شراكات عابرة للقارات تعيد تشكيل المشهد الاقتصادي في أميركا اللاتينية

مسؤولون وخبراء: القارة أمام «لحظة استثمارية حاسمة» وسط تحولات عميقة

جانب من الجلسات في اليوم التحضيري لقمة مبادرة مستقبل الاستثمار في ميامي (الشرق الأوسط)
جانب من الجلسات في اليوم التحضيري لقمة مبادرة مستقبل الاستثمار في ميامي (الشرق الأوسط)
TT

شراكات عابرة للقارات تعيد تشكيل المشهد الاقتصادي في أميركا اللاتينية

جانب من الجلسات في اليوم التحضيري لقمة مبادرة مستقبل الاستثمار في ميامي (الشرق الأوسط)
جانب من الجلسات في اليوم التحضيري لقمة مبادرة مستقبل الاستثمار في ميامي (الشرق الأوسط)

تدخل أميركا اللاتينية مرحلة توصف بأنها «لحظة استثمارية حاسمة»، وسط تصاعد الاهتمام العالمي وتزايد الفرص، في وقت يؤكد فيه قادة ومسؤولون أن تحويل هذا الزخم إلى نمو طويل الأمد يتطلب بيئة تنظيمية واضحة، وشراكات استراتيجية، ورؤية تتجاوز المدى القصير.

وخلال اليوم التحضيري لقمة مبادرة مستقبل الاستثمار في ميامي «FII PRIORITY Miami» الذي عُقد تحت عنوان «النظام الجديد لأميركا اللاتينية»، شدد رئيس اللجنة التنفيذية والرئيس التنفيذي بالإنابة لمعهد مبادرة مستقبل الاستثمار ريتشارد أتياس على أن المرحلة المقبلة «لن تُحدَّد بالكلمات، بل بالقرارات والشراكات والاستثمار والشجاعة»، في إشارة إلى التحولات العميقة التي يشهدها الإقليم.

وأكدت جلسات القمة أن شهية الاستثمار في أميركا اللاتينية باتت «حقيقية ومتنامية»؛ حيث أشار إيلان غولدفاين، رئيس بنك التنمية للبلدان الأميركية، إلى تشكّل ممر استثماري عابر للقارات، مدفوعاً بارتفاع الطلب واستعداد عدد من الدول لتبني أطر استثمارية متوافقة مع المعايير العالمية.

ولفت إلى أن القمة تمثل منصة لربط المستثمرين بالفرص، معتبراً أن «نمو الإنتاجية» سيكون العامل الحاسم في تحقيق قفزات اقتصادية، مع إمكانية وصول بعض الدول إلى معدلات نمو تتراوح بين 5 و6 في المائة.

إصلاحات تشريعية

وفي قطاع الطاقة، برزت أهمية البيئة التشريعية كعامل رئيسي لجذب الاستثمارات؛ حيث أكدت نائبة رئيس فنزويلا ديلسي رودريغيز أن «اليقين القانوني» يمثل حجر الأساس لاستقطاب رؤوس الأموال، مشيرة إلى إصلاحات قانونية شملت قطاع الهيدروكربونات. وكشفت أن بلادها استقطبت أخيراً أكثر من 120 شركة طاقة، معظمها من الولايات المتحدة، إلى جانب شركات من الشرق الأوسط وآسيا وأفريقيا وأوروبا.

اتفاقيات التجارة وتشكيل الأسواق

وتُسهم الاتفاقيات التجارية في تسريع زخم الاستثمار، إذ أشار نوربيرتو جيانغراندي، رئيس مجلس إدارة «مينيرفا فودز»، إلى قرب دخول اتفاقية الاتحاد الأوروبي و«ميركوسور» حيز التنفيذ، ما سيؤدي إلى إنشاء واحدة من كبرى مناطق التجارة الحرة في العالم، تضم أكثر من 700 مليون مستهلك.

ووصف جيانغراندي البرازيل بأنها «ملاذ آمن» في ظل التقلبات العالمية، لافتاً إلى النمو الكبير في صادرات اللحوم، التي ارتفعت من 50 ألف طن مطلع الألفية إلى نحو 5 ملايين طن متوقعة هذا العام. وأكد أن هذا التوسع يعتمد على الابتكار والتكنولوجيا، إلى جانب الكفاءات البشرية، مع تعزيز الإنتاج دون الإضرار بالموارد الطبيعية.

