مالي: «الفيلق الأفريقي» يعلن القضاء على 150 إرهابياً على حدود موريتانيا

السلطات تكشف تورط سياسيين وضباط في هجمات السبت ضد باماكو

متمرد يتسلق سارية لإنزال علم بقاعدة عسكرية في تساليت بمالي أمس (رويترز)
متمرد يتسلق سارية لإنزال علم بقاعدة عسكرية في تساليت بمالي أمس (رويترز)
TT

مالي: «الفيلق الأفريقي» يعلن القضاء على 150 إرهابياً على حدود موريتانيا

متمرد يتسلق سارية لإنزال علم بقاعدة عسكرية في تساليت بمالي أمس (رويترز)
متمرد يتسلق سارية لإنزال علم بقاعدة عسكرية في تساليت بمالي أمس (رويترز)

قال «الفيلق الأفريقي» التابع لوزارة الدفاع الروسية، السبت، إن الوضع في دولة مالي «لا يزال صعباً»، مشيراً إلى أن طائرة تابعة له قضت على 150 إرهابياً خلال قصف لمعسكر إرهابي قرب الحدود بين مالي وموريتانيا، فيما تصاعدت المخاوف في موريتانيا من الزج بها في الصراع الدائر بمالي.

وأعلن «الفيلق الأفريقي» في بيان، أن طائراته رصدت، الجمعة، «مجموعة كبيرة من المسلحين يبلغ عددها نحو 200 شخص»، مشيراً إلى أنهم كانوا على متن 150 دراجة نارية، و3 شاحنات صغيرة مزودة برشاشات ثقيلة وشاحنة صغيرة مزودة بصاروخ من طراز «ZU-23».

صورة غير مؤرخة نشرها الجيش الفرنسي لمرتزقة روس في شمال مالي (أ.ب)

وأكد «الفيلق الأفريقي» أنه بعد رصد طائرات الاستطلاع للمعسكر الإرهابي «تم قصفه»، مشيراً إلى أن ذلك «أسفر عن القضاء على نحو 150 مسلحاً، وتدمير نحو 70 دراجة نارية، و4 شاحنات صغيرة مزودة بأسلحة ثقيلة».

وذكر «الفيلق» في بيانه، أن العناصر الإرهابية «يحتمل أن يكونوا عبروا الحدود من مالي إلى موريتانيا لتعويض الخسائر التي تكبدتها داخل الأراضي المالية»، مشيراً إلى أن «الجماعات الإرهابية في أفريقيا تستغل أراضي دول الجوار غير المسيطر عليها بشكل جيد، لإعادة تنظيم صفوفها».

قائد ‌المجلس العسكري الحاكم في مالي أسيمي غويتا (وسط) خلال حضوره الخميس جنازة وزير الدفاع الجنرال ساديو كامارا (رويترز)

وأوضح أنه «في حالة مالي، تشمل هذه الدول موريتانيا، والسنغال، وساحل العاج، والنيجر، وبوركينا فاسو، والجزائر»، رغم أن «الفيلق» في بيانه، أشار إلى أن المعسكر الذي تم قصفه كان يقع في قرية كوبليبوغو بإقليم كوليكورو، وسط مالي، وهو بعيد عن أي منطقة حدودية مع موريتانيا، أو أي من الدول الأخرى.

وزير خارجية روسيا في موسكو برفقة وزير الدفاع المالي (يساراً) الذي قُتل قرب باماكو يوم 28 فبراير 2024 (رويترز)

قلق موريتاني

فيما بادرت موريتانيا إلى التنديد بالهجمات التي تعرضت لها باماكو الأسبوع الماضي، وقالت إنها تتابع بقلق شديد تطورات الأوضاع، معربة عن تضامنها مع مالي، وعن «حرصها الدائم على أمنها واستقرارها وسعيها الدؤوب لتحقيق السلام في كل المنطقة»، إلا أن بيان «الفيلق الأفريقي» الأخير أثار مخاوف الموريتانيين من الزج بهم في الحرب الدائرة في البلد الذي تربطهم به حدود تمتد لأكثر من ألفي كيلومتر، عبارة عن صحراء شاسعة ومترامية الأطراف، يشكل تأمينها ورقابتها تحدياً كبيراً.

