للمرة الأولى في تاريخ سوريا... احتفالات بـ«عيد النوروز» في ساحات دمشق

إقامة عزاء للقائد الكردي صالح مسلم بحضور شخصيات سياسية وثقافية

من احتفالات النوروز العام الماضي وسط دمشق (متداولة فيسبوك)
من احتفالات النوروز العام الماضي وسط دمشق (متداولة فيسبوك)
TT

للمرة الأولى في تاريخ سوريا... احتفالات بـ«عيد النوروز» في ساحات دمشق

من احتفالات النوروز العام الماضي وسط دمشق (متداولة فيسبوك)
من احتفالات النوروز العام الماضي وسط دمشق (متداولة فيسبوك)

المشهد في دمشق يتحول لصالح أكراد سوريا وثقافتهم هذا العام، فمن جهة يجري التحضير رسمياً وشعبياً في سوريا للاحتفال بعيد النوروز (21 مارس/ آذار) الذي يؤرخ لدخول الربيع وسنة جديدة في التقويم القديم، ومن جهة أخرى، أقيمت مراسم عزاء للسياسي الراحل وعضو الهيئة الرئاسية لـ«حزب الاتحاد الديمقراطي» صالح مسلم، في العاصمة السورية، بحضور نخبة من الشخصيات السياسية والاجتماعية والثقافية، مع ملاحظة أن كلا الأمرين يحدث للمرة الأولى في التاريخ السوري الحديث.

ومن المقرر أن تنطلق فعاليات الاحتفالات في دمشق، ليل الجمعة ويوم السبت 20 و21 مارس. وتأتي بعد المرسوم الذي أصدره الرئيس أحمد الشرع، قبل شهرين، وسط توقعات بمشاركة رسمية شعبية واسعة من مختلف الأطياف السورية.

وتصدر ملصق إعلاني ضخم لحفل فني بمناسبة عيد النوروز في ساحة الأمويين، إحدى أكبر وأهم ساحات العاصمة السورية، كمفاجأة لاقت ترحيباً من السوريين، فقد دعت وزارة الثقافة السورية إلى حضور حفل فني لفرقة «آشتي» للتراث الكردي الخميس المقبل، على مسرح دار الأوبرا، بينما يجري التحضير لاحتفال كبير على أرض ملعب الفيحاء في حي مشروع دمر شمال غرب دمشق، بالإضافة للاحتفالات في بعض الأحياء، مثل ركن الدين ووادي المشاريع، حيث يتركز الأكراد الدمشقيون.

دعوة وزارة الثقافة للاحتفال بعيد النوروز مساء الجمعة على مسرح الأوبرا في دمشق

ويحتفل الأكراد في 21 مارس من كل عام بعيد النوروز كرمز للحرية والهوية القومية، بالإضافة إلى الاحتفال بالربيع ورأس السنة الكردية. ومن طقوسه، إشعال النيران وعقد دبكات الرقص وارتداء الملابس التقليدية ضمن الساحات العامة والحدائق والبساتين.

الباحث والكاتب السياسي الكردي زيد سفوك، توقع أن يكون للنوروز في سوريا هذا العام «صدى واسع داخلياً وإقليمياً»، وقال لـ«الشرق الأوسط»: «لأول مرة في تاريخ الجمهورية السورية هناك اعتراف رسمي بعيد للكرد»، واعتبر زيد سفوك، وهو المنسق العام للحركة الكردستانية المستقلة في سوريا، أن «هذا العيد سيكون بمثابة إشراقة الربيع ونور الأمل بأن السلام هو السبيل الوحيد لتعيش الشعوب في أمان، لا سيما في ظل ما تشهده ساحة الشرق الأوسط من حروب ونزاعات وصراعات لن تؤدي سوى إلى دمار المستقبل».

وطيلة عقود طويلة من حكم نظام «البعث»، حظر الاحتفال بـ«النوروز»، وكل ما يتعلق بإظهار الهويات القومية المتنوعة في سوريا، وتشدد نظام الأسد في الحظر ولاحق الأكراد باعتبار إحياء طقوس العيد والتعبير عن الهوية والثقافة واللغة نشاطاً سياسياً ينم عن نزعة انفصالية تهدد الأمن القومي.

ومع اندلاع الثورة ضد النظام ربيع عام 2011، حاول النظام مناورة الأكراد لعزلهم عن الثورة، مظهراً بعض التساهل، إنما دون اعتراف رسمي باحتفالات النيروز أو بحقوق أخرى، لكن بإشراف مباشر من الأجهزة الأمنية.

