجياً وتضعف قدراته مع الوقت.

ويستعرض التقرير مثالاً لامرأتين بعد التقاعد؛ الأولى اختارت التفرغ للراحة ومشاهدة التلفاز، بينما الثانية، وهي قاضية متقاعدة، تعلمت برمجة «بايثون» لتحليل البيانات البيئية، وقدّمت محاضرات حول سياسات التغير المناخي. ويشير التقرير إلى أن الفارق بينهما لا يعود إلى التعليم أو الدخل أو الجينات، بل إلى الاستعداد لمواصلة مواجهة التحديات الذهنية.

كما يوضح أن كثيراً مما يُروّج له للحفاظ على صحة الدماغ لا يمس جوهر المسألة، فرغم الفائدة المحدودة للألغاز والألعاب الذهنية، فإنها لا تضاهي ما يُعرف بـ«العمل الفكري الحقيقي»، أي المهام التي تُجهد العقل وتدفعه إلى التفكير العميق.

صفاء الذهن

ويسلط التقرير الضوء على مجموعة من الأنشطة التي تعزز صفاء الذهن مع التقدم في السن، مثل تعلم مهارات جديدة كلياً، مثل إتقان لغة أجنبية، أو المشاركة في أعمال تعليمية وتطوعية معقدة، أو خوض نقاشات فكرية تتحدى المعتقدات، إضافة إلى الكتابة التحليلية التي تستكشف أفكاراً عميقة أو مؤلمة. وتشترك هذه الأنشطة في أنها تُجبر الدماغ على العمل بطرق غير مألوفة وتبقيه في حالة نشاط مستمر.

وتؤكد الدكتورة آن فابيني، أستاذة طب الشيخوخة في كلية الطب بجامعة هارفارد، أن تعلم أشياء جديدة يظل ضرورياً لأنه يجبر الدماغ على استخدام مهارات غير مألوفة، لكنها تشدد على أن هذا التعلم يجب أن يكون صعباً ومليئاً بالتحديات، لا مجرد أنشطة مريحة أو سطحية.

وتضيف أن الروتين المريح بعد التقاعد قد يتحول إلى «سم بطيء» للقدرات العقلية، إذ يؤدي غياب التحديات اليومية إلى تراجع تدريجي في الأداء الذهني، تماماً كما يحدث للعضلة غير المستخدمة. كما تشير إلى أن الأشخاص المنغمسين في روتين متكرر غالباً ما تتجمد آراؤهم، وتدور أحاديثهم في نطاق ضيق، ويتجنبون أي تجربة تتطلب تعلم مهارات جديدة أو إعادة التفكير في القناعات.

وتشير إلى أن الدماغ مع التقدم في العمر يعوض جزءاً من التراجع الطبيعي عبر استخدام مناطق إضافية منه، إلا أن هذا التعويض لا يحدث تلقائياً، بل يحتاج إلى تحفيز مستمر من خلال مهام جديدة تدفع العقل إلى التكيف وإعادة التنظيم.

كما تلفت إلى أهمية البعد الاجتماعي في الحفاظ على نشاط الذهن، إذ إن التفاعل مع أشخاص يختلفون في الآراء يعزز التفكير النقدي، ويجبر الفرد على إعادة تقييم أفكاره والدفاع عنها بشكل منطقي، ما ينعكس إيجاباً على مرونة العقل. وبالمثل، فإن تعلم استخدام التكنولوجيا الحديثة يُعد نوعاً من «تمارين المقاومة الذهنية»، لأنه يتطلب التكيف مع أنظمة وبيئات جديدة باستمرار.

ومن الجوانب المهمة أيضاً أن أصحاب الذهن الحاد يتميزون باستعدادهم لمواجهة الغموض والشعور المؤقت بالارتباك أو الجهل، إذ لا يتجنبون المواقف الصعبة أو طلب المساعدة، بل يرون فيها جزءاً طبيعياً من عملية التعلم وتطوير الذات.


