معرض «الرحيل»... حكاية حنين عميقة إلى الوطن بعدسة أنس خلف

رحلة فوتوغرافية مؤثّرة تختلط فيها مشاعر الحزن والفرح

معرض «الرحيل» في «المركز الثقافي الفرنسي» حتى 15 فبراير (الشرق الأوسط)
معرض «الرحيل» في «المركز الثقافي الفرنسي» حتى 15 فبراير (الشرق الأوسط)
TT

معرض «الرحيل»... حكاية حنين عميقة إلى الوطن بعدسة أنس خلف

معرض «الرحيل» في «المركز الثقافي الفرنسي» حتى 15 فبراير (الشرق الأوسط)
معرض «الرحيل» في «المركز الثقافي الفرنسي» حتى 15 فبراير (الشرق الأوسط)

غادر أنس خلف وطنه الأم سوريا عام 2012 إثر اندلاع «الثورة»، فاختبر مشاعر الغربة والمنفى معاً. وبعد سقوط نظام بشار الأسد، اتّخذ قراره بالعودة. حمل كاميرته وجال في أحياء دمشق وشوارعها، مفعماً بمزيج من الفرح والحنين. احتفل بعودته بعد غياب دام 13 عاماً. كانت لحظات تشبه الحلم، إذ لم يتوقَّع يوماً أن يلامس تراب وطن أجبره حُكمه السابق على الرحيل عنه. وكان شوقه للقاء والدته بعد الفراق الطويل الدافع الأكبر لهذه الرحلة. لكنّ القدر شاء أن ترحل والدته قبل يومَين فقط من وصوله. فخبا وهج العودة وامتزج الفرح بالحزن العميق. أرشف خلف مشاعره وأحاسيسه بعدسة كاميرته، ليحمل صوره لاحقاً إلى «المركز الثقافي الفرنسي» في بيروت، حيث أقام معرضه بعنوان «الرحيل».

يقول أنس خلف لـ«الشرق الأوسط»: «المعرض بمثابة تكريم لوالدتي الراحلة. وأعدّه رحلة حداد، وشاهداً على الذكريات، وترجمة لقوّة حبّ عميقة تجد دائماً طريقها إلى الوطن».

عبر «الرحيل» يؤرشف أنس خلف فرح العودة إلى الوطن (الشرق الأوسط)

قدَّم خلف صوره ضمن أقسام متعدّدة، استوحاها من أفكار رافقته خلال رحلته. استهلَّ المعرض بلقطات لطريق العودة من لبنان إلى سوريا، ثم خصَّص 16 صورة للفراغ الذي يغلّف أحياء العاصمة السورية، وهو الفراغ ذاته الذي شعر به إثر وفاة والدته. مشى في شوارع «أبو رمانة»، و«المالكي»، ومناطق قريبة من القصر الرئاسي، حيث عاش طفولته وشبابه. وتحت عناوين مثل «مفرق»، و«مفترق»، و«إعادة بناء»، و«إشارة حمراء»، روى حكايته مع الحنين. ويتابع لـ«الشرق الأوسط»: «لم أكن أصدّق أنني أسير في شوارع دمشق، وأمارس التصوير بحرّية. لم أتخلّص من مشاعر الغربة والمنفى الإجباريين سريعاً. كنت أمشي كأنني في حلم لا أرغب في الاستيقاظ منه».

ينسج أنس خلف في معرض «الرحيل» ذكرياته الحلوة والمرّة في بلده الأم. تستوقفه مَشاهد العمارة الحديثة المُتداخلة مع المباني القديمة، وأخرى اعتقد أنّ الفرصة لن تسنح له مرة جديدة لرؤيتها. كان يُحرّك عدسة كاميرته باتجاهات مختلفة كي يستطيع لملمة كلّ السنوات التي أضاعها. ويتابع: «تحرّكت عندي جميع أنواع المشاعر من فخر وسعادة وحزن وعزلة. وأكثر ما كان يُعزّيني هو رؤية الناس فرحة ومبتسمة. فكانت تغمرني مشاعر متناقضة في اللحظة ذاتها».