كلمة الوزير أسعد الشيباني في مأدبة إفطار رمضاني لأعضاء السلك الدبلوماسي المعتمدين السبت (الخارجية السورية)

وبعد الإطاحة بنظام الأسد، شهدت العاصمة دمشق أول عيد نوروز مارس 2025 بدون حظر، وبمشاركة شعبية غير مسبوقة من مختلف الأطياف.

وأصدر الرئيس السوري أحمد الشرع في 16 يناير (كانون الثاني) 2026، المرسوم رقم 13 الخاص بحقوق المواطنين الأكراد في سوريا. ونص المرسوم على اعتبار عيد النيروز عطلة رسمية. كما منح المرسوم الجنسية للمواطنين الأكراد المحرومين منها والمقيمين على الأراضي السورية، وعدّ اللغة الكردية «لغة وطنية».

الباحث والكاتب السياسي الكردي محمد ولي، يرى أن المرسوم 13 «يقطع مع ماضي النظام البعثي البائد الذي كان رصيده حافلاً بانتهاكات حقوق الإنسان والتهميش والإقصاء وإنكار هوية الكرد وحقوقهم». وقال لـ«الشرق الأوسط» إن الأكراد السوريين ينظرون «بإيجابية وارتياح عام وترحيب منقطع النظير» إلى إقدام الحكومة السورية على تنفيذ المرسوم وبشكل خاص ما يتعلق باعتماد اللغة الكردية لغة وطنية، ويوم النوروز عيداً وطنياً يرمز للتآخي والربيع والتحرر. وكذلك رعاية الفعاليات الثقافية بشكل رسمي.

وتابع أن إقرار الحقوق المشروعة للكرد في الإطار الوطني السوري يؤسس «لمستقبل واعد يقوم على الاعتراف القانوني والتعددية، يتقدَّم فيه الانتماء الوطني والثقة بين السوريين والسوريات»، مشيراً إلى أنه وبالمجمل سوريا تمر بمرحلة انتقالية حساسة ودقيقة بهذه الخطوات الرائعة التي تعزّز الصف السوري ووحدته»، ولافتاً إلى بقاء «الكرد يتطلّعون لتمكين حقوقهم وحمايتها دستورياً».

من احتفالات النوروز العام الماضي في حي المزرعة وسط دمشق (متداولة)

وحدد بلاغ رسمي صادر عن أمانة رئاسة الجمهورية، أيام تعطيل الجهات العامة بمناسبة أعياد «الثورة - الفطر السعيد - الأم - النوروز»، اعتباراً من يوم الأربعاء 18 مارس الحالي، ولغاية يوم الاثنين 23 منه. وهي المرة الأولى التي يرد فيها عيد النوروز على قائمة العطل الرسمية، ما اعتبر خطوة ضمن «عدة خطوات إيجابية بادرت فيها الحكومة السورية اتجاه الشعب الكردي في سوريا»، وفق الباحث زيد سفوك الذي وصفها بأنها بادرة «خير لبناء هذا الوطن والازدهار». ورأى في تخصيص مكان للاحتفال في قلب دمشق والاعتراف باللغة الكردية وثقافة الشعب الكردي يعد «إنجازاً عظيماً للحكومة قبل أن يكون للكرد».

وتابع سفوك أن «هذه المبادرات توضح الشفافية والنزاهة والديمقراطية في إدارة البلد، واعتراف رسمي بوجود الشعب الكردي في سوريا وضمان حقوقه المشروعة»، وأن «هذا كان دوماً مطلبنا كحركة كردستانية مستقلة في سوريا، أن نكون جميعاً يداً واحدة في بناء الوطن، وأن نتشارك ثقافاتنا دون تمييز، وأن نتقبل بعضنا البعض للنهوض بهذا البلد إلى بر الأمان».

وكان وزير الخارجية السوري، أسعد الشيباني، اعتبر الاحتفال الرسمي بعيد النوروز لأول مرة في تاريخ سوريا، تعبيراً عن الاحترام العميق لكل مكونات الشعب السوري، وقال خلال مأدبة إفطار رمضاني لأعضاء السلك الدبلوماسي المعتمدين لدى دمشق، السبت الماضي: «أن الاحتفال بعيد نوروز إلى جانب عيد الأم كعيد وطني تأكيد راسخ على أن سوريا الحرة تتسع لجميع أبنائها بثقافاتهم وتراثهم الغني الأصيل».

