مقتل 10 أشخاص وتدمير 20 شاحنة جراء استهداف القوافل الإنسانية بالسودان

من استهداف سابق لشاحنات إغاثة في شمال كردفان (متداولة)
من استهداف سابق لشاحنات إغاثة في شمال كردفان (متداولة)
TT

مقتل 10 أشخاص وتدمير 20 شاحنة جراء استهداف القوافل الإنسانية بالسودان

من استهداف سابق لشاحنات إغاثة في شمال كردفان (متداولة)
من استهداف سابق لشاحنات إغاثة في شمال كردفان (متداولة)

كشف تقرير سوداني، الثلاثاء، عن أن استهداف قوافل الإغاثة الإنسانية في البلاد أسفر عن مقتل من لا يقلون عن 10 من العاملين، وإصابة أكثر من 11 آخرين، وتدمير أو إحراق ما لا يقل عن 20 شاحنة، مع نهب بعض القوافل بالكامل، منذ أبريل (نيسان) 2023 حتى فبراير (شباط) الماضي.

ووثق التقرير، الذي أوردته مجموعة «محامو الطوارئ»، الحقوقية، تصاعد استهداف العمل الإنساني في السودان خلال هذه الفترة استناداً إلى أكثر من 15 حادثة موثقة للقوافل الإنسانية، بالإضافة إلى عشرات الحوادث المرتبطة بنهب وتدمير المخازن والمرافق اللوجيستية.

استهداف شاحنات إغاثة في شمال كردفان (أرشيفية - متداولة)

وأظهر التقرير أن «هذه الانتهاكات ليست عشوائية، بل نمط متكرر ومنهجي يقوض قواعد القانون الدولي الإنساني، ويحد من فاعلية الاستجابة الإنسانية»، مشيراً إلى توثيق استخدام الطائرات المسيرة في 2025 و2026؛ مما يعكس تصعيداً نوعياً في طبيعة الهجمات.

ولفت التقرير إلى تعرض أكثر من 50 مخزناً تابعاً لـ«برنامج الغذاء العالمي» للنهب أو الهجوم، إلى جانب 87 مكتباً إنسانياً جرى الاستيلاء عليها أو تدميرها، «وشملت الانتهاكات أيضاً منشآت منظمات دولية أخرى؛ مما أدى إلى فقدان كميات كبيرة من الإمدادات الغذائية والطبية الحيوية، وأثر على قدرة هذه الجهات على تقديم المساعدة».

وأشار إلى أنه يجري «استهداف العمل الإنساني عبر مسارات متعددة، تشمل الهجمات المباشرة، ونهب الإمدادات، واستهداف العاملين، وتجريم العمل الإنساني، والتضييق عليه عبر القيود الأمنية والإدارية، إضافة إلى التشكيك في حياد القوافل وتسييس المساعدات لتعزيز السيطرة على الأرض وتوجيهها بما يخدم أجندات الأطراف المتنازعة».

من المساعدات التي قدمتها السعودية لتزويد مستشفيات حكومية في السودان بأجهزة طبية حديثة (واس)

وأكد التقرير أن «هذه الأفعال تشكل انتهاكات جسيمة للقانون الدولي الإنساني، وترقى إلى جرائم حرب في حالات استهداف الإغاثة أو استخدام التجويع وسيلة من وسائل الحرب»، لافتاً إلى أن «تكرار هذه الأنماط، مدعوماً بالمؤشرات الرقمية، يشير إلى سلوك ممنهج يقوض العمل الإنساني ويزيد الأزمة الإنسانية حدة، ويستدعي تحركاً عاجلاً لتعزيز المساءلة وحماية العمل الإنساني وضمان وصول المساعدات إلى المدنيين دون عوائق أو تمييز».

Your Premium trial has ended


مقالات ذات صلة

سلام السودان... وعقدة ما بعد الحرب

تحليل إخباري صورة متداولة للقوى السياسية والمدنية التي شاركت في اجتماع أديس أبابا واتفقت على مسار جديد لوقف الحرب

سلام السودان... وعقدة ما بعد الحرب

كشفت اجتماعات أديس أبابا عن أنَّ إنهاء الحرب في السودان، لا يمر فقط عبر وقف إطلاق النار، بل عبر مواجهة أسئلة سياسية أكثر تعقيداً، تتعلق بشكل الدولة وقوى البناء.