رأس المال البشري أساس النمو

في المقابل، يتزايد التركيز على الاستثمار الاجتماعي باعتباره محركاً أساسياً للنمو؛ حيث أكدت ماريا خوسيه بينتو، نائبة رئيس الإكوادور، أن بلادها انتقلت من اعتبار الإنفاق الاجتماعي «تكلفة» إلى اعتباره «استثماراً في النمو الاقتصادي». وأوضحت أن الأولويات تشمل مكافحة سوء التغذية المزمن، وتعزيز التعليم والرعاية الصحية والبنية التحتية للمياه والصرف الصحي.

وأشارت إلى أن كل دولار يُستثمر في معالجة سوء التغذية يمكن أن يحقق عائداً يصل إلى 23 دولاراً مستقبلاً، داعية المستثمرين إلى تبني منظور طويل الأمد يركز على تنمية رأس المال البشري.

شراكات طويلة

من جانبه، شدد المدير العام للأميركتين في وزارة الاستثمار السعودية عبد الرحمن بكر على أن التحدي لا يكمن في قرار الاستثمار بحد ذاته، بل في «كيفية الاستثمار»، مشيراً إلى أن تنوع الأسواق داخل أميركا اللاتينية يتطلب فهماً عميقاً لكل مدينة ودولة على حدة.

وقال إن بناء شراكات طويلة الأمد، وتعزيز الحضور المحلي، وفهم الخصوصيات الاقتصادية لكل سوق، تمثل عناصر أساسية للنجاح، مؤكداً أن الهدف لا يقتصر على تمويل المشاريع، بل يمتد إلى دعم الاقتصادات في مسار نموها.

رؤية مشتركة

وخرجت القمة إلى أن تحقيق الإمكانات الكاملة لأميركا اللاتينية يتطلب مواءمة بين رأس المال والسياسات والموارد البشرية ضمن رؤية مشتركة طويلة الأمد. ومع توافر الشراكات الاستراتيجية، والأطر التنظيمية الواضحة، والتركيز المتزايد على رأس المال البشري، تبدو المنطقة في موقع مؤهل لتحويل الفرص الناشئة إلى نمو مستدام وقابل للتوسع.


مقالات ذات صلة

ترقب لرسائل ترمب في ختام «مبادرة مستقبل الاستثمار» بميامي

الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي خلال مشاركته في النسخة السابقة لقمة «مبادرة مستقبل الاستثمار» (البيت الأبيض)

ترقب لرسائل ترمب في ختام «مبادرة مستقبل الاستثمار» بميامي

يُنتظر أن يُسلّط ترمب الضوء على مستقبل العلاقات الاقتصادية والاستثمارية بين السعودية والولايات المتحدة، في ظلّ ما تشهده الشراكة بين البلدين من تطور متسارع.

مساعد الزياني (ميامي)
الاقتصاد وزير المالية السعودي يتحدث في إحدى جلسات قمة «مبادرة مستقبل الاستثمار» في ميامي (الشرق الأوسط)

وزير المالية السعودي: اضطراب النفط قد يتجاوز أزمة «كوفيد» إذا استمرت الحرب

حذر وزير المالية السعودي، محمد الجدعان، من تداعيات اقتصادية عالمية قد تفوق في شدتها أزمة جائحة «كوفيد-19»، وذلك في حال استمرار النزاع مع إيران.

«الشرق الأوسط» (ميامي)
الاقتصاد الرميان يتحدث خلال مشاركته في قمة «مبادرة مستقبل الاستثمار» في ميامي (الشرق الأوسط)

الرميان: «صندوق الاستثمارات» يرسّخ استراتيجية طويلة الأجل ويستعد لمرحلة جديدة

أكد محافظ صندوق الاستثمارات العامة، ياسر الرميان، أن الاقتصاد السعودي يواصل الحفاظ على متانته واستقراره، مدعوماً بسياسات مالية وهيكلية قوية.

مساعد الزياني (ميامي)
خاص أتياس خلال تدشين اليوم التحضيري لقمة مبادرة مستقبل الاستثمار (الشرق الأوسط)

خاص رئيس «مبادرة مستقبل الاستثمار»: قمة ميامي منصة عالمية لفهم تحولات الاقتصاد الدولي

تنطلق رسمياً اليوم في ميامي الأميركية قمة مبادرة مستقبل الاستثمار التي باتت «تمثل منصة عالمية لفهم تحولات الاقتصاد الدولي».