صورة بشار الأسد بملامح ممحوّة تركت أثرها عند خلف (الشرق الأوسط)

في مجموعة أخرى من الصور، يُعبّر خلف عن ردود فعل شعب بأكمله تجاه نهاية مرحلة قاتمة وبداية أخرى. فبعد مشاهد الفراغ وإعادة البناء، ينقل المتفرّج إلى لقطات تنبض بالحياة: علم سوريا الجديد، والزحمة في الشوارع، وفتاتان تحملان العلم على كتفيهما، وصورة لعلم حديث يظهر على شاشة رقمية في وسط الساحة. ثم يأخذ الزائر في جولة عبر يوميات السوريين، في الأسواق، وعلى الأرصفة، وفي الساحات والمقاهي. ويُضيف خلف لـ«الشرق الأوسط»: «التقطتُ هذه الصور قبل نحو عام. ومؤخراً عدت إلى سوريا للاحتفال بمرور سنة على تحريرها. غمرتني مشاعر الفرح، كما كثيرين غيري عادوا من منفى فُرض عليهم. كانت مرحلة قاسية لم نتوقّع أن تكون لها نهاية».

سرير والدته الراحلة وأغراضها الشخصية (الشرق الأوسط)

كما يعرض خلف مجموعة صور أخرى توثّق التبدّلات التي طرأت على ملامح الوطن. فمن خلال لوحات مثل «موتو تاكسي»، و«سينما للأبد» و«فن وموسيقى»، يقارن بين إيقاع الحياة قديماً واليوم. تبرز في إحدى الصور ألواح الطاقة الشمسية الزرقاء التي تغطّي أسطح المباني، وأطلق عليها اسم «زهرة الجنوب»، بسبب شكلها الثلاثي الشبيه بزهرة التوليب. ويتوقّف أيضاً عند مشهد باعة الفيول المهرّب، وساحات مزخرفة تُركت مهجورة.

وتترك بعض الصور أثراً خاصاً عند ناظرها، منها تلك التي يظهر فيها مدفن والدته. ويُعلّق: «هناك صورتان تعنيان لي كثيراً. الأولى لسرير أمي الذي احتضنها حتى أنفاسها الأخيرة، فعندما وقفت أمامه بين أغراضها شعرت بحزن عميق. أما الأخرى فهي نقيض ذلك تماماً، وهي صورة عملاقة للرئيس السوري المخلوع، مُعلّقة على أحد الأبنية الشاهقة، وقد مُحيت ملامح وجهه وغُطّيت بملصقٍ أسود».

وتأخذ الجولة في المعرض الزائر إلى معالم دمشق المختلفة: المسجد الأموي، وأزقّتها وأحيائها القديمة. ويُصوّر مبنى عتيقاً يحمل أحد جدرانه لوحة لامرأة أنيقة، وأطلق عليها عنوان «لوحة تشبه أمي». كما تحمل صورة أخرى مبنى تراثياً شرقياً هو مدرسة «دار السلام»، حيث تلقّت والدته تعليمها.

وفي ركن آخر، يعرض خلف مَشاهد من حياة الناس وهمومهم: إعلانات وفاة، ورجلان مسنّان يلعبان النرد على ناصية الطريق. صور تختصر حكاية وطن يحاول أن ينهض من جديد.


مقالات ذات صلة

«أحب الزهور كما النجوم» استعادة لأعمال يتجاوز عمرها نصف قرن

يوميات الشرق في مربّع «الأمير الصغير» يتخيّل تكوين الجنين في رحم زوجته (الشرق الأوسط)

«أحب الزهور كما النجوم» استعادة لأعمال يتجاوز عمرها نصف قرن

مع التقدُّم في الجولة، تطالع الزائر سلسلة لوحات بالأبيض والأسود توثّق أجواء الحرب اللبنانية القاتمة...

