17 عاماً بعد الأزمة... كيف تقود واشنطن موجة التخفيف التنظيمي للبنوك عالمياً؟

المصارف الكبرى: بين التيسير التنظيمي الأميركي وتحديات المخاطر الدولية

ناطحات سحاب كاناري وورف وذا شارد منعكسة على زجاج «غاردن آت 120» في الحي المالي بلندن (رويترز)
ناطحات سحاب كاناري وورف وذا شارد منعكسة على زجاج «غاردن آت 120» في الحي المالي بلندن (رويترز)
TT

17 عاماً بعد الأزمة... كيف تقود واشنطن موجة التخفيف التنظيمي للبنوك عالمياً؟

ناطحات سحاب كاناري وورف وذا شارد منعكسة على زجاج «غاردن آت 120» في الحي المالي بلندن (رويترز)
ناطحات سحاب كاناري وورف وذا شارد منعكسة على زجاج «غاردن آت 120» في الحي المالي بلندن (رويترز)

بعد مرور سبعة عشر عاماً على الأزمة المالية العالمية التي اندلعت أواخر عام 2007، بدأت الهيئات التنظيمية حول العالم في تخفيف الإجراءات البيروقراطية المفروضة على البنوك، سعياً منها للحفاظ على قدرة المقرضين على المنافسة وتحفيز اقتصاداتها.

وتقود إدارة ترمب هذه الجهود، بما في ذلك اتخاذ تدابير لتقليل حجم رأس المال الذي يُلزَم المقرضون بتخصيصه. ويثير خفض متطلبات رأس المال قلق بعض المراقبين من أن الولايات المتحدة قد أشعلت شرارة تراجع عالمي عن اللوائح المصممة لحماية الأنظمة المالية، في وقت تزداد فيه المخاوف بشأن فقاعات السوق ومخاطر الاستقرار المالي، وفق «رويترز».

مبنى بنك الاحتياطي الفيدرالي في واشنطن (رويترز)

المشهد العالمي

على المستوى الدولي، يُفترض أن تتوافق الهيئات التنظيمية في كل دولة مع نظام «بازل» التنظيمي، الذي وُضع بعد الأزمة المالية العالمية عام 2008، ويهدف لضمان تطبيق معايير دنيا لرأس المال في جميع أنحاء العالم، بما يتيح للمقرضين تجاوز خسائر القروض خلال فترات الأزمات، ويُحقق تكافؤ الفرص بين البنوك.

لكن في الواقع، هناك مساحة واسعة للمناورة، كما يتضح من اختلاف طرق تطبيق أحدث القواعد المعروفة باسم «نهاية بازل 3».

وأرجأ كل من البنك المركزي الأوروبي وبنك إنجلترا تطبيق أجزاء رئيسية من هذه القواعد، مثل تلك المتعلقة بأنشطة التداول المصرفي، في انتظار الخطوات التي ستتخذها الولايات المتحدة.

الولايات المتحدة مقابل أوروبا

تبدو متطلبات نسبة رأس المال للبنوك في منطقة اليورو وبريطانيا والولايات المتحدة متشابهة نظرياً.

يحدد الاحتياطي الفيدرالي نسبة رأس المال الأساسي من المستوى الأول (CET1) - وهو المقياس الأكثر شيوعاً لرأس المال - بين 10.9 في المائة و11.8 في المائة بعد إضافة بنود خاصة ببنوك «وول ستريت» الكبرى، مثل «جي بي مورغان» و«سيتي» و«غولدمان ساكس».

أما في منطقة اليورو، فيبلغ متوسط نسبة رأس المال الأساسي من المستوى الأول لدى البنك المركزي الأوروبي 11.2 في المائة للمقرضين، بما في ذلك «دويتشه بنك» و«سانتاندير» و«بي إن بي باريبا»، بالإضافة إلى متطلبات «الركيزة الثانية» الخاصة بكل بنك، والتي تبلغ نحو 1.2 في المائة.

