ماذا تنتظر تركيا من عملية الجيش السوري ضد «قسد» في حلب؟

بين تأكيد استعدادها للدعم ومخاوفها من الأثر السلبي على السلام الداخلي

دخان كثيف يتصاعد من مناطق الاشتباكات بين القوات السورية و«قسد» في حلب (أ.ف.ب)
دخان كثيف يتصاعد من مناطق الاشتباكات بين القوات السورية و«قسد» في حلب (أ.ف.ب)
TT

ماذا تنتظر تركيا من عملية الجيش السوري ضد «قسد» في حلب؟

دخان كثيف يتصاعد من مناطق الاشتباكات بين القوات السورية و«قسد» في حلب (أ.ف.ب)
دخان كثيف يتصاعد من مناطق الاشتباكات بين القوات السورية و«قسد» في حلب (أ.ف.ب)

أكّدت تركيا عدم تدخلها المباشر في عملية الجيش السوري ضد «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) في حلب، واستعدادها لتقديم أي دعم إذا طلبت دمشق ذلك، لكنها كشفت في الوقت ذاته عن توقعات وأهداف تنتظرها من هذه العملية.

وقال وزير الخارجية التركي، هاكان فيدان، إن بلاده لن تقبل قطعاً بقيام «دولة موازية» في حلب، وأكد أنه يتعين على «قسد» اتخاذ خطوات بشأن 3 قضايا تتعلق بالمحافظة الواقعة في شمال سوريا، لخّصها في «الانسحاب من حيي الشيخ مقصود والأشرفية، وتطهيرهما من الأسلحة الثقيلة، وتهيئة بيئة تمكّن الحكومة السورية من أداء واجباتها ومسؤولياتها في جميع أنحاء المدينة، بما يضمن عودة الحياة إلى طبيعتها».

بين إسرائيل و«قسد»

وشدد فيدان، الذي تحدث الخميس عن التطورات في حلب خلال مؤتمر صحافي مع نظيره العماني بدر بن حمد البوسعيدي، على ضرورة ترك إدارة حلب بأكملها، بما في ذلك الأمن، للحكومة السورية، وأن تدرك «قسد» أن مفهوم وجود إدارتين متوازيتين في مدينة واحدة «أمر غير مقبول»، موضحاً أن «هذا يصب في مصلحة إخواننا الأكراد، والإيزيديين، وجميع إخواننا في حلب».

وزير الخارجية التركي هاكان فيدان (الخارجية التركية)

وفي حين أشاد فيدان بمحادثات الاتفاق الأمني، التي عقدت في باريس، بين دمشق وتل أبيب برعاية واشنطن، وأكد دعم تركيا لها، متمنياً أن تُعزز وحدة سوريا وسيادتها واستقرارها، لفت إلى أن التنسيق بين إسرائيل و«قسد» يتعارض مع هذا الهدف، وأن السبب الرئيسي للتوتر بين «قسد» ودمشق هو سياسات تل أبيب القائمة على عقلية «فرّق تسد» التي لن تخدم أحداً بالمنطقة، كما قال.

وأجرى الرئيس السوري أحمد الشرع، مساء الخميس، اتصالاً هاتفياً مع الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، جرى خلاله استعراض آخر المستجدات في سوريا، والجهود المبذولة لترسيخ الاستقرار في المنطقة، وفق ما أعلنت الرئاسة السورية.

وشدد الشرع على «الثوابت الوطنية السورية، وفي مقدّمتها بسط سيادة الدولة على كامل أراضيها»، مشيراً إلى أن الأولوية الراهنة تتركز على حماية المدنيين، وتأمين محيط مدينة حلب، وإنهاء المظاهر المسلحة غير القانونية التي تُعرقل مسار إعادة الإعمار.

وأكد إردوغان دعم تركيا للجهود المبذولة لتعزيز الأمن والاستقرار، مع أهمية التنسيق المشترك لمواجهة التحديات والتهديدات المشتركة.