مقالات ذات صلة

الكشف عن عوامل وراثية مرتبطة بالشيخوخة المبكرة

صحتك يزيد الوهن من خطر السقوط والإعاقة ودخول المستشفى لدى كبار السن (بيكسلز)

الكشف عن عوامل وراثية مرتبطة بالشيخوخة المبكرة

حدد باحثون في جامعة ماكماستر الكندية، منطقة جديدة بالحمض النووي وجينين مرتبطين بها، ترتبط بالوهن والشعور المستمر بالضعف والإرهاق.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
صحتك يؤدي تناول كميات كبيرة من الصوديوم إلى احتباس السوائل في الجسم (بيكسباي)

الملح «يخدع» الجهاز المناعي ويؤدي إلى شيخوخة الأوعية الدموية

تشير أبحاث جديدة إلى أن الملح قد «يخدع» الجهاز المناعي ويؤدي إلى شيخوخة الأوعية الدموية قبل أوانها.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك سيدة تتمرن بإحدى الصالات الرياضية في رمضان (أرشيفية-أ.ف.ب)

اختباران بسيطان للقوة يتنبآن بطول العمر لدى النساء

أظهرت دراسة جديدة أن قوة العضلات، كما جرى تحديدها من خلال اختبارين، كانت مؤشراً رئيسياً على خطر الوفاة لدى النساء.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك حبات من الرمان (أ.ب)

فوائد تناول الرمان بشكل يومي

للرمان فوائد عديدة، فتناول الرمان يوميًا يوفر جرعةً قويةً من مضادات الأكسدة.

صحتك تركّز حمية «مايند» على تناول أطعمة مفيدة لصحة الدماغ مثل الخضراوات الورقية والفواكه (إ.ب.أ)

نظام غذائي يبطئ شيخوخة الدماغ أكثر من عامين

كشفت دراسة حديثة أن اتباع نظام غذائي يجمع بين أفضل ما في حميتي البحر المتوسط و«داش» قد يبطئ شيخوخة الدماغ أكثر من عامين.

«الشرق الأوسط» (بكين)

«يوم سعيد» يقتنص «هيباتيا الفضية» بـ«الإسكندرية للفيلم القصير»

المخرج السعودي محمد الزوعري مع الفائزين بالمسابقة العربية ولجنة التحكيم (إدارة المهرجان)
المخرج السعودي محمد الزوعري مع الفائزين بالمسابقة العربية ولجنة التحكيم (إدارة المهرجان)
TT

«يوم سعيد» يقتنص «هيباتيا الفضية» بـ«الإسكندرية للفيلم القصير»

المخرج السعودي محمد الزوعري مع الفائزين بالمسابقة العربية ولجنة التحكيم (إدارة المهرجان)
المخرج السعودي محمد الزوعري مع الفائزين بالمسابقة العربية ولجنة التحكيم (إدارة المهرجان)

اقتنص الفيلم السعودي «يوم سعيد» للمخرج محمد الزوعري جائزة «هيباتيا الفضية» لأفضل فيلم في مسابقة الأفلام العربية، ضمن الدورة 12 لـ«مهرجان الإسكندرية للفيلم القصير» التي شاركت فيها 8 أفلام. ويُعد «يوم سعيد» أول أعمال الزوعري، وقد صوَّرت أحداثه في مدينة الرياض. تدور قصة الفيلم حول شاب سعودي يُدعى سعيد، يمر بيوم مليء بالمفارقات والتحديات، ويواجه خلاله أزمات ومطاردات في إطار كوميدي ساخر. ويشارك في البطولة كل من عبد الحميد العمير، وعبد الله أحمد، وحسين الزوعري، وسراء العتيبي.

فاز الفيلم اللبناني «كب القهوة خير» للمخرج إليو طربيه بجائزة «هيباتيا الذهبية» لأفضل فيلم، وتدور أحداثه حول شابة تعمل في غسل الصحون بأحد المطاعم اللبنانية. فيما حصل الفيلم التونسي «المسمار» على تنويه من لجنة التحكيم التي ضمت المخرج السوداني محمد كردفاني، وغادة جبارة أستاذة المونتاج في معهد السينما، والمخرج العماني عبد العزيز الحبسي.

المخرج السعودي محمد الزوعري مع الفائزين بالمسابقة العربية ولجنة التحكيم (إدارة المهرجان)

وجاء فيلم «آخر المعجزات» للمخرج عبد الوهاب شوقي الأفضل مصرياً، حيث نال الجائزة الذهبية في «مسابقة خيري بشارة» للأفلام المصرية، التي استحدثها المهرجان هذا العام، في حين حصل فيلم «الحاخام الأخير» للمخرج أحمد عصام على الجائزة الفضية. ونوهت لجنة التحكيم بأداء الفنانة ماجدة منير في فيلم «غاب البحر» للمخرج مايكل يبوح، كما منحت تنويهاً لفيلم «س الديب» للمخرج سامح علاء.