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق لوحة «تلة الشتاء» التي تعود إلى الفترة ما بين عامي 1955 - 1956 (معرض جينا بورلينغهام)

معرض «إليزابيث»... مناظر طبيعية شتوية ولوحات صامتة

ربما تكون شهرة إليزابيث بلاكادر أكبر بفضل لوحاتها البسيطة، التي تصور الزهور والقطط، لكن معرضاً جديداً لأعمالها يركز، بدلاً من ذلك، على المناظر الطبيعية الباردة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق معرض المدينة يتسم بالحس السريالي (الشرق الأوسط)

«المدينة»... معرض فوتوغرافي ينعى دفء الحياة الشعبية بلغة سريالية

«لقد أصبحتُ منسياً في شوارع مدينتي، لا لأنني رحلت عنها، بل لأن ملامحها التي عرفتني... لم تعد هنا».

محمد الكفراوي (القاهرة)
يوميات الشرق الرمز والتجريد يلتقيان في أعمال تستدعي التأمل وإعادة القراءة (الشرق الأوسط)

«حكايات» يبرز وجوه أحمد الصعيدي بين الذاكرة والواقع

في معرضه الجديد «حكايات» المقام بغاليري ضي بالزمالك، يواصل الفنان التشكيلي المصري أحمد الصعيدي تقديم عالمه البصري القائم على التداخل بين الإنسان والذاكرة.

نادية عبد الحليم (القاهرة)
يوميات الشرق اللوحة الشهيرة «ترتيب باللونين الرمادي والأسود (رقم 1 - صورة والدة الفنان) (متحف أورساي - باريس)

خلف لوحات ويسلر الحالمة... صوتٌ مشحون بالعاطفة

«القولُ إنّ الطبيعة على صواب دائماً ادعاءٌ، من الناحية الفنية، خاطئٌ تماماً، كما هي الحال مع حقيقةٍ يُسلّم بها الجميع»، هكذا صرّح الفنان جيمس ماكنيل ويسلر في…

إميلي لابارج (لندن)

كيف تربي طفلاً قادراً على حل مشاكله بنفسه؟ 5 طرق فعّالة

مجموعة من الأساليب التربوية البسيطة التي تساعد الطفل على تنمية مهارات التفكير واتخاذ القرار منذ سن مبكرة (بكسلز)
مجموعة من الأساليب التربوية البسيطة التي تساعد الطفل على تنمية مهارات التفكير واتخاذ القرار منذ سن مبكرة (بكسلز)
TT

كيف تربي طفلاً قادراً على حل مشاكله بنفسه؟ 5 طرق فعّالة

مجموعة من الأساليب التربوية البسيطة التي تساعد الطفل على تنمية مهارات التفكير واتخاذ القرار منذ سن مبكرة (بكسلز)
مجموعة من الأساليب التربوية البسيطة التي تساعد الطفل على تنمية مهارات التفكير واتخاذ القرار منذ سن مبكرة (بكسلز)

يميل كثير من الآباء والأمهات إلى التدخل السريع عندما يواجه أطفالهم مشكلة، سواء كانت خلافاً مع صديق، أو صعوبة في أداء واجب مدرسي، أو حتى تحدياً بسيطاً في الحياة اليومية. ورغم أن هذا التدخل ينطلق من الرغبة في المساعدة، فإن الخبراء يرون أن الإفراط فيه قد يحرم الطفل من فرصة مهمة لتطوير مهارات التفكير والاستقلالية.

وتبدأ تربية طفل قادر على حل مشكلاته بنفسه من منحه المساحة الكافية للتفكير واتخاذ القرار، مع توفير الدعم والتوجيه المناسبين دون فرض الحلول الجاهزة.

ولتحقيق ذلك، هناك مجموعة من الأساليب التربوية البسيطة التي تساعد الطفل على تنمية مهارات التفكير واتخاذ القرار منذ سن مبكرة.