مراسم عزاء لصالح مسلم في دمشق اليوم الاثنين (هاوار)

هذا وأقيمت في العاصمة السورية دمشق، مراسم عزاء السياسي وعضو الهيئة الرئاسية لـ«حزب الاتحاد الديمقراطي» صالح مسلم بحضور نخبة من الشخصيات السياسية والاجتماعية والثقافية. وفق قناة الأنباء الكردية «هاوار»، ونقلت عن المعزّين إشادتهم خلال مراسم العزاء بصالح مسلم، ودوره السياسي كقيادي كردي بارز، وتوفي صالح مسلم في 11 مارس داخل أحد مشافي جنوب كردستان، وشيَّع جثمانه في 15 بمدينة عين العرب كوباني، بمشاركة السياسيين وممثلي القوى والأحزاب والكيانات السياسية من شمال وجنوب كردستان وشمال شرق سوريا. يشار إلى أن مسلم أظهر موقفاً رافضاً للاتفاق بين الحكومة و«قسد».

Your Premium trial has ended


مقالات ذات صلة

سوريا: مئات المطلوبين في قبضة العدالة خلال 3 أشهر

المشرق العربي العميد الركن عاطف نجيب المسؤول السابق بالنظام السوري داخل المحكمة الجنائية بدمشق يحضر جلسة محاكمته الأولى في أبريل الماضي (إ.ب.أ)

سوريا: مئات المطلوبين في قبضة العدالة خلال 3 أشهر

«الاعتقالات المعلنة المتكررة تُعدُّ أداة لتأسيس سردية مؤسسية، تؤكد أن الدولة الجديدة قطعت مع ثقافة الإفلات من العقاب».

موفق محمد (دمشق)
المشرق العربي من مظاهرة كفرنبل (شبكة شام)

مطالبة في كفرنبل السورية بـ«ملاحقة شبيحة الأسد ومحاكمتهم»

إدارة مكافحة الإرهاب، بالتنسيق مع قيادات الأمن الداخلي في المحافظات، تواصل العمل على ملاحقة المجرمين تمهيداً لتقديمهم إلى القضاء المختص ومحاسبتهم.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي عناصر من قوات الأمن السوري (أرشيفية - وزارة الداخلية)

سوريا: توقيف مطلوب تورط بعمليات اعتقال وتغييب قسري في درعا

أعلنت وزارة الداخلية السورية اليوم (السبت) توقيف مطلوب تورط بعمليات اعتقال وتغييب قسري في محافظة درعا جنوب البلاد.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي من الاعتقالات التي تلت الهجوم قرب عين العرب (سانا)

اتهامات لـ«قسد» بالاعتداءات على حواجز الأمن في محيط «عين العرب» السورية

قال عضو علاقات «مسد» باقي حمزة لـ«الشرق الأوسط»: «ما يحصل هو تصرفات فردية وليست ضمن المخطط العام. مسد مع اتفاق 29 يناير الذي يجب أن يستمر».

موفق محمد (دمشق)
المشرق العربي الرئيس السوري أحمد الشرع (سانا)

الشرع: نسعى لوقف الحرب في لبنان لا الانخراط فيها

مصادر سورية: «دمشق تعد نفسها ذات مواقف واضحة وصريحة وجادة، تتمثل في ضبط الحدود، وقطع طرق التهريب، والتنسيق عالي المستوى مع الحكومة اللبنانية».

سعاد جروس (دمشق)

تقدّم إسرائيلي بمحيط مدينتي النبطية وصور بجنوب لبنان

لبناني يتفقد المواقع الأثرية في مدينة صور بعد غارات جوية استهدفت محيطها (إ.ب.أ)
لبناني يتفقد المواقع الأثرية في مدينة صور بعد غارات جوية استهدفت محيطها (إ.ب.أ)
TT

تقدّم إسرائيلي بمحيط مدينتي النبطية وصور بجنوب لبنان

لبناني يتفقد المواقع الأثرية في مدينة صور بعد غارات جوية استهدفت محيطها (إ.ب.أ)
لبناني يتفقد المواقع الأثرية في مدينة صور بعد غارات جوية استهدفت محيطها (إ.ب.أ)

أحرز الجيش الإسرائيلي، السبت، تقدماً جديداً على المحورين الغربي والشرقي، خارج «الخط الأصفر»، حيث تقدم باتجاه أطراف بلدة مجدل زون بعد أربعة أيام من تمهيد مدفعي وقصف جوي، فيما توغل في بلدة كفرتبنيت، ووصل إلى أطراف مرتفعات علي الطاهر الاستراتيجية المطلة على مدينة النبطية.