وفي هذا السياق، قال حزب «جبهة المواطنة والعدالة» الموريتاني إن التعامل مع الوضع على الحدود مع مالي «يتطلب مستوى من الحكمة والرزانة التي يتخللهما أحياناً إظهار القوة والردع»، وعبّر الحزب عن دعمه الموقف الموريتاني الحالي القائم على «قدر كبير من المسؤولية والحذر دون التفريط في الهيبة والحزم».

قائد ‌المجلس العسكري الحاكم في مالي أسيمي غويتا يتفقد جرحى بأحد مستشفيات باماكو (رويترز)

وشدد الحزبُ على أنه لا يمكن الوصول إلى حل «إلا بوحدة مالي أرضاً وسكاناً، ولا وحدة إلا باستيعاب جميع فئات الشعب المالي، ونيل كل المكونات لحقوقها كاملة في إطار وطن موحد وجمهورية جامعة». وخلص الحزب إلى أنه «لا يقضي على الإرهاب والاستبداد شيء مثل توفير الحقوق وضمان الحريات»، وفق تعبير بيان صادر عن الحزب السبت.

«لسنا إرهابيين»

في غضون ذلك، رفضت «جبهة تحرير أزواد» التي تسيطر منذ السبت الماضي، على مناطق واسعة من شمال مالي، وصفها بالحركة الإرهابية، وقالت إنها تتابع باهتمام ردود الفعل الدولية حول الأحداث الأخيرة، مؤكدة أن السلطات الحاكمة في مالي هي التي مارست «الإرهاب» ضد الشعوب.

جانب من مشهد عام لباماكو (رويترز)

وأكدت الجبهة في بيان صحافي، الجمعة، أن «جميع تحركاتها تتوافق مع المبادئ الأساسية للإسلام وقواعد القانون الدولي الإنساني، وتستمد شرعيتها من الدفاع عن الحق غير القابل للتصرف للشعب الأزوادي في تقرير المصير».

وأضافت أنها «ترفض بشكل قاطع وصفها بالإرهاب، وهي التهمة التي يسعى النظام العسكري غير الشرعي في باماكو إلى إلصاقها بها، علماً بأنها أدانت هذا المفهوم بجميع أشكاله وتجلياته»، مشيرة إلى «تمسكها الراسخ بمبدأ الدفاع المشروع، والتزامها الكامل بحماية السكان المدنيين في سياق النزاع».

جنود ينفّذون دوريةً قرب قاعدة «كاتي» الكبرى في مالي خارج العاصمة باماكو الاثنين (رويترز)

وقالت الجبهة إن سكان الشعب الأزوادي، وهو إقليم يقع شمال مالي ويمثل ثلثي مساحة البلاد، ويسعى للاستقلال عن باماكو منذ عدة عقود، كانوا «على مدى عقود، من بين أبرز ضحايا الإرهاب؛ سواء ذلك الذي مارسه النظام القائم في باماكو، أو الانتهاكات المرتكبة من قبل مرتزقة روس مرتبطين بمجموعة (فاغنر)، أو من قبل جماعات متطرفة أخرى، أو ضمن أجندات تدميرية متعددة موجهة ضده».

وخلصت الجبهة إلى أنها «تعتبر أن الأفعال التي ارتكبتها سلطات باماكو وحلفاؤها خلال السنوات الثلاث الماضية، تندرج ضمن الإرهاب الموجه ضد المدنيين».

تحقيق مالي

في باماكو، تبدو الأمور هادئة بعد مرور أسبوع على الهجمات العنيفة التي شنتها جماعة «نصرة الإسلام والمسلمين»، التابعة لتنظيم «القاعدة»، ضد العاصمة المالية باماكو ومدن أخرى عديدة في وسط وشمال البلاد، وقتل فيها وزير الدفاع الجنرال ساديو كامارا.

وقد أعلن نائب المدعي العام لدى المحكمة العسكرية في باماكو عبد الله نانتومي، فتح تحقيق في هجمات السبت الماضي، وقال في بيان نشر مساء الجمعة، إن التحقيقات الجارية أثبتت تورط سياسيين وعسكريين عاملين ومفصولين في التخطيط والتنسيق للهجمات وتنفيذها. وكشف نائب المدعي العام بعض المعلومات حول مقتل أحد المتهمين، بالإضافة إلى توقيف 4 ضباط صف، واستمرار البحث عن بقية الضالعين.