وقال نائب رئيس حزب «العدالة والتنمية الحاكم»، المتحدث باسم الحزب، عمر تشيليك، معلقاً على التطورات في حلب عبر حسابه في «إكس»، إن الوقت قد حان لاتخاذ الخطوات «الصحيحة» في سوريا، مضيفاً أن «مصير ومستقبل جميع إخواننا وأخواتنا في سوريا، من الأكراد والعرب والتركمان، واحد لا يتجزأ».

وأضاف تشيليك أن «السلام الداخلي ووحدة أراضي سوريا هما أمران بالغا الأهمية لتركيا، ومفتاح استراتيجي للسلام الإقليمي، وأن وجود جيشين أو جماعات مسلحة غير حكومية في سوريا لا يخدم إلا مصالح قوى خارجية خبيثة».

وقالت مصادر أمنية تركية، الجمعة، إن المخابرات التركية تُجري محادثات مستمرة مع الحكومة السورية والولايات المتحدة لإنهاء التوتر في حلب بالوسائل السلمية، كما «يجري إيصال الرسائل اللازمة إلى (قسد) عبر القنوات المناسبة».

موقف أميركي

بدوره، قال السفير الأميركي لدى تركيا، المبعوث الخاص إلى سوريا، توم برّاك، إن الولايات المتحدة تُرحب بالهدنة المؤقتة التي جرى التوصل إليها، ليل الخميس/الجمعة، في حيّي الأشرفية والشيخ مقصود بحلب، وتُعرب عن امتنانها العميق لجميع الأطراف (الحكومة السورية، و«قسد»، والسلطات المحلية، وقادة المجتمع) على ضبط النفس وحسن النية اللذين أتاحا هذه الهدنة الحيوية.

وأضاف برّاك، عبر حسابه في «إكس»: «نعمل جاهدين على تمديد هذه الهدنة وروح التفاهم لما بعد الموعد النهائي المُحدد في التاسعة من صباح الجمعة».

وفي تغريدة سابقة، كتبها ليل الخميس/الجمعة، قال برّاك إن الولايات المتحدة تتابع التطورات في الحيين بـ«قلق بالغ»، داعياً جميع الأطراف إلى ضبط النفس لأقصى حد، وإعطاء الأولوية القصوى لحماية أرواح المدنيين وممتلكاتهم.

ولفت إلى أنه على مدى الأشهر الـ13 الماضية، اتخذت سوريا خطوات تاريخية نحو الاستقرار والمصالحة الوطنية وإعادة الإعمار بعد عقود من الصراع المدمر، وأن المحادثات التاريخية التي جرت هذا الأسبوع مع الممثلين الإسرائيليين (محادثات باريس) تُشكّل خطوة حاسمة نحو سلام إقليمي أوسع، وتؤكد التزام سوريا الراسخ بكسر حلقة العنف والمعاناة والقمع التي ابتليت بها البلاد لأكثر من نصف قرن.

وأضاف برّاك: «في الأسبوع الماضي فقط، كنا على وشك إبرام اتفاقية تنفيذ الاندماج بين (قسد) والحكومة السورية، والمعروفة باتفاقية (10 مارس) 2025، التي من شأنها أن تُعزز بشكل كبير التنسيق الأمني ​​والحكم المشترك والوحدة الوطنية... هذا الهدف قابل للتحقيق».

وتابع: «في هذه المرحلة الحرجة، يجب على المنطقة أن تتحد ضد القوى الخارجية الهدّامة ووكلائها الذين يسعون لتقويض التقدم الملحوظ الذي تحقق في العام الماضي، وتدمير الإرث الدائم لمبادرات السلام التي أطلقها الرئيس الأميركي (دونالد ترمب) في الشرق الأوسط... هدفهم زعزعة الاستقرار من جديد، أما هدفنا فهو سلام دائم قائم على الاحترام المتبادل والازدهار المشترك، إن الفصل الجديد في سوريا هو فصل التعاون لا الصراع. وسنحقق ذلك معاً».