وقالت مصادر ميدانية في جنوب لبنان لـ«الشرق الأوسط»، إن القوات الإسرائيلية تقدمت باتجاه أطراف بلدة مجدل زون الواقعة في القطاع الغربي، وتفصلها عن الساحل اللبناني بلدة واحدة فقط، وذلك بعد أربعة أيام من توغلات محدودة انطلاقاً من بلدة طيرحرفا. وقالت المصادر إن هذا التوغل «هو الأول من نوعه، بعدما كان يقتصر على عمليات جس نبض في وادي حسن وأطراف الوادي».

وأشارت المصادر إلى أن التقدم باتجاه البلدة «تم بعد تمهيد ناري واسع، استهدف البلدة ومحيطها بالغارات الجوية المتكررة، وقصف مدفعي مكثف»، لافتة إلى أن هذا التقدم «هو أول اندفاعة خارج الخط الأصفر في القطاع الغربي»، وهو المحور المشرف على مدينة صور الساحلية.

تقدم في القطاع الشرقي

جاء هذا التوغل بالتوازي مع تقدم مماثل في بلدة كفرتبنيت، باتجاه مرتفعات علي الطاهر الاستراتيجية الواقعة شرق مدينة النبطية، فيما انسحب الجيش اللبناني من مركز عسكري في البلدة بالتزامن مع هذا التوغل.

الدخان يتصاعد جراء غارات جوية إسرائيلية استهدفت مدينة النبطية (رويترز)

وقالت مصادر محلية لـ«الشرق الأوسط» إن الآليات الإسرائيلية بدأت ليل الجمعة - السبت توغلاً من أرنون باتجاه كفرتبنيت على مسلكين؛ أولهما من الجهة الشرقية باتجاه موقع الزفاتة، في محاولة للصعود باتجاه علي الطاهر، والثاني من قلب بلدة كفرتبنيت بعد تمهيد ناري واسع. وقالت المصادر إن القوات الإسرائيلية لم تحكم قبضتها على المرتفع الاستراتيجي، حيث تواظب على قصفه بالمدفعية.

وأعلن «حزب الله» عن استهداف تجمع لجنود إسرائيليين في أطراف كفرتبنيت، واستهداف تجمعات أخرى وجرافة في محيط مجدل زون.

قصف بلدات مشرفة على محوري التوغل

وكثفت القوات الإسرائيلية قصف البلدات المشرفة على محوري التوغل الجديدين، إذ أفاد الإعلام الرسمي اللبناني بأن إسرائيل شنت السبت سلسلة غارات على جنوب لبنان بعدما وجه جيشها إنذار إخلاء لسكان عشرين بلدة بينها مدينة النبطية.

وذكرت الوكالة الوطنية للاعلام أن الغارات استهدفت بلدات عدة بينها كفرحونة والريحان وسجد، علماً بأن البلدتين الأخيرتين تقعان على مسافة غير بعيدة من النبطية، فضلاً عن مناطق غير مدرجة في إنذار الإخلاء.

وأسفرت الغارة على الريحان في قضاء جزين عن مقتل رئيس بلديتها، حسب الوكالة الوطنية للإعلام.

وقال وكالة الصحافة الفرنسية إن مدينة النبطية شبه مقفرة، وأفادت بوقوع قصف مدفعي عليها وعلى المناطق المجاورة لها خلال الليل وحتى اليوم السبت. وكان المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي للإعلام العربي أفيخاي أدرعي وجه في منشور على منصة «إكس»، «إنذاراً عاجلاً» إلى سكان 20 قرية وبلدة بالإجلاء والاتجاه إلى شمال الزهراني الواقع على بعد نحو 40 كيلومتراً من الحدود.

وصنف الجيش الإسرائيلي الشهر الفائت المنطقة الواقعة جنوب نهر الزهراني «منطقة قتال»، وبات منذ ذلك الحين يستهدفها.

كما أعلن الجيش الإسرائيلي أن قواته الجوية اعترضت السبت «هدفاً جوياً مشبوهاً عبر من لبنان إلى الأراضي الإسرائيلية».

وأفادت الوكالة الوطنية للإعلام، الجمعة، بأن إسرائيل شنّت «غارة على بلدة كفرصير، فيما تعرض حرج علي الطاهر على أطراف النبطية الفوقا لقصف مدفعي متقطع».


