ماذا نعرف عن خطة نقل عناصر تنظيم «داعش» من سوريا إلى العراق؟

قوات الأمن السورية الأربعاء أمام مدخل مخيم الهول الذي يؤوي نازحين وعائلات مقاتلين في تنظيم «داعش» بريف محافظة الحسكة (إ.ب.أ)
قوات الأمن السورية الأربعاء أمام مدخل مخيم الهول الذي يؤوي نازحين وعائلات مقاتلين في تنظيم «داعش» بريف محافظة الحسكة (إ.ب.أ)
TT

ماذا نعرف عن خطة نقل عناصر تنظيم «داعش» من سوريا إلى العراق؟

قوات الأمن السورية الأربعاء أمام مدخل مخيم الهول الذي يؤوي نازحين وعائلات مقاتلين في تنظيم «داعش» بريف محافظة الحسكة (إ.ب.أ)
قوات الأمن السورية الأربعاء أمام مدخل مخيم الهول الذي يؤوي نازحين وعائلات مقاتلين في تنظيم «داعش» بريف محافظة الحسكة (إ.ب.أ)

بدأ الجيش الأميركي نقل عناصر تنظيم «داعش» المحتجزين لدى القوات الكردية في شمال شرقي سوريا إلى العراق الذي أعلن الخميس أنه سيباشر الإجراءات القضائية بحقّهم. ماذا نعرف عن العملية، من ستشمل ولِمَ الوجهة العراقية؟

من تشمل العملية؟

نقل الجيش الأميركي 150 عنصراً من عناصر التنظيم من سجن في محافظة الحسكة في شمال شرقي سوريا إلى العراق، وفق ما أعلن الأربعاء.

ويشكّل هؤلاء الدفعة الأولى من سبعة آلاف معتقل يعتزم نقلهم تباعاً، من دون أن يحدّد مهلة زمنية لإتمام ذلك.

خلال أربع سنوات من معارك ضارية خاضها المقاتلون الأكراد بدعم أميركي ضد التنظيم المتطرف، تمكّن هؤلاء من القضاء على التنظيم إلى حدّ كبير، وسيطروا على مساحات واسعة في شمال وشرق البلاد. واعتقلت قوات سوريا الديمقراطية بقيادة الأكراد خلال هذه المعارك، قرابة 12 ألفاً من عناصر التنظيم، بينهم 2500 إلى ثلاثة آلاف أجنبي من أكثر من خمسين دولة احتجزتهم في سبعة سجون.

وجاء الإعلان عن الخطة الأميركية بعيد انسحاب القوات الكردية، على وقع تصعيد عسكري مع السلطات السورية، من قسم كبير من مناطق سيطرتها، بينها مخيم الهول الذي يقطنه أكثر من 24 ألف شخص، و15 ألف سوري، و3500 عراقي، و6200 أجنبي من عائلات التنظيم.

ويشكّل ملف عناصر التنظيم وأفراد عائلاتهم مسألة شائكة، مع وجود آلاف من الأجانب ممن رفضت دولهم استعادتهم رغم نداءات المسؤولين الأكراد المتكرّرة.

لمَ يتم نقلهم من سوريا؟

قال الجيش الأميركي إن هدف نقلهم إلى العراق هو «ضمان بقاء الإرهابيين في مرافق احتجاز آمنة». ونقل عن قائد القيادة المركزية الأدميرال آدم كوبر تأكيده أن «تسهيل نقل معتقلي داعش بشكل منظّم وآمن أمر بالغ الأهمية لمنع أي هروب قد يشكّل تهديداً مباشراً للولايات المتحدة والأمن الإقليمي».

وفي اتصال أجراه مع الرئيس الشرع لإطلاعه على مضمون العملية، قال كوبر إنه يتوقّع من «القوات السورية وجميع القوات الأخرى أن تتجنّب أي أفعال قد تعوق تنفيذ العملية»، داعياً إلى الالتزام بوقف إطلاق النار الساري بين دمشق والأكراد.

وجاء الإعلان الأميركي رغم إبداء دمشق التي انضمّت مؤخراً إلى التحالف الدولي ضد الجهاديين، استعدادها لتولي مسؤولية السجون والمخيمات.

ويخشى محللون من أن يستغل عناصر التنظيم الذين انكفأوا قبل سنوات إلى البادية السورية المترامية الأطراف، أي فراغ أمني في حال انهيار المفاوضات مجدداً بين الأكراد والسلطات السورية وعودة التصعيد.