ويأتي فوز فيلم «آخر المعجزات» بذهبية الأفلام المصرية بعد فوزه قبل أيام بالجائزة الكبرى للأفلام القصيرة في مهرجان «عنابة للفيلم المتوسطي»، وقبل ذلك بجائزة أفضل فيلم قصير في مهرجان «مالمو للسينما العربية»، والفيلم مأخوذ عن قصة لنجيب محفوظ.

وقال عبد الوهاب شوقي في حديث لـ«الشرق الأوسط»، إن «جائزة مهرجان الإسكندرية هي الجائزة الوحيدة التي تمنيتها وسعدت بها، وكنت بحاجة لجائزة من مصر بعد جائزتي (مالمو) و(عنابة)، خشية من سردية قد تراني مضطهداَ أو غير مُقدر في مصر، وهي سرديات أمقتها بشدة»، وقد عدَّ هذه الجائزة «نهاية سعيدة لمعركة عنيفة خاضها هذا الفيلم».

وأضاف أنه خاض مناقشات لا يمكن نسيانها مع الجمهور السويدي والعرب المهاجرين، وأن هذا هو التقدير الأعظم ومعجزة السينما، لافتاً إلى أن لديه سيناريو فيلم قصير جديد من المهم أن يخرج للنور قريباً، كما يعمل منذ فترة على فيلمه الطويل الأول «يونس في بلاد الشوق» الذي فاز بمنحة دعم مؤسسة «آفاق» لمرحلة التطوير.

المخرجان يسري نصر الله وخيري بشارة مع صناع الأفلام على السجادة الحمراء (إدارة المهرجان)

أُقيم حفل ختام الدورة الـ12 لـ«مهرجان الإسكندرية للفيلم القصير» بحضور لافت من صناع السينما. وصرح المخرج محمد محمود، رئيس المهرجان، بأن هذه الدورة كانت غنية ومليئة بالتفاصيل، حيث شهدت عرض أفلام من مختلف دول العالم، إلى جانب لقاءات مع صناع سينما يتمتعون بشغف حقيقي، ما أسهم في إيجاد مساحة للحوار والتواصل بين المشاركين. من جانبه، أكد المنتج محمد العدل، الرئيس الشرفي للمهرجان، أن هذه الدورة كانت مميزة سواء من حيث جودة الأفلام المشاركة أو الإقبال الجماهيري، موجّهاً الشكر للمتطوعين والقائمين على المهرجان الذين قدموا مستوى مشرفاً. كما شهد الحفل تكريم صانع الأفلام الإسباني روبرتو إركولالو، مدير جائزة مدريد السينمائية.

وفي المسابقة الدولية، فاز الفيلم البلجيكي «الصياد» للمخرج لوكا جال بجائزة «هيباتيا الذهبية»، بينما حصل الفيلم المصري - الأميركي «الأراضي الفارغة» للمخرج كريم الدين الألفي على الجائزة الفضية. ونوهت لجنة التحكيم، التي ضمت الفنان الفلسطيني كامل الباشا، والممثلة الأردنية ركين سعد، والدكتورة ميرفت أبو عوف، والمخرج الإسباني جاومي كويلز، عن الفيلم المكسيكي «يوم الأحد العائلي»، والفيلم الفرنسي «خط الحياة».

كما حاز الفيلم المصري «القصة السرية لحجز مقدس» للمخرج أسامة السمدوني على الجائزة الأولى في مسابقة «أفلام الذكاء الاصطناعي»، فيما جاء الفيلم الكوري الجنوبي «32 من أغسطس» في المركز الثاني، إلى جانب تنويه للفيلم الصيني «الكابوس الشره».

الفائزون بالمسابقة الدولية مع لجنة التحكيم (إدارة المهرجان)

ووفقاً للناقد محمد عبد الخالق، جاءت جوائز الدورة الـ12 متوقعة في مختلف فئاتها، نظراً للمستوى الفني المتميز للأفلام وتفاعل الجمهور معها أثناء العروض. وأوضح في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، أن المهرجان اعتمد منذ بدايته على تفاعل الجمهور السكندري المحب للفن، سواء من خلال مشاركات صناع الأفلام أو حضور العروض، مشيراً إلى أن المناقشات التي تلت العروض تحولت إلى محاضرات فنية جمعت بين الجانبين النظري والتطبيقي.