جهود لبنان لفصل مفاوضاته عن إيران تصطدم بعرقلة «حزب الله»

مناصرون لـ«حزب الله» يرفعون أعلامه وأعلام إيران خلال مسيرة داعمة لطهران في ضاحية بيروت الجنوبية (د.ب.أ)
مناصرون لـ«حزب الله» يرفعون أعلامه وأعلام إيران خلال مسيرة داعمة لطهران في ضاحية بيروت الجنوبية (د.ب.أ)
TT

جهود لبنان لفصل مفاوضاته عن إيران تصطدم بعرقلة «حزب الله»

مناصرون لـ«حزب الله» يرفعون أعلامه وأعلام إيران خلال مسيرة داعمة لطهران في ضاحية بيروت الجنوبية (د.ب.أ)
مناصرون لـ«حزب الله» يرفعون أعلامه وأعلام إيران خلال مسيرة داعمة لطهران في ضاحية بيروت الجنوبية (د.ب.أ)

اصطدمت الجهود اللبنانية الرامية إلى فصل مفاوضات إنهاء الحرب عن المسار الإيراني بإصرار «حزب الله» على ربط المسارين، ورفضه التعاون مع الدولة اللبنانية، رغم مطالبة رئيس الحكومة الحزب بدعم مفاوضات بيروت مع تل أبيب في واشنطن، في وقت تتكثف فيه الجهود لحماية السلم الأهلي.

وقال الرئيس اللبناني جوزيف عون، الذي يقود المفاوضات مع إسرائيل: «نحن في لحظة لا تحتمل الترف الطائفي، ولا التجاذب المناطقي. الوحدة الوطنية اليوم ليست شعاراً يُرفع في المناسبات، بل هي ضرورة وجودية تُبنى بالمصارحة، وتُعزَّز بالعدالة، وتتجذّر بالإنصاف لكل مكوّنات هذا الشعب دون استثناء».

ويقفز لبنان فوق الانقسامات السياسية الداخلية، باتجاه وقف إطلاق النار وإنهاء الحرب مع إسرائيل، في ظل تجاذب دولي، وتباينات حول المسارات التفاوضية في المنطقة.

ولا يخفي لبنان أن أي تفاهمات أميركية - إيرانية من شأنها أن تنعكس على الواقع اللبناني، إلا أنه يمضي بمسار تفاوضي مستقل مع إسرائيل، عبر محادثات مباشرة عُقدت 4 جولات منها حتى الآن في مقر «الخارجية الأميركية»، وستُعقد الجولة الخامسة في 22 و23 و24 يونيو (حزيران) الحالي عبر جلسات دبلوماسية وعسكرية.

ويبرز اعتقاد لبناني واسع بأن أي تفاهمات إقليمية «يمكن أن تُساعد على وقف لإطلاق النار في لبنان»، لكنها «لا يمكن أن تُستكمل من دون المسار التفاوضي الذي يسلكه لبنان لجهة الوصول إلى ترتيبات على الانسحاب الإسرائيلي وتثبيت الحدود ووقف الخروقات وإعادة السكان والإعمار وإعادة الأسرى»، حسبما تقول مصادر لبنانية لـ«الشرق الأوسط». وتؤكد أن الحزب «لا يتعاون مع الدولة اللبنانية» بدعم مسارها.

دعم أميركي للمسار اللبناني

ويواظب الحزب على انتقاد المسار الذي اتبعته الحكومة، ويكرر رفضه للمفاوضات المباشرة التي يؤكد المسؤولون اللبنانيون أنها تجسيد «لموقف سيادي»، في وقت تدعم الولايات المتحدة بيروت باستكمال هذا المسار.

ونقلت وسائل إعلام محلية عن مصادر دبلوماسية قولها إن «لبنان الرسمي هو من له الحق في التفاوض بعيداً عن أي تداخلات موازية». وقالت المصادر إن واشنطن «تنظر بقلق للإيحاءات التي يسوقها البعض، والتي تقول إن مسارات تفاوضية أخرى تحظى بموافقة أميركية وقادرة على إنتاج تفاهمات أو اتفاقات». ورأت المصادر أن «هذه الإيحاءات تهدف إلى التشويش على المفاوضات الرسمية اللبنانية، وهي تتقصد ذلك بهدف إضعاف موقع الدولة».

لبناني يراقب الدخان المنبعث من موقع غارة إسرائيلية استهدفت مدينة النبطية بجنوب لبنان (رويترز)

وأشارت المصادر إلى أن الولايات المتحدة «تتعامل حصراً مع الدولة اللبنانية ومؤسساتها الشرعية»، وأن الوفد اللبناني الرسمي المفاوض في واشنطن هو «الجهة الوحيدة المخولة بإدارة هذا الملف». ولفتت إلى أن واشنطن «تُمارس ضغوطاً على إسرائيل من أجل تحقيق اختراقات ملموسة في مسار التفاوض، إلا أن التدخلات الإيرانية تُسهم في تعطيل فرص التوصل إلى وقف لإطلاق النار».