أحمد يونس (كمبالا)
شمال افريقيا صورة متداولة للقوى السياسية والمدنية التي شاركت في اجتماع أديس أبابا واتفقت على مسار جديد لوقف الحرب

توافق سوداني على وضع أسس انتقال سياسي للحكم الديمقراطي

اتفقت قوى سياسية ومدنية سودانية، في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا، على رؤية مشتركة لعملية سياسية، ووضع أسس انتقال سياسي سلمي للحكم المدني الديمقراطي.

محمد أمين ياسين (نيروبي)
شمال افريقيا مصر تؤكد أن ملايين الوافدين السودانيين يمارسون حياتهم بشكل طبيعي (الشرق الأوسط)

مصر تؤكد توفير سبل الرعاية والخدمات للسودانيين على أراضيها

أكدت الهيئة العامة للاستعلامات في مصر أن ملايين الوافدين السودانيين يمارسون حياتهم بشكل طبيعي، وأن الحكومة تعمل على توفير سبل الرعاية والخدمات لهم.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا لاجئات سودانيات في مخيم تولوم للاجئين في ولاية وادي فيرا شرق تشاد 30 نوفمبر 2025 (رويترز)

قوى سودانية تجتمع في أديس أبابا للتوافق على حوار سياسي شامل

ينطلق في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا، الأربعاء، الاجتماع الاستكشافي الأول للقوى السياسية والمدنية في السودان، برعاية الآلية «الخماسية» الدولية

محمد أمين ياسين (نيروبي)
شمال افريقيا نازحون من دارفور يسيرون وسط عاصفة رملية بمخيم للاجئين السودانيين شرق تشاد في 30 نوفمبر 2025 (رويترز)

16 قتيلاً في اشتباكات قبلية بإقليم دارفور السوداني

قُتل 16 شخصاً وأصيب آخرون في مواجهات قبلية مسلحة بولاية جنوب دارفور بالسودان في حين أُحرقت قرى ومنازل بحسب ما أفادت مصادر محلية «وكالة الصحافة الفرنسية».

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)

«النيابة المصرية» تسند لصبري نخنوخ تهم «حيازة أسلحة والخطف»

مقر مكتب النائب العام المصري في العاصمة الإدارية الجديدة (صفحة النيابة على فيسبوك)
مقر مكتب النائب العام المصري في العاصمة الإدارية الجديدة (صفحة النيابة على فيسبوك)
TT

«النيابة المصرية» تسند لصبري نخنوخ تهم «حيازة أسلحة والخطف»

مقر مكتب النائب العام المصري في العاصمة الإدارية الجديدة (صفحة النيابة على فيسبوك)
مقر مكتب النائب العام المصري في العاصمة الإدارية الجديدة (صفحة النيابة على فيسبوك)

أعلنت النيابة المصرية، السبت، تفاصيل قضية توقيف رجل الأعمال المثير للجدل صبري نخنوخ، على خلفية اتهامات تتعلق بـ«اقتحام أحد معارض السيارات في منطقة التجمع الخامس شرق القاهرة».

ومنذ منتصف الأسبوع الماضي، لا تزال قضية توقيف نخنوخ، الذي أُلقي القبض عليه، الثلاثاء الماضي، تحظى باهتمام واسع في مصر.

وسلطت النيابة الضوء على تفاصيل الواقعة التي بدأت «ببلاغات مقدمة من مالك معرض سيارات أفادت بقيام المتهم وآخرين باقتحام المعرض على خلفية خلافات مالية، والتعدي على أحد العاملين وإحداث إصابات به، فضلاً عن الاستيلاء على وحدة تسجيل كاميرات المراقبة الخاصة بالموقع، وهو ما أكدته تحريات الأجهزة الأمنية»، بحسب بيان قضائي، السبت.

وأورد البيان سرداً لتفاصيل ما جرى العثور عليه خلال تفتيش مسكن المتهم والمقار التابعة له، ومنها «كميات من الأسلحة النارية شملت بنادق آلية ورشاشاً وطبنجة، إلى جانب كميات كبيرة من الذخيرة الحية قُدرت بنحو 1000 طلقة، إضافة إلى أجهزة اتصال غير مرخصة، وقطع يُشتبه في كونها أثرية، فضلاً عن وحدة تسجيل كاميرات المراقبة المبلَّغ بسرقتها».

