أفاد بيان علمي أصدرته «الكلية الأميركية لأمراض القلب» (American College of Cardiology) عام 2025، بأن الأدلة التي تربط الالتهاب بأمراض القلب: «قوية وقابلة للتطبيق سريرياً».
والآن، ما المقصود بالالتهاب تحديداً؟ وكيف يؤثر على القلب، وما الإجراءات التي ينبغي اتخاذها لمواجهة هذا الخطر الذي كثيراً ما يكون صامتاً؟
في هذا الصدد، قال الدكتور بول ريدكر، أستاذ كلية الطب بجامعة هارفارد، والمشارك في إعداد البيان: «على مدار الثلاثين عاماً الماضية، أظهرت البحوث أن الالتهاب لا يقل أهمية عن الكوليسترول، فيما يخص دوره في الإصابة بتصلب الشرايين»، مضيفاً: «حان الوقت لإجراء تدقيق شامل للالتهاب الذي يمكن قياسه بسهولة، من خلال فحص دم غير مكلف متوفر منذ أكثر من 20 عاماً».
الالتهاب: صديق وعدو
يأتي الالتهاب (Inflammation) في صورتين: حاد (قصير الأمد، وغالباً ما يسبب أعراضاً مثل الألم) أو مزمن (طويل الأمد، وغالباً ما يكون صامتاً).
• الالتهاب الحاد: يمثل استجابة مناعية طبيعية للجسم تجاه تهديد صحي، مثل إصابة أو عدوى، ويصاحب بتدفق عدد كبير من خلايا الدم البيضاء والرسائل الكيميائية التي تساعد على التئام الجروح، أو القضاء على مسببات الأمراض.
• الالتهاب المزمن منخفض المستوى: تأتي الشرارة التي تُشعل هذه العملية من مواد ضارة أخرى، مثل ارتفاع نسبة السكر في الدم، أو تراكم الدهون الزائدة. واللافت أن هذه العملية البطيئة والخبيثة أصبحت شائعة بشكل متزايد في بيئتنا الحالية، علاوة على أنها عامل رئيس في كثير من الحالات الصحية، بما في ذلك أمراض القلب والأوعية الدموية.
حتى لو كان لديك تراكم بسيط للكوليسترول داخل شرايين قلبك، فإن جهازك المناعي يتعامل مع هذه اللويحة مثلما يتعامل مع أي جسم غريب آخر. أي أنه يهاجمها. ورغم أن الهجوم المناعي الناتج يُغطي اللويحة بغطاء ليفي، فإن الالتهاب الكامن تحته قد يتسبب في تمزق هذا الغطاء. وبعد ذلك يختلط محتوى اللويحة بالدم، مُشكلاً جلطة قد تسد تدفق الدم. وتتحمل هذه الجلطات المسؤولية عن معظم النوبات القلبية والسكتات الدماغية.
الالتهاب: مشكلة حديثة وجذور قديمة
إذا عدنا بالزمن إلى أسلافنا الأوائل، فسنجد أن الغالبية منهم هلكوا لأحد ثلاثة أسباب: العدوى، والإصابة، والمجاعة. أما القلة التي نجت، فربما امتلكت اختلافات جينية ساعدتها على الحماية من هذه المخاطر.
هنا، شرح الدكتور بول ريدكر، الذي يشغل أيضاً منصب مدير مركز الوقاية من أمراض القلب والأوعية الدموية في مستشفى بريغهام والنساء، التابع لجامعة هارفارد: «جميعنا نحن الأحياء اليوم محظوظون بهذه الاختلافات، وإلا لما كنا هنا».
وقد يساعد جهاز المناعة القوي على صد العدوى، مثل الملاريا والكوليرا والسل. كما أن تحسن تخثر الدم ربما مكَّن النساء من النجاة من مضاعفات الولادة. وبفضل القدرة على الحفاظ على مستويات سكر الدم مرتفعة، تمكن الناس من تحمل المجاعة. وأضاف الدكتور ريدكر: «إنها في الواقع قصة رائعة من علم الأحياء التطوري».
إلا أنه بمجرد بلوغ الإنسان سن البلوغ، تقل أهمية تلك الجينات. في عالمنا المعاصر، في ظل توفر الغذاء بكثرة وتراجع الحاجة إلى التنقل، تحول إرثنا الجيني إلى عبء. اليوم، كل تلك العوامل التي حمتنا في الماضي –مثل وجود خلايا مناعية وفيرة، وعوامل تخثر الدم، ومستويات عالية من سكر الدم- تُسبب الالتهابات. وفي هذا الصدد، شرح الدكتور ريدكر: «هذه العواقب السلبية للبقاء، عبر التطور، أحد الأسباب الرئيسة لانتشار وباء السكري والسمنة وأمراض القلب والأوعية الدموية اليوم».