وكانت وكالة «رويترز» قد نقلت عن مصدر لبناني مطلع على المحادثات أن طهران «غضبت من قرار بيروت التفاوض بشكل مستقل مع إسرائيل»، وعدّته «حرماناً لإيران من ورقة تفاوضية رئيسية في مواجهتها مع واشنطن».

دعوة سلام لـ«حزب الله»

من هذا المنطلق، تأتي دعوة رئيس الحكومة نواف سلام لـ«حزب الله»، وأن يكون على مسار واحد مع الحكومة لتأمين الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان. وقال في حديث لوكالة «رويترز»: «على (حزب الله) أن يكون أسرع منا، أو ​ليكن على السرعة نفسها، وليعلن دعمه للمفاوضات التي نجريها في واشنطن».

ولم يخفِ سلام تأثر لبنان ​بمفاوضات ‌إسلام آباد، لكنه ​أعاد تأكيد الإصرار على التفاوض بوصفه دولة مستقلة، «لا يفاوض باسمها أحد». وأضاف: «نحن طبعاً نتأثر بمسار التفاوض في إسلام آباد... فكيف بحرب ونتائجها تخاض على أرضنا؟ نحن نتأثر بالحرب وبالسلم وبالتهدئة في المنطقة. وإسلام آباد، أو أي مكان آخر، من شأنه أن يترك أثره علينا». وتابع: «إذا كان هذا المسار يؤدي لوقف (إطلاق) النار وتهدئة بالمنطقة، فأكيد نحن نستفيد منه».

مناصرة لـ«حزب الله» تبكي أحد مقاتليه خلال تشييعه في مدفن مؤقت في بلدة حارة صيدا بجنوب لبنان (أ.ف.ب)

وعدّ سلام أن لبنان اختار الطريق الأقل تكلفة، ورفض اعتبار نزع سلاح «حزب الله» شرطاً إسرائيلياً، وقال «فلنخلص من هذه التجليطة (الكذبة). لقد اتفق اللبنانيون في اتفاق الطائف عام ⁠1989 على بسط سلطة الدولة اللبنانية على كامل أراضيها، ونحن أكدنا هذا الأمر في بياننا الوزاري، وشددنا على حصرية السلاح ‌واستعادة قرار الحرب والسلم بيد الدولة. فهل إسرائيل جلست ​معنا على الطاولة وأسهمت في صياغة بياننا ‌الوزاري؟ بالطبع لا».

وأضاف سلام: «نحن على تواصل دائم مع (حزب الله)، وكل المطلوب منه أن ‌ينفذ التزاماته. فالجنوب من المفترض أن يكون منطقة خالية من السلاح، و(حزب الله) أعطى الثقة بالحكومة مرتين، والتي يشدد بيانها الوزاري على حصرية السلاح، ومن غير المطلوب منه أكثر من ذلك».

وخاطب سلام «حزب الله» قائلاً: «إذا أنت حريص فعلاً على ما يسمى بيئتك، ومآسي بيئتك، فالمطلوب منك أن تفي بالتزاماتك» لجهة التعاون في تنفيذ حصرية السلاح.

ولم تُقدم واشنطن أي ضمانات حول مستقبل التفاوض اللبناني مع إسرائيل، لكن سلام قال: «من الأفضل أن نعطي صافرة الحكم للوسيط الأميركي، وعدم الإصغاء إلى الثرثرة السياسية». وقال سلام: «مشكلتنا مع (حزب الله) هي سلاحه، ونعدّ الحزب قوة سياسية لبنانية، ونريد منه أن يفي بالتزاماته اللبنانية».


