«خارج الزمن» لمحمود أمهز: استمرارية اللغة التشكيلية عبر العقود

الرسام التسعيني يواصل الاشتغال على التجريد والهندسة خارج منطق الأعمار

البناء البصري هو نتيجة زمن طويل من الاشتغال (لوحات محمود أمهز)
البناء البصري هو نتيجة زمن طويل من الاشتغال (لوحات محمود أمهز)
TT

«خارج الزمن» لمحمود أمهز: استمرارية اللغة التشكيلية عبر العقود

البناء البصري هو نتيجة زمن طويل من الاشتغال (لوحات محمود أمهز)
البناء البصري هو نتيجة زمن طويل من الاشتغال (لوحات محمود أمهز)

يفتتح الفنان اللبناني محمود أمهز معرضه الجديد «خارج الزمن» (Timeless) في فضاء «ريبيرث بيروت» بمنطقة الجمّيزة، مُقدّماً مجموعة من الأعمال الحديثة التي أنجزها خلال المدّة الأخيرة، إلى جانب مختارات من مراحل سابقة من مسيرته. ويأتي المعرض في صيغة عرض متماسك يتيح قراءة تجربة تشكيلية امتدّت لعقود ولا تزال حتى اليوم في حالة اشتغال وإنتاج، بعيداً عن منطق الاستعادة أو الاكتفاء بمحطات مُنجَزة.

الذاكرة تتسلّل إلى التجريد في لوحات التشكيلي التسعيني (الشرق الأوسط)

وهو يضمّ أعمالاً نفَّذها أمهز خلال أقل من عام، في خطوة لافتة لفنان في عامه الحادي والتسعين، تتجاوز الكثافة الإنتاجية إلى طبيعة الاشتغال بذاتها. فالأعمال الجديدة جزء من مسار لم يتوقّف، ويواصل تطوير لغته البصرية ضمن الإطار نفسه الذي اشتغل عليه لسنوات.

تنطلق اللوحات من تجريد هندسي يقوم على بناء صارم للمساحة وعلى تنظيم داخلي يعتمد التكرار والتراكب. الشبكات والتقسيمات والخطوط العمودية والأفقية، تُشكّل الهيكل العام للأعمال، في حين يعمل اللون ضمن منطق محسوب بعيد عن التعبير المباشر أو الانفعال البصري. لا حضور لونياً طاغياً، ولا رغبة في لفت الانتباه عبر التبايُن الحاد. ثمة اشتغال مُتدرِّج على الطبقات وعلى الفروق الدقيقة في الكثافة والملمس، بما يمنح اللوحات عمقها التشكيلي ويؤكّد اعتمادها على التراكم والانضباط.

الطبقات اللونية تتراكب على مهل (لوحات محمود أمهز)

بذلك، يتحرَّر اللون في هذه الأعمال من وظيفته التقليدية المُرتبطة بالتعبير المباشر أو بإحداث تأثير بصري فوري. فالطبقات اللونية تتراكب على مهل وتعمل داخل السطح التشكيلي على هيئة عناصر متداخلة تظهر وتختفي من دون أن تفرض حضورها، ممّا يخلق إحساساً بأنّ اللوحة نتاج عملية طويلة من البناء المُتدرّج، تقوم على الإضافة بقدر ما تقوم على المحو. هذا الاشتغال على اللون يمنح الأعمال عمقاً محسوباً يفتحها على تعدُّد القراءة، ويُبقي المساحة التشكيلية في حالة توازن بين الامتلاء والفراغ.

يظهر الحرف العربي في بعض الأعمال من دون أن يؤدّي وظيفة لغوية ورمزية صريحة، لغياب الرغبة في استدعائه على شكل نصّ قابل للقراءة أو علامة دلالية مُسبَقة. حضوره يندرج ضمن البنية التشكيلية للعمل ويتحوّل إلى عنصر بصري يُشارك في تنظيم الفضاء الداخلي للّوحة، ويُسهم في ضبط إيقاعها وتوازنها من دون اكتراث بإنتاج معنى لغوي مُحدّد. بذلك، يخرج الحرف من نطاق الإشارة إلى اللغة ليصبح جزءاً من النظام البنيوي العام، ممّا يُبعده عن الحروفيّة التقليدية ويضعه في سياق تشكيلي صرف يرتبط بالإيقاع والتوزيع والكتلة أكثر من ارتباطه بالدلالة أو المرجع الثقافي المباشر.