مساعد الزياني (ميامي)
خاص محافظ صندوق الاستثمارات العامة ياسر الرميان خلال مشاركته في قمة سابقة لمبادرة مستقبل الاستثمار في ميامي (الشرق الأوسط)

خاص ميامي تستضيف قمة «مستقبل الاستثمار» غداً وتناقش تأثير رأس المال في التحولات العالمية

تستعد مدينة ميامي الأميركية لاستضافة النسخة الرابعة من قمة «مبادرة مستقبل الاستثمار– الأولوية» (FII PRIORITY) خلال الفترة من 25 إلى 27 مارس (آذار) الحالي.

مساعد الزياني (ميامي (الولايات المتحدة))

«علامات استفهام حُمر» تُلاحق تسوية ماسك وهيئة الأوراق المالية الأميركية بشأن «تويتر»

 إيلون ماسك يسير لحضور جلسة المحاكمة في دعواه القضائية المتعلقة بتحويل «أوبن إيه آي» إلى شركة ربحية في أبريل الماضي (رويترز)
إيلون ماسك يسير لحضور جلسة المحاكمة في دعواه القضائية المتعلقة بتحويل «أوبن إيه آي» إلى شركة ربحية في أبريل الماضي (رويترز)
TT

«علامات استفهام حُمر» تُلاحق تسوية ماسك وهيئة الأوراق المالية الأميركية بشأن «تويتر»

 إيلون ماسك يسير لحضور جلسة المحاكمة في دعواه القضائية المتعلقة بتحويل «أوبن إيه آي» إلى شركة ربحية في أبريل الماضي (رويترز)
إيلون ماسك يسير لحضور جلسة المحاكمة في دعواه القضائية المتعلقة بتحويل «أوبن إيه آي» إلى شركة ربحية في أبريل الماضي (رويترز)

دافعت هيئة الأوراق المالية والبورصات الأميركية (SEC) عن التسوية المالية التي أبرمتها مع الملياردير إيلون ماسك بشأن قضية خرقه قواعد الإفصاح عند شرائه أسهم شركة «تويتر»، مؤكدة أن الاتفاق يعكس «حلولاً وسطاً» بين الطرفَين، ولم تر أي شبهة تواطؤ، وذلك بعد أن لفتت القاضية المشرفة على الملف أن الاتفاق يثير «علامات استفهام حمر».

وأوضحت الهيئة في وثيقة قدمتها إلى المحكمة الفيدرالية في العاصمة واشنطن، أن التسوية -في حال إقرارها نهائياً- ستسمح لماسك بنفي اتهاماتها علناً، وهو ما يعكس تغييراً حديثاً في سياسة الهيئة الحاكمة لقرارات المتهمين الذين يبرمون تسويات في دعاوى إنفاذ القانون.

وبموجب الاتفاق، يلتزم صندوق استئماني (Trust Fund) مسجل باسم ماسك بدفع غرامة مالية قدرها 1.5 مليون دولار لتسوية اتهامات الهيئة بأن أغنى رجل في العالم تأخر لمدة 11 يوماً في شهري مارس (آذار) وأبريل (نيسان) من عام 2022 للإفصاح عن شرائه حصة في أسهم «تويتر»، مما أتاح له الاستمرار في الشراء بأسعار منخفضة قبل أن ينتبه بقية المستثمرين.

من جانبه، جادل ماسك بأن هذا التأخير في الإفصاح كان غير مقصود، علماً بأنه استحوذ لاحقاً على المنصة بالكامل مقابل 44 مليار دولار في أكتوبر (تشرين الأول) 2022 وغيّر اسمها إلى «إكس».

تحفظات القضاء

وكانت القاضية الفيدرالية سباركل سوكنانان قد صرحت في جلسة استماع عُقدت في 13 مايو (أيار) الماضي بأنها لا يمكنها «المصادقة بشكل أعمى» على هذه التسوية. وتساءلت عن الأسباب التي دعت الهيئة إلى فرض الغرامة على الصندوق الاستئماني بدلاً من شخص ماسك مباشرة، وعن سبب قبولها باسترداد 1 في المائة فقط من الأرباح غير المشروعة المزعومة التي تُقدّر بنحو 150 مليون دولار، مشددة على ضرورة التحقق مما إذا كانت التسوية تخدم المصلحة العامة وخالية من الفساد أو التواطؤ.