سوريا: مئات المطلوبين في قبضة العدالة خلال 3 أشهر

العميد الركن عاطف نجيب المسؤول السابق بالنظام السوري داخل المحكمة الجنائية بدمشق يحضر جلسة محاكمته الأولى في أبريل الماضي (إ.ب.أ)
العميد الركن عاطف نجيب المسؤول السابق بالنظام السوري داخل المحكمة الجنائية بدمشق يحضر جلسة محاكمته الأولى في أبريل الماضي (إ.ب.أ)
TT

سوريا: مئات المطلوبين في قبضة العدالة خلال 3 أشهر

العميد الركن عاطف نجيب المسؤول السابق بالنظام السوري داخل المحكمة الجنائية بدمشق يحضر جلسة محاكمته الأولى في أبريل الماضي (إ.ب.أ)
العميد الركن عاطف نجيب المسؤول السابق بالنظام السوري داخل المحكمة الجنائية بدمشق يحضر جلسة محاكمته الأولى في أبريل الماضي (إ.ب.أ)

في إطار تطبيق مبدأ «عدم ‏الإفلات من العقاب، وتحقيق العدالة ‏الانتقالية، وضمان حقوق ذوي الضحايا»، تكثف وزارة الداخلية السورية والجهات المعنية من جهودها، ‏في ملاحقة ومحاسبة ‏المتورطين بارتكاب جرائم وانتهاكات بحق الشعب ‏السوري، خلال حكم بشار الأسد. ولا يكاد يمر يوم إلا وتعلن فيه عن إلقاء القبض على مطلوب أو اثنين أو ثلاثة، لضلوعهم في تلك الجرائم.

وتُعدُّ الاعتقالات المعلنة المتكررة، حسب «الشبكة السورية لحقوق الإنسان»: «أداة لتأسيس سردية مؤسسية، تؤكد أن الدولة الجديدة قطعت مع ثقافة الإفلات من العقاب».

رأفت أنور العامودي (سانا)

وفي سياق سيل المنشورات التي تعلن عنها الوزارة، قالت في بيان السبت: «إن قوى الأمن الداخلي، بالتنسيق مع إدارة مكافحة الإرهاب، أوقفت المدعو رأفت أنور العامودي، أحد أبرز المطلوبين، لضلوعه في العمل لصالح ميليشيا اللجان الشعبية التابعة للنظام السابق في محافظة درعا»، الواقعة جنوب البلاد.

وأضافت أن التحقيقات الأولية تشير إلى «تورط الموقوف في عمليات اعتقال وتغييب قسري، طالت عدداً من أبناء المحافظة، وذلك بالتنسيق المباشر مع الأجهزة الأمنية»، مشيرة إلى أن سجلات التحقيق بيَّنت أن العامودي عمل لصالح رئيس فرع الأمن العسكري السابق، العميد وفيق الناصر، كما نشط تحت إشراف المساعد أسامة أبو جعفر.

ووفق الوزارة، أظهرت الأدلة تعاونه الوثيق مع فرع المخابرات الجوية بقيادة العقيد قصي ميهوب؛ حيث تمثَّل دوره في تسليم مطلوبين للأجهزة الأمنية، ثم ابتزاز ذويهم مالياً عبر التفاوض معهم على مبالغ طائلة لقاء وعود كاذبة بالإفراج عنهم.

وجاء ذلك بعد يوم واحد من إلقاء القبض على اللواء قيس حسان العبد الرجب، معاون مدير إدارة المخابرات العامة (أمن الدولة) في زمن نظام بشار الأسد. وهو يُعد «من أبرز المسؤولين المتورطين في ارتكاب انتهاكات جسيمة بحق الأهالي في حي الحجر الأسود، ومدينتي داريا ومعضمية الشام بريف دمشق، إضافة إلى عدد من القرى والبلدات في محافظة درعا».

اللواء قيس حسان العبد الرجب (سانا)

كما تم في السابع من يونيو (حزيران) الحالي القبض على غسان عساف، الذي شغل منصب مدير مكتب اللواء سهيل الحسن برتبة مساعد أول في أجهزة النظام، في حين لا يزال الحسن الذي اشتُهر بلقب «النمر»، وكان من أبرز القادة العسكريين الميدانيين الموالين للنظام، الذين استخدموا ما يُعرف بـ«البراميل المتفجِّرة»، هارباً مع كثير من رؤوس النظام.

ويُعد عساف «من المتورطين في ارتكاب مجازر مروعة بحق المدنيين في ريف حلب الغربي، فضلاً عن استمراره بعد تحرير البلاد في العمل التخريبي ضد الدولة، عبر تجنيد الخلايا الإرهابية، وبث التحريض، والوقوف خلف تفجيرات استهدفت الأمن العام ومؤسساته»، على ما أفيد به رسمياً.