هندسة تُنظّم الفراغ وتُبقي اللوحة في حالة توازن (لوحات محمود أمهز)

وتتضمَّن بعض اللوحات إشارات خافتة إلى العمارة أو إلى الحضور الإنساني، من دون أن تتبلور في صور مُكتملة أو مَشاهد قابلة للتحديد. فلا عناصر سردية هنا، ولا شخصيات، ولا بناء مشهدي يقود إلى قراءة قصصية. ما يظهر هو أثر شكل أو كتلة مُبهمة أو فراغ منظَّم داخل التكوين العام، يحضر مثل بقايا حضور. هذه الإشارات تندرج ضمن طبقة من الذاكرة البصرية التي تتسلَّل إلى التجريد وتمنحه امتداداً واقعياً من دون أن تفرض عليه معنى أو تُقحمه في مسار سردي مُحدَّد.

اللون يصنع عمقاً تشكيلياً قائماً على التراكم والانضباط (لوحات محمود أمهز)

اختيار عرض الأعمال الجديدة إلى جانب لوحات أقدم لا يقوم على منطق التتبُّع الزمني ولا يهدف إلى إبراز تطوّر أسلوبي أو تحوّلات حادّة في المسار. فالمعرض يُقدّم التجربة بوصفها كُلاً واحداً متماسكاً، حيث تنحصر الفروق بين المراحل في التفاصيل الدقيقة، من درجة الاختزال إلى طريقة توزيع الكتل والتعامل مع اللون، بينما تبقى البنية العامة للعمل ثابتة. هذا الثبات دليل على استقرار اللغة البصرية ووضوح أدواتها، وهي لغة تُواصل الاشتغال على الأسئلة نفسها مع تغيّر مقاربتها وحِدّة معالجتها عبر الزمن.

أعمال تبحث عن الأثر وتترك للعين إكمال المهمّة (لوحات محمود أمهز)

في هذا السياق، يكتسب عُمر الفنان دلالة خاصة، وذلك من دون طرحه على أنه إنجاز بحدّ ذاته، أو استعماله عنصراً احتفالياً في المشهد. هو مُعطى يُضيء على طبيعة العلاقة مع العمل. فاستمرار الإنتاج وإتاحة الأعمال الحديثة ضمن المعرض، يؤكّدان حضور ممارسة فنّية لا تزال قائمة على الفعل اليومي والانخراط المستمر في اللوحة.

توازن محسوب بين الكتلة والفراغ يمنح اللوحة استقرارها (لوحات محمود أمهز)

هذا المعرض يندرج ضمن حراك ثقافي يسعى إلى ترسيخ ديمومة الفعل الفنّي في المدينة بعيداً عن منطق المناسبات المؤقّتة أو العروض الظرفية. وهو يستمرّ حتى 10 فبراير (شباط) الحالي، بدعم من الدكتور طوني كرم، مُقدّماً للزائر فرصة الاطلاع على تجربة تشكيلية لبنانية امتدّت لعقود ولا تزال حتى اليوم في حالة إنتاج فعلي.


مقالات ذات صلة

«مدينة واحدة وإمبراطوريتان»... قصة القسطنطينية وإسطنبول في معرض لندني

يوميات الشرق لوحة تصور آيا صوفيا من عام 1852 (متحف فيكتوريا آند ألبرت)

«مدينة واحدة وإمبراطوريتان»... قصة القسطنطينية وإسطنبول في معرض لندني

يتدثر المعرض بعباءة من الفن والثقافة ليسرد قصص التاريخ والسياسة بأسلوب مشوق يختصر تاريخ أكبر مدينة في أوروبا وعاصمة إمبراطوريتين؛ الأولى مسيحية، والثانية مسلمة.