يستقل متمردون طوارق تابعون لـ«جبهة تحرير أزواد» شاحنات صغيرة في كيدال (أ.ف.ب)

وجاء في بيان الادعاء العام الذي بثه التلفزيون الحكومي، أن قائمة المتواطئين المحتملين تشمل 3 جنود في الخدمة، وجندياً متقاعداً، وآخر سبق أن تم «تسريحه» وقُتل في اشتباك قرب القاعدة العسكرية الرئيسية للبلاد بكاتي، على بعد 15 كيلومتراً من العاصمة باماكو.

وذكر البيان، كما نقلت عنه «رويترز»: «نُفذت الاعتقالات الأولى بنجاح، ويجري البحث بنشاط عن جميع المجرمين الآخرين والمشاركين والمتواطئين معهم»، دون تحديد عدد المشتبه بهم الذين جرى تحديدهم أو احتجازهم. كما أضاف البيان أن الضباط شاركوا في «تخطيط وتنسيق وتنفيذ» الهجمات، مشيراً أيضاً إلى تورط سياسيين، من بينهم عمر ماريكو، وهو سياسي مالي بارز في المنفى.


مقالات ذات صلة

أفريقيا يستقل متمردون طوارق تابعون لـ«جبهة تحرير أزواد» شاحنات صغيرة في كيدال (أ.ف.ب) p-circle

المتمردون في مالي يمددون سيطرتهم... و«القاعدة» يدعو إلى «جبهة مشتركة»

انسحاب الجيش المالي وقوات «الفيلق الأفريقي» الروسية من قاعدة عسكرية استراتيجية في أقصى شمال مالي، في تطور جديد يكرِّس هيمنة المتمردين على الشمال.

الشيخ محمد (نواكشوط)
أفريقيا تشهد ولاية أداماوا أعمال عنف يرتكبها إرهابيون وعصابات إجرامية محلية (أ.ب)

مقتل 3 مدنيين في هجوم لجماعة «بوكو حرام»

اقتحم مسلحون من جماعة «بوكو حرام»، مساء الخميس، قرية كاوتيكاري التابعة لمنطقة شيبوك، في ولاية بورنو، أقصى شمال شرقي نيجيريا، وقتلوا 3 أشخاص على الأقل.

الشيخ محمد (نواكشوط)
أوروبا رسم لمثول المتّهم عيسى سليمان أمام المحكمة، يوم 1 مايو 2026 (رويترز)

مثول رجل أمام المحكمة في قضية طعن يهوديين في لندن

وجّهت الشرطة البريطانية، الجمعة، تهمتين بالشروع في القتل لرجل يبلغ من العمر 45 عاماً، على خلفية هجوم تعرّض خلاله رجلان يهوديان للطعن في غولدرز غرين بشمال لندن.

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر يدلي ببيان صحافي في مقر رئاسة الوزراء في داونينغ ستريت بشأن رد الحكومة على حادثة طعن أسفرت عن إصابة رجلين يهوديين... لندن 30 أبريل 2026 (رويترز)

ستارمر يتهم إيران بمحاولة إلحاق الأذى باليهود البريطانيين

اتهم رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، الخميس، إيران بأنها تريد «إلحاق الأذى باليهود البريطانيين»، عقب سلسلة هجمات استهدفتهم.

«الشرق الأوسط» (لندن)

بابا الفاتيكان يعين لاجئاً سابقاً في الولايات المتحدة أسقفاً

بابا الفاتيكان البابا ليو الرابع عشر (رويترز)
بابا الفاتيكان البابا ليو الرابع عشر (رويترز)
TT

بابا الفاتيكان يعين لاجئاً سابقاً في الولايات المتحدة أسقفاً

بابا الفاتيكان البابا ليو الرابع عشر (رويترز)
بابا الفاتيكان البابا ليو الرابع عشر (رويترز)

أعلن الفاتيكان أن البابا ليو الرابع عشر عين لاجئاً سابقاً كان قد دخل الولايات المتحدة بطريقة غير قانونية، أسقفاً في البلاد.

كان إيفليو مينخيفار أيالا، من السلفادور، قد تم تهريبه عبر الحدود الأميركية بشكل غير قانوني عام 1990.

وعين ليو، أول رئيس للكنيسة الرومانية الكاثوليكية من الولايات المتحدة، الرجل البالغ 55 عاماً أسقفاً لأبرشية ويليج تشارلستون في ولاية ويست فيرجينيا، بحسب ما أعلن الفاتيكان، اليوم السبت.