1- امنح طفلك فرصة للتفكير

عندما يواجه الطفل مشكلة، حاول مقاومة الرغبة في تقديم الحل فوراً. بدلاً من ذلك، شجعه على التفكير في الموقف وطرح أفكار مختلفة للتعامل معه.

يمكنك أن تسأله:

-ما المشكلة التي تواجهها؟

-ما الحلول التي فكرت فيها؟

-ماذا قد يحدث إذا جرّبت هذا الحل؟

هذه الأسئلة تساعد الطفل على تحليل المواقف وتنمية مهارات التفكير النقدي.

شجعه على اقتراح أكثر من حل

من المفيد تدريب الطفل على التفكير في أكثر من خيار بدلاً من التمسك بحل واحد فقط. فالحياة لا تقدم دائماً إجابة واحدة صحيحة، والقدرة على مقارنة البدائل مهارة مهمة في المستقبل.

عندما يعتاد الطفل على البحث عن حلول متعددة، يصبح أكثر مرونة وقدرة على التعامل مع المواقف غير المتوقعة.

2- لا تخف من فشله أحياناً

الفشل جزء طبيعي من عملية التعلم. فإذا كان الخطأ بسيطاً ولا يشكل خطراً على الطفل، فقد يكون من الأفضل السماح له بخوض التجربة والتعلم من نتائجها.

فعندما ينسى واجبه المدرسي أو يواجه صعوبة في إنجاز مهمة ما، يمكن أن تساعده التجربة على فهم أهمية التخطيط وتحمل المسؤولية أكثر من أي نصيحة مباشرة.

3-استخدم التوجيه بدلاً من إعطاء الأوامر

بدلاً من قول: «افعل كذا»، حاول استخدام أسئلة تحفز التفكير، مثل:

-ما الذي يمكنك فعله الآن؟

-ما أفضل خيار برأيك؟

-ماذا تعلمت من هذه التجربة؟

هذا الأسلوب يجعل الطفل شريكاً في إيجاد الحل، ويعزز ثقته بقدرته على اتخاذ القرارات.

4- عزز ثقته بنفسه

كلما نجح الطفل في حل مشكلة بمفرده، حتى لو كانت بسيطة، احرص على الإشادة بجهده وطريقة تفكيره.

فالتركيز على المحاولة والاجتهاد، وليس فقط على النتيجة النهائية، يساعد على بناء الثقة بالنفس ويشجع الطفل على مواجهة التحديات الجديدة.

5- كن قدوة في التعامل مع المشكلات

الأطفال يتعلمون من خلال الملاحظة بقدر ما يتعلمون من خلال التوجيه المباشر. لذلك، عندما تواجه مشكلة يومية، تحدث بصوت مسموع عن طريقة تفكيرك في الحل، ليلاحظ الطفل كيف يتم تحليل المواقف واتخاذ القرارات.

لماذا تعد هذه المهارة مهمة؟

تساعد مهارة حل المشكلات الطفل على تطوير التفكير المستقل، وتحمل المسؤولية، والتعامل مع الضغوط بثقة أكبر. كما تمنحه القدرة على اتخاذ قرارات أفضل في المدرسة والعلاقات الاجتماعية والحياة اليومية.

ومع مرور الوقت، فإن الطفل الذي يتعلم التفكير في الحلول بدلاً من انتظارها من الآخرين يصبح أكثر استقلالية وثقة بنفسه، وهي صفات يحتاج إليها في مختلف مراحل حياته.


بطل بارالمبي قد يصبح أول رائد فضاء ذي إعاقة يعيش في المدار

أحياناً تبدأ الرحلات الكبرى من خسارة شخصية (وكالة الفضاء الأوروبية)
أحياناً تبدأ الرحلات الكبرى من خسارة شخصية (وكالة الفضاء الأوروبية)
TT

بطل بارالمبي قد يصبح أول رائد فضاء ذي إعاقة يعيش في المدار

أحياناً تبدأ الرحلات الكبرى من خسارة شخصية (وكالة الفضاء الأوروبية)
أحياناً تبدأ الرحلات الكبرى من خسارة شخصية (وكالة الفضاء الأوروبية)

قد يصبح جراح وبطل بارالمبي بريطاني أول شخص ذي إعاقة جسدية يعيش في المدار، وذلك بعدما وقَّعت الحكومة البريطانية اتفاقية مع شركة أميركية تعمل على بناء محطة فضاء تجارية صغيرة.