هاني شاكر الذي أحبَّ لبنان وحرست حنجرته أحزاننا المُقيمة

في صوته نجد ما تركناه في منتصف الشعور (فيسبوك)
في صوته نجد ما تركناه في منتصف الشعور (فيسبوك)
TT

هاني شاكر الذي أحبَّ لبنان وحرست حنجرته أحزاننا المُقيمة

في صوته نجد ما تركناه في منتصف الشعور (فيسبوك)
في صوته نجد ما تركناه في منتصف الشعور (فيسبوك)

رحل هاني شاكر وترك في الذاكرة العربية صوتاً يعرف الطريق إلى أضعف نقطة في القلب. كان أحد الذين علَّمونا كيف يبدو الحزن حين يرتدي أناقته، وكيف يستطيع الوجع أن يبقى نبيلاً وخفيضاً ومهذّباً.

في أغنياته، تعرَّفنا مبكراً إلى النزيف. كبر كثيرون على صوته وهو يقول ما عجزوا عن قوله. في الفراق والخذلان واللهفة المستمرّة والذاكرة التي ترفض أن تُشفَى. كانت أغنياته تُشبه الرسائل التي كتبناها في داخلنا ولم نُرسلها. في «نسيانك صعب أكيد»، تحوَّل النسيان إلى معركة خاسرة مع ما تبقَّى من الحبّ، وإلى محاولة مستمرّة لانتزاع أثر استقرَّ عميقاً في الروح. «يا ريتك معايا» من الأغنيات التي تلتقط لحظة الغياب وهو يفرض حضوره الكامل. فيها الاشتياق يُعيد توزيع الأماكن والأوقات، فيصبح كلّ شيء ناقصاً بحجم فراغات حفرها الآخر. الأغنية تُلامس منطقة حسّاسة في التجربة الإنسانية، حين يدرك الفرد أنّ الوحدة لا تُقاس بعدد الأشخاص من حوله، إنما بغياب شخص واحد تحديداً.

وقد غنَّى العزلة حين تأتي نتيجة مباشرة لتراجُع الثقة وتكرار الخيبات. شكَّلت أغنياته لحظة وعي قاسية بأنّ الدوائر القريبة قد تخذل، والسند الذي بدا ثابتاً قابلٌ للانهيار عند أول هزَّة. من خلالها، تبلوَر إدراكٌ مُبكر بأنّ الوحدة تنشأ من توالي الإخفاق العاطفي، والصحبة تدخل حيّز المراجعة بما تنطوي عليه من وعود قابلة للإخلال.

امتلك هاني شاكر طبقة نادرة من الحزن. حزنٌ لا يستعطف. كان يضع الجملة في منطقة الانكسار ويتركها هناك، مُعلَّقة بين الوقار والدمعة. لذلك بدت أغنياته جزءاً من وعينا الشعوري الأول، منها فهمنا أنّ الحبّ قد ينتهي من دون أن يخرج من الجسد، والفراق قد يسكن الإنسان مثل الندوب أبدية. عنده، لا يبحث الحزن عن ذروة، إنما يستقرّ في طبقة ثابتة، ويُلازم الصوت من بدايته حتى نهايته. وعوض أن يندفع نحو الانفجار، يختار البقاء على عتبة البوح؛ حيث المعنى يكتمل بالسكوت بقدر ما يكتمل بالكلمة.

حتى أغنيات الفرح لديه حملت ظلاً داخلياً. هاني شاكر غنَّى الإنسان حين يرفع صوته بالضحكات كي يغطّي ارتجافاً لا يريد كشفه. الضحكة عنده محاولة لتأجيل الحزن قليلاً. لوضع وردة صغيرة على حافة الهاوية.

ثم جاء الفَقْد الأكبر حين رحلت ابنته دينا بعد المرض. عندها تغيَّر الصوت من الداخل. استمرَّ هاني شاكر في الغناء، لكنَّ الحنجرة صارت تحمل ثقلاً لا يُمحى. راح كلّ أداء بعد ذلك يمرُّ عبر أب جُرِح في أعمق مَوْضع. وصارت الأغنية عنده طريقة للنجاة أو محاولة للوقوف أمام جمهور يعرف أنه يسمع رجلاً يُخبئ ابنته في طبقته الصوتية.