رد الهيئة

وفي مذكرة الدفاع التي قدمتها الهيئة، أكدت أن التسوية «عادلة ومعقولة ومناسبة»، ولم تكن وليدة أي تواطؤ غير لائق، بل جاءت نتيجة مفاوضات مباشرة بين المستشارين القانونيين تعكس تنازلات متبادلة. وأضافت أن عقوبة الـ1.5 مليون دولار تُعد الأكبر من نوعها في مثل هذه المخالفات، وأن تسوية الأمر مع الصندوق الاستئماني تتماشى مع الممارسات الأخيرة للهيئة في قضايا مماثلة. وأشارت إلى أن «المصلحة العامة تستفيد من هذا الإجراء الذي يقيّد تحركات ماسك قانونياً في كل مرة يعمل فيها من خلال صندوقه الاستئماني القابل للإلغاء، وهو الأداة الاستثمارية التي يدير عبرها معظم ثروته».

خلفيات سياسية

ولم يصدر تعقيب فوري من محامي إيلون ماسك، الذي سبق أن اتهم الهيئة بأن تحركاتها ضده مدفوعة بدوافع سياسية وتنتهك حقه في حرية التعبير، مستدلاً برفع الدعوى ضده قبل ستة أيام فقط من مغادرة الرئيس الديمقراطي جو بايدن للبيت الأبيض وتولي الجمهوري دونالد ترمب الرئاسة، حيث كان ماسك مستشاراً للأخير.

وتأتي هذه التطورات في وقت حدّت فيه الإدارة الأميركية الجديدة من بعض أنشطة إنفاذ القانون بحق الشركات، مع إعادة ترتيب أولويات الهيئة تحت قيادة رئيسها الجديد بول أتكينز. وشهدت الهيئة مؤخراً اضطرابات في قيادتها، حيث استقالت رئيسة قسم إنفاذ القانون السابقة، مارغريت ريان، بشكل مفاجئ، بعد ستة أشهر فقط من توليها المنصب، إثر خلافات مع قيادة الوكالة حول توجهات برنامج إنفاذ القانون.


قبيل اجتماع يونيو... اتجاه متزايد داخل «المركزي الأوروبي» نحو رفع الفائدة

مبنى البنك المركزي الأوروبي في فرانكفورت (رويترز)
مبنى البنك المركزي الأوروبي في فرانكفورت (رويترز)
TT

قبيل اجتماع يونيو... اتجاه متزايد داخل «المركزي الأوروبي» نحو رفع الفائدة

مبنى البنك المركزي الأوروبي في فرانكفورت (رويترز)
مبنى البنك المركزي الأوروبي في فرانكفورت (رويترز)

تأتي تصريحات صناع السياسة النقدية في البنك المركزي الأوروبي قبيل اجتماع 11 يونيو (حزيران)، لتكشف عن تزايد الميل داخل المجلس نحو تشديد السياسة النقدية، في ظل استمرار الضغوط التضخمية وتداعيات الصدمات الخارجية على أسعار الطاقة وسلاسل الإمداد. وبينما تتباين لهجات المسؤولين بين الحذر والدعوة إلى التحرك السريع، تعكس مجمل التصريحات قلقاً متصاعداً من اتساع نطاق التضخم وامتداده إلى مستويات أوسع من الاقتصاد، مما يعزّز احتمالات اتخاذ خطوة رفع الفائدة في الاجتماع المرتقب.

وتشير توقعات الأسواق المالية إلى تسعير شبه كامل لاحتمال رفع سعر الفائدة بحلول يوليو (تموز) على أقصى تقدير، في حين يتوقع اقتصاديون استطلعت «رويترز» آراءهم أن يتم رفع الفائدة في يونيو.

وفيما يلي تصريحات رئيسية لصناع السياسة النقدية في البنك المركزي الأوروبي:

قالت عضوة المجلس التنفيذي للبنك المركزي الأوروبي، إيزابيل شنابل، إن التفاؤل لم يعد خياراً مطروحاً في ظل حجم الصدمة الحالية واستمراريتها، مشيرة إلى أن الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية للطاقة وسلاسل الإمداد العالمية تستدعي استجابة من السياسة النقدية، وترى أن رفع سعر الفائدة في يونيو سيكون ضرورياً، وفق «رويترز».