عبير مشخص (لندن)
يوميات الشرق عمل للفنانة سلمى رضا (نادي عدسة)

«تروماي الإسكندرية»... معرض يحتفي بالذاكرة الإنسانية لـ«عروس المتوسط»

يعدّ «ترام الرمل» بالإسكندرية جزءاً أصيلاً من ملامح المدينة وذاكرتها اليومية، ورفيقاً لحكايات أجيال تعاقبت على شوارع «عروس المتوسط» ومحطاته الممتدة.

محمد عجم (القاهرة)
يوميات الشرق على كل متلقٍ أن يعثر على حكايته الخاصة داخل الأعمال (الشرق الأوسط)

«عَود على بدء» يعيد استكشاف أساطير العالم القديم

بينما اتجه كثيرون في المشهد الفني خلال القرن الماضي إلى استدعاء الكلاسيكيات القديمة عند مناقشة تأثير الأساطير، يعمل فنانون راهناً على توسيع نطاق تلك القصص.

نادية عبد الحليم (القاهرة )
يوميات الشرق السندريلا في مرحلة التألق والنجومية بعيون نور السيف (إدارة المعرض)

سعاد حسني «تحت الضوء» في الرياض

ترسم الأعمال المشاركة في معرض «وحدها تحت الضوء» المقام حالياً في الرياض عبر العديد من البورتريهات ما يمكن اعتباره صحيفة للأحوال النفسية للفنانة سعاد حسني.

حمدي عابدين (القاهرة )
يوميات الشرق في مربّع «الأمير الصغير» يتخيّل تكوين الجنين في رحم زوجته (الشرق الأوسط)

«أحب الزهور كما النجوم» استعادة لأعمال يتجاوز عمرها نصف قرن

مع التقدُّم في الجولة، تطالع الزائر سلسلة لوحات بالأبيض والأسود توثّق أجواء الحرب اللبنانية القاتمة...

فيفيان حداد (بيروت)

زائر استوائي في سماء ويلز... علماء يربطون الظاهرة بتغير المناخ

طائر مالك الحزين يظهر في شمال ويلز (شاترستوك)
طائر مالك الحزين يظهر في شمال ويلز (شاترستوك)
TT

زائر استوائي في سماء ويلز... علماء يربطون الظاهرة بتغير المناخ

طائر مالك الحزين يظهر في شمال ويلز (شاترستوك)
طائر مالك الحزين يظهر في شمال ويلز (شاترستوك)

أثار ظهور طائر مالك الحزين في شمال ويلز اهتماماً واسعاً بين علماء الطيور وهواة مراقبتها، بعدما سُجلت أول مشاهدة معروفة لهذا النوع الاستوائي في المملكة المتحدة، في تطور يرى فيه الخبراء دليلاً جديداً على تأثير التغير المناخي في أنماط انتشار الأنواع البرية.

ويُعد الطائر، المعروف أيضاً باسم البلشون الاستوائي، من الأنواع التي تنتشر عادة في المناطق الممتدة من غرب أفريقيا إلى الهند، غير أنه شُوهد الأسبوع الماضي في شمال ويلز، فيما يُعتقد أنها أول مشاهدة له على الإطلاق في المملكة المتحدة.

ورُصد الطائر للمرة الأولى في خليج فوريد خلال عطلة نهاية الأسبوع، قبل أن ينتقل إلى ميناء كارنارفون القريب، حيث شوهد يتغذى بين القوارب الراسية، وفق «الغارديان» البريطانية.

وعلى الرغم من أن المشاهدة أثارت حماس مراقبي الطيور في أنحاء البلاد، فإن الخبراء قالوا إنها تعكس أيضاً التغيرات التي طرأت على نطاق انتشار هذا النوع نتيجة التحولات المناخية.