ويقول مدير ملف سوريا والعراق ولبنان في مجموعة الأزمات الدولية، هايكو فيمن، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» إن بقاء عناصر التنظيم محتجزين في سوريا «يطرح إشكالية» في حال انهيار وقف إطلاق النار، إذ «ثمة احتمال لمزيد من العنف والفوضى».

ولا يستبعد أن يسعى التنظيم حينها إلى «تهريب» عناصره المعتقلين، إذ إن «فرصهم في تحقيق ذلك ربما تكون أفضل» في سوريا مقارنة بالعراق الذي «يمتلك بنية فعّالة لمكافحة الإرهاب».

ودعا الأكراد مراراً عدداً من الدول، بينها دول أوروبية، إلى استعادة رعاياها من عناصر التنظيم ومحاكمتهم، أو تأسيس محكمة دولية خاصة في غياب أطر قانونية تخوّلها إنجاز المهمة. ولم تلق طلباتهم آذاناً مصغية.

ويشرح فيمن أن «أحد أسباب عدم حماس الدول الغربية لاستعادة هؤلاء الأشخاص، حتى لو كانوا من مواطنيها، هو عجزها عن محاكمتهم، فكيف لهم أن يفعلوا ذلك بعد مرور عشر سنوات تقريباً على هزيمة (داعش)، وكل الجرائم التي كان ممكن إدانتهم بها باتت من الماضي؟ وكيف يمكن تقديم الأدلة الآن؟».

ويضيف: «يكاد يكون ذلك مستحيلاً».

ما سبب اختيار العراق؟

يتشارك العراق مع سوريا بحدود تتجاوز 600 كيلومتر، وهو لا يزال يتعافى من انتهاكات ارتكبها تنظيم «داعش» خلال ذروة نفوذه بين 2014 و2017.

وغداة تسلّم العراق الدفعة الأولى من الجهاديين، أعلن مجلس القضاء الأعلى العراقي الخميس أنه سيباشر الإجراءات القضائية بحقّهم، مشدّداً على أن «جميع المتهمين، بغض النظر عن جنسياتهم أو مواقعهم داخل التنظيم الإرهابي، خاضعون لسلطة القضاء العراقي حصراً، وستُطبّق بحقهم الإجراءات القانونية دون استثناء».

ويقول مستشار رئيس الوزراء العراقي للعلاقات الخارجية فرهاد علاء الدين لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» إن «قرار نقلهم ينبع من مسؤولية العراق في إعطاء الأولوية لأمنه وحماية المنطقة من أي تصعيد محتمل في المستقبل، لا سيما في حال إطلاق سراحهم أو فرارهم نتيجة للتطورات الجارية في سوريا».

وأصدرت محاكم عراقية في الأعوام الماضية أحكاماً بالإعدام والسجن مدى الحياة في حق مدانين بالانتماء إلى «جماعة إرهابية» في قضايا إرهاب وقتل مئات من الأشخاص، بينهم فرنسيون. ويمكث في سجونها آلاف العراقيين والأجانب المدانون بالانتماء للتنظيم.

ويشير مدير المعهد الأوروبي للدراسات حول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، عادل بكوان، إلى «ذعر» في العراق حالياً في حال فرار الجهاديين من السجون في سوريا، لأن «القاعدة الاجتماعية والعسكرية للرئيس أحمد الشرع هي نفسها قاعدة تنظيم (داعش)، في إشارة إلى الخلفية الجهادية للشرع الذي ترأس في الماضي (هيئة تحرير الشام)، وهي مجموعة كانت منضوية في فترة من الفترات تحت تنظيم (القاعدة)».

ويتابع بكوان: «من الضروري للغاية أن يُعيد العراقيون المعتقلين إلى العراق، ليتمكّنوا من التعامل معهم بأنفسهم». وبين المعتقلين الجهاديين في سوريا آلاف العراقيين.

ويضيف أن السجون ومراكز إعادة التأهيل في العراق تحتاج «لاستيعاب الوافدين الجدد إلى أعمال توسعة وتمويل إضافي».

وكان الأكراد يتلقّون تمويلاً من التحالف الدولي ضد الجهاديين بقيادة واشنطن لتسيير شؤون سجونهم.