وأشارت إلى أن التحقيقات الأولية خلصت إلى وجود مؤشرات على تشكيل يُشتبه في كونه عصابياً، يمارس أعمال «فرض السيطرة والبلطجة» باستخدام القوة والتهديد، متخذاً من أنشطة تجارية واجهة لتحركاته، في حين جرى حبس المتهمين احتياطياً على ذمة القضية، وتجديد حبسهم لاحقاً لمدة 15 يوماً.

وكشف فحص الهواتف المحمولة الخاصة بالمتهمين وتفريغ محتواها، بحسب النيابة العامة، عن تسجيلات ومحادثات تتضمن وقائع أخرى قيد التحقيق، من بينها اتهامات «تتعلق بالخطف والاحتجاز القسري والتعذيب والإكراه على توقيع مستندات، إضافة إلى حيازة أسلحة وأدوات تعذيب»، مشيرة إلى أن هذه الوقائع تخضع لفحص موسع إلى جانب تحقيقات مالية موازية لتتبع مصادر الأموال.

رجل الأعمال المصري المثير للجدل صبري نخنوخ (صفحته على فيسبوك)

الخبير القانوني، علاء عابد، يرى أن الجرائم حسب ما أوردها بيان النيابة «تقع تحت طائلة مواد قانون العقوبات، ويعاقب عليها بالسجن المشدد والمؤبد». ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أن «النيابة العامة ووزارة الداخلية ستتخذان الإجراءات القانونية الكفيلة لإعادة حقوق المجني عليهم بمختلف القضايا المنظورة».

وتعيد هذه القضية إلى الواجهة ملف صبري نخنوخ القضائي السابق؛ إذ سبق أن أُدين عام 2012 في قضايا تتعلق بـ«البلطجة وحيازة أسلحة وتعاطي مواد مخدرة»، وصدر بحقه حكم بالسجن قبل أن يشمله عفو رئاسي عام 2018 لأسباب صحية؛ ما جعل اسمه حاضراً بقوة في النقاش العام، وتزايد مع ارتباط اسمه بإدارة شركة «فالكون» للأمن والحراسة، التي تُعد من أبرز شركات الأمن الخاص في مصر.

ولا يزال التباين سيد الموقف في ردود الفعل داخل الشارع المصري، ومواقع التواصل الاجتماعي، بين من اعتبر توقيفه «تأكيداً لهيبة القانون وتطبيقه على الجميع دون استثناء»، ومن يرى أن «القضية تعيد طرح تساؤلات أوسع حول الأنشطة غير القانونية».

أستاذ علم الاجتماع السياسي، سعيد صادق قال لـ«الشرق الأوسط»، إن «الاهتمام الشعبي الواسع بالقضية يعكس شعوراً مزدوجاً بين الارتياح لملاحقة شخصية مثيرة للجدل تتمتع بنفوذ واسع، والدهشة من استمرار حضورها في المشهد العام رغم سجلها القضائي السابق».

واعتبر أن القضية تثير تساؤلات حول ما وصفه بـ«المنطقة الرمادية» بين النفوذ السياسي والأنشطة الإجرامية، مشيراً إلى أن «الرأي العام يترقب ما إذا كانت التحقيقات والإجراءات الجارية ستقتصر على هذه القضية أم ستطول شخصيات أخرى».

واختتمت النيابة العامة بيانها، السبت، بالتأكيد على أن «دولة القانون ماضية في طريقها بكل حزم»، وأن التحقيقات مستمرة لكشف ملابسات الواقعة كاملة، واتخاذ ما يلزم من إجراءات قانونية حيال جميع المتورطين.