وقال نِك موران، مدير التدريب في المؤسسة البريطانية لعلم الطيور: «إن وصول هذه الطيور إلى بريطانيا في المقام الأول، ومن ثَمَّ قدرتها على البقاء فيها، يُرجَّح أنه يعود إلى ازدياد اعتدال فصول الشتاء مقارنة بما كانت عليه في السابق».

وأضاف: «أصبح البقاء خلال الشتاء أسهل بكثير مما كان عليه قبل 50 عاماً، لأننا لم نعد نشهد تجمُّد المسطحات المائية الضحلة بصورة منتظمة. وهذه البلشونات، وكذلك طيور البلشون الأبيض، تعتمد عادة على المياه الضحلة نسبياً في التغذية».

وفي الوقت نفسه، استقطب ظهور بلشون السِّكواكو، وهو طائر استوائي نادر ينتشر عادة في جنوب أوروبا وشمال أفريقيا، أعداداً من هواة مراقبة الطيور إلى مقاطعة لينكولنشاير هذا الأسبوع. ووفقاً للمؤسسة البريطانية لعلم الطيور، لا يُشاهد هذا النوع في المملكة المتحدة إلا مرات قليلة سنوياً.

وقال ألكسندر ليز، الباحث والأستاذ المشارك في التنوع الحيوي بجامعة مانشستر متروبوليتان، ورئيس لجنة السجلات في اتحاد علماء الطيور البريطانيين، تُمثِّل هذه البلشونات أحدث الأمثلة على «أنواع كانت تُعد في السابق استوائية إلى حد كبير، لكنها باتت تتحرك شمالاً بفعل التغير المناخي».

وأضاف: «نشهد حالياً تحوّلاً وإعادة تكيُّف في التنوع الحيوي. فعلى سبيل المثال، سجلنا العام الماضي أول حالة تكاثر لطائر الزيتينغ سيستيكولا، وهو طائر مغرد صغير من منطقة البحر المتوسط انتقل شمالاً بفعل التغير المناخي. والسبب في عدم تكاثره هنا تاريخياً هو حساسيته الشديدة لفصول الشتاء القاسية؛ إذ لم يكن قادراً على البقاء، لأن أي موجة برد طويلة كانت ستقضي عليه. لكننا لم نعد نشهد مثل هذه الفترات الطويلة من الطقس البارد».

وشهدت المملكة المتحدة خلال السنوات الأخيرة ظهور عدد من الأنواع الاستوائية اللافتة، من بينها الحدأة سوداء الجناحين، التي سُجلت أول زيارة لها عام 2023 وما زالت تستقطب هواة مراقبة الطيور في نورفولك هذا العام، إضافة إلى طائر الأطيش البني الذي رُصد عام 2019، والسمامة بيضاء العجز التي بدأت بالانتشار في إسبانيا قادمة من شمال أفريقيا في ستينات القرن الماضي، قبل أن تُرصد في بريطانيا للمرة الأولى عام 2018.

وفي عام 2022، قالت الجمعية الملكية لحماية الطيور إن مشاهدات آكل النحل الأوروبي، المنتشر عادة في أفريقيا وجنوب أوروبا، تمثل «إشارة لا يمكن تجاهلها» إلى أن أزمة الطبيعة والمناخ وصلت إلى بريطانيا.

وأشار ليز إلى أن تسجيلات مالك الحزين تزايدت في جنوب أوروبا، بما في ذلك إسبانيا وفرنسا، خلال السنوات الأخيرة، ولذلك كان من المتوقع رصده في المملكة المتحدة.

وقال سايمون هيوغستون - روبرتس، أول من رصد الطائر في ويلز، لهيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي)، إنه كان في نزهة عندما «حالفه الحظ برؤية بلشون صغير داكن اللون يحلق فوق الشاطئ».

وأضاف: «أمضيت وقتاً في مراقبة الطيور في أفريقيا والشرق الأوسط، لذلك فأنا على دراية بأنواع مختلفة من طيور مالك الحزين، بما في ذلك هذا النوع»، وتابع: «اعتمدت على معرفتي وسنوات خبرتي في مراقبة الطيور لتحديد هوية الطائر».