مخاوف تركية وقلق كردي

ولا تخفي تركيا قلقها من التأثير السلبي المحتمل للتطورات في حلب على «عملية السلام» الداخلي فيها التي تسميها الحكومة «عملية تركيا خالية من الإرهاب»، التي تتضمن حل حزب «العمال الكردستاني» وإلقاء اسلحته.

وقال وزير الخارجية، هاكان فيدان، إن «هناك مناخاً في تركيا، ورسائل ترد من الجزيرة (جزيرة إيمرالي حيث يقع سجن زعيم حزب «العمال الكردستاني» عبد الله أوجلان)، هناك رسائل مباشرة موجهة إليهم (قسد)، وتعليمات تُعطى، وهناك أيضاً عقلية مقاومة لهذا».

زعيم المعارضة التركية أوزغور أوزيل (حزب «الشعب الجمهوري» - «إكس»)

ورأى زعيم المعارضة التركية رئيس حزب «الشعب الجمهوري»، أوزغور أوزيل، أن على تركيا أن تأخذ زمام المبادرة في القضية السورية، وأن تدعم التفاوض والدبلوماسية وحل المشكلة سلمياً دون صراع أو إراقة دماء.

وقال أوزيل، في مقابلة تلفزيونية ليل الخميس/الجمعة، إن «السلام في سوريا ضروري للجميع، وضروري بشكل خاص لتركيا».

آلاف الأكراد خرجوا في مظاهرة احتجاجية في ديار بكر جنوب شرقي تركيا للمطالبة بوقف العملية العسكرية في حلب (أ.ف.ب)

وأثارت التطورات في حلب القلق لدى أكراد تركيا الذين خرجوا بالآلاف في عدد من المدن التركية، في مقدمها ديار بكر، كبرى مدن جنوب شرقي تركيا ذات الغالبية الكردية، وإسطنبول وغيرها، للمطالبة بوقف العملية التي ينفذها الجيش السوري ضد «قسد» في حلب.

وألقت قوات الأمن التركية القبض على 30 من المحتجين في إسطنبول، وقامت بتفريق المظاهرات بالقوة.

نواب حزب «الديمقراطية والمساواة للشعوب» المؤيد للأكراد أثناء وقفة احتجاجية أمام البرلمان التركي (حساب الحزب في «إكس»)

واحتجت الكتلة البرلمانية لحزب «الديمقراطية والمساواة للشعوب»، المؤيد للأكراد، أمام البرلمان التركي. وندد النواب باستهداف الأكراد في حلب بوصفه «جريمة ضد الإنسانية»، مطالبين بإنهاء عملية الجيش السوري.

وقال نائب رئيس الكتلة البرلمانية للحزب، سزائي تملي: «إذا التزمتم الصمت حيال هذه القضية، فستستمر المجازر، لا أحد يُشكك في وحدة الأراضي السورية، و(قسد) تدافع فقط عن الحق في الحياة، لكننا نسمع هنا تصريحات من وزراء تُقوّض السلم الاجتماعي، يجب على السياسيين تحمل المسؤولية... لا تصمتوا عن هذه الجريمة ضد الإنسانية».


مقالات ذات صلة

سوريا: مئات المطلوبين في قبضة العدالة خلال 3 أشهر

المشرق العربي العميد الركن عاطف نجيب المسؤول السابق بالنظام السوري داخل المحكمة الجنائية بدمشق يحضر جلسة محاكمته الأولى في أبريل الماضي (إ.ب.أ)

سوريا: مئات المطلوبين في قبضة العدالة خلال 3 أشهر

«الاعتقالات المعلنة المتكررة تُعدُّ أداة لتأسيس سردية مؤسسية، تؤكد أن الدولة الجديدة قطعت مع ثقافة الإفلات من العقاب».