وذكرت «الغارديان» أنّ جون ماكفال، وهو عضو في «احتياطي» رواد الفضاء التابع لوكالة الفضاء الأوروبية (إيسا)، نال الموافقة للقيام بأنشطة في المدار العام الماضي، ويمكنه المشاركة في مهمة إلى محطة الفضاء «هافن-1» في وقت قريب يعقب إطلاقها المقترح في عام 2027.

وتمرُّ شركة «فاست»، وهي شركة ناشئة مقرها كاليفورنيا، بمراحل متقدمة من بناء المحطة «هافن-1» التي يقلّ حجمها قليلاً عن حجم حافلة ذات طبقة واحدة. وستتسع المحطة لما يصل إلى 4 رواد فضاء، وتتميّز بتصميم داخلي من قشرة خشب القيقب، ونافذة مقببة لمراقبة الأرض، ومختبر لبحوث شبه انعدام الجاذبية.

وقال ماكفال من مركز رواد الفضاء الأوروبي التابع لوكالة «إيسا» في ألمانيا: «إنها فرصة مثيرة». وستركز المهمّة التي تستغرق أسبوعين على كيفية تأثير بيئة الفضاء على جسده، وأيضاً على تأثيراتها في الأطراف الاصطناعية الحديثة، والتي غالباً ما تعتمد على أجهزة استشعار ومعالجات دقيقة لتعمل بشكل صحيح.

ويمكن لبحوث ماكفال أن تعود بالنفع على الأشخاص ذوي الإعاقة على نطاق أوسع من خلال دفع عجلة التصاميم نحو أطراف اصطناعية أخفّ وزناً وأكثر قدرة على التكيف. كما يمكنها أن تُعمّق فهم حالات مثل هشاشة العظام وضمور العضلات، وتمهّد الطريق لبرامج إعادة تأهيل أفضل لمبتوري الأطراف.

وإلى جانب الأهداف العلمية، قال ماكفال إنّ المهمّة ستتحدَّى التصوّرات المسبقة حول الوظائف التي يمكن للأشخاص ذوي الإعاقة إنجازها. وأضاف: «نحن نقول إنه لا بأس بأن يكون الأشخاص ذوو الإعاقة رواد فضاء. لقد أثبتنا أن هذا ممكن، وأننا منفتحون بما يكفي لمنح الناس الفرص للقيام بذلك والاعتراف بأنهم قادرون على السواء».

وتقضي مذكرة التفاهم بأن تدعم وكالة الفضاء البريطانية شركة «فاست» لتأمين الرعاية اللازمة لتمويل رحلة ماكفال الجوّية. وسيسافر هو ورواد فضاء آخرون إلى محطة «هافن-1» داخل كبسولة «كريو دراغون» التابعة لشركة «سبيس إكس» على متن صاروخ «فالكون 9». وثمة خيار آخر أمام ماكفال، وهو القيام بمهمة خاصة مع شركة «فاست» إلى محطة الفضاء الدولية العام المقبل.

وكان ماكفال، البالغ 45 عاماً، من مقاطعة هامبشاير، قد فقد ساقه اليمنى في حادث دراجة نارية في الـ19 من عمره. وبعد مغادرته المستشفى، انغمس في الرياضة وفاز بالميدالية البرونزية في سباق 100 متر في دورة الألعاب البارالمبية في بكين عام 2008. وتأهَّل لاحقاً للعمل جرّاحَ عظام في هيئة الخدمات الصحية الوطنية. وعام 2025، اختير للمشاركة في مشروع «فلاي!» التابع لوكالة الفضاء الأوروبية، والذي يدرس ما إذا كان بإمكان رواد الفضاء ذوي الإعاقة الجسدية المشاركة في مهمّات طويلة الأمد إلى محطة الفضاء الدولية.