وخفضت لجنة السياسة المالية في بنك إنجلترا الحد الأدنى لنسبة رأس المال الأساسي من المستوى الأول إلى 11 في المائة، دون احتساب الإضافات الخاصة بكل بنك، والتي قد تصل حالياً إلى حوالي 2.5 في المائة للبنوك الكبرى.

وتحتفظ جميع البنوك الكبرى برأس مال يفوق المطلوب، حيث تهدف هذه الاحتياطيات الذاتية لتهدئة المخاوف التنظيمية وتعزيز ثقة المستثمرين.

مبنى البنك المركزي الأوروبي في فرنكفورت (رويترز)

هل يمكن المقارنة بين البنوك؟

وفقاً للرؤساء التنفيذيين للبنوك الكبرى، تواجه بنوكهم تحديات أكبر من مجرد أرقام رأس المال. فمقارنة النسب البسيطة قد تكون مضللة، إذ تتبنى الهيئات الرقابية الاحترازية مناهج مختلفة تعكس اختلاف القطاعات المصرفية المحلية.

وتتألف قواعد رأس المال من جزأين: ترجيح المخاطر، الذي يقيس مخاطر أصول البنك، ونسبة رأس المال، التي تحدد حجم رأس المال الذي يجب على البنك الاحتفاظ به كنسبة من تلك الأصول.

على عكس المملكة المتحدة ومنطقة اليورو، لا تستطيع البنوك الأميركية الاعتماد على نماذجها الداخلية لتحديد ترجيح المخاطر، ما يعني غالباً قيوداً أكثر صرامة للبنوك الكبيرة.

وقالت جاكي إينيك، كبيرة مسؤولي الاستثمار في شركة «سبرينغ إنفستمنتس» ومحللة مصرفية سابقة: «قد يكون النهج الأميركي أكثر صرامة، على سبيل المثال». كما يعكس ارتفاع ترجيح المخاطر في الولايات المتحدة اختلاف النماذج؛ إذ تميل البنوك الأميركية إلى بيع قروض الرهن العقاري السكني إلى مؤسستي «فاني ماي» و«فريدي ماك»، بينما تبقى هذه القروض في الميزانيات العمومية للبنوك الأوروبية والبريطانية.

التخفيف التنظيمي في الولايات المتحدة

تعمل الهيئات التنظيمية الأميركية، التي عينها الرئيس ترمب، على تأجيل وتخفيف تطبيق القواعد الجديدة، بالإضافة إلى مراجعة وإعادة صياغة لوائح رأس المال الحالية، بحجة جعلها أكثر ملاءمة للمخاطر الفعلية.

وتشمل المقترحات، بقيادة ميشيل بومان من مجلس الاحتياطي الفيدرالي، تعديل قواعد الرافعة المالية، والرسوم الإضافية على المؤسسات المالية ذات الأهمية النظامية العالمية، وإعادة النظر في متطلبات المرحلة النهائية من اتفاقية «بازل 3».

كما يُجري الاحتياطي الفيدرالي إصلاحاً شاملاً لاختبارات الضغط السنوية للبنوك الكبيرة، وهو تحول متوقع أن يقلص رأس المال الذي يجب على البنوك الاحتفاظ به لمواجهة الخسائر المحتملة، ما يمنح المقرضين الأميركيين فائضاً أكبر بكثير في رأس المال. وقدّر محللو «مورغان ستانلي» أن هذه التغييرات المحتملة قد تُتيح للبنوك الأميركية تريليون دولار إضافية في قدرتها على الإقراض.

مع ذلك، لا يعني هذا بالضرورة أن البنوك ستزيد من القروض، إذ قد تفضل بعضها زيادة توزيعات الأرباح على المستثمرين أو تمويل عمليات الاستحواذ.

واجهة مبنى بنك لندن وسط العاصمة (رويترز)

موقف منطقة اليورو وبريطانيا واليابان

يسعى كل من البنك المركزي الأوروبي وبنك إنجلترا إلى تخفيف الأعباء عن البنوك، لكن بطرق محدودة، مع الإشارة إلى عدم وجود سباق نحو تبسيط الإجراءات التنظيمية.