أغنية واحدة تكفي ليعود كلّ ما ظننّاه انتهى (فيسبوك)

كان في حضوره لطفٌ لا يُصطنع. ابتسامته تُشبه توقيعاً شخصياً على صورة الفنان المهذَّب والمُتواضع والقريب من الناس. أحبَّ لبنان وغنّى له وفيه، فبادله اللبنانيون محبّة خاصة لأنهم وجدوا في صوته ما يُشبههم. وجدوا حزناً يعرف كيف يظلُّ واقفاً. لم يتعامل مع البلد كأنه محطة سريعة ضمن جولات فنّية. رأى فيه مساحة قريبة منه، يعود إليها ويُغنّي منها، ويُطلق أعماله على أرضها في مراحل مختلفة من مسيرته. حافظ على حضوره في الحفلات اللبنانية، حتى في أوقات ابتعد فيها كثيرون حين بدت الساحة أقلّ استقراراً وأصعب على المستوى التنظيمي والإنتاجي.

استمرَّ في الوقوف على مسارحه، يُقدّم أغنياته للجمهور نفسه الذي رافقه طويلاً، من دون تبديل في النبرة أو المسافة. وفي لبنان، لم يُستَقبل هاني شاكر على أنه فنان ضيف؛ هو أهلُ البيت. حضوره اندرج ضمن تقليد فنّي استمرّ عبر سنوات. في حفلاته، كان التفاعل يبدأ قبل أن ينطق الجملة الأولى، فيسبقه الجمهور إلى الكلمات، ويستعيد معه مقاطع كاملة من أرشيفه. هذا الحفظ كان عاطفياً أيضاً ومبنياً على زمن ممتدّ من التراكم والتكرار.

يبقى هاني شاكر في موقع يصعب فصله عن بنية الذاكرة العربية. أغنياته تُردَّد كما لو أنها كُتبت الآن. تُلازم منعطفاتنا الحاسمة، وتجد صداها في آلامنا العاطفية، وتعود حين تضيق العبارة، فنستعيرها لنقول ما لم نعد نعرف كيف نقوله.


فرقة «تلاته اخوات» تستعيد الأغنيات الكلاسيكية بشوارع القاهرة

مع والدهم المطرب تامر نور (الشرق الأوسط)
مع والدهم المطرب تامر نور (الشرق الأوسط)
TT

فرقة «تلاته اخوات» تستعيد الأغنيات الكلاسيكية بشوارع القاهرة

مع والدهم المطرب تامر نور (الشرق الأوسط)
مع والدهم المطرب تامر نور (الشرق الأوسط)

بعفويتها وخفة ظلها، استطاعت فرقة «تلاته اخوات» التي تتكون من شاب وشقيقتيه، تحقيق شهرة وانتشاراً لافتين عبر مجموعة من الفيديوهات التي يسجلوها وهم يغنون في شوارع القاهرة، لا سيما بعد الخبرة التي اكتسبوها خلال طفولتهم.

والد أعضاء الفرقة كان يتمتع بموهبة غنائية في مطلع شبابه، حيث فاز بجائزة حصل عليها ضمن نشاط جامعي حين كان يدرس الحقوق، بعدها توجه لدراسة الموسيقى، وأنتج ألبوماً بعنوان «كل الحكاية» عام 2005 لكنه لم يأخذ نصيبه من الشهرة، وتحول بعده إلى رعاية أطفاله، حتى كبروا، وكانت لديه قناعة راسخة أنهم بمواهبهم سيكونون امتداداً لطموحاته في الفن.

محمد تامر أثناء الغناء على مسرح «الغوري» (الشرق الأوسط)

تعمّد تامر نور إشراك أبنائه في الأنشطة المسرحية ما أكسبهم خبرة في التعامل مع الجمهور، وحين كبروا بدأت مرحلة أخرى من العمل حين حاول تقديمهم في ألبوم غنائي بعنوان «مارشيملو» تضمن 5 أغنيات منها: «لحد ما نعجز» و«عشان المركب تمشي»، و«الناس الفرفوشة»، وقد اختارها من بين 10 ألحان تم تجهيزها، لكن لم يكتب لها الانتشار الذي كان يتمناه، وفق قوله. فتوقف عن استكماله.