مقالات ذات صلة

باريس تسحب الجنسية الفرنسية من مُدان بتجنيد مقاتلين خلال الحرب في سوريا

أوروبا جرّدت فرنسا مراد فارس الذي عمل سابقاً على تجنيد أشخاص للقتال في سوريا والمُدان عام 2020 في باريس من جنسيته الفرنسية وفق مرسوم نُشر الخميس في الجريدة الرسمية (أ.ف.ب)

باريس تسحب الجنسية الفرنسية من مُدان بتجنيد مقاتلين خلال الحرب في سوريا

جرّدت فرنسا مراد فارس الذي عمل سابقاً على تجنيد أشخاص للقتال في سوريا، والمُدان عام 2020 في باريس، من جنسيته الفرنسية.

«الشرق الأوسط» (باريس)
المشرق العربي إنفوغراف لتوزيع الخلايا المفككة من «داعش» مناطقيّاً داخل سوريا (الداخلية السورية)

تحول في عمل الأجهزة الأمنية السورية الخاص بمكافحة الإرهاب

الأرقام الكبيرة وتفكيك شبكات في مناطق متباعدة يشيران إلى انتقال الأجهزة الأمنية إلى عمل استراتيجي قائم على جمع المعلومات وتحليلها.

سعاد جرَوس (دمشق)
شؤون إقليمية عناصر من قوات مكافحة الإرهاب التركية في أثناء مداهمة أحد مواقع عناصر تنظيم «داعش» الإرهابي (الداخلية التركية)

تركيا: القبض على 361 من عناصر وكوادر «داعش» المالية

ألقت قوات الأمن التركية القبض على 361 من عناصر تنظيم «داعش» الإرهابي في حملة موسعة شهدت مداهمات متزامنة في 39 ولاية

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
المشرق العربي عناصر من قوات الأمن السورية عند بوابة مخيم «الهول» الذي يضم عائلات عناصر من «داعش» شمال شرقي سوريا يوم 21 يناير 2026 (إ.ب.أ)

أستراليا تحاكم امرأة «استعبدت إيزيدية» في سوريا

بينما دانت محاكمة هولندية مواطنة بجرائم حرب على خلفية سماحها لابنها بالانضمام إلى «داعش» في سوريا، تحاكم أستراليا امرأة بتهمة استعباد مراهقة إيزيدية.

«الشرق الأوسط» (ملبورن - لاهاي)
شمال افريقيا الليبي مرعي العرفي الذي تتهم أوساط سياسية واجتماعية الدبيبة بتسليمه إلى واشنطن (حسابات ليبية موثوقة على مواقع التواصل الاجتماعي)

بعد «أبو عجيلة» و«البكوش»... اتهامات للدبيبة بتسليم ليبي مطلوب إلى واشنطن

التزمت حكومة «الوحدة الوطنية» الليبية المؤقتة الصمت إزاء ما تم تداوله بشأن تسليم المواطن مرعي العرفي الملقب بـ«بنزينة» إلى الولايات المتحدة

علاء حموده (القاهرة)

تقدّم إسرائيلي بمحيط مدينتي النبطية وصور بجنوب لبنان

لبناني يتفقد المواقع الأثرية في مدينة صور بعد غارات جوية استهدفت محيطها (إ.ب.أ)
لبناني يتفقد المواقع الأثرية في مدينة صور بعد غارات جوية استهدفت محيطها (إ.ب.أ)
TT

تقدّم إسرائيلي بمحيط مدينتي النبطية وصور بجنوب لبنان

لبناني يتفقد المواقع الأثرية في مدينة صور بعد غارات جوية استهدفت محيطها (إ.ب.أ)
لبناني يتفقد المواقع الأثرية في مدينة صور بعد غارات جوية استهدفت محيطها (إ.ب.أ)

أحرز الجيش الإسرائيلي، السبت، تقدماً جديداً على المحورين الغربي والشرقي، خارج «الخط الأصفر»، حيث تقدم باتجاه أطراف بلدة مجدل زون بعد أربعة أيام من تمهيد مدفعي وقصف جوي، فيما توغل في بلدة كفرتبنيت، ووصل إلى أطراف مرتفعات علي الطاهر الاستراتيجية المطلة على مدينة النبطية.

وقالت مصادر ميدانية في جنوب لبنان لـ«الشرق الأوسط»، إن القوات الإسرائيلية تقدمت باتجاه أطراف بلدة مجدل زون الواقعة في القطاع الغربي، وتفصلها عن الساحل اللبناني بلدة واحدة فقط، وذلك بعد أربعة أيام من توغلات محدودة انطلاقاً من بلدة طيرحرفا. وقالت المصادر إن هذا التوغل «هو الأول من نوعه، بعدما كان يقتصر على عمليات جس نبض في وادي حسن وأطراف الوادي».