من جانبه، قال إيان ليسيت، الذي سافر إلى شمال ويلز لرؤية الطائر، لموقع «بيرد غايدز»: «لم أكن أتوقع أن أقضي عطلة نهاية الأسبوع في مشاهدة نوع جديد ومذهل بالنسبة لبريطانيا، في حين تشكل قلعة كارنارفون المهيبة خلفية للمشهد».

وأضاف: «كانت الرحلة بالسيارة طويلة من لندن صباح الأحد، لكنها كانت تستحق العناء، إذ أتاح البلشون فرصة مشاهدة رائعة أثناء تغذيته في الميناء وعلى مسافة قريبة».

وعلى الرغم من أن مالك الحزين يشبه البلشون الأبيض الصغير الشائع من حيث الحجم والبنية، فإن ريشه الأزرق الرمادي يميّزه بوضوح، وقال موران: «إنه طائر لافت للنظر للغاية، ولا يشبه أي طائر آخر لدينا هنا في المملكة المتحدة».

وأضاف أن «الطائر الذي شوهد في ويلز بالغ، ومن المرجح أنه قدم من أوروبا لا مباشرة من أفريقيا، وإن كان من المستحيل التأكد من ذلك من دون تتبع مساره»، وتابع: «بل قد يكون طائراً فقس في أوروبا أصلاً».

ورغم أن موران حذَّر من توقع تدفق مفاجئ لهذا النوع إلى بريطانيا، فإنه رجّح تكرار مشاهدته مستقبلاً، قائلاً: «لا أتوقع أن نسجل عشرات الحالات بحلول هذا الوقت من العام المقبل، لكنني أرجّح بقوة أن نشهد المزيد من المشاهدات».


التعبير عن المشاعر بالأكسدة وليف النخيل

عمل «ناس منا وفينا» (موقع الفنانة)
عمل «ناس منا وفينا» (موقع الفنانة)
TT

التعبير عن المشاعر بالأكسدة وليف النخيل

عمل «ناس منا وفينا» (موقع الفنانة)
عمل «ناس منا وفينا» (موقع الفنانة)

في استوديو الفنانة ميساء شلدان بحي جاكس الإبداعي في الرياض، تخرج الفنانة من تحت البالطو الأبيض للمرشدة النفسية. تستضيفنا للحديث عن رحلتها مع الفن والأسئلة التي تشغلها، وتحدثنا عن تجربتها مع أكسدة المعادن، خلال جولة بين أعمالها الفنية، ويتطرق الحديث إلى تأثير هويتها المزدوجة بين جذور فلسطينية وجنسية سعودية.

في استوديو الفنانة ميساء شلدان (الفنانة)

أن تصل متأخراً!

في الاستوديو يتسلل إحساس للزائر بأنه يطل على زمن آخر. تجتمع عدة عناصر لترسم ذلك الإحساس بداية بلون الصدأ في الأعمال الفنية والقطع المعدنية المتأكسدة التي تملأ المكان، حتى الأريكة الجلدية التي استقبلتنا بألوانها المنسجمة مع محيطها، والطاولة المصنوعة من باب قديم.

كل شيء حولنا يحرِّض على طرح الأسئلة؛ فبدأنا بسؤالها: لماذا لم تدرس الفن منذ البداية؟

لم تتوافق رغبة ميساء في دراسة الفن مع رغبة عائلتها، حيث كان فكر الصحوة (الذي وصل إلى ذروته في المملكة فترة الثمانينات والتسعينات) يصبغ نظرتهم تجاه الفن.

تخصصت ميساء في الدراسات الإسلامية بناء على رغبة والدتها، بحسب ما تذكر لنا: «لم تكن والدتي ترى الفن مهنة تحظى بالتقدير، وكانت تخاف على ابنتها من سوء العاقبة».

في مرحلة الماجستير درست ميساء علم النفس التربوي، لكنّ هاجس الفن عاد يداعب أفكارها تحديداً في عام 2013، حين كانت رحلة البحث عن الذات مستمرة: «لم أشعر بالارتواء. استخرتُ الله، وذات صباح وبعد أن أوصلت أبنائي إلى المدرسة وقعت عيناي على معهد المهارات والفنون، فقررتُ من فوري أن ألتحق به لدراسة دبلوم الفنون البصرية».