وأعلن البنك المركزي الأوروبي في ديسمبر (كانون الأول) عن خطط لتبسيط قواعده مع الحفاظ على مستويات رأس المال، رغم ضغوط البنوك التي ترى أن مرونة أكبر ستتيح مزيداً من الإقراض لتعزيز النمو الاقتصادي. وقال خوسيه مانويل كامبا، الرئيس السابق للهيئة المصرفية الأوروبية: «البنوك ذات رأس المال الجيد أفضل بكثير في اتخاذ قرارات الإقراض، ولا يعني انخفاض متطلبات رأس المال بالضرورة زيادة القدرة التنافسية».

وخفض بنك إنجلترا الشهر الماضي تقديره الرئيسي لاحتياجات رأس المال المصرفي على مستوى النظام المصرفي بنسبة نقطة مئوية واحدة إلى 13 في المائة، وهذا هو أول انخفاض في الأسعار منذ الأزمة المالية. وأعلن عن مراجعة نسبة الرافعة المالية التي تحدد الحد الأدنى لرأس المال الواجب الاحتفاظ به نسبةً إلى إجمالي الانكشافات. ووصف المحللون هذه التغييرات بأنها مهمة لكنها مدروسة.

أما في اليابان، فقد مضت هيئة تنظيم القطاع المصرفي قدماً في تطبيق إطار «بازل 3» النهائي، الذي دخل حيز التنفيذ بالنسبة للبنوك الثلاثة الكبرى في نهاية مارس (آذار) 2024، بعد أن أرجأت سابقاً تطبيق القواعد خلال جائحة «كورونا» والحرب في أوكرانيا.

ما وراء رأس المال

هناك جوانب أخرى تتجاوز مجرد حجم متطلبات رأس المال.

في سويسرا، على سبيل المثال، ترغب الحكومة في تشديد القواعد المتعلقة بما يُعد رأس مال، ما أثار استياء بنك «يو بي إس». وهناك أطر خاصة بكل دولة، مثل نظام الفصل المصرفي البريطاني الذي يُلزم بنوكاً مثل «باركليز» و«إتش إس بي سي» بفصل رسملة وحدات التجزئة المصرفية عن عملياتها الاستثمارية.

شعار بنك «يو بي إس» السويسري في فرع البنك بالصين (رويترز)

وفقاً للخبير الاقتصادي إنريكو بيروتي من جامعة أمستردام، غالباً ما يكون إنفاذ الرقابة أهم من نسب رأس المال المعلنة في تحديد ما تحتفظ به البنوك فعلياً. وأضاف أن هذا ينطبق بشكل خاص على الولايات المتحدة، حيث تعكس السياسات التنظيمية لعهد ترمب توجهاً لإبعاد الجهات الرقابية عن البنوك، ما يجعل التركيز أقل على الأرقام وأكثر على التنفيذ العملي.


مقالات ذات صلة

اكتتاب «سبايس إكس»... ثراء تاريخي لماسك وتحوُّل في صراع التكنولوجيا بين واشنطن وبكين

الاقتصاد صورة أرشيفية للملياردير الأميركي إيلون ماسك وخلفه نماذج لمركبات شركة «سبايس إكس» (د.ب.أ)

اكتتاب «سبايس إكس»... ثراء تاريخي لماسك وتحوُّل في صراع التكنولوجيا بين واشنطن وبكين

لا يبدو طرح «سبايس إكس» أسهمها للاكتتاب العام حدثاً مالياً عادياً، حتى بمقاييس «وول ستريت» التي اعتادت المبالغات في تسعير شركات التكنولوجيا.

إيلي يوسف (واشنطن)
الاقتصاد سيدة تقرأ صحيفة أمام متجرها في مدينة هونغ كونغ (أ.ف.ب)

قروض الصين الجديدة تُخيّب التوقعات في مايو

ارتفعت قروض البنوك الصينية الجديدة في مايو (أيار) بأقل من المتوقع بعد انكماشها في الشهر السابق.