وينظر إلى هذا التعيين أيضاً من قبل الكثيرين على أنه إشارة إلى معارضة لسياسات الهجرة التي ينتهجها الرئيس الأميركي دونالد ترمب.

ومنذ عودة ترمب إلى البيت الأبيض، مطلع العام الماضي، تتبع الإدارة الأميركية موقفاً صارماً للغاية تجاه المهاجرين، وكثير منهم من أميركا الوسطى والجنوبية.

كان البابا الحالي، الذي عاش لسنوات عديدة مبشراً وأسقفاً في بيرو، قد انتقد بشدة ذلك خلال فترة عمله كاردينالاً، ولا يزال حتى الآن يدافع عن نهج إنساني تجاه اللاجئين.


برلين تحاول تخفيف تداعيات سحب 5 آلاف جندي أميركي

الرئيس الأميركي دونالد ترمب مستضيفاً المستشار الألماني فريدريش ميرتس في البيت الأبيض مطلع مارس الماضي (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب مستضيفاً المستشار الألماني فريدريش ميرتس في البيت الأبيض مطلع مارس الماضي (رويترز)
TT

برلين تحاول تخفيف تداعيات سحب 5 آلاف جندي أميركي

الرئيس الأميركي دونالد ترمب مستضيفاً المستشار الألماني فريدريش ميرتس في البيت الأبيض مطلع مارس الماضي (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب مستضيفاً المستشار الألماني فريدريش ميرتس في البيت الأبيض مطلع مارس الماضي (رويترز)

حاول وزير الدفاع الألماني، بوريس بيستوريوس، تهدئة التوتر مع الولايات المتحدة بعد إعلان وزير الحرب الأميركي بيث هيسغيث، عزم بلاده سحب 5 آلاف جندي أميركي من ألمانيا، ووصف بيستوريوس الخطوة بأنها «كانت متوقَّعة». ودعا في الوقت نفسه الأوروبيين إلى تحمل مسؤولية «أكبر فيما يتعلق بأمنهم»، مُضيفاً أن ألمانيا «على الطريق الصحيح» لتحقيق ذلك، كاشفاً في الوقت نفسه عن تعاون أقرب ضمن ما تُعرف بـ«مجموعة الخمسة» التي تضم ألمانيا وفرنسا وبريطانيا وإيطاليا وبولندا.

وتنشر الولايات المتحدة نحو 36 ألف جندي في ألمانيا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، من أصل 78 ألفاً متمركزين في أوروبا. وكان الرئيس الأميركي دونالد ترمب قد هدّد بسحب 25 ألف جندي أميركي من ألمانيا في عهده الأول، وكرر التهديدات لدى عودته إلى البيت الأبيض في عهده الثاني.

ورغم أن ترمب بدا راضياً في البداية عن زيادة ألمانيا إنفاقها العسكري، حسب توصيات حلف شمالي الأطلسي، فإن قراره سحب الجنود الأميركيين يبدو مرتبطاً بالانتقادات الأخيرة التي وجَّهها المستشار الألماني فريدريش ميرتس، إلى الولايات المتحدة حول إيران. وقال ميرتس قبل أيام في تصريحات ردَّ عليها ترمب بغضب، إن «أمة بأكملها يتم إذلالها من إيران» بسبب الجمود في المفاوضات بين واشنطن وطهران. ورد ترمب عليه في اليوم التالي قائلاً إنه «لا يعرف ما الذي يقوله»، وإن «عليه أن يهتم بإصلاح بلاده».

قرار رمزي؟

رغم أن خبراء عسكريين في ألمانيا عدّوا قرار سحب 5 آلاف جندي أميركي من أصل أكثر من 36 ألفاً، «رمزياً»، فقد رأى آخرون أن قرار وقف نشر صواريخ «توماهوك» بعيدة المدى، التي كان من المفترض نشرها نهاية العام الجاري، قد يكون أخطر. وكان الهدف من نشر تلك الصواريخ زيادة الردع ضد روسيا.

ونقلت صحيفة «دي فيلت» عن الخبير العسكري كارلو ماسالا، أن عدم نشر تلك الصواريخ «أكثر أهمية» من قرار سحب الجنود. وأضاف: «هذا يخلق هوة كبيرة في مجال الردع ضد روسيا، ولا يمكن إغلاق هذه الهوة إلا من خلال أسلحة أوروبية ما زالت قيد التطوير».

وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس متحدّثاً في برلين يوم 22 أبريل (أ.ف.ب)

وشدّد سياسيون آخرون من الحزب الحاكم الذي ينتمي إليه ميرتس، على أن الولايات المتحدة تستفيد من القواعد العسكرية في ألمانيا. وقال الخبير في السياسة الخارجية في الحزب، يورغن هاردت، لصحيفة «دي فيلت» إن القواعد الأميركية تلك «هي ما يمكّن الولايات المتحدة من التصرف بسرعة وفعالية في أوروبا وشمال أفريقيا والشرق الأوسط، وقد شدد الكونغرس في الماضي على أهمية هذه القواعد». ودعا هاردت إلى «العمل على الحد من الأضرار، والبناء على تقوية التحالف القوي عبر الأطلسي».

وتَستخدم الولايات المتحدة القواعد الألمانية في عملياتها في الشرق الأوسط، واستخدمتها خلال الحرب في أفغانستان والعراق، ومؤخراً في إيران. وتستضيف ألمانيا مقر القيادة الأميركية المركزية لأفريقيا وأوروبا، كما لديها أكبر مستشفى عسكري أميركي خارج الولايات المتحدة.

وكان الحزب الاشتراكي الشريك في الحكومة الألمانية أكثر سلبية في تعليقه على القرار الأميركي، وقال الخبير في الدفاع لدى الحزب، سيامته مولر، إن الانسحاب الأميركي «من دون استراتيجية»، مضيفاً أن «الأمن الأوروبي واستقرار (الناتو) أصبحا للأسف وبشكل متزايد تحت رحمة الرئيس الأميركي، وهذا يعني بالنسبة إلينا نحن الأوروبيين الاستثمار بشكل أسرع وأكبر في سياستنا الأمنية».

كان نائب المستشار الألماني لارس كلينغبايل، الذي يرأس الحزب الاشتراكي، قد وجّه انتقادات لاذعة إلى ترمب بعد تهجم الأخير على ميرتس. وقال كلينغبايل مدافعاً عن المستشار: «نحن لسنا بحاجة إلى أي نصيحة من دونالد ترمب حالياً، عليه أن يرى الفوضى التي تسبب بها».

تعزيز قدرات برلين العسكرية

ونقلت وكالة «رويترز» عن مسؤول أميركي في «البنتاغون»، من دون أن تسميه، قوله إن «الخطاب الألماني مؤخراً غير مناسب وغير مفيد»، وأن الرئيس الأميركي «محقٌّ في رد فعله لتلك الملاحظات غير المجدية».

وزير الدفاع الألماني ونظيره الأوكراني يوقّعان اتفاقية ألمانية-أوكرانية للتعاون الدفاعي في برلين 14 أبريل (إ.ب.أ)

ورغم أن أحزاب المعارضة في ألمانيا انتقدت تصريحات ميرتس، وقالت إنها لا تسهم في تصحيح العلاقة المتوترة مع واشنطن، فإنها انتقدت كذلك قرار «البنتاغون». ووصف يان نولته، المتحدث باسم السياسة الخارجية في حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف، وهو أكبر حزب معارض داخل البرلمان، القرار الأميركي بأنه «رمزي ولا تأثير له على قوة ردع الناتو في أوروبا»، وأضاف أن على أوروبا أن تكون قادرة على المدى البعيد على الدفاع عن نفسها.

بدورها، قالت أنييسكا بروغر، رئيسة الكتلة البرلمانية لحزب الخضر المعارض، إن توتر العلاقات مع واشنطن أمر مقلق. وأضافت أن تصريحات ميرتس التي انتقد فيها الإدارة الأميركية بسبب الحرب في إيران كانت «من دون شك خاطئة»، ولكن مقاربة الرئيس الأميركي بـ«معاقبة أو ابتزاز الحلفاء» أمر تجب مواجهته. ودعت إلى ضرورة العمل مع الحلفاء لتقوية أمن أوروبا من دون «إضاعة مزيد من الوقت».