وأشارت المصادر إلى أن التقدم باتجاه البلدة «تم بعد تمهيد ناري واسع، استهدف البلدة ومحيطها بالغارات الجوية المتكررة، وقصف مدفعي مكثف»، لافتة إلى أن هذا التقدم «هو أول اندفاعة خارج الخط الأصفر في القطاع الغربي»، وهو المحور المشرف على مدينة صور الساحلية.

تقدم في القطاع الشرقي

جاء هذا التوغل بالتوازي مع تقدم مماثل في بلدة كفرتبنيت، باتجاه مرتفعات علي الطاهر الاستراتيجية الواقعة شرق مدينة النبطية، فيما انسحب الجيش اللبناني من مركز عسكري في البلدة بالتزامن مع هذا التوغل.

الدخان يتصاعد جراء غارات جوية إسرائيلية استهدفت مدينة النبطية (رويترز)

وقالت مصادر محلية لـ«الشرق الأوسط» إن الآليات الإسرائيلية بدأت ليل الجمعة - السبت توغلاً من أرنون باتجاه كفرتبنيت على مسلكين؛ أولهما من الجهة الشرقية باتجاه موقع الزفاتة، في محاولة للصعود باتجاه علي الطاهر، والثاني من قلب بلدة كفرتبنيت بعد تمهيد ناري واسع. وقالت المصادر إن القوات الإسرائيلية لم تحكم قبضتها على المرتفع الاستراتيجي، حيث تواظب على قصفه بالمدفعية.

وأعلن «حزب الله» عن استهداف تجمع لجنود إسرائيليين في أطراف كفرتبنيت، واستهداف تجمعات أخرى وجرافة في محيط مجدل زون.

قصف بلدات مشرفة على محوري التوغل

وكثفت القوات الإسرائيلية قصف البلدات المشرفة على محوري التوغل الجديدين، إذ أفاد الإعلام الرسمي اللبناني بأن إسرائيل شنت السبت سلسلة غارات على جنوب لبنان بعدما وجه جيشها إنذار إخلاء لسكان عشرين بلدة بينها مدينة النبطية.

وذكرت الوكالة الوطنية للاعلام أن الغارات استهدفت بلدات عدة بينها كفرحونة والريحان وسجد، علماً بأن البلدتين الأخيرتين تقعان على مسافة غير بعيدة من النبطية، فضلاً عن مناطق غير مدرجة في إنذار الإخلاء.

وأسفرت الغارة على الريحان في قضاء جزين عن مقتل رئيس بلديتها، حسب الوكالة الوطنية للإعلام.

وقال وكالة الصحافة الفرنسية إن مدينة النبطية شبه مقفرة، وأفادت بوقوع قصف مدفعي عليها وعلى المناطق المجاورة لها خلال الليل وحتى اليوم السبت. وكان المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي للإعلام العربي أفيخاي أدرعي وجه في منشور على منصة «إكس»، «إنذاراً عاجلاً» إلى سكان 20 قرية وبلدة بالإجلاء والاتجاه إلى شمال الزهراني الواقع على بعد نحو 40 كيلومتراً من الحدود.

وصنف الجيش الإسرائيلي الشهر الفائت المنطقة الواقعة جنوب نهر الزهراني «منطقة قتال»، وبات منذ ذلك الحين يستهدفها.

كما أعلن الجيش الإسرائيلي أن قواته الجوية اعترضت السبت «هدفاً جوياً مشبوهاً عبر من لبنان إلى الأراضي الإسرائيلية».

وأفادت الوكالة الوطنية للإعلام، الجمعة، بأن إسرائيل شنّت «غارة على بلدة كفرصير، فيما تعرض حرج علي الطاهر على أطراف النبطية الفوقا لقصف مدفعي متقطع».