سلام السودان... وعقدة ما بعد الحرب

صورة متداولة للقوى السياسية والمدنية التي شاركت في اجتماع أديس أبابا واتفقت على مسار جديد لوقف الحرب
صورة متداولة للقوى السياسية والمدنية التي شاركت في اجتماع أديس أبابا واتفقت على مسار جديد لوقف الحرب
TT

سلام السودان... وعقدة ما بعد الحرب

صورة متداولة للقوى السياسية والمدنية التي شاركت في اجتماع أديس أبابا واتفقت على مسار جديد لوقف الحرب
صورة متداولة للقوى السياسية والمدنية التي شاركت في اجتماع أديس أبابا واتفقت على مسار جديد لوقف الحرب

كشفت الاجتماعات التشاورية التي عقدتها الآلية الخماسية الدولية، بشأن السودان في العاصمة الإثيوبية، أديس أبابا، خلال الفترة بين 3 و5 يونيو (حزيران) 2026 عن أنَّ الطريق إلى إنهاء الحرب المستمرة في السودان، منذ أكثر من 3 أعوام، لا يمر فقط عبر وقف إطلاق النار بين الجيش و«قوات الدعم السريع»، بل عبر مواجهة أسئلة سياسية، أكثر تعقيداً تتعلق بشكل الدولة المقبلة، والقوى التي يحقُّ لها المشاركة في بنائها.

ورأى عدد من المراقبين أنَّ هذه الاجتماعات تمثل أول محاولة جادة منذ اندلاع الحرب في 15 أبريل (نيسان) 2023 لبناء توافق سياسي ومدني واسع ضد استمرار القتال. إلا أن المشاورات شهدت خلافاً حاداً بين المشاركين حول مشاركة «الحركة الإسلامية» وحزب «المؤتمر الوطني»، الذي حكم السودان خلال عهد الرئيس السابق عمر البشير، في أي عملية سياسية مستقبلية، ليصبح هذا الملف الأكثر إثارة للجدل خلال الاجتماعات.

ونظمت الآلية الخماسية التي تضم الاتحاد الأفريقي، ومنظمة إيغاد، وجامعة الدول العربية، والاتحاد الأوروبي، والأمم المتحدة، هذه الاجتماعات؛ بهدف استكشاف السبل الكفيلة بإطلاق عملية سياسية سودانية شاملة، وتشكيل لجنة تحضيرية تمهِّد لحوار وطني يقود إلى السلام والاستقرار.

أعضاء الآلية الخماسية الدولية الذين شاركوا في مؤتمر برلين وحالياً في لقاءات أديس أبابا (إكس)

ووفقاً للوثائق التي نوقشت خلال الاجتماعات، اتفقت القوى المشارِكة على ضرورة التعامل مع الأزمة السودانية عبر 3 مسارات متوازية تشمل: معالجة الكارثة الإنسانية، والتوصُّل إلى وقف لإطلاق النار، وإطلاق عملية سياسية تعالج جذور الأزمة وتؤسِّس لسلام مستدام. كما تَوافَقَ المشاركون على اتخاذ إجراءات لبناء الثقة، وتهيئة المناخ السياسي، وضمان مشاركة أوسع للقوى المدنية والمجتمعية.

الخلاف حول الإسلاميين

غير أنَّ هذا التوافق تعثر عند نقطة جوهرية تتعلق بمستقبل الإسلاميين وحزب «المؤتمر الوطني». فقد تضمَّنت إحدى مسودات الوثيقة الختامية نصاً يؤكد أنَّ العملية السياسية يجب أن تكون شاملة، باستثناء «المؤتمر الوطني» و«الحركة الإسلامية» والواجهات التابعة لهما. إلا أنَّ هذه الصياغة أثارت اعتراض بعض المشاركين؛ ما أدى إلى حذفها من النسخة التي وقَّعها تحالف «الكتلة الديمقراطية»، المؤيد للجيش السوداني.

في المقابل، تمسَّك تحالف السودان التأسيسي «تأسيس»، المقرب من «قوات الدعم السريع»، بموقفه الداعي إلى استبعاد «الحركة الإسلامية» و«المؤتمر الوطني» من أي عملية سياسية مقبلة، عادّاً أنَّ تحقيق السلام الحقيقي يتطلب معالجة الأسباب التي قادت إلى الحرب، ومحمِّلاً الإسلاميين جانباً من المسؤولية عن الأزمة الراهنة.