موفق محمد (دمشق)
المشرق العربي من مظاهرة كفرنبل (شبكة شام)

مطالبة في كفرنبل السورية بـ«ملاحقة شبيحة الأسد ومحاكمتهم»

إدارة مكافحة الإرهاب، بالتنسيق مع قيادات الأمن الداخلي في المحافظات، تواصل العمل على ملاحقة المجرمين تمهيداً لتقديمهم إلى القضاء المختص ومحاسبتهم.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي عناصر من قوات الأمن السوري (أرشيفية - وزارة الداخلية)

سوريا: توقيف مطلوب تورط بعمليات اعتقال وتغييب قسري في درعا

أعلنت وزارة الداخلية السورية اليوم (السبت) توقيف مطلوب تورط بعمليات اعتقال وتغييب قسري في محافظة درعا جنوب البلاد.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي من الاعتقالات التي تلت الهجوم قرب عين العرب (سانا)

اتهامات لـ«قسد» بالاعتداءات على حواجز الأمن في محيط «عين العرب» السورية

قال عضو علاقات «مسد» باقي حمزة لـ«الشرق الأوسط»: «ما يحصل هو تصرفات فردية وليست ضمن المخطط العام. مسد مع اتفاق 29 يناير الذي يجب أن يستمر».

موفق محمد (دمشق)
المشرق العربي الرئيس السوري أحمد الشرع (سانا)

الشرع: نسعى لوقف الحرب في لبنان لا الانخراط فيها

مصادر سورية: «دمشق تعد نفسها ذات مواقف واضحة وصريحة وجادة، تتمثل في ضبط الحدود، وقطع طرق التهريب، والتنسيق عالي المستوى مع الحكومة اللبنانية».

سعاد جروس (دمشق)

«اتفاق إيران» الإلكتروني على الأبواب


صورة نشرتها القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) أمس لطائرات فوق الحاملة «يو إس إس أبراهام لينكولن» أثناء عبورها بحر العرب
صورة نشرتها القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) أمس لطائرات فوق الحاملة «يو إس إس أبراهام لينكولن» أثناء عبورها بحر العرب
TT

«اتفاق إيران» الإلكتروني على الأبواب


صورة نشرتها القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) أمس لطائرات فوق الحاملة «يو إس إس أبراهام لينكولن» أثناء عبورها بحر العرب
صورة نشرتها القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) أمس لطائرات فوق الحاملة «يو إس إس أبراهام لينكولن» أثناء عبورها بحر العرب

أصبح التوقيع الإلكتروني على «اتفاق إيران» على الأبواب بعدما أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب، أمس ‌في ‌منشور على «تروث سوشيال»، أنه من المقرر ‌توقيع ‌الاتفاق اليوم (الأحد)، وأن ‌مضيق هرمز سيصبح «مفتوحاً للجميع» فور اكتمال التوقيع.

كما أعلن رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف، أن واشنطن وطهران توصلتا إلى «نص نهائي لمذكرة التفاهم بينهما»، وقال في منشور على «إكس»، السبت: «أصبحنا أقرب إلى الاتفاق من أي وقت مضى، مع توقع إتمامه خلال الساعات الـ24 المقبلة». وأضاف أن باكستان تستعد الآن للتوقيع إلكترونياً على الاتفاق الإطاري الذي ستعقبه محادثات فنية خلال أسبوع.

لكن متحدثاً من «الخارجية الإيرانية»، قال: «علينا الانتظار لمعرفة الموعد المحدد للتوقيع الذي لن يكون غداً (الأحد)»، مرجحاً حصوله في الأيام المقبلة.

في الأثناء نقلت «رويترز» عن مسؤول في الإدارة الأميركية قوله إن واشنطن توصلت إلى «اتفاق قوي» مع إيران، وإنها ‌ستشارك في فتح مضيق هرمز عبر ‌إزالة الألغام بمجرد اكتمال التوقيع.