جهود لبنان لفصل مفاوضاته عن إيران تصطدم بعرقلة «حزب الله»

مناصرون لـ«حزب الله» يرفعون أعلامه وأعلام إيران خلال مسيرة داعمة لطهران في ضاحية بيروت الجنوبية (د.ب.أ)
مناصرون لـ«حزب الله» يرفعون أعلامه وأعلام إيران خلال مسيرة داعمة لطهران في ضاحية بيروت الجنوبية (د.ب.أ)
TT

جهود لبنان لفصل مفاوضاته عن إيران تصطدم بعرقلة «حزب الله»

مناصرون لـ«حزب الله» يرفعون أعلامه وأعلام إيران خلال مسيرة داعمة لطهران في ضاحية بيروت الجنوبية (د.ب.أ)
مناصرون لـ«حزب الله» يرفعون أعلامه وأعلام إيران خلال مسيرة داعمة لطهران في ضاحية بيروت الجنوبية (د.ب.أ)

اصطدمت الجهود اللبنانية الرامية إلى فصل مفاوضات إنهاء الحرب عن المسار الإيراني بإصرار «حزب الله» على ربط المسارين، ورفضه التعاون مع الدولة اللبنانية، رغم مطالبة رئيس الحكومة الحزب بدعم مفاوضات بيروت مع تل أبيب في واشنطن، في وقت تتكثف فيه الجهود لحماية السلم الأهلي.

وقال الرئيس اللبناني جوزيف عون، الذي يقود المفاوضات مع إسرائيل: «نحن في لحظة لا تحتمل الترف الطائفي، ولا التجاذب المناطقي. الوحدة الوطنية اليوم ليست شعاراً يُرفع في المناسبات، بل هي ضرورة وجودية تُبنى بالمصارحة، وتُعزَّز بالعدالة، وتتجذّر بالإنصاف لكل مكوّنات هذا الشعب دون استثناء».

ويقفز لبنان فوق الانقسامات السياسية الداخلية، باتجاه وقف إطلاق النار وإنهاء الحرب مع إسرائيل، في ظل تجاذب دولي، وتباينات حول المسارات التفاوضية في المنطقة.

ولا يخفي لبنان أن أي تفاهمات أميركية - إيرانية من شأنها أن تنعكس على الواقع اللبناني، إلا أنه يمضي بمسار تفاوضي مستقل مع إسرائيل، عبر محادثات مباشرة عُقدت 4 جولات منها حتى الآن في مقر «الخارجية الأميركية»، وستُعقد الجولة الخامسة في 22 و23 و24 يونيو (حزيران) الحالي عبر جلسات دبلوماسية وعسكرية.

ويبرز اعتقاد لبناني واسع بأن أي تفاهمات إقليمية «يمكن أن تُساعد على وقف لإطلاق النار في لبنان»، لكنها «لا يمكن أن تُستكمل من دون المسار التفاوضي الذي يسلكه لبنان لجهة الوصول إلى ترتيبات على الانسحاب الإسرائيلي وتثبيت الحدود ووقف الخروقات وإعادة السكان والإعمار وإعادة الأسرى»، حسبما تقول مصادر لبنانية لـ«الشرق الأوسط». وتؤكد أن الحزب «لا يتعاون مع الدولة اللبنانية» بدعم مسارها.

دعم أميركي للمسار اللبناني

ويواظب الحزب على انتقاد المسار الذي اتبعته الحكومة، ويكرر رفضه للمفاوضات المباشرة التي يؤكد المسؤولون اللبنانيون أنها تجسيد «لموقف سيادي»، في وقت تدعم الولايات المتحدة بيروت باستكمال هذا المسار.

ونقلت وسائل إعلام محلية عن مصادر دبلوماسية قولها إن «لبنان الرسمي هو من له الحق في التفاوض بعيداً عن أي تداخلات موازية». وقالت المصادر إن واشنطن «تنظر بقلق للإيحاءات التي يسوقها البعض، والتي تقول إن مسارات تفاوضية أخرى تحظى بموافقة أميركية وقادرة على إنتاج تفاهمات أو اتفاقات». ورأت المصادر أن «هذه الإيحاءات تهدف إلى التشويش على المفاوضات الرسمية اللبنانية، وهي تتقصد ذلك بهدف إضعاف موقع الدولة».

لبناني يراقب الدخان المنبعث من موقع غارة إسرائيلية استهدفت مدينة النبطية بجنوب لبنان (رويترز)

وأشارت المصادر إلى أن الولايات المتحدة «تتعامل حصراً مع الدولة اللبنانية ومؤسساتها الشرعية»، وأن الوفد اللبناني الرسمي المفاوض في واشنطن هو «الجهة الوحيدة المخولة بإدارة هذا الملف». ولفتت إلى أن واشنطن «تُمارس ضغوطاً على إسرائيل من أجل تحقيق اختراقات ملموسة في مسار التفاوض، إلا أن التدخلات الإيرانية تُسهم في تعطيل فرص التوصل إلى وقف لإطلاق النار».