واتخذت «حركة تحرير السودان»، بقيادة عبد الواحد محمد نور موقفاً أكثر تشدداً، إذ رفضت التوقيع على الوثيقة المشتركة مع «الكتلة الديمقراطية»؛ بسبب اعتراض الأخيرة على النصِّ الخاص باستبعاد الإسلاميين. وعدّت الحركة أن السماح للإسلاميين بالمشاركة السياسية يمثِّل مكافأةً لهم على الحرب، وطالبت بحرمانهم من أي دور سياسي مستقبلي، ووصفتهم بأنهم «جماعة إرهابية».

حمدوك وعبد الواحد محمد نور خلال لقاء سابق في باريس (الشرق الأوسط)

واستند هذا الموقف أيضاً إلى قرار وزارة الخارجية الأميركية الصادر في مارس (آذار) 2026، والذي صنَّف ما وصفتها بـ«الحركة الإسلامية السودانية» أو «الإخوان المسلمين السودانيين» تنظيماً إرهابياً، وهو القرار الذي استندت إليه بعض القوى السودانية في مطالبتها بإبعاد الإسلاميين عن أي ترتيبات تخصُّ مستقبل البلاد.

من جانبه، أبدى «التيار الثوري الديمقراطي»، بقيادة ياسر عرمان، وهو أحد مكونات تحالف «صمود»، اعتراضه على حذف النص المتعلق باستبعاد «المؤتمر الوطني»، عادّاً أنَّ ذلك يثير تساؤلات حول الوجهة النهائية للعملية السياسية. كما جدَّد «حزب الأمة»، بقيادة مبارك الفاضل رفضه عودة «المؤتمر الوطني» و«الحركة الإسلامية» إلى قيادة المشهد السياسي.

تباينات «الكتلة الديمقراطية»

أما الكتلة الديمقراطية، فقد تبنَّت موقفاً مختلفاً، إذ أعلنت موافقتها شفهياً، على استبعاد حزب «المؤتمر الوطني» من العملية السياسية، لكنها اعترضت على تضمين نص صريح يستبعد «الحركة الإسلامية»، كما رفضت الجلوس مع تحالف «تأسيس» الذي تعدّه مظلةً سياسيةً لـ«قوات الدعم السريع».

وأظهر هذا التباين أن الخلاف لم يعد مقتصراً على الموقف من الحرب أو أطرافها العسكرية، بل امتد إلى سؤال أكثر حساسية يتعلق بمَن يملك حقَّ المشاركة في صياغة مستقبل السودان بعد توقف القتال.

ولم تقتصر الخلافات على العلاقة بين «الكتلة الديمقراطية» وبقية القوى المشاركة، بل امتدت إلى داخل الكتلة نفسها. فقد رفض تيار يضم قوى مقربة من وزير المالية ورئيس حركة «العدل والمساواة»، جبريل إبراهيم، وحلفائه وعلى رأسهم ناظر عموم قبائل الهدندوة محمد الأمين ترك، المشارَكة في اجتماعات أديس أبابا من الأساس، عادّاً أنَّ الوفد الذي شارك لا يمثل «الكتلة الديمقراطية» بكل مكوناتها.

وزير المالية السوداني جبريل إبراهيم زعيم حركة «العدل والمساواة» الحليفة للجيش رفض المشاركة في الاجتماعات (رويترز)

وتبادل طرفا الخلاف بيانات متعارضة بشأن شرعية التمثيل داخل الكتلة، في وقت عكست فيه هذه الأزمة صراعاً أوسع حول مَن يملك حقَّ التحدُّث باسم المعسكر السياسي المؤيِّد للجيش ضمن العملية السياسية المرتقبة.

كما زادت حدة الجدل بعد استقالة القيادية في «الكتلة الديمقراطية» ومساعدة رئيس مجلس السيادة سالي زكي، وإعلانها اعتزال العمل السياسي عقب مشاركتها في الاجتماعات. وأشارت في بيان نشرته عبر صفحتها على موقع «فيسبوك» إلى وجود تكتلات داخل التحالف، مؤكدة في الوقت نفسه دعمها القوات المسلحة.

ويشير هذا الانقسام إلى أنَّ أزمة أديس أبابا لم تكن مرتبطةً فقط بمستقبل الإسلاميين أو بمشاركة تحالف «تأسيس»، بل شملت أيضاً التنافس على تمثيل القوى المتحالفة مع الجيش، وحدود التفويض الذي تمتلكه الأطراف المشاركة باسمها.