4 عقد مؤجلة في «اتفاق إيران»... وإسرائيل أكثر تشككاً

ترمب يَعرض مذكرة وقَّعها للانسحاب من الاتفاق النووي الإيراني في 8 مايو 2018 (أرشيفية - أ.ب)
ترمب يَعرض مذكرة وقَّعها للانسحاب من الاتفاق النووي الإيراني في 8 مايو 2018 (أرشيفية - أ.ب)
TT

4 عقد مؤجلة في «اتفاق إيران»... وإسرائيل أكثر تشككاً

ترمب يَعرض مذكرة وقَّعها للانسحاب من الاتفاق النووي الإيراني في 8 مايو 2018 (أرشيفية - أ.ب)
ترمب يَعرض مذكرة وقَّعها للانسحاب من الاتفاق النووي الإيراني في 8 مايو 2018 (أرشيفية - أ.ب)

يميل الخبراء في واشنطن إلى الاعتقاد بأنَّ الاتفاق المرتقب مع إيران سيبقي 4 عقد أساسية معلقةً دون تسوية حاسمة وواضحة.

وتتعلق العقبة الأولى بتسلسل الخطوات في تنفيذ الاتفاق: هل تفتح إيران المضيق أولاً، أم تخفِّف واشنطن حصارها البحري وتفرج عن بعض الأموال المُجمَّدة؟

طهران تطالب بمكاسب اقتصادية مبكرة، بما في ذلك أموال مجمَّدة وتخفيف للعقوبات، بينما تصرُّ واشنطن على ألا تحصل إيران على فوائد ملموسة قبل تنفيذ التزامات واضحة. هذه النقطة حساسة سياسياً للرئيس الأميركي دونالد ترمب، الذي سبق أن انتقد بشدة أي إفراج مالي مبكِّر لإيران في الاتفاقات السابقة.

أما العقبة الثانية، فهي الملف النووي نفسه. الاتفاق الأولي يكتفي غالباً بتعهُّد عام من إيران بعدم تطوير أو امتلاك سلاح نووي، لكنه لا يحسم مستقبل التخصيب، ولا مصير المخزون العالي التخصيب، ولا آليات التفتيش. وهذا ما يثير خشية من أن تتحوَّل مهلة الـ60 يوماً إلى فرصة لإيران لإعادة ترتيب أوراقها لا إلى مسار تفكيك حقيقي.

العقبة الثالثة تتصل بالصواريخ والمسيّرات والوكلاء الإقليميِّين. فبحسب مايكل سينغ، المسؤول السابق في مجلس الأمن القومي والباحث في معهد واشنطن، يبدو أنَّ الاتفاق يقوم على مقايضة مركزية: فتح «هرمز» مقابل رفع الحصار عن الموانئ الإيرانية.

لكن سينغ يرى أن الاتفاق على الأرجح لا يعالج برنامج الصواريخ والمسيّرات إلا بصورة محدودة، ولا يتضمَّن أكثر من إعلان نيات بشأن الملف النووي، تاركاً القضايا الأوسع إلى مفاوضات لاحقة.

ويبقى لبنان العقدة الرابعة. فإيران تريد إدخال وقف الحرب هناك ضمن التسوية، بما يشمل «حزب الله» والوجود الإسرائيلي في الجنوب. لكن هذا يضع واشنطن أمام معضلة: كيف تمنع انهيار الاتفاق من دون أن تظهر كأنها تقيِّد حرية إسرائيل في مواجهة «حزب الله»؟

إسرائيل قلقة من اتفاق ناقص

وتبدو إسرائيل الطرف الأكثر تشككاً في الاتفاق المرتقب. فبالنسبة إلى رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، لم تكن الحرب على إيران تهدف فقط إلى وقف التصعيد في «هرمز»، بل إلى ضرب البرنامج النووي، وتقييد الصواريخ، وإضعاف شبكة الوكلاء، وربما تغيير ميزان القوة داخل إيران نفسها. لذلك، فإنَّ اتفاقاً يوقف الحرب من دون تحقيق هذه الأهداف سيبدو في الداخل الإسرائيلي تنازلاً كبيراً.