وقال ماكفال: «على المستوى الشخصي، يتعلّق الأمر بالتحدّي والمغامرة والفضول. إنه يروي ظمأي للمعرفة والعلم. وهناك أيضاً جانب من الجنون في الأمر: حقيقة أن لدينا القدرة على إرسال بشر إلى الفضاء. وأن أكون جزءاً من هذا التاريخ لهو أمر مذهل».

وتابع: «أريد أن أكون رائد فضاء جيداً، وأريد أن أؤدي عملي على أكمل وجه؛ فهذه هي أولويتي. لا أريد أن يكون الأمر دعاية إعلامية، ولا أريد أن يكون تجربة عابرة. أنا سعيد بأن أكون رائداً وأقوم بشيء جديد، ولكن أولاً وقبل كل شيء، أريد أن أؤدّي عملاً جيداً، وأريد أن يكون ذا قيمة لاستكشاف الفضاء وللمجتمع على الأرض».

وإذا ما كُتب لرحلة ماكفال الجوية أن تمضي قُدماً، فسيصبح أول بريطاني يرتاد الفضاء منذ المدّة ما بين عامَي 2015 و2016، عندما قضى تيم بيك 6 أشهر على متن محطة الفضاء الدولية بكونها جزءاً من مهمّة «برينسيبيا» التابعة لوكالة الفضاء الأوروبية. وقال بيك: «إن جون ماكفال يمثّل مصدر إلهام، ليس لمجتمع الفضاء فحسب، وإنما لكلّ شخص قيل له ذات يوم إن هناك حدوداً لما يُمكنه تحقيقه. إن هذه الاتفاقية تعدّ لحظة فارقة في تاريخ رحلات الفضاء البشرية الشاملة للجميع».


حَمام الزاجل يستعين بـ«بوصلة» داخل كبده

الحمام الذي يعود يحمل الطريق في داخله (ماكس بلانك)
الحمام الذي يعود يحمل الطريق في داخله (ماكس بلانك)
TT

حَمام الزاجل يستعين بـ«بوصلة» داخل كبده

الحمام الذي يعود يحمل الطريق في داخله (ماكس بلانك)
الحمام الذي يعود يحمل الطريق في داخله (ماكس بلانك)

كشفت دراسة جديدة عن أنّ حمام الزاجل يَدين بقدرته المذهلة على قطع مسافات طويلة ليس لعينيه أو دماغه أو منقاره، وإنما لخلايا خاصة في كبده.

ولطالما حيَّرت العلماء قدرة الحمام على السفر لمئات الأميال والعثور على طريقه للعودة إلى موطنه. إذ اقترحت نظريات سابقة أنّ هذه الطيور يمكنها استشعار الحقول المغناطيسية للأرض من خلال جزيئات حساسة للضوء في عيونها، أو جزيئات مغناطيسية دقيقة في مناقيرها.

لكن أياً من النظريتين لم يحظَ بتأكيد تجريبي قوي، رغم عقود من البحث.

والآن، كشفت دراسة جديدة عن أنّ الإجابة قد تكمن في مكان غير متوقع، وهو الكبد. إذ وجد العلماء أنّ حمام الزاجل قد يستخدم خلايا مناعية متخصّصة في كبده وطحاله لاستشعار الحقل المغناطيسي للأرض، ممّا يوفر له نظام ملاحة داخلياً.

وتبيّن أن هذه الخلايا المناعية، التي تسمى «الخلايا البلعمية»، تُراكم الحديد خلال تفكيك خلايا الدم الحمراء الهرمة.