وخلال المشاورات برز أيضاً دور «تنسيقية القوى الوطنية»، بقيادة محمد سيد أحمد المعروف بـ«الجكومي»، التي سعت إلى تثبيت حضورها داخل العملية السياسية بوصفها ممثلةً لشريحة من القوى المؤيدة للجيش.

ودعت التنسيقية إلى عملية سياسية لا تقوم على الإقصاء، مع رفضها مشاركة تحالفَي «صمود» و«تأسيس»، ورفض أي دور سياسي لـ«قوات الدعم السريع» أو مساواتها بالقوات المسلحة.

مؤشرات إيجابية... وتحديات مستقبلية

ورغم هذه التباينات، يرى مراقبون أنَّ اجتماعات أديس أبابا شكَّلت تطوراً مهماً في مسار البحث عن حل سياسي للحرب، إذ نجحت للمرة الأولى منذ اندلاع النزاع في جمع قوى سياسية ومدنية متعارضة حول طاولة واحدة لمناقشة مستقبل البلاد. كما أظهرت الوثائق المتداولة وجود أرضية مشتركة واسعة بشأن وقف الحرب، وإيصال المساعدات الإنسانية، وتهيئة الظروف اللازمة لإطلاق حوار سياسي شامل.

حمدوك مع قيادات القوى السياسية السودانية خلال اجتماعات سابقة في نيروبي (تحالف صمود)

لكن الاجتماعات كشفت في الوقت نفسه عن أنَّ التحدي الأكبر قد لا يتمثل فقط في إنهاء الحرب، وإنما في إدارة الخلافات السياسية التي ستبرز فور توقفها. فبينما ترى قوى كثيرة أن إبعاد الإسلاميين شرط أساسي لمنع إعادة إنتاج الأزمة التي قادت إلى الحرب، تعتقد أطراف أخرى أنَّ فرض هذا الشرط مسبقاً قد يقوِّض فرص التوافق الوطني، ويؤدي إلى انقسامات جديدة.

وبذلك تبدو مشاورات أديس أبابا أقرب إلى نواة أولية لأوسع توافق سوداني ضد استمرار الحرب منذ اندلاعها، لكنها كشفت أيضاً عن أنَّ معركة السلام قد تكون أقل تعقيداً من معركة تحديد الأطراف التي ستجلس إلى طاولة السياسة للمشارَكة في رسم مستقبل السودان بعد انتهاء الحرب.

وشارك في المشاورات ممثلون لـ«تحالف قوى الثورة المدنية (صمود)»، بقيادة عبد الله حمدوك، وتحالف السودان التأسيسي «تأسيس»، و«الكتلة الديمقراطية»، وحزب «الأمة» بقيادة مبارك الفاضل، وحزب «البعث العربي الاشتراكي»، و«حركة تحرير السودان» بقيادة عبد الواحد محمد نور، إضافة إلى شخصيات مستقلة ومنظمات مجتمع مدني ومجموعات نسوية وشبابية. كما أجرى «الحزب الشيوعي السوداني» مشاورات منفصلة مع الآلية الخماسية بشأن تصميم العملية السياسية ومستقبل المرحلة الانتقالية في السودان.


السلطات الليبية لاحتواء غضب الشارع من «التوطين»

تظاهرة مناهضة للتوطين في طرابلس (حركة نشطاء طرابلس ضد التوطين)
تظاهرة مناهضة للتوطين في طرابلس (حركة نشطاء طرابلس ضد التوطين)
TT

السلطات الليبية لاحتواء غضب الشارع من «التوطين»

تظاهرة مناهضة للتوطين في طرابلس (حركة نشطاء طرابلس ضد التوطين)
تظاهرة مناهضة للتوطين في طرابلس (حركة نشطاء طرابلس ضد التوطين)

تسابقت القيادات السياسية والعسكرية والأمنية في شرق ليبيا وغربها، خلال الساعات الماضية، لإطلاق مواقف «تُظهر حزماً بشأن الهجرة غير النظامية»، وهو ما عدَّه مراقبون محاولة لاحتواء موجة الغضب الشعبي التي أثارتها الاحتجاجات الرافضة لما عُرف محلياً بـ«توطين المهاجرين»، في بلد يعيش انقساماً سياسياً وحكومياً مزمناً.