وتعتمد أوروبا وألمانيا بشكل خاص على الولايات المتحدة في أمنها. ورغم زيادة ألمانيا إنفاقها العسكري بشكل كبير في السنوات الماضية منذ الحرب في أوكرانيا، فإن جيشها ما زال غير مجهَّز للدفاع عن البلاد بعد عقود من إضعافه عن عمد. وأعلنت حكومة ميرتس العام الماضي حزمة إنفاق ضخمة على الدفاع والبنية التحتية لكي تكون قادرة على تحمل القوة العسكرية المتزايدة، ولكن الصناعات العسكرية الألمانية والأوروبية غير قادرة على إنتاج أسلحة بشكل سريع وكافٍ لمرافقة نهوضها العسكري. وتتخوف ألمانيا من أن تكون روسيا تُعد لعملية عسكرية ضد دولة تابعة للناتو خلال الأعوام القادمة، وقد تبنَّى جيشها عقيدة دفاعية سرِّية جديدة مؤخراً معدّاً لاحتمالات سيناريوهات التعرض لهجوم.


تركيا: الاتحاد الأوروبي فاقد للرؤية ولا يرغب في عضويتنا

الرئيس التركي رجب طيب إردوغان خلال استقباله رئيسة المفوضية الأوروبية فون دير لاين بأنقرة في ديسمبر عام 2024 (الرئاسة التركية)
الرئيس التركي رجب طيب إردوغان خلال استقباله رئيسة المفوضية الأوروبية فون دير لاين بأنقرة في ديسمبر عام 2024 (الرئاسة التركية)
TT

تركيا: الاتحاد الأوروبي فاقد للرؤية ولا يرغب في عضويتنا

الرئيس التركي رجب طيب إردوغان خلال استقباله رئيسة المفوضية الأوروبية فون دير لاين بأنقرة في ديسمبر عام 2024 (الرئاسة التركية)
الرئيس التركي رجب طيب إردوغان خلال استقباله رئيسة المفوضية الأوروبية فون دير لاين بأنقرة في ديسمبر عام 2024 (الرئاسة التركية)

اتهمت تركيا، الاتحاد الأوروبي، بافتقاد الرؤية الاستراتيجية والإرادة السياسية لقبول عضويتها فيه، وسط سعي أوروبي للتخفيف من أزمة تسببت فيها تصريحات لرئيسة المفوضية الأوروبية فون دير لاين. وتناولت دير لاين، في تصريحات أدلت بها مؤخراً، سياسة توسع الاتحاد الأوروبي، قائلة إنها يجب أن تشمل القارة الأوروبية بأكملها لمنع أي تأثير خارجي من روسيا وتركيا والصين يمكن أن يمارس على أوروبا، في رد فعل غاضب من جانب تركيا كونها دولة مرشحة لعضوية الاتحاد منذ عقود.

وتحمل تركيا صفة «الدولة المرشحة» لعضوية الاتحاد منذ عام 1999 بعد تقدمها بطلب الانضمام عام 1987، وانطلقت المفاوضات عام 2005؛ لكنها مجمدة فعلياً لأكثر من 10 سنوات دون بوادر أو آفاق حقيقية على انضمامها.

غضب تركي

تصريحات دير لاين فجرت غضباً في تركيا، ووصفها المتحدث باسم حزب «العدالة والتنمية» الحاكم، عمر تشيليك، بأنها «ازدواجية معايير في السياسة الخارجية للاتحاد، وتحمل رسائل ضمنية».

المتحدث باسم حزب «العدالة والتنمية» الحاكم في تركيا عمر تشيليك (من حسابه في «إكس»)

وعدّ تشيليك، في تصريحات الخميس، عقب اجتماع اللجنة التنفيذية المركزية للحزب برئاسة الرئيس رجب طيب إردوغان، التي ناقشت هذه التصريحات بين بنود أخرى، موقف الاتحاد الأوروبي تجاه تركيا بوصفها دولة مرشحة لعضويته، ينطلق من أسس آيديولوجية، وأن هذه التصريحات تشعل النقاش، مجدداً، حول مستقبل العلاقات التركية - الأوروبية.

وأضاف أن الاتحاد الأوروبي فشل في أن يصبح قوة استراتيجية وسياسية، وأن تركيا تتلقى معاملة تفضيلية على الرغم من كونها دولة مرشحة، ما يعكس الوضع الراهن للاتحاد.

وقيّم وزير الخارجية التركي، هاكان فيدان، موقف الاتحاد الأوروبي تجاه عضوية بلاده، قائلاً إنه على الرغم من استيفاء تركيا شروط الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، فإنه لا توجد إرادة سياسية أو رغبة لقبول عضويتها، كما أن هذا الموقف السبب الرئيسي لجمود مفاوضات الانضمام.