ومن جانبه، توقع كبير الاقتصاديين في البنك المركزي الأوروبي، فيليب لين، إجراء تعديل تصاعدي إضافي لتوقعات التضخم في يونيو، محذراً من امتداد آثار الصدمة إلى ما هو أبعد من أسعار الطاقة؛ إذ تشير الاستطلاعات إلى اتجاه الشركات لرفع الأسعار، مما قد يحوّل صدمة الطاقة إلى ضغوط تضخمية أوسع نطاقاً.

أما محافظ البنك المركزي الإيطالي، فابيو بانيتا، فأكد أن الصورة المستقبلية تستدعي إعادة تقييم موقف السياسة النقدية في ضوء مخاطر استمرار الضغوط التضخمية، لافتاً إلى أن عودة أسعار النفط والغاز إلى مستوياتها الطبيعية بسرعة تبدو غير مرجحة حتى في حال انتهاء النزاع بسرعة.

وفي السياق ذاته، شدد محافظ البنك المركزي اليوناني، يانيس ستورناراس، على ضرورة أن تكون الاستجابة متوازنة في حال تجاوز التضخم الهدف بشكل مؤقت، بحيث يتم تشديد السياسة النقدية بحذر دون الإضرار بالنشاط الاقتصادي، مع تأكيد أهمية التحرك السريع لتفادي دوامة تضخمية محتملة.

وأشار محافظ البنك المركزي الفنلندي، أولي رين، إلى أن العامل الحاسم يتمثّل في رصد أي آثار ثانوية أو تراجع في توقعات التضخم، موضحاً أن التذبذب في التوقعات قصيرة الأجل لا يزال قائماً، دون وجود انحراف كبير على المديَين المتوسط والطويل.

كما قال محافظ البنك المركزي النمساوي، مارتن كوخر، إنه في حال عدم تحسن الوضع بشكل ملموس، فلا مفر من رفع أسعار الفائدة في المستقبل القريب. في حين رأى محافظ البنك المركزي السلوفاكي، بيتر كازيمير، أن تشديد السياسة النقدية في يونيو يبدو شبه حتمي في ظل التطورات الحالية، رغم عدم الالتزام بمسار محدد مسبقاً.


شركات منطقة اليورو تكافح لرفع الأسعار رغم صدمة الحرب

يمرّ أشخاص أمام ناطحات السحاب في الحي المالي والتجاري لا ديفانس في بوتو بالقرب من باريس (رويترز)
يمرّ أشخاص أمام ناطحات السحاب في الحي المالي والتجاري لا ديفانس في بوتو بالقرب من باريس (رويترز)
TT

شركات منطقة اليورو تكافح لرفع الأسعار رغم صدمة الحرب

يمرّ أشخاص أمام ناطحات السحاب في الحي المالي والتجاري لا ديفانس في بوتو بالقرب من باريس (رويترز)
يمرّ أشخاص أمام ناطحات السحاب في الحي المالي والتجاري لا ديفانس في بوتو بالقرب من باريس (رويترز)

أظهر تحليل أجرته «رويترز» لتعليقات أرباح الشركات المدرجة في منطقة اليورو أن نحو ثلث الشركات الكبرى فقط أشار إلى عزمه رفع الأسعار استجابة لتداعيات الحرب الإيرانية، في مؤشر على أن ضعف النشاط الاقتصادي لا يزال يقيد قدرتها على تمرير التكاليف إلى المستهلكين.

ويحاول المستثمرون وصناع السياسات في البنك المركزي الأوروبي تقييم ما إذا كانت منطقة اليورو تتجه نحو موجة تضخم جديدة ناجمة عن الحرب، على غرار تلك التي أعقبت الغزو الروسي لأوكرانيا في عام 2022.

حتى الآن تبدو الإجابة بالنفي.

فقد أظهر تحليل «رويترز»، الذي اعتمد على تقنيات الذكاء الاصطناعي لدراسة 175 مكالمة أرباح لشركات في منطقة اليورو، أن 56 شركة فقط قامت برفع أسعارها، أو تخطط لذلك خلال الأشهر المقبلة، وهو ما يعكس استمرار ضعف الطلب في اقتصاد منطقة العملة الموحدة المكونة من 21 دولة.