وجاءت التحركات المتزامنة لقادة عسكريين وأمنيين خلال الـ24 ساعة الأخيرة، بعد تظاهرات شهدتها العاصمة طرابلس، الخميس، أمام مقر «مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين»؛ حيث تصاعدت مطالب المحتجين بـ«رفض أي ترتيبات من شأنها إبقاء المهاجرين داخل البلاد بشكل دائم»، وسط انتشار واسع لوسم «لا للتوطين» على مواقع التواصل الاجتماعي.

محمد المنفي خلال جولة في طرابلس الجمعة (المجلس الرئاسي)

وفي حين حرص رئيس المجلس الرئاسي، محمد المنفي، مساء الجمعة، على لقاء عدد من المحتجين في وسط طرابلس، وتعهد بأن تتركز التحركات على «توحيد الجهود الوطنية، ووضع سياسات عملية لمعالجة هذه الأزمة»، اتجهت وزارة الداخلية بحكومة «الوحدة» المؤقتة، في توقيت متزامن، إلى تشديد خطابها الأمني بشأن مكافحة الهجرة غير النظامية.

وقال وزير الداخلية بـ«الوحدة»، عماد الطرابلسي، إن «الهجرة غير المشروعة» تمثل تحدياً أمنياً ووطنياً يتجاوز مسؤولية الوزارة وحدها، داعياً إلى تضافر جهود جميع مؤسسات الدولة، وتعزيز التنسيق بين الأجهزة الأمنية والعسكرية في مختلف أنحاء البلاد. وهذا الطرح يكتسب دلالة خاصة في ظل الانقسام السياسي والمؤسسي الذي تعيشه ليبيا منذ سنوات، إذ بدا الطرابلسي وكأنه يدعو إلى «مقاربة وطنية موحدة» لملف يشكل مصدر قلق مشتركاً للسلطات المتنافسة شرقاً وغرباً.

وفي شرق البلاد، أعلن نائب القائد العام لـ«الجيش الوطني»، صدام حفتر، مساء الجمعة، إشرافه على حملة أمنية موسعة ضد مخالفي قوانين الإقامة، مؤكداً «ضرورة اتخاذ إجراءات قانونية وفورية لترحيلهم، مع مراعاة حقوق الإنسان وكرامة المهاجرين». وجاء ذلك بعد ساعات من تصريحات لقائد الجيش، المشير خليفة حفتر، شدد فيها على «ضرورة إخراج الوافدين الموجودين بصورة غير قانونية من ليبيا».

ليبيون يتظاهرون أمام مقر «مفوضية اللاجئين» في غرب ليبيا الخميس (أ.ف.ب)

وعلى الأرض، تسارعت جهود السلطات لضبط مهاجرين غير نظاميين؛ حيث نفذ «جهاز مكافحة الهجرة غير المشروعة» في شرق طرابلس، السبت، حملة لضبط عدد من الوافدين المخالفين، كما أعلن «جهاز دعم الاستقرار» في صرمان، تنفيذ عمليات رصد وضبط المخالفين، واتخاذ الإجراءات القانونية حيالهم.

وفي شرق البلاد، تواصلت الحملات الأمنية في عدد من المدن؛ حيث نفَّذ «جهاز مكافحة الهجرة غير الشرعية» عملية أمنية، الجمعة، أسفرت عن ضبط مخزن يُستخدم لإيواء وإخفاء مهاجرين، تمهيداً لتهريبهم عبر البحر؛ حيث جرى ضبط 40 مهاجراً.

جاء ذلك بينما تستمر مظاهر الغضب الشعبي، مع تجمع متظاهرين في ميدان الشهداء بقلب العاصمة طرابلس، ضد ما وصفوه بـ«التوطين»، وحذرت بلديات الساحل الغربي (غرب ليبيا) في بيان لها، السبت، من «استغلال ملف الهجرة غير النظامية لفرض أجندات تهدد الأمن القومي، والتركيبة السكانية والاستقرار الاجتماعي في البلاد».

ويرى مراقبون أن سباق التحركات والمواقف بين سلطات الشرق والغرب يعكس حجم الضغط الشعبي الذي فرضته الاحتجاجات الأخيرة، كما يكشف أن ملف الهجرة بات من القضايا النادرة التي تجمع الأطراف الليبية المتنازعة على خطاب متشابه، رغم استمرار الخلافات السياسية والأمنية بشأن إدارة الدولة وتوزيع السلطة.