«الشرق الأوسط» (بكين)
الاقتصاد محافظ بنك فرنسا إيمانويل مولان يلوح بيده خلال منتدى باريس للتمويل يوم 9 يونيو 2026 (أ.ف.ب)

محافظ بنك فرنسا: أزمة الطاقة ستترك آثاراً طويلة الأمد

قال محافظ بنك فرنسا، إيمانويل مولان، إن أزمة الطاقة الناجمة عن الصراع في الشرق الأوسط بدأت بالفعل تدفع مستويات الأسعار إلى الارتفاع.

«الشرق الأوسط» (باريس)
الاقتصاد مارة يمرون بجوار عرض لصور لاعبي كرة قدم دوليين خارج متجر لشركة «نايكي» يوم 10 يونيو 2026 في سانتا مونيكا بولاية كاليفورنيا الأميركية (أ.ف.ب)

كأس العالم 2026... فرصة استثمارية تعزز أسهم شركات عالمية

تتوقع الأسواق استفادة شركات الرياضة والسياحة والدفع والإعلام من التوسع غير المسبوق لكأس العالم 2026 وزيادة الإنفاق والمشاهدات العالمية.

«الشرق الأوسط» (باريس)
الاقتصاد رجل وامرأة يحتفلان بزواجهما أمام مقر بنك اليابان في وسط العاصمة طوكيو (رويترز)

الشركات اليابانية الصغيرة تعاني ضغوط حرب إيران

أشار استطلاع ياباني إلى أن ارتفاع تكاليف المشتريات يُعدّ أكبر ضغوط حرب الشرق الأوسط على الشركات الصغيرة والمتوسطة.

«الشرق الأوسط» (طوكيو)

بصمة خليجية فارقة في طرح «سبيس إكس»

إيلون ماسك يتحدث عبر شاشة عرض عن بُعد من مقر «سبايس إكس» بتكساس قبيل إطلاق الاكتتاب العام الأولي للشركة في بورصة ناسداك (أ.ف.ب)
إيلون ماسك يتحدث عبر شاشة عرض عن بُعد من مقر «سبايس إكس» بتكساس قبيل إطلاق الاكتتاب العام الأولي للشركة في بورصة ناسداك (أ.ف.ب)
TT

بصمة خليجية فارقة في طرح «سبيس إكس»

إيلون ماسك يتحدث عبر شاشة عرض عن بُعد من مقر «سبايس إكس» بتكساس قبيل إطلاق الاكتتاب العام الأولي للشركة في بورصة ناسداك (أ.ف.ب)
إيلون ماسك يتحدث عبر شاشة عرض عن بُعد من مقر «سبايس إكس» بتكساس قبيل إطلاق الاكتتاب العام الأولي للشركة في بورصة ناسداك (أ.ف.ب)

حققت الصناديق الخليجية بصمةً فارقةً في الطرح التاريخي لشركة «سبيس إكس» التي وضعتها في صدارة قائمة المكتتبين الاستراتيجيين بأسهمها، في الوقت الذي تلقت فيه صناديق التحوط العالمية تخفيضات حادة في طلباتها بسبب التدافع القياسي الذي تجاوز 250 مليار دولار.

ووفق نشرة الاكتتاب العامة للشركة، التي مثلت أكبر عملية جمع أموال في تاريخ أسواق المال، فإن صناديق الثروة السيادية والمستثمرين في دول «مجلس التعاون الخليجي» لم يكونوا مجرد مشاركين عابري القارات، بل شكلوا العمود الفقري والمحرك الأساسي لأضخم عملية جمع أموال في تاريخ الأسواق المالية.

جاء التوزيع الخليجي الرسمي في صدارة قائمة كبار المكتتبين، إذ حصل كل من «صندوق الاستثمارات العامة» السعودي، و«جهاز قطر للاستثمار»، و«الهيئة العامة للاستثمار الكويتية»، على حصص تبلغ قيمتها أكثر من مليار دولار لكل منها كتخصيص نهائي. وبدأ تداول أسهم شركة «سبيس إكس» رسمياً في بورصة ناسداك يوم الجمعة، بقيمة سوقية بلغت 1.78 تريليون دولار.