ما الحلقة المفقودة؟
حسب الدكتور ريدكر، فإن ما يقرب من نصف حالات النوبات القلبية والسكتات الدماغية، تحدث لدى أشخاص لا يعانون من أي من عوامل الخطر الأربعة القابلة للتعديل لأمراض القلب: التدخين، وارتفاع ضغط الدم، وارتفاع الكوليسترول، والسكري.
في الواقع، لطالما كان الالتهاب سبباً محتملاً مشتبهاً به. واليوم، ثمة أدلة واضحة تربط ارتفاع مؤشرات الالتهاب بأمراض القلب، وتُظهر أن علاج الالتهاب في بعض الحالات قد يمنع حدوث نوبات قلبية مستقبلية، وما يرتبط بها من مشكلات، حسبما أضاف. ولذلك، يدعو بيان الكلية الأميركية لأمراض القلب، إلى إجراء فحص شامل باستخدام اختبار عالي الحساسية لبروتين «سي» التفاعلي (CRP) وهو مؤشر على الالتهاب. وتغطي معظم شركات التأمين هذا الفحص الدموي غير المكلف، والذي يطلق عليه اختبار «hsCRP». وتشير نتيجة هذا الاختبار الأقل من واحد ملِّيغرام لكل لتر (ملغم/ لتر) إلى انخفاض خطر الإصابة؛ بينما تشير النتيجة من 1 إلى 3 ملغم/ لتر إلى خطر متوسط. أما النتيجة 3 ملغم/ لتر فأكثر، فتنبئ بارتفاع خطر الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية، والنوبات القلبية، والسكتات الدماغية.
وعبر الدكتور ريدكر عن اعتقاده بأنه: «ينبغي لنا فحص الأشخاص للكشف عن بروتين (سي) التفاعلي، إلى جانب الكوليسترول، في الثلاثينيات والأربعينيات من العمر، حتى نتمكن من التدخل مبكراً». وأضاف أن فحص بروتين «سي» التفاعلي يحمل أهمية خاصة للنساء، بالنظر إلى أن أمراض القلب والأوعية الدموية لديهن لا تزال غير مشخصة وغير معالجة بشكل كافٍ. كما ينبغي للأشخاص المصابين بأمراض المناعة الذاتية مراقبة مستوى بروتين «سي» التفاعلي، نظراً لأن أجهزتهم المناعية تكون في حالة نشاط مفرط.
والخبر السار هنا أن إدخال تغييرات في نمط الحياة يمكن أن يساعد، وكذلك أدوية الستاتين التي تخفض مستويات الكوليسترول. بوجه عام، ينبغي لأي شخص لديه مستوى مرتفع باستمرار من بروتين «سي» التفاعلي عالي الحساسية، استشارة طبيبه بشأن تناول الستاتينات (أو زيادة الجرعة إذا كان يتناولها بالفعل)، بغض النظر عن مستوى الكوليسترول الضار (LDL)، حسبما أفاد به البيان.
والآن، ماذا لو كنت تعاني من أمراض القلب، وتتناول بالفعل جرعة عالية من أدوية الستاتين؟
إذا كان مستوى بروتين «سي» التفاعلي عالي الحساسية لديك، أعلى من 2 ملغم/ لتر، فعليك استشارة طبيبك لمعرفة ما إذا كنت مرشحاً مناسباً لتناول جرعة منخفضة من دواء الكولشيسين (colchicine) (0.5 ملغم يومياً)، وهو أول علاج مضاد للالتهابات، معتمد من إدارة الغذاء والدواء الأميركية، وثبتت فعاليته في تقليل خطر الإصابة بأمراض القلب، عند إضافته إلى علاج الستاتينات.
السبيل لتقليل الالتهاب في الجسم
يمكن أن تساعد العادات ذاتها التي تقلل من خطر الإصابة بأمراض القلب، وغيرها من الأمراض المزمنة، في تقليل الالتهاب:
- اتباع نظام غذاء البحر المتوسط، أو نظام «داش» الغذائي، الذي يركز على الأطعمة التي تحارب الالتهاب، بما في ذلك الفواكه والخضراوات والحبوب الكاملة والبقوليات (الفاصوليا والبازلاء) والمكسرات، وزيت الزيتون.
- تناول حصتين إلى ثلاث حصص من السمك أسبوعياً، بما في ذلك أنواع مثل السلمون والماكريل والرنجة والأنشوجة، الغنية بأحماض «أوميغا 3» الدهنية.
- تجنب الأطعمة التي تسبب الالتهابات، مثل: المشروبات الغازية، والمشروبات المحلاة الأخرى، واللحوم الحمراء والمعالجة، والكربوهيدرات المكررة؛ خصوصاً الخبز الأبيض والوجبات الخفيفة، والحلوى المصنوعة من الدقيق الأبيض.
- ممارسة التمارين الرياضية لمدة 150 دقيقة على الأقل أسبوعياً، سواء كانت متوسطة الشدة أو شديدة، أو مزيجاً منهما.
- الامتناع عن التدخين.
* رسالة هارفارد للقلب
ـ خدمات «تريبيون ميديا»