غير أن المحلل السياسي، حسام الدين العبدلي، يرى أن «أي إجراءات حكومية جديدة لن تحقق نتائج مختلفة ما لم تكن هناك رؤية شاملة وثابتة، تتجاوز الانقسام الحاصل بين السلطتين في شرق ليبيا وغربها»؛ مشيراً إلى أن الشارع الليبي «بات أكثر حساسية تجاه هذا الملف، في ظل استمرار تدفق المهاجرين عبر الحدود الجنوبية».

ويعتقد العبدلي أن «المسؤولية تقع على عاتق كافة الأجهزة السياسية والأمنية، فيما يتعلق بتأمين الحدود وتنفيذ سياسات الترحيل»، محذراً من أن استمرار الأوضاع على ما هي عليه قد يقود إلى «تداعيات خطيرة»، وفقدان القدرة على ضبط الشارع. ويستدل على ذلك بموجات احتجاجات مماثلة جرى التعامل معها عبر إجراءات وصفها بالاحترازية، شملت توقيف أعداد من المهاجرين وترحيلهم جواً، دون أن تكون ذات أثر مستدام.

وأوضح العبدلي لـ«الشرق الأوسط» أن تلك المعالجات كانت غالباً ما تؤدي إلى امتصاص مؤقت لغضب الشارع، قبل أن تعود الموجات الاحتجاجية للظهور مجدداً، معتبراً أن الحلول السابقة لم تنجح في معالجة جذور الأزمة.

والخميس الماضي، تجمع محتجون غاضبون في طرابلس أمام مقر «مفوضية اللاجئين» التابعة للأمم المتحدة، وطالبوا بإغلاقها بسبب مزاعم توزيع بطاقات توطين للمهاجرين. كما اقتحم آخرون مقر البعثة الأممية في جنزور، قبل أن تتدخل قوات الأمن لمنع اقتحامه وحماية الموجودين بداخله.

من عمليات ترحيل مهاجرين غير نظاميين من طرابلس السبت (جهاز مكافحة الهجرة غير المشروعة)

وفي موازاة التصعيد الرسمي، تزداد وتيرة التحذيرات الحقوقية من تنامي خطاب الكراهية، والتحريض ضد المهاجرين، وسط دعوات للفصل بين مكافحة الهجرة غير القانونية، وبين احترام الالتزامات الإنسانية والقانونية تجاه المهاجرين وطالبي اللجوء.

ووثَّقت «المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان» مشاهد اعتداء لفظي وجسدي على مهاجر أفريقي بسبب «ديانته». وطالبت بـ«فتح تحقيق عاجل وملاحقة المتورطين في العنف والتحريض».

ومنذ سقوط نظام الرئيس الراحل معمر القذافي عام 2011 تحولت ليبيا إلى إحدى أبرز نقاط عبور المهاجرين نحو أوروبا، عبر حدودها الصحراوية الواسعة، رغم مواصلة السلطات ترحيل آلاف المهاجرين ضمن برنامج العودة الطوعية المدعوم أممياً.

ووفق «المنظمة الدولية للهجرة»، أُعيد إلى ليبيا 5630 مهاجراً منذ مطلع 2026، بينما قُدِّر عدد المهاجرين داخل البلاد بنحو 939.6 ألف شخص أواخر 2025.

كما عبَّرت منظمة «رصد الجرائم في ليبيا» ومقرها لندن، أخيراً، عن قلقها إزاء تصاعد الانتهاكات وخطاب الكراهية ضد المهاجرين واللاجئين والعمالة الوافدة، منذ مطلع يونيو (حزيران) الجاري، مشيرة إلى «تسجيل اعتقالات تعسفية ومداهمات لمساكن واعتداءات جسدية ولفظية في مناطق عدة». وأوضحت أن هذه التطورات تتزامن مع تصاعد حملات التحريض عبر منصات التواصل الاجتماعي، محذرة من تداعياتها على الأمن المجتمعي. ودعت «المنظمة» السلطات الليبية إلى «فتح تحقيقات عاجلة ومحاسبة المتورطين».