فيدان خلال مؤتمي صحافي مع وزير خارجية النمسا للشؤون الأوروبية والعالمية بيات مينل رابزنغر (الخارجية التركية)

وأوضح فيدان، خلال مؤتمر صحافي مع وزيرة خارجية النمسا للشؤون الأوروبية والدولية، بيات مينل رايزينغر، عقب مباحثاتها في فيينا الأربعاء الماضي، أن «لكل قصة وجهين؛ تركيا لم تتقدم بطلب عضوية دون استيفاء الشروط، في المقابل لا توجد إرادة لدى الاتحاد الأوروبي للقول: (نقبل عضوية تركيا عند استيفاء الشروط)، ولكي ننتقل إلى مرحلة التقييم، يجب أن تتشكل إرادة داخل الاتحاد الأوروبي».

وأشار فيدان، خلال لقاء في أكاديمية فيينا الدبلوماسية، إلى أن تركيا حددت خريطة طريقها الخاصة في مواجهة النهج الحالي للاتحاد الأوروبي، وتتخذ خطوات وفقاً لذلك.

وقال: «سياستنا الواقعية أن العلاقات بين تركيا والاتحاد الأوروبي يجب أن تكون دائماً جيدة، هناك صعوبات في إظهار الإرادة من جانب الاتحاد الأوروبي فيما يتعلق بتحديث اتفاقية الاتحاد الجمركي السارية منذ عام 1996، وآمل في أن نتمكن من الارتقاء بعلاقاتنا القائمة إلى مستوى أعلى».

تبريرات أوروبية

كشف مصدر دبلوماسي تركي عن تقديم أنقرة استفساراً رسمياً إلى المفوضية الأوروبية حول صحة ما نقل عن رئيستها، والتأكد مما إذا كانت وسائل الإعلام قد نقلت التصريح بدقة أم لا. ونقلت وكالة «بلومبرغ» عن المتحدثة باسم المفوضية، باولا بينيو، أن تصريح فون دير لاين «انتزع من سياقه»، وأنه سيتم تقديم توضيحات بشأنه قريباً.

تصريحات دير لاين فجرت غضباً تركياً والمفوضية الأوروبية تقول إنها انتزعت من سياقها (أ.ف.ب)

وأضافت بينيو أن ذكر تركيا في هذا السياق لم يكن بهدف المقارنة أو التصنيف السلبي؛ بل هو اعتراف بنفوذها الجغرافي السياسي وحجمها وطموحاتها، بما في ذلك بمنطقة غرب البلقان.

وشددت على أن تركيا هي بلا شك شريك مهم في المنطقة اقتصادياً وسياسياً، وبخاصة في الملفات الحيوية مثل ملف الهجرة، كما أنها لا تزال مرشحة للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، بالإضافة إلى كونها شريكاً مهماً في حلف شمال الأطلسي (الناتو).

وفي إطار المساعي الأوروبية للتخفيف من الغضب تجاه تصريحات دير لاين، قالت مفوضة الاتحاد الأوروبي لشؤون التوسع، مارتا كوس، إن الاتحاد الأوروبي يعيد النظر في علاقاته مع تركيا ويرغب في استعادة الثقة، لا سيما في ظل قوتها العسكرية.

جانب من استقبال وزير الخارجية التركي هاكان فيدان لمفوضة شؤون التوسع بالاتحاد الأوروبي مارتا كوس في فبراير الماضي (الخارجية التركية)

وقالت كوس خلال مؤتمر صحافي في مدينة فرايبورغ الألمانية الجمعة، إن «حجم تجارتنا مع تركيا ضعف حجم تجارتنا مع دول (ميركوسور) مجتمعة، ونحن بصدد إعادة النظر في هذه العلاقة المحورية، وكذلك في الخطوات التي يمكن للطرفين اتخاذها لاستعادة الثقة بين الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي وتركيا».

ولفتت إلى أنه مهما كانت نتيجة اتفاق السلام بشأن أوكرانيا، فإنه سيحدث واقعاً أمنياً جديداً في أوروبا، وهم يعتقدون أن تركيا، التي تمتلك ثاني أكبر جيش في حلف «الناتو» وصناعة دفاعية متطورة، تعدّ بالفعل لاعباً مهماً في الأمن الأوروبي، ومن المرجح أن تلعب دوراً محورياً أكبر بوصفها قوة استقرار بمنطقة البحر الأسود.