وقد أبلغ ترمب رئيسَ الوزراء بنيامين نتنياهو، وفق ما نُقل عن مسؤولين أميركيين، أنَّ الاتفاق قريب، وأنَّ «وقت إنهاء الحرب» قد حان.

لكن القبول الإسرائيلي يبدو اضطرارياً أكثر منه اقتناعاً. فوزير الدفاع، يسرائيل كاتس، شدَّد على أنَّ إسرائيل تحتفظ بحقها في العمل منفردة لمنع إيران من امتلاك سلاح نووي، كما أكد أنَّها لن تنسحب تلقائياً من مواقع في لبنان لمجرد أنَّ الاتفاق الأميركي ـ الإيراني يتضمَّن وقفاً للتصعيد هناك.

ويرى روبرت ساتلوف، المدير التنفيذي لمعهد واشنطن في الندوة نفسها، أن لبنان كان الساحة التي حاولت إيران استخدامها لدق إسفين بين واشنطن وتل أبيب، عبر ربط مسار «حزب الله» بالمفاوضات الأميركية ـ الإيرانية. وبحسب تقديره، فإنَّ اتفاقاً محدوداً يقتصر على تمديد وقف النار وحل مسألة «هرمز» سيترك أسئلةً جوهريةً بلا إجابة، وسيُشكِّل مشكلةً سياسيةً وأمنيةً كبرى لنتنياهو.

عراقجي يتسلم رسالةً نقلها وزير الداخلية الباكستاني محسن نقوي إلى طهران (الخارجية الإيرانية)

اتفاق لا يحسم جوهر الأزمة

المطروح حتى الآن ليس اتفاقاً شاملاً ينهي أسباب الحرب، بل مذكرة تفاهم تفتح مرحلةً تفاوضيةً جديدةً. فالصيغة المتداولة تقوم على وقف القتال، وإعادة فتح مضيق «هرمز» أمام الملاحة، وتراجع الولايات المتحدة عن حصارها البحري للموانئ والتجارة الإيرانيتَّين، على أن تبدأ بعد ذلك مفاوضات تمتد نحو 60 يوماً حول البرنامج النووي والعقوبات والضمانات المطلوبة.

وتقول واشنطن إنَّ الاتفاق يجب أن يتضمَّن تعهداً إيرانياً بعدم تطوير أو امتلاك سلاح نووي، مع التزام لاحق بتفكيك عناصر البرنامج النووي، والتخلص من مخزون اليورانيوم العالي التخصيب. لكن طهران تبدو حريصةً على ترك الملفات النووية الأكثر حساسية إلى المرحلة النهائية، بما يمنحها هامشاً للمناورة. لذلك، فإنَّ التفاؤل بقرب التوقيع لا يعني أنَّ الخلافات انتهت، بل إنَّ الطرفين توصَّلا إلى صيغة تؤجِّل الأصعب.


«الكردستاني» يشترط حرية أوجلان والهوية القانونية للأكراد للسلام مع تركيا

أكراد يرفعون صوراً لزعيم حزب «العمال الكردستاني» عبد الله أوجلان مطالبين بإطلاق سراحه خلال مسيرة في ديار بكر جنوب شرقي تركيا يوم 15 مايو الماضي (رويترز)
أكراد يرفعون صوراً لزعيم حزب «العمال الكردستاني» عبد الله أوجلان مطالبين بإطلاق سراحه خلال مسيرة في ديار بكر جنوب شرقي تركيا يوم 15 مايو الماضي (رويترز)
TT