ورغم الوصول المتأخر، لم تشعر بالأسف على الوقت الذي أمضته بعيداً عن الفن «تخصصي في الدراسات الإسلامية وضع لي أساساً قوياً، كما أن وجودي على الطرف الآخر منحني فرصة النظر إلى الفن بعين أنضج وأعمق، ومنحني فُرصَةً لفهم نفسي».

الفنانة ميساء شلدان (خاص)

خلال دراستها، وجدت ميساء سريعاً الخامة التي تعبر عنها: «الريشة واللوح القماشي والخشب خامات لا تقنعني. توجهتُ منذ البداية إلى المعادن». بمشروع تخرجها في المعهد، استعانت بالحديد والمسامير المؤكسدة المعاد تدويرها «لم أكن صبورة على الإطلاق. أما الآن ومن خلال أكسدة المعادن أصبح الزمن هو ريشتي».

الأكسدة بالمشاعر

تضفي المعادن المؤكسدة على الأعمال الفنية ألواناً وتأثيرات جمالية توحي بمرور الوقت. وعلى اختلاف أساليب الأكسدة، تفضل ميساء أكسدة القطع المعدنية ببطء، وتفسر ذلك بارتباطها النفسي بعامل الزمن: «أعتقد أن الزمن يرتبط بشكل أو آخر بشعور الاستقرار. وأنا أشعر أني أفتقد صلتي بذاتي وبجذوري الفلسطينية؛ فقد وُلِد أبي في السعودية، ونشأ يتيماً، لذلك هو لا يملك ذاكرة ممتدة، وأظن أني أبحث في كل شيء عن هذه الذاكرة».

كما تصف نفسها بأنها تؤكسد المعادن بمشاعرها، وعند السؤال عن مقصدها، أخذتنا إلى زاوية تضم مجموعة من الزجاجات المتفاوتة الأحجام، يحمل كل منها اسم شعور مختلف... شعور الأمان، وشعور معية الله، وشعور الفقد، وغيرها، توضح: «كان الألم كبيراً بعد أحداث غزة الأخيرة. شعورك بأن ما يحصل يخصك لكنك لا تعيشه. وكوني متخصصة في العلاج بالمشاعر، أردتُ دراسة وتفكيك هذه المشاعر للوصول إلى جذورها، وعبرتُ عنها بصرياً بهذه الزجاجات».

تحوي الزجاجات مواد مختلفة وألواناً، وبعضها تفوح منه روائح متنوعة. تتحدث عن زجاجة تعبر عن الغضب، وتوضح: «إذا أضفت إليها قطرات من الماء فستفور المادة داخلها» وعن زجاجة الحب الصغيرة تقول: «زيادة الحب تفقد الحبيب». أما شعور التهجير، فتصفه بالقول: «وكأنك تسير على مسامير».

من أعمال ميساء شلدان (الفنانة)

ثلاثة أعمال

طلبنا من الفنانة أن تشاركنا ثلاثة أعمال تعكس مراحل مهمة من رحلتها الفنية. بدأت بعمل من عام 2015 بعنوان «ناس منا وفينا»، يتكون من 33 صندوقاً معدنياً متأكسداً، كل صندوق مختلف عن الآخر. بعضها يحوي مفاتيح، مسامير، قطعاً تجريدية، تمثل ملامح النفس البشرية: «نحن نستطيع رؤية صناديق الآخرين، لكننا لا نعرف حقاً ما يحويه صندوقنا».

يجسد هذا العمل رحلتها مع العلاج النفسي، وما تبقى داخلها من حكايات دارت بين جدران عيادتها: «كنتُ أكتشف صناديق الناس، وأساعدهم في إيجاد مفاتيحهم»، تضيف: «في هذا العمل لم أكن قد استكشفت صندوقي بعد».