وكانت وكالة «رويترز» قد نقلت عن مصدر لبناني مطلع على المحادثات أن طهران «غضبت من قرار بيروت التفاوض بشكل مستقل مع إسرائيل»، وعدّته «حرماناً لإيران من ورقة تفاوضية رئيسية في مواجهتها مع واشنطن».

دعوة سلام لـ«حزب الله»

من هذا المنطلق، تأتي دعوة رئيس الحكومة نواف سلام لـ«حزب الله»، وأن يكون على مسار واحد مع الحكومة لتأمين الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان. وقال في حديث لوكالة «رويترز»: «على (حزب الله) أن يكون أسرع منا، أو ​ليكن على السرعة نفسها، وليعلن دعمه للمفاوضات التي نجريها في واشنطن».

ولم يخفِ سلام تأثر لبنان ​بمفاوضات ‌إسلام آباد، لكنه ​أعاد تأكيد الإصرار على التفاوض بوصفه دولة مستقلة، «لا يفاوض باسمها أحد». وأضاف: «نحن طبعاً نتأثر بمسار التفاوض في إسلام آباد... فكيف بحرب ونتائجها تخاض على أرضنا؟ نحن نتأثر بالحرب وبالسلم وبالتهدئة في المنطقة. وإسلام آباد، أو أي مكان آخر، من شأنه أن يترك أثره علينا». وتابع: «إذا كان هذا المسار يؤدي لوقف (إطلاق) النار وتهدئة بالمنطقة، فأكيد نحن نستفيد منه».

مناصرة لـ«حزب الله» تبكي أحد مقاتليه خلال تشييعه في مدفن مؤقت في بلدة حارة صيدا بجنوب لبنان (أ.ف.ب)

وعدّ سلام أن لبنان اختار الطريق الأقل تكلفة، ورفض اعتبار نزع سلاح «حزب الله» شرطاً إسرائيلياً، وقال «فلنخلص من هذه التجليطة (الكذبة). لقد اتفق اللبنانيون في اتفاق الطائف عام ⁠1989 على بسط سلطة الدولة اللبنانية على كامل أراضيها، ونحن أكدنا هذا الأمر في بياننا الوزاري، وشددنا على حصرية السلاح ‌واستعادة قرار الحرب والسلم بيد الدولة. فهل إسرائيل جلست ​معنا على الطاولة وأسهمت في صياغة بياننا ‌الوزاري؟ بالطبع لا».

وأضاف سلام: «نحن على تواصل دائم مع (حزب الله)، وكل المطلوب منه أن ‌ينفذ التزاماته. فالجنوب من المفترض أن يكون منطقة خالية من السلاح، و(حزب الله) أعطى الثقة بالحكومة مرتين، والتي يشدد بيانها الوزاري على حصرية السلاح، ومن غير المطلوب منه أكثر من ذلك».

وخاطب سلام «حزب الله» قائلاً: «إذا أنت حريص فعلاً على ما يسمى بيئتك، ومآسي بيئتك، فالمطلوب منك أن تفي بالتزاماتك» لجهة التعاون في تنفيذ حصرية السلاح.

ولم تُقدم واشنطن أي ضمانات حول مستقبل التفاوض اللبناني مع إسرائيل، لكن سلام قال: «من الأفضل أن نعطي صافرة الحكم للوسيط الأميركي، وعدم الإصغاء إلى الثرثرة السياسية». وقال سلام: «مشكلتنا مع (حزب الله) هي سلاحه، ونعدّ الحزب قوة سياسية لبنانية، ونريد منه أن يفي بالتزاماته اللبنانية».


سوريا: مئات المطلوبين في قبضة العدالة خلال 3 أشهر

العميد الركن عاطف نجيب المسؤول السابق بالنظام السوري داخل المحكمة الجنائية بدمشق يحضر جلسة محاكمته الأولى في أبريل الماضي (إ.ب.أ)
العميد الركن عاطف نجيب المسؤول السابق بالنظام السوري داخل المحكمة الجنائية بدمشق يحضر جلسة محاكمته الأولى في أبريل الماضي (إ.ب.أ)
TT

سوريا: مئات المطلوبين في قبضة العدالة خلال 3 أشهر

العميد الركن عاطف نجيب المسؤول السابق بالنظام السوري داخل المحكمة الجنائية بدمشق يحضر جلسة محاكمته الأولى في أبريل الماضي (إ.ب.أ)
العميد الركن عاطف نجيب المسؤول السابق بالنظام السوري داخل المحكمة الجنائية بدمشق يحضر جلسة محاكمته الأولى في أبريل الماضي (إ.ب.أ)