هبوط «غير مسبوق» للجنيه السوداني يفاقم الأوضاع المعيشية

هبط سعر صرف الجنيه السوداني إلى مستوى قياسي ليعادل نحو 6000 جنيه مقابل الدولار (رويترز)
هبط سعر صرف الجنيه السوداني إلى مستوى قياسي ليعادل نحو 6000 جنيه مقابل الدولار (رويترز)
TT

هبوط «غير مسبوق» للجنيه السوداني يفاقم الأوضاع المعيشية

هبط سعر صرف الجنيه السوداني إلى مستوى قياسي ليعادل نحو 6000 جنيه مقابل الدولار (رويترز)
هبط سعر صرف الجنيه السوداني إلى مستوى قياسي ليعادل نحو 6000 جنيه مقابل الدولار (رويترز)

هبط سعر صرف الجنيه السوداني إلى مستوى قياسي ليعادل نحو 6000 جنيه مقابل الدولار الواحد، في حين قال رئيس «مجلس السيادة» الانتقالي، القائد العام للجيش، عبد الفتاح البرهان، إن الأزمات التي تمر بها البلاد «مفتعلة».

وأدى التسارع الكبير في تدني قيمة العملة الوطنية إلى تفاقم الأوضاع المعيشية بصورة «غير مسبوقة» في السودان، إذ ارتفعت أسعار السلع الأساسية، في مقابل الانخفاض الكبير في دخول المواطنين.

ورصدت «الشرق الأوسط» تحركات شبه يومية في قيمة العملة المحلية أمام الدولار، نظراً لتكالب التجار والمستوردين على الدولار من السوق السوداء، وسط نقص كبير في السوق الرسمية.

وقال البرهان في زيارة إلى منطقة العيلفون التي تبعد نحو 30 كيلومتراً عن وسط العاصمة الخرطوم، إن هناك مؤامرات تحاك ضد الوطن، محذراً من أن الدولة لن تتسامح مع أي شخص يهدد حياة المواطنين.

وأشار في خطابه إلى أن الأزمات في الكهرباء والوقود تتم بفعل فاعل.

وتعاني مناطق واسعة في البلاد من نقص حاد في التيار الكهربائي والوقود، إضافة إلى غلاء في أسعار المواد الغذائية، وسط تحذيرات من ارتفاع معدلات التضخم تجاوزت مستويات قياسية نتيجة لظروف الصراع المستمر في البلاد.

ويشكو مواطنو الخرطوم من انقطاع الكهرباء لساعات طويلة، وتدافع أصحاب السيارات الخاصة ومركبات النقل داخل محطات تعبئة الوقود جراء نقص الكميات المستوردة.

رئيس مجلس السيادة الانتقالي القائد العام للجيش عبد الفتاح البرهان (إكس)

يأتي حديث البرهان بعد ساعات قليلة من إعلان مجلس الوزراء السوداني، بقيادة كامل إدريس، دخول الحكومة في استيراد المشتقات البترولية (الغازولين والبنزين) لضبط السوق والتحكم في سعر الصرف.

وفي هذا الصدد قال وزير الثقافة والإعلام، خالد الإعيسر، إن جهات الاختصاص ممثلة في وزارتي المالية والطاقة وبنك السودان المركزي والأمن الاقتصادي، عليها إنفاذ القرار.

وأضاف أن مجلس الوزراء أصدر توجيهات للأجهزة الأمنية لاتخاذ ما يلزم لحماية الاقتصاد الوطني.

تزايد الصعوبات المعيشية

أدى التسارع الكبير في تدني قيمة العملة الوطنية إلى تفاقم الأوضاع المعيشية بصورة «غير مسبوقة»، إذ ارتفعت أسعار السلع الأساسية، في مقابل الانخفاض الكبير في دخول المواطنين.

ويدفع النقص الكبير في الاحتياطي النقدي للعملات في البنك المركزي التجار والمستوردين إلى الشراء من «السوق السوداء»، في وقت تتحرك فيه مؤشرات سعر الصرف الرسمي وفي السوق السوداء يومياً لتسجل انخفاضاً جديداً.