ويمثل ذلك تبايناً واضحاً مع ما حدث عقب الغزو الروسي لأوكرانيا، عندما رفعت ما يقرب من ثلثي الشركات أسعارها في ظل صدمة قوية بأسواق الطاقة، مدعومة بطلب استهلاكي مرتفع بعد الجائحة، وبرامج دعم حكومية واسعة النطاق، ما دفع التضخم آنذاك إلى مستويات تجاوزت 10 في المائة.

اختلاف جوهري عن عام 2022

وفي تعليقه على نتائج التحليل، قال أولي رين، عضو مجلس محافظي البنك المركزي الأوروبي، ومحافظ البنك المركزي الفنلندي، إن هناك «فرقاً واضحاً بين ربيع 2022 وربيع 2026».

وأضاف أن سوق العمل أصبحت أقل سخونة، كما أن وتيرة النمو الاقتصادي أبطأ بشكل ملحوظ، في حين تغيب حالياً الحوافز المالية القوية التي دعمت الاقتصاد قبل أربع سنوات.

وكان التضخم في منطقة اليورو قد بلغ 5.9 في المائة بالفعل عندما بدأت الحرب في أوكرانيا في فبراير (شباط) 2022، بينما لم يتجاوز 1.9 في المائة عند اندلاع الحرب الإيرانية. وتشير التوقعات إلى ارتفاعه إلى 3.2 في المائة في مايو (أيار).

مبنى البنك المركزي الأوروبي في فرانكفورت (رويترز)

ويخفف هذا الوضع الضغوط على البنك المركزي الأوروبي لاتخاذ سلسلة واسعة من زيادات أسعار الفائدة تتجاوز الرفع الأول المتوقع الأسبوع المقبل، والذي يرى اقتصاديون أنه يهدف بالأساس إلى ترسيخ مصداقية البنك، ومنع انتقال تأثير ارتفاع أسعار الطاقة إلى بقية مكونات التضخم.

من جانبه، قال كبير الاقتصاديين في «أليانز غلوبال إنفستورز»، كريستيان شولز، إن هذه المعطيات تمنح البنك المركزي الأوروبي مساحة أكبر للتحلي بالصبر.

وأضاف: «أي تشديد إضافي للسياسة النقدية سيتطلب أدلة أوضح على انتقال الضغوط التضخمية إلى الأسعار الأساسية، واستمرارها لفترة أطول».

ارتفاعات سعرية محدودة مقارنة بمرحلة ما بعد الغزو الأوكراني

وكلفت «رويترز» أداة الذكاء الاصطناعي الخاصة بها «كلود كوارك» بتحليل نصوص 175 مكالمة أرباح جرت بين 2 أبريل (نيسان) و15 مايو، مع التركيز على مدى تأثر الشركات بارتفاع تكاليف الطاقة، وخططها لنقل هذه التكاليف إلى العملاء.

وأظهرت النتائج أن 105 شركات ناقشت تأثير ارتفاع تكاليف الطاقة، فيما ربطت 91 شركة هذه التطورات بالحرب الإيرانية.

وبعد استبعاد المؤسسات المالية، التي تتعامل عادة مع صدمات الطاقة باعتبارها قضية اقتصادية كلية أكثر من كونها قضية تسعير مباشرة، شملت العينة 136 شركة غير مالية، وأفادت 55 منها بأنها رفعت الأسعار، أو تعتزم القيام بذلك خلال الأشهر المقبلة.

وتركزت هذه الزيادات بصورة رئيسة بين الشركات الأكثر تعرضاً لارتفاع أسعار الطاقة، والمواد الخام، أو العاملة في القطاع الصناعي، مثل المجموعة الكيميائية الألمانية «باسف»، وشركة «نيكسانز» الفرنسية المتخصصة في صناعة الكابلات.

في المقابل، بدت الشركات الموجهة للمستهلك النهائي أكثر حذراً في تحميل العملاء التكاليف المرتفعة، إذ تعهدت شركات تجزئة، مثل «دِلهايز» بالحفاظ على أسعار تنافسية، بينما ركزت شركات السيارات، ومن بينها «فولكس فاغن»، على برامج خفض التكاليف بدلاً من رفع الأسعار.

وتختلف هذه الصورة بشكل ملحوظ عن ربيع 2022، إذ أظهر تطبيق المنهجية نفسها على مكالمات الأرباح آنذاك أن 108 شركات من أصل 132 شركة غير مالية قامت بتمرير التكاليف المرتفعة إلى المستهلكين، مستفيدة من الطلب القوي، والدعم المالي الحكومي.