«الكردستاني» يشترط حرية أوجلان والهوية القانونية للأكراد للسلام مع تركيا

أكراد يرفعون صوراً لزعيم حزب «العمال الكردستاني» عبد الله أوجلان مطالبين بإطلاق سراحه خلال مسيرة في ديار بكر جنوب شرقي تركيا يوم 15 مايو الماضي (رويترز)
أكراد يرفعون صوراً لزعيم حزب «العمال الكردستاني» عبد الله أوجلان مطالبين بإطلاق سراحه خلال مسيرة في ديار بكر جنوب شرقي تركيا يوم 15 مايو الماضي (رويترز)

أعلن حزب «العمال الكردستاني» تمسكه بإطلاق سراح زعيمه السجين عبد الله أوجلان، والاعتراف القانوني بالهوية الكردية، كشرطين أساسيين لتحقيق السلام مع تركيا، ورفض التركيز على قضية نزع أسلحة الحزب من جانب واحد، مؤكداً أن الأمر يتطلب تنازلات سياسية شاملة من الدولة.

وبينما يتصاعد النقاش في تركيا بشأن «قانون إطاري» مقترح لـ«عملية السلام والمجتمع الديمقراطي»، أو ما تطلق عليها الحكومة «عملية تركيا خالية من الإرهاب»، أكد عضو اللجنة التنفيذية في منظومة «المجتمع الكردستاني» (الكيان الجامع للتنظيمات الكردية، بما فيها «العمال الكردستاني») القائد العام لـ«قوات الدفاع الشعبي» (الجناح العسكري للحزب)، مراد كارايلان، أن إطلاق سراح أوجلان والاعتراف القانوني بالهوية الكردية شرطان أساسيان لتحقيق السلام مع تركيا.

شرطان أساسيان

ورفض كارايلان في تصريحات لـ«وكالة أنباء فرات» القريبة من الحزب، نقلتها وسائل إعلام تركية السبت، فكرة أن يقوم حزب «العمال الكردستاني» بنزع أسلحته من جانب واحد دون تقديم تنازلات سياسية شاملة من جانب الدولة التركية.

القيادي في حزب «العمال الكردستاني» مراد كارايلان (رويترز)

وقال: «يجب أولاً إطلاق سراح (القائد آبو/ أوجلان)»، لافتاً إلى ضرورة توضيح وضعه، بشكل جذري، قبل إحراز أي تقدم في مفاوضات السلام؛ لأن أي تسوية جديدة تتطلب أن يتولى دور «المفاوض الرئيسي» والمحاور الأساسي فيها.

وأضاف: «لكي يتم إلقاء السلاح، يجب أن يقود أوجلان بنفسه هذه العملية، أو بعبارة أخرى، يجب أن يكون حراً»، رافضاً في الوقت ذاته التركيز الضيق على عملية نزع السلاح، وحذر من أن الحزب لن يقبل تشريعات تقوم على هذا الأمر فقط.

ولم تقتصر مطالب «العمال الكردستاني»، التي عبر عنها كارايلان، على مصير أوجلان فقط؛ إذ أكد أن التوصل إلى حل دائم يتطلب تحولاً جذرياً في عقلية الدولة التركية، مطالباً بالاعتراف القانوني المكتوب بوجود الشعب الكردي ضمن قوانين الجمهورية.

مجموعة من عناصر حزب «العمال الكردستاني» خلال مراسم رمزية لإحراق الأسلحة في جبل قنديل بشمال العراق يوم 11 يوليو 2025 (رويترز)

وأشار كارايلان إلى أنه إذا أوفت تركيا بالشرطين الأساسيين (تحرير أوجلان والاعتراف القانوني بالأكراد)، فإن حزب «العمال الكردستاني» سينظر حينها في «قانون اندماج ديمقراطي» من شأنه أن يُسهل عملية الحل.

ووصف الوضع الجيوسياسي الراهن بأنه «عملية استثنائية» سيُحدد فيها مصير الشعب الكردي خلال السنوات القليلة المقبلة، مشيراً إلى ضرورة صياغة استراتيجية موحدة للفصائل الكردية لمنع القوى الخارجية من فرض مخططات إقليمية غير مرغوب فيها.