في إطار تطبيق مبدأ «عدم ‏الإفلات من العقاب، وتحقيق العدالة ‏الانتقالية، وضمان حقوق ذوي الضحايا»، تكثف وزارة الداخلية السورية والجهات المعنية من جهودها، ‏في ملاحقة ومحاسبة ‏المتورطين بارتكاب جرائم وانتهاكات بحق الشعب ‏السوري، خلال حكم بشار الأسد. ولا يكاد يمر يوم إلا وتعلن فيه عن إلقاء القبض على مطلوب أو اثنين أو ثلاثة، لضلوعهم في تلك الجرائم.

وتُعدُّ الاعتقالات المعلنة المتكررة، حسب «الشبكة السورية لحقوق الإنسان»: «أداة لتأسيس سردية مؤسسية، تؤكد أن الدولة الجديدة قطعت مع ثقافة الإفلات من العقاب».

رأفت أنور العامودي (سانا)

وفي سياق سيل المنشورات التي تعلن عنها الوزارة، قالت في بيان السبت: «إن قوى الأمن الداخلي، بالتنسيق مع إدارة مكافحة الإرهاب، أوقفت المدعو رأفت أنور العامودي، أحد أبرز المطلوبين، لضلوعه في العمل لصالح ميليشيا اللجان الشعبية التابعة للنظام السابق في محافظة درعا»، الواقعة جنوب البلاد.

وأضافت أن التحقيقات الأولية تشير إلى «تورط الموقوف في عمليات اعتقال وتغييب قسري، طالت عدداً من أبناء المحافظة، وذلك بالتنسيق المباشر مع الأجهزة الأمنية»، مشيرة إلى أن سجلات التحقيق بيَّنت أن العامودي عمل لصالح رئيس فرع الأمن العسكري السابق، العميد وفيق الناصر، كما نشط تحت إشراف المساعد أسامة أبو جعفر.

ووفق الوزارة، أظهرت الأدلة تعاونه الوثيق مع فرع المخابرات الجوية بقيادة العقيد قصي ميهوب؛ حيث تمثَّل دوره في تسليم مطلوبين للأجهزة الأمنية، ثم ابتزاز ذويهم مالياً عبر التفاوض معهم على مبالغ طائلة لقاء وعود كاذبة بالإفراج عنهم.

وجاء ذلك بعد يوم واحد من إلقاء القبض على اللواء قيس حسان العبد الرجب، معاون مدير إدارة المخابرات العامة (أمن الدولة) في زمن نظام بشار الأسد. وهو يُعد «من أبرز المسؤولين المتورطين في ارتكاب انتهاكات جسيمة بحق الأهالي في حي الحجر الأسود، ومدينتي داريا ومعضمية الشام بريف دمشق، إضافة إلى عدد من القرى والبلدات في محافظة درعا».

اللواء قيس حسان العبد الرجب (سانا)

كما تم في السابع من يونيو (حزيران) الحالي القبض على غسان عساف، الذي شغل منصب مدير مكتب اللواء سهيل الحسن برتبة مساعد أول في أجهزة النظام، في حين لا يزال الحسن الذي اشتُهر بلقب «النمر»، وكان من أبرز القادة العسكريين الميدانيين الموالين للنظام، الذين استخدموا ما يُعرف بـ«البراميل المتفجِّرة»، هارباً مع كثير من رؤوس النظام.

ويُعد عساف «من المتورطين في ارتكاب مجازر مروعة بحق المدنيين في ريف حلب الغربي، فضلاً عن استمراره بعد تحرير البلاد في العمل التخريبي ضد الدولة، عبر تجنيد الخلايا الإرهابية، وبث التحريض، والوقوف خلف تفجيرات استهدفت الأمن العام ومؤسساته»، على ما أفيد به رسمياً.

آنذاك، كان عساف رابع مطلوب من النظام ‏البائد تقبض عليه الوزارة ‏خلال 24 ساعة، بعد شعيب محمود إبراهيم ومحمد حساني، وآخر ‏لم تكشف هويته، وجميعهم متهمون بارتكاب جرائم حرب، ‏والانخراط في أنشطة ‏ميليشيات طائفية وأعمال تخريبية.‏

في السياق ذاته، أعلنت الوزارة أواخر مايو (أيار) الماضي، أن قوات الأمن الداخلي في مدينة الرقة، ألقت القبض على تركي البوحمد الذي يعد أبرز الأسماء القيادية لدى ميليشيات النظام البائد، وأبرز المتهمين في المحافظة بالتعاون مع الميليشيات الإيرانية التابعة لـ«الحرس الثوري»، و«حزب الله» اللبناني.