موظفون يجمعون سيارات «فولكس فاغن» الكهربائية في مصنع الشركة بمدينة إمدن شمال ألمانيا (د.ب.أ)

الشركات الصناعية أكثر قدرة على تمرير التكاليف

ويشير التحليل إلى أن الشركات التي تبيع منتجاتها وخدماتها لشركات أخرى تتمتع بقدرة أكبر على رفع الأسعار مقارنة بالشركات التي تعتمد على المستهلك النهائي.

فمن بين 33 شركة صناعية شملتها الدراسة، أكدت 11 شركة أنها تقوم بالفعل بتمرير التكاليف المرتفعة إلى العملاء، بينما تخطط ثلاث شركات أخرى لاتخاذ الخطوة نفسها، في حين تطبق شركتان زيادات جزئية.

أما في قطاع السلع الاستهلاكية، فقد كانت شركة «بيريللي» الإيطالية لصناعة الإطارات الوحيدة بين 26 شركة أكدت اعتماد سياسة تمرير التكاليف بالكامل، بينما تدرس أربع شركات أخرى اتخاذ إجراءات مماثلة.

وقال كارستن جونيوس، كبير الاقتصاديين في بنك جي سافرا ساراسين السويسري، إن هذا التباين يعكس طبيعة النمو الاقتصادي الحالي الذي يعتمد بدرجة أكبر على الاستثمار مقارنة بالاستهلاك الأسري.

وأضاف أن السباق العالمي المتسارع في تطوير وتبني تقنيات الذكاء الاصطناعي قد يجعل بعض الشركات أقل حساسية للأسعار، ما يسهل عليها تمرير ارتفاع تكاليف المدخلات إلى عملائها.

الضغوط التضخمية لم تختفِ بعد

ورغم هذه المؤشرات، يحذر اقتصاديون من التقليل من شأن الضغوط السعرية التي لا تزال تتراكم في بعض القطاعات.

فالشركات العاملة في قطاع النقل، مثل «لوفتهانزا» و«دويتشه بوست»، بدأت بالفعل في فرض رسوم إضافية مرتبطة بأسعار الوقود، وهو ما قد يؤدي تدريجياً إلى رفع تكاليف الأعمال في مختلف القطاعات الاقتصادية.

وقال سبيروس أندريوبولوس، مؤسس شركة «ثين آيس» للاستشارات الاقتصادية الكلية: «من السابق لأوانه الحكم على مدى استدامة هذه الضغوط السعرية، كما أنه من المبكر إعلان انتهاء الأزمة».

وتشير دراسة صادرة عن بنك فنلندا إلى أن انتقال الزيادات السعرية في بعض القطاعات إلى التضخم الاستهلاكي العام قد يستغرق ما بين شهرين و15 شهراً.

الشركات استفادت من دروس أزمة 2022

كما يكشف التحليل أن الشركات الأوروبية أصبحت أكثر استعداداً للتعامل مع صدمات الأسعار مقارنة بما كانت عليه قبل أربع سنوات.

فقد توسع استخدام استراتيجيات التحوط المالي، سواء عبر العقود طويلة الأجل، أو الأدوات المشتقة، ما خفف الحاجة إلى زيادات فورية في الأسعار.

وأفادت إدارات 74 شركة بامتلاكها برامج تحوط ضد تقلبات الأسعار، مقارنة بـ68 شركة فقط في عام 2022.

كما توسع استخدام بنود ربط الأسعار بالتضخم، والتي تسمح بتعديل الأسعار تلقائياً عند ارتفاع تكاليف المدخلات، مثل الوقود، والطاقة.

واستخدم نحو ربع الشركات التي تخطط لرفع الأسعار هذه الآلية، مقارنة بنسبة 22 في المائة خلال أزمة 2022.

ورغم أن العينة التي اعتمدتها «رويترز» تركز على شركات كبرى ذات نشاط عالمي، ومدرجة ضمن مؤشر «يورو ستوكس»، ما قد لا يعكس أوضاع الشركات الصغيرة، والمتوسطة، فإن النتائج تتماشى مع استطلاعات المفوضية الأوروبية التي أظهرت تراجع توقعات الشركات لأسعار البيع خلال مايو بعد ارتفاعها في أبريل، مع بقائها أدنى بكثير من المستويات المسجلة في ربيع 2022.