آنذاك، كان عساف رابع مطلوب من النظام ‏البائد تقبض عليه الوزارة ‏خلال 24 ساعة، بعد شعيب محمود إبراهيم ومحمد حساني، وآخر ‏لم تكشف هويته، وجميعهم متهمون بارتكاب جرائم حرب، ‏والانخراط في أنشطة ‏ميليشيات طائفية وأعمال تخريبية.‏

في السياق ذاته، أعلنت الوزارة أواخر مايو (أيار) الماضي، أن قوات الأمن الداخلي في مدينة الرقة، ألقت القبض على تركي البوحمد الذي يعد أبرز الأسماء القيادية لدى ميليشيات النظام البائد، وأبرز المتهمين في المحافظة بالتعاون مع الميليشيات الإيرانية التابعة لـ«الحرس الثوري»، و«حزب الله» اللبناني.

جمهرة خارج «قصر العدل» يوم محاكمة عاطف نجيب (رويترز)

وشهد النصف الأول من مايو وأبريل (نيسان)، منعطفاً دراماتيكياً في ملف اعتقال كبار مسؤولي النظام السابق، ومنهم عدنان عبود حلوة، وهو جنرال متهم بتدبير هجوم غاز «السارين» عام 2013 على الغوطة الشرقية، وجايز الموسى رئيس أركان القوات الجوية للأسد الخاضع لعقوبات الاتحاد الأوروبي المرتبطة بهجمات الأسلحة الكيميائية، واللواء وجيه علي العبد الله، الذي أدار مكتب الشؤون العسكرية للأسد لمدة 13 عاماً، وأمجد يوسف، صف الضابط في المخابرات العسكرية المتهم بارتكاب مجزرة التضامن عام 2013، والتي تمَّ فيها اقتياد ما لا يقل عن 41 مدنياً إلى حفرة وإطلاق النار عليهم.

وأعلنت الوزارة في الرابع من يونيو الجاري، أن إدارة مكافحة الإرهاب أوقفت خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة 331 مطلوباً، وضبطت 34 شخصية أمنية «من المتورطين في ارتكاب انتهاكات جسيمة بحق الشعب السوري في حقبة النظام السابق».

سورية تحمل الجمعة الماضي صور أقارب لها قُتلوا في «مجزرة التضامن» بالحي جنوب دمشق (إ.ب.أ)

ويأتي نشاط وزارة الداخلية السورية المتواصل في ملاحقة منتسبي أجهزة النظام السابق، وعناصر التشكيلات المسلحة الموالية له، ضمن سياق متعدد الدوافع لا يمكن اختزاله في عامل واحد، حسب رئيس «الشبكة السورية لحقوق الإنسان» فضل عبد الغني، الذي قال لـ«الشرق الأوسط»: إن «المحركات الهيكلية الرئيسية لهذا النشاط، هي أولاً: بناء شرعية مؤسسية؛ إذ تواجه الحكومة الانتقالية ضغطاً داخلياً حاداً من الضحايا وأسر المعتقلين والمغيَّبين الذين ينتظرون المحاسبة منذ أكثر من 14 عاماً. وثانياً: أن الاعتقالات المعلنة المتكررة تُعدُّ أداة لتأسيس سردية مؤسسية، تؤكد أن الدولة الجديدة قطعت مع ثقافة الإفلات من العقاب.

ويتسق هذا التوجه -حسب عبد الغني- مع ما أعلنته الحكومة من جعل «المساءلة أولوية في مرحلة إعادة البناء».

وأوضح عبد الغني أن «من المحركات الهيكلية الرئيسية أيضاً، سياق محاكمة العميد عاطف نجيب رئيس الأمن السياسي السابق في درعا، في 26 أبريل الماضي؛ حيث أحدث انعقاد المحاكمة تسارعاً في ملفات المرتبطين به، ما يفسر جزئياً تكثيف الاعتقالات في المحافظة ذاتها».

فحص ما يُعتقد أنها مقبرة جماعية في حي التضامن بدمشق بعد بلاغ من الأهالي يوم 4 فبراير الماضي (الهيئة الوطنية للمفقودين)

كما أن إلقاء القبض على أمجد يوسف، وضباط رفيعي المستوى مثل عدنان الحلوة: «شكَّل -بما يحمله يوسف من رمزية مرتبطة بانتهاكات جسيمة- محطة مفصلية في مسار الملاحقات؛ إذ لم يقتصر أثره على محاسبته الفردية؛ بل امتد إلى فتح خيوط تحقيقية ساعدت في تحديد أماكن وجود متورطين آخرين، وكشف أدوار ضباط وعناصر شاركوا في الانتهاكات أو سهَّلوا ارتكابها أو تستَّروا عليها، وهذا يعني انتقال التحقيقات من ملاحقة أسماء منفردة إلى تفكيك شبكات المسؤولية داخل الأجهزة الأمنية والتشكيلات الرديفة للنظام السابق».