العمل الثاني يحمل عنوان «إنها مأمورة»، وهو عبارة عن وثيقة تخيلية بالكتابة المسمارية، منقوشة بالصدأ وأكسدة النحاس على ورق مصنوع يدوياً. يحكي العمل عن «القصواء» ناقة النبي عليه الصلاة والسلام: «تأملتُ في أهمية المدينة المنورة، واختيار اليهود الاستقرار فيها، وامتلاك المزارع، منتظرين أن يخرج الرسول من بينهم، ولكن خاب ظنهم. فكرت أنه بالضرورة كانت هناك مخطوطة تحكي هذه القصة، فتخيلت ماذا يمكن أن تحتويه المخطوطة. كتبتها بأسلوب التنبؤ».

توضح ميساء أنها اختارت هذا العمل لأنه يختزل مراحل تطور رحلتها خلال هذه السنوات؛ فهو يجمع ما بين تجربتها مع معالجة الورق والكتابة بالأكسدة وتأريخ الكتابة، وأيضاً القصص التي تريد روايتها.

أحد الأعمال المعروضة (خاص)

نصل إلى العمل الثالث: «إنها مختبئة في شرنقة»، ويتكون من ليف النخل، وهو تجربة تفاعلية تدعو الزائر للانعزال داخل الشرنقة والتأمل، كوسيلة للعودة إلى الذات واستحضار لحظة انطلاق جديدة «حين أُنْزِل الوحي على النبي، قال: (زملوني). التأمل في هذه الكلمة والتفكير في أسئلة أخرى قادني للإحساس بأن اللباس يواري أيضاً مشاعر الضعف. حينها نكون بحاجة إلى الاختباء وطلب الدفء، مثل الدودة في حالة ضعفها، تلف على نفسها شرنقة، وبعدها تخرج فراشة تتحدى العالم بالطيران».

عمل «إنها مأمورة» (خاص)

بالإضافة إلى المعادن وليف النخل اتجهت ميساء لاستخدام مواد طبيعية أخرى في أعمالها، في محاولة لاستكشاف العلاقة المتناغمة بينها: «عندما تركت العيادة كنت أبحث عن ميساء الحقيقية. أعطاني الله القوة من الحديد، ثم انتقلت للبحث في ليف النخل الذي منحني الحنان والوطن، ومنه إلى التراب وباقي الخامات الطبيعية التي يجد فيها الإنسان الاستشفاء».

في بداية حديثنا، أشارت ميساء إلى رحلة اكتشاف الذات والأسئلة التي فاجأتها ذات يوم في العيادة النفسية، حيث كانت تعمل، وتذكرت لحظات في طفولتها حين كانت تتعرض للتوبيخ والطرد من الصف، لأنها تصر على التعبير عن رأيها.

اختتمنا زيارتنا بسؤالها: هل وَجَدْتِ ميساء التي تبحثين عنها؟ أجابت: «أعتقد. هذه هي ميساء التي تستطيع التعبير عن رأيها. لست خائفة من لحظة الوصول، ولا حتى إن كنت سأصل أم لا. أعيش لحظتي، وأجسد ذاكرتي وأفكاري وأطرح أسئلتي في أعمالي». وتردف ضاحكة: «دون أن يقول لي أحد: سؤال غبي! أو أنت مطرودة!».


«تروبينغ ذا كولور»... بريطانيا تحيي تقليداً ملكياً عمره قرون

أفراد العائلة المالكة على شرفة قصر باكنغهام خلال استعراض «تروبينغ ذا كولور» (إ.ب.أ)
أفراد العائلة المالكة على شرفة قصر باكنغهام خلال استعراض «تروبينغ ذا كولور» (إ.ب.أ)
TT

«تروبينغ ذا كولور»... بريطانيا تحيي تقليداً ملكياً عمره قرون

أفراد العائلة المالكة على شرفة قصر باكنغهام خلال استعراض «تروبينغ ذا كولور» (إ.ب.أ)
أفراد العائلة المالكة على شرفة قصر باكنغهام خلال استعراض «تروبينغ ذا كولور» (إ.ب.أ)

شهدت العاصمة البريطانية لندن، السبت، احتفالات رسمية بمناسبة العيد الرسمي لميلاد الملك تشارلز الثالث، وذلك من خلال مراسم «تروبينغ ذا كولور» التقليدية التي تُعدُّ إحدى أبرز المناسبات في الأجندة الملكية البريطانية.