وقال متعاملون في العملة لــ«الشرق الأوسط»: «مؤشرات سعر الصرف تتحرك يومياً لتسجل انخفاضاً جديداً... بلغ سعر الدولار الواحد 4700 جنيه، بينما أعلى سعر لامسه 4800 جنيه».

وقال تاجر في السوق الموازية (السوداء): «الأسعار غير ثابتة وتتحرك على مدار اليوم»، مضيفاً: «نفذنا عمليات بيع مقابل 4840 جنيهاً للدولار»، مشيراً إلى أن بعض التحويلات الخارجية وصلت إلى قرابة 6000 جنيه للدولار الواحد.

وعزا انخفاض العملة الوطنية إلى قلة العرض وزيادة الطلب الكبير على شراء الدولار لتسيير حركة الاستيراد من الخارج.

ومنذ اندلاع الحرب بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع» تعرّض الاقتصاد السوداني لصدمات موجعة جراء تدمير البنية التحتية للصناعة وشلل كبير في حركة التجارة.

وحذر خبراء اقتصاديون في وقت سابق من أن هذا الوضع سيؤدي إلى تراجع قيمة الجنيه السوداني، وحالة من الركود والانكماش وتضخم حاد ستنعكس آثاره مباشرة على رفع تكلفة المعيشة بزيادة أسعار السلع.

وأدخلت الحرب نصف سكان البلاد البالغ عددهم 40 مليوناً إلى دائرة الاحتياجات للمساعدات الإنسانية.

ويعاني السودان من ضغوط اقتصادية كبيرة، بسبب الحرب الدائرة بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع» منذ أبريل (نيسان) 2023، التي ألحقت أضراراً واسعة بالبنية التحتية بالنفط ومصادر الطاقة التي كانت قبل الحرب تغطي نحو 70 في المائة من الاستهلاك المحلي من الكهرباء والوقود.


الطلب على الذهب يدفع بساعات فاخرة إلى الأفران

ساعة فاخرة قديمة تُوضع في فرن لصهرها واستخراج الذهب منها في لندن 10 يونيو 2026 (رويترز)
ساعة فاخرة قديمة تُوضع في فرن لصهرها واستخراج الذهب منها في لندن 10 يونيو 2026 (رويترز)
TT

الطلب على الذهب يدفع بساعات فاخرة إلى الأفران

ساعة فاخرة قديمة تُوضع في فرن لصهرها واستخراج الذهب منها في لندن 10 يونيو 2026 (رويترز)
ساعة فاخرة قديمة تُوضع في فرن لصهرها واستخراج الذهب منها في لندن 10 يونيو 2026 (رويترز)

مع اقتراب أسعار الذهب من المستويات القياسية التي سجلتها في يناير (كانون الثاني)، صُهرت بعض هذه الساعات الكلاسيكية، لأن قيمة محتواها من المعدن الأصفر تفوق قيمتها عند إعادة البيع.

فقد ظهرت ساعة من طراز «كونستليشن» من «أوميغا» في الحملات الإعلانية والأفلام وفي حفل «ميت غالا» الشهير، حيث ارتداها نجوم مثل جورج كلوني ونيكول كيدمان، مما جعلها رمزاً للرفاهية والأناقة.

ووفقاً لمقابلات أجرتها «رويترز» مع أكثر من 10 تجار وخبراء في القطاع ومستشارين استثماريين، فإن الأنواع المستعملة من علامات تجارية مثل «أوميغا» و«تاج هوير»، التابعة لمجموعة «إل في إم إتش»، هي الأكثر تضرراً من هذا التوجه.

وصهر التاجر البريطاني جون وايت من شركة «غولد تريدرز» ساعة «كونستليشن» من عيار 18 قيراطاً تعود إلى أواخر سبعينات القرن الماضي وكانت بحالة ممتازة في مايو (أيار)، لتكون واحدة من عشرات الساعات الفاخرة الشائعة التي صهرها هذا العام مع ارتفاع الطلب على الذهب بصفته أداة استثمارية.

وقال وايت، الذي يدير أيضاً دار مزادات، لـ«رويترز»: «ساعة جميلة. لكن في الواقع، ماذا كان سيحقق العميل لو عرضها في مزاد؟».