جمهرة خارج «قصر العدل» يوم محاكمة عاطف نجيب (رويترز)

وشهد النصف الأول من مايو وأبريل (نيسان)، منعطفاً دراماتيكياً في ملف اعتقال كبار مسؤولي النظام السابق، ومنهم عدنان عبود حلوة، وهو جنرال متهم بتدبير هجوم غاز «السارين» عام 2013 على الغوطة الشرقية، وجايز الموسى رئيس أركان القوات الجوية للأسد الخاضع لعقوبات الاتحاد الأوروبي المرتبطة بهجمات الأسلحة الكيميائية، واللواء وجيه علي العبد الله، الذي أدار مكتب الشؤون العسكرية للأسد لمدة 13 عاماً، وأمجد يوسف، صف الضابط في المخابرات العسكرية المتهم بارتكاب مجزرة التضامن عام 2013، والتي تمَّ فيها اقتياد ما لا يقل عن 41 مدنياً إلى حفرة وإطلاق النار عليهم.

وأعلنت الوزارة في الرابع من يونيو الجاري، أن إدارة مكافحة الإرهاب أوقفت خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة 331 مطلوباً، وضبطت 34 شخصية أمنية «من المتورطين في ارتكاب انتهاكات جسيمة بحق الشعب السوري في حقبة النظام السابق».

سورية تحمل الجمعة الماضي صور أقارب لها قُتلوا في «مجزرة التضامن» بالحي جنوب دمشق (إ.ب.أ)

ويأتي نشاط وزارة الداخلية السورية المتواصل في ملاحقة منتسبي أجهزة النظام السابق، وعناصر التشكيلات المسلحة الموالية له، ضمن سياق متعدد الدوافع لا يمكن اختزاله في عامل واحد، حسب رئيس «الشبكة السورية لحقوق الإنسان» فضل عبد الغني، الذي قال لـ«الشرق الأوسط»: إن «المحركات الهيكلية الرئيسية لهذا النشاط، هي أولاً: بناء شرعية مؤسسية؛ إذ تواجه الحكومة الانتقالية ضغطاً داخلياً حاداً من الضحايا وأسر المعتقلين والمغيَّبين الذين ينتظرون المحاسبة منذ أكثر من 14 عاماً. وثانياً: أن الاعتقالات المعلنة المتكررة تُعدُّ أداة لتأسيس سردية مؤسسية، تؤكد أن الدولة الجديدة قطعت مع ثقافة الإفلات من العقاب.

ويتسق هذا التوجه -حسب عبد الغني- مع ما أعلنته الحكومة من جعل «المساءلة أولوية في مرحلة إعادة البناء».

وأوضح عبد الغني أن «من المحركات الهيكلية الرئيسية أيضاً، سياق محاكمة العميد عاطف نجيب رئيس الأمن السياسي السابق في درعا، في 26 أبريل الماضي؛ حيث أحدث انعقاد المحاكمة تسارعاً في ملفات المرتبطين به، ما يفسر جزئياً تكثيف الاعتقالات في المحافظة ذاتها».

فحص ما يُعتقد أنها مقبرة جماعية في حي التضامن بدمشق بعد بلاغ من الأهالي يوم 4 فبراير الماضي (الهيئة الوطنية للمفقودين)

كما أن إلقاء القبض على أمجد يوسف، وضباط رفيعي المستوى مثل عدنان الحلوة: «شكَّل -بما يحمله يوسف من رمزية مرتبطة بانتهاكات جسيمة- محطة مفصلية في مسار الملاحقات؛ إذ لم يقتصر أثره على محاسبته الفردية؛ بل امتد إلى فتح خيوط تحقيقية ساعدت في تحديد أماكن وجود متورطين آخرين، وكشف أدوار ضباط وعناصر شاركوا في الانتهاكات أو سهَّلوا ارتكابها أو تستَّروا عليها، وهذا يعني انتقال التحقيقات من ملاحقة أسماء منفردة إلى تفكيك شبكات المسؤولية داخل الأجهزة الأمنية والتشكيلات الرديفة للنظام السابق».