ويؤمن نور منذ البداية بقيمة دراسة الفن، وقد دفعه ذلك لتحفيز أبنائه الثلاثة «ماسة، وحور، ومحمد»، للالتحاق بأكاديمية الفنون، حيث درسوا الموسيقى والتمثيل والإخراج والغناء؛ وكان كل هذا، حسب رأيه، مدعوماً بما اكتسبوه في طفولتهم من رعاية أسرية.

وعَدّ اشتراك نجله محمد في المهرجان القومي للمسرح، وحصوله على جائزة أفضل ممثل صاعد، نتيجة لجهد كبير، كما ترشحت «حور» لجائزة أفضل ممثلة في مهرجان ظفار الدولي للمسرح بـ«سلطنة عمان».

بصحبة المخرج خالد جلال أثناء برنامج «كاستينج» (الشرق الأوسط)

سعي محمد تامر وشقيقتيه يتركز حالياً في البحث عن شكل موسيقي خاص بهم، يقول محمد لـ«الشرق الأوسط»: «نريد أن نقدم الأغنيات التي تناسبنا وتليق بنا، لذا نفكر ونسمع الموسيقى كثيراً لنصل لغناء يحقق شخصيتنا ويعجب الجمهور».

ويضيف: «هناك من يقدمون أغنيات يحركها بالأساس السوق، لكنّ همَّنا أن نقدم ما نحبه، حاولنا ذلك في ألبوم (مارشميلو)، لكننا لم نضع أيدينا على الشكل بعد».

يؤمن محمد بفكرة التخصص، وهي التي تجعلهم يتعاملون مع شعراء مشهورين مثل عمرو المصري، ومحمد مصطفى ملك، وقال: «أحب التلحين لكنني لا أتصدى لكل الأغنيات، أرى أن هناك ضرورة للتعامل مع ملحنين آخرين لإثراء تجارب الفرقة»، ويضيف محمد: «نتلقى في سبيل ذلك دعماً من والدنا، فهو الذي يقودنا بخبراته الموسيقية، وحفز لدينا مواهب التمثيل والرقص والغناء».

فكرة تقديم الفيديوهات التي ظهرت بها فرقة «تلاته اخوات» في شوارع القاهرة جاءت صدفة، يقول محمد: «كنت وشقيقتاي في حي الزمالك الراقي، حيث صورنا أغنية لكايروكي بمساعدة أحد أصدقائنا، وحققت مشاهدات كبيرة، وفي يوم آخر قمنا بالغناء لأحد الأشخاص كان يجلس أمام إحدى العمارات هناك، وبعد هذه البداية، زاد نشاطنا في النزول للناس في المقاهي والشوارع، بهدف إضفاء نوع من البهجة والسعادة عليهم، نريد فقط أن يشعروا بنوع من الانبساط».

الانسجام بين «الأشقاء الثلاثة» وحالة التوافق التي يتمتعون بها رأتها «ماسة تامر» أصغر أعضاء الفرقة نتيجة لكثرة الغناء بينها وبين شقيقيها، حور ومحمد، وأضافت لـ«الشرق الأوسط»: «وجودنا الدائم رفقة بعضنا البعض وفرّ لنا فرصة كبيرة للتفاهم والانسجام».

مع الفنانة إسعاد يونس في برنامج «صاحبة السعادة» (حساب البرنامج على فيسبوك)

وعَدّت «ماسة» فكرة تقديم الأغنيات القديمة لكبار المطربين أمثال أم كلثوم وعبد الوهاب وفيروز لرغبتهم في إعادة الشباب لسماعها وتقريبها إليهم بما فيها من موسيقى وكلمات جميلة، نغنيها ونحن مستمتعون بها لأننا تربينا عليها منذ طفولتنا، نفهم معانيها ونختار الأغاني ذائعة الصيت.

شخصية الفرقة، كقول ماسة، ستظهر بالاستمرار، وتضيف: «سنسعى لإظهار شخصيتنا الخاصة، وإمكانياتنا، بأغان جماعية، أو فردية. قدمنا حفلين في ساقية الصاوي منذ شهور، وغنينا في شرم الشيخ بفندق (ريكسوس)، وقبة الغوري، واستضافتنا برامج شهيرة على غرار (صاحبة السعادة) مع إسعاد يونس، وبرنامج (معكم منى الشاذلي)».