آدم هول كبير مسؤولي الصهر يضع الذهب القديم بما في ذلك الساعات الفاخرة في فرن لصهرها بشركة «هاتون غاردن ميتالز» في لندن (رويترز)

وأضاف أن قيمة الذهب الموجودة في ساعة «كونستليشن» تلك -وهي واحدة من عدة طرز تنتجها شركة «أوميغا» التابعة لمجموعة «سواتش»- بلغت نحو 5750 جنيهاً إسترلينياً (7749 دولاراً)، أي أعلى بنسبة 35 في المائة من قيمتها التقديرية في المزاد التي تتراوح بين 4 آلاف و4500 جنيه إسترليني.

وقال مؤسس وحدة الساعات المستعملة «أنالوغ شيفت» التابعة لشركة «ووتشز أوف سويتزرلاند»، جيمس لامدين، إن عمليات الصهر «تتركز بشكل رئيسي على الساعات الحديثة المستعملة، وكذلك في الساعات الكلاسيكية الأقدم التي لا تُعدّ ضمن القطع القابلة للاقتناء».

الذهب السائل

ارتفعت أسعار الذهب إلى مستوى قياسي بلغ 5600 دولار للأوقية (الأونصة) في يناير، إذ دفعت المخاوف الجيوسياسية والتجارية المتعاملين نحو المعادن الثمينة التي تُعدّ ملاذاً آمناً. ويحوم سعر الذهب حالياً حول 4200 دولار للأوقية، أي ما يقارب ضعف متوسط سعره في عام 2024.

ومع ذلك، لم يتحرك سعر السوق للساعات المستعملة بالطريقة نفسها. ولا توجد أرقام رسمية توضح عدد الساعات الفاخرة التي يجري صهرها. وتشير بيانات مجلس الذهب العالمي إلى أن إجمالي إعادة تدوير الذهب في الربع الأول ارتفع 5 في المائة إلى 366 طناً، في حين ارتفع الطلب على الحلي الذهبية 31 في المائة من حيث القيمة ليصل إلى 47 مليار دولار.

ومع توقع وصول سعر الذهب إلى ما بين 5400 و6300 دولار للأوقية هذا العام، ستستمر الضغوط لتفكيك بعض الساعات، خصوصاً أن المتعاملين الذين يعيدون بيعها يجب أن يغطوا التكاليف ونفقات تقديم الضمان.

ويمكن أيضاً صهر الساعات الجديدة التي أُنتجت بكميات زائدة.

ساعات فاخرة قديمة قبل وضعها في فرن لصهرها واستخراج الذهب منها (رويترز)

وقال لامدين: «رأيت الكثير من الساعات العادية تماماً يتم صهرها... هناك الكثير من المخزون الزائد غير المبيع في السوق السويسرية. وهذه الساعات هي في الأساس جديدة تماماً، لم يستعملها أحد، ويتم تفكيكها فقط... لقد صنعوا منها أكثر من اللازم».

وتابع: «لكن عندما يكون لديك شيء عتيق ونادر ويحمل قصة أو طابعاً خاصاً بفعل الزمن، فإن التخلص منه يصبح أمراً مؤسفاً ناتجاً عن قصر النظر».

«نبيع أم ننتظر؟»

دفعت أسعار الذهب المرتفعة المهندس المتقاعد من نيويورك ميتشل تاليسمان إلى بيع ساعتين ذهبيتين وسلسلة تحتوي على 35 غراماً من الذهب بنسبة نقاء 58 في المائة مقابل 2660 دولاراً نقداً في ديسمبر (كانون الأول). وقال لـ«رويترز»: «كان لديّ الكثير من الأشياء في خزينة بنكية لأكثر من 10 سنوات».

لكن بالنسبة إلى بعض المالكين، فإن فكرة بيع ساعة فقط ليقوم تاجر بصهرها لا تحتمل. وقال أدريان هيلوود المتخصص في تاريخ صناعة الساعات: «قد تكون قطعة عائلية.. قد تكون ساعتهم الأولى». وأضاف «لا تروق لهم فكرة إتلافها، لذا يحتفظون بها».