وانضم الملك تشارلز الثالث والملكة كاميلا إلى أفراد العائلة المالكة وآلاف المتفرجين الذين احتشدوا في منطقة وايتهول، وشارع ذا مول؛ لمتابعة العرض العسكري الذي تشارك فيه أشهر أفواج الجيش البريطاني.

الملك تشارلز الثالث والملكة كاميلا يستقلَّان عربة مكشوفة خلال عودتهما إلى قصر باكنغهام (أ.ب)

وتُقام مراسم «تروبينغ ذا كولور» سنوياً للاحتفال بالعيد الرسمي لميلاد العاهل البريطاني، وهي تقليد عسكري وملكي يعود إلى أكثر من قرنين. وقد نشأت المراسم من عادة استعراض الرايات العسكرية أمام الجنود للتعريف بها قبل المعارك، قبل أن تتحوَّل منذ القرن الثامن عشر إلى احتفال وطني يرمز إلى استمرارية النظام الملكي البريطاني وعلاقته التاريخية بالقوات المسلحة. وعلى الرغم من أنَّ الملك تشارلز الثالث وُلد في 14 نوفمبر (تشرين الثاني)، فإنَّ الاحتفال الرسمي يُنظَّم في شهر يونيو (حزيران) من كل عام للاستفادة من الظروف الجوية المناسبة لإقامة العروض العسكرية والاحتفالات العامة.

وشهدت الاحتفالات موكباً للعربات الملكية تقدمه الملك والملكة، وأميرة ويلز كيت ميدلتون برفقة أطفالها الأمير جورج، والأميرة شارلوت، والأمير لويس، وسط إجراءات أمنية مشدَّدة ومراسم عسكرية تقليدية نفَّذتها وحدات سلاح الفرسان الملكي.

الأمير ويليام وكيت أميرة ويلز وأطفالهما يشاهدون استعراضاً جوياً لطائرات سلاح الجو الملكي البريطاني من شرفة قصر باكنغهام (أ.ب)

وارتدت أميرة ويلز، العقيد الفخري للحرس الآيرلندي، زياً أزرق اللون مع قبعة ودبوس يحملان رموز الفوج، وقد ظهر الملك مرتدياً الزي العسكري لحرس الغرينادير، في حين ارتدت الملكة كاميلا فستاناً أحمر مستوحى من أزياء الحرس الملكي.

كما شارك في المراسم عدد من أفراد العائلة المالكة الذين يشغلون مناصب عسكرية فخرية، من بينهم أمير ويلز والأميرة الملكية ودوق إدنبرة.

وقدَّم جنود الحرس البريطاني، بزيهم القرمزي التقليدي وقبعاتهم الشهيرة المصنوعة من فراء الدببة، عرضاً دقيقاً للمسير العسكري في ساحة «هورس غاردز باريد»، بعد أسابيع من التدريبات المكثفة.

أفراد من فرقة الحرس الملكي يسيرون على طول شارع ذا مول خلال الاستعراض تكريماً للملك تشارلز (رويترز)

واختُتمت الاحتفالات بتجمع أفراد العائلة المالكة على شرفة قصر باكنغهام لمتابعة العرض الجوي التقليدي لطائرات سلاح الجو الملكي البريطاني، إلى جانب إطلاق التحية الملكية بالمدافع.

وتحمل المراسم هذا العام أهميةً خاصةً مع استعراض «راية الملك» الخاصة بفوج حرس الغرينادير، التي سلمها الملك تشارلز الثالث للفوج خلال مراسم أُقيمت في قصر باكنغهام في وقت سابق من الأسبوع الحالي، في تقليد عسكري يعود إلى قرون.