ولفت كارايلان إلى تصريحات أوجلان السابقة، التي نقلها وفد «إيمرالي» التابع لحزب «الديمقراطية والمساواة للشعوب» التركي المؤيد للأكراد، والتي قال فيها: «لا ينبغي لأحد أن يسيء فهم الأمر؛ لم نتوصل إلى اتفاق مع أي طرف. إنها عملية نضال».

تحدٍّ للحكومة التركية

وتشكل تصريحات كارايلان تحدياً للحكومة التركية؛ لأن الاعتراف القانوني بالهوية الكردية والإفراج عن شخصية مدانة بتهمة «الخيانة والانفصالية» (أوجلان)، من شأنهما أن يُثيرا ردود فعل داخلية عنيفة، لا سيما من القوميين، في وقت يقترب فيه موعد الانتخابات البرلمانية والرئاسية المقررة في 2028، والتي قد يجري تقديم موعدها لتجرى مبكراً في خريف 2027.

أفادت تقارير باستعجال إردوغان وضع اللوائح القانونية المتعلقة بعملية السلام قبل العطلة الصيفية للبرلمان (الرئاسة التركية)

في الوقت ذاته، ذكرت تقارير صحافية تركية أن الرئيس رجب طيب إردوغان أصدر تعليمات بالتحرك لوضع التشريعات الخاصة بعملية «تركيا خالية من الإرهاب» (السلام)، قبل عطلة البرلمان الصيفية التي تبدأ في يوليو (تموز) المقبل.

وكشفت التقارير نقلاً عن مصادر بالحكومة أن عملية تسليم كهوف وأسلحة حزب «العمال الكردستاني» في شمال العراق قد استؤنفت، وأن اجتماعاً عُقد في سجن «إيمرالي» بين مسؤولين في الحكومة وأوجلان.

وحسب المصادر، فإن اللوائح القانونية المقترحة، التي لا تشمل سوى أعضاء حزب «العمال الكردستاني»، قد تتحول إلى «عفو عام»؛ نظراً لانتهاكها مبدأ المساواة؛ إذ إنه من المستحيل تجنب قيام المحكمة الدستورية بإلغاء «القانون الإطاري» إذا لم يتم تطبيقه على جميع السجناء، ما يعني إطلاق سراح المدانين بجرائم قتل النساء والاغتصاب، ومرتكبي الاعتداءات على الأطفال، والمحتالين، وأعضاء حركة «الخدمة» التابعة للداعية الراحل فتح الله غولن، المتهمة بتدبير محاولة الانقلاب الفاشلة عام 2016، وهو ما سيكون أسوأ رسالة يمكن توجيهها قبل الانتخابات.

نزع الأسلحة كأساس

ورداً على مطالبات الجانب الكردي بتسريع وضع «القانون الإطاري»، قال رئيس البرلمان نعمان كورتولموش إنه لتسريع العملية يتعين على أجهزة الأمن تفعيل آليات رقابة قابلة للقياس والتحقق من نزع أسلحة «المنظمة الإرهابية» (حزب العمال الكردستاني)، ثم استكمال العملية بإقرار القوانين اللازمة في البرلمان.

رئيس البرلمان التركي نعمان كورتولموش (حساب البرلمان في «إكس»)

وأضاف كورتولموش، في تصريحات، أن تقدماً أُحرز في العملية، وأن المسألتين اللتين كانتا تشكلان عقبتين أمام «العمال الكردستاني» في عملية إلقاء السلاح قد أُزيلتا، وهما اندماج «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) في مؤسسات الدولة السورية، وعدم تنفيذ مشروع تسليح «حزب الحياة الحرة الكردستاني» (بيجاك)، للمشاركة في الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران.

ولفت إلى أنه سيعقد لقاء مع رئيس المخابرات التركية، إبراهيم كالين، للاستماع مباشرة إلى آخر المستجدات والمعلومات المتوفرة لديه حول نزع أسلحة «العمال الكردستاني».