ووفقاً للدراسة التي نقلتها «الإندبندنت» عن مجلة «ساينس»، فإنّ الحديد المتراكم يمنح هذه الخلايا المناعية خصائص مغناطيسية فريدة، بما في ذلك القدرة على الاستجابة للحقل المغناطيسي للأرض.

ووجد الباحثون أنه عند إزالة الخلايا البلعمية، واجَه الحمام صعوبة في العثور على طريقه إلى موطنه، مما يشير إلى دورها الذي لم يكن معروفاً من قبل في عملية الملاحة.

وقال المدير في معهد «ماكس بلانك لسلوك الحيوان» في ألمانيا، مارتن ويكلسكي: «إن ما يبدو أنه حدس باطني في ملاحة الطيور قد يكون له في الواقع أساس مادي».

وأضاف: «إذا كانت الخلايا المناعية جزءاً من كيفية استشعار الطيور للاتجاه، فإن ذلك سيغيّر جذرياً كيفية فهمنا للملاحة».

ورغم أنّ العلماء يعرفون منذ مدّة طويلة أنّ الطيور المهاجرة وحمام الزاجل تستخدم الحقل المغناطيسي للأرض أداةَ للملاحة، فإنّ كيفية استشعار الحيوانات لهذا الحقل تحديداً ظلَّت أحد أكبر الأسرار في علم الأحياء.

ووجدت هذه الدراسة أنّ الكبد والطحال يمكن أن يلعبا دوراً رئيسياً في الملاحة من خلال دمج الخبرات من علم المناعة والفيزياء وسلوك الحيوان.

وفيها، فحص العلماء أعضاء متعدّدة لحمام الزاجل ارتبطت سابقاً بالقدرة على استشعار الحقول المغناطيسية، بما فيها العيون والمنقار والدماغ.

وقالت كليفيا ليسوفسكي، وهي مؤلِّفة أخرى للدراسة: «كانت لدينا بعض المؤشّرات على أنّ الكبد والطحال يتمتعان بخصائص مغناطيسية، لأنهما يفككان خلايا الدم الحمراء وبالتالي يخزنان كميات كبيرة من الحديد في الجسم».

ومن بين جميع الأنسجة والأعضاء التي حُلِّلت، احتوى الكبد على أعلى تركيز للحديد وأظهر أقوى استجابة مغناطيسية. وأكدت اختبارات إضافية أنّ الخلايا البلعمية فيه هي المسؤولة عن هذه الخصائص المغناطيسية.

ثم اختبر العلماء ما إذا كانت الخلايا البلعمية تؤثّر فعلياً في الملاحة.

ولذلك، أزالوا الخلايا البلعمية الكبدية من حمام دُرّب على العودة إلى أبراجه من مواقع تبعد أكثر من 20 كيلومتراً في ألمانيا.

ووجد الباحثون أنه في الأيام الغائمة، عندما كانت الشمس محجوبة، فقد الحمام الذي يفتقر إلى الخلايا البلعمية حاسّة الاتجاه لديه وواجه صعوبة في الملاحة والعودة إلى موطنه.

أما في الأيام المشمسة، فقد تمكن من العودة بنجاح، ممّا يشير إلى أن الطيور تستخدم المعلومات المغناطيسية إلى جانب الإشارات الشمسية لتوجيه نفسها خلال الطيران.

وباستخدام الفحص المجهري المتقدِّم، قيَّم العلماء بعد ذلك كيف تنتقل المعلومات من كبد الحمام إلى الدماغ.

ووجدوا أنّ الخلايا البلعمية الغنية بالحديد تقع بالقرب من الألياف العصبية، مما يُلمح إلى مسار محتمل تُنقل من خلاله المعلومات المغناطيسية من الكبد إلى الجهاز العصبي، وفي النهاية إلى الدماغ.

وقالت الدكتورة ليسوفسكي: «تطرح هذه النتائج أول دليل ملموس على كيفية إدراك الحقل المغناطيسي للأرض داخل الجسم وتمريره إلى الدماغ لتوجيه الحركة».