استراتيجيّة ترمب للأمن القومي... الإكراه لتحقيق مكاسب اقتصاديّة

لم تعد أوروبا أولوية للرئيس دونالد ترمب (أ.ب)
لم تعد أوروبا أولوية للرئيس دونالد ترمب (أ.ب)
TT

استراتيجيّة ترمب للأمن القومي... الإكراه لتحقيق مكاسب اقتصاديّة

لم تعد أوروبا أولوية للرئيس دونالد ترمب (أ.ب)
لم تعد أوروبا أولوية للرئيس دونالد ترمب (أ.ب)

«أنت مطرود (You are Fired)»... جملة اعتدنا سماعها من الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، عندما كان يُقدّم برنامج «المُتدرّب (The Apprentice)». يتعامل الرئيس ترمب بصراحة مطلقة وعلنية مع الحلفاء، كما الأعداء. لم تعد هناك مستويات بيروقراطية لصناعة وإعداد السياسة الخارجيّة الأميركيّة. كل شيء يأتي ويُعلن من البيت الأبيض مباشرة، أو عبر منصّة الرئيس ترمب «تروث سوشيال (Truth Social)». تُمارَس السياسة الخارجيّة عبر رجال أعمال مقربين من الرئيس. وقياس النجاح في هذه المقاربة، هو مباشرة، خطّي متعلق مباشرة بـ«قيمة الاستثمارات لمرحلة ما بعد وقف الحرب».

كانت مؤشرات هذه الاستراتيجيّة علنية وظاهرة من خلال سلوك وتصريحات كل من الرئيس ترمب ونائبه. وإذا جُمعت هذه المؤشرات، فقد يمكن استنتاج سياسة جديدة مختلفة جذرياً عن الإدارات السابقة. لكن الفارق اليوم مع استراتيجية الأمن القومي الجديدة، هو في النظرة الشاملة للولايات المتحدة الأميركية تجاه الأعداء والمنافسين كما الحلفاء. الفارق أيضاً هو قانونيّة وشرعية «الورقة (رسميّة)»؛ إذ عليها، وتنفيذاً لها، سوف تبدأ الوزارات والوكالات الأميركية التخطيط؛ كل فيما خصّه، بهدف تنفيذ هذه الاستراتيجيّة، خصوصاً البنتاغون. إنها مانيفستو يضرب بالكامل ما كان قائماً، ليرسي واقعاً جديداً لم يتخيّله أحد. إنه تحول جذريّ في العقيدة الاستراتيجية الأميركيّة، يستلزم تحوّلات كبرى على صعيد الثقافة الاستراتيجية، كما على صعيد المؤسسات والأشخاص.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يسير إلى جانب نظيره الروسي فلاديمير بوتين خلال لقاء جمعهما في ألاسكا (أرشيفية - د.ب.أ)

عن هذه الاستراتيجيّة يقول أحد الخبراء: «إنها شخصيّة، تعكس قناعات الرئيس ترمب، وتتجاهل الحزب الديمقراطي. إنها انطوائيّة تركّز على الداخل الأميركيّ وحمايته عبر مشروع (القبّة الذهبيّة - Golden Dome)».

يقول آخرون إنها لن تؤدّي إلى انسحاب الولايات المتحدة الأميركيّة من العالم؛ لا بل هي استراتيجيّة تعتمد مبدأ «الإكراه (Coercion)» عبر التهديد بالقوة العسكرية، بهدف تحقيق مكاسب اقتصاديّة. وفي مقاربة كهذه، لا خطوط حمراء لا يمكن تجاوزها... كل شيء ممكن ومسموح، وضمناً التخلّي عن الحلفاء إذا كانت الصفقة مُربحة.

تركّز الاستراتيجيّة على «المحيط المباشر (Near Abroad)»، ومن ضمن ذلك ترتيب جديد للأولويات الجيوسياسيّة. في المركز الأول، الداخل الأميركي كما المحيط المباشر. تأتي آسيا في المركز الثاني، والمركز الثالث يتأرجح بين الشرق الأوسط وأوروبا. فهل عدنا إلى «عقيدة الرئيس الأميركي جيمس مونرو (1823)» مع «تعديلات ترمب (corollary)»؟ وإذا كان الأمر كذلك، ولتطبيق هذه الاستراتيجيّة والأولويات، وبهدف تأمين الوسائل العسكريّة، فلا بد للرئيس ترمب من إعادة تموضع القوات الأميركية في العالم، كما تعديل خرائط المناطق العسكرية للقوات الأميركيّة وعددها 11 (Force Posture).

ولأن أوروبا لم تعد أولويّة للرئيس ترمب، فماذا عن القوات الأميركية المنتشرة في أوروبا ضمن «حلف شمال الأطلسي (ناتو)»، (نحو 100 ألف)؟ هل ستخفَّض؟ أم ستبقى مع إلزام أوروبا تحمّل التكلفة المالية؟ هل ستُسحب بالكامل ويعرَّض حلف «الناتو» للتحلل؟ وماذا عن المظلّة النووية الأميركية لحلف «الناتو»؟ وهل سيلتزم الرئيس ترمب بـ«البند الخامس» لـ«الحلف»، وهو الذي قال إن هناك كثيراً من التفسيرات لهذا البند؟ وإذا عَدّ الرئيس ترمب في هذه الاستراتيجيّة أن أوروبا ضعيفة، ومتراجعة، وتعاني من تآكل حضاريّ؛ وإذا كانت الاستراتيجيّة لا تذكر، حتى ولو مرّة واحدة، أن روسيا تشكل خطراً على الأمن القوميّ، فلماذا سيبقى حلف «الناتو»؟ وضد من ستكون المظلّة النووية الأميركيّة؟ فهل سنشهد قريباً، وعبر تقرير إعادة تموضع القوات الأميركيّة في العالم، الانسحاب الأميركي الكامل من القارة العجوز؟ ألم يَعدّ الرئيس ترمب أميركا وسيطاً، وليست لاعباً مؤسساً لـ«الحلف»، بين روسيا و«الناتو» خلال التفاوض بشأن وقف الحرب في أوكرانيا؟ ألم يُحيّد أوروبا عن التفاوض المباشر بشأن أوكرانيا، وفرض عليها «اقتراح الـ28 نقطة»؟

مشاة بحرية أميركيون يراقبون الوضع خلال عبور مضيق في البحر الكاريبي (أرشيفية - رويترز)

هذا في القارة العجوز، أما الصين، فهي مرحلة جديدة بوصفها التحدّي الأكبر للولايات المتحدة الأميركيّة وفي كل الأبعاد. ألم تصل الرسالة الصينية للبيت الأبيض خلال العرض العسكري الصيني الهائل في سبتمبر (أيلول) الماضي؟

في الشق الأمني - العسكري، لم تذكر «الوثيقة» الصين مباشرة، لكنها شدّدت على الحفاظ على «خط الجزر الأول بشأن الصين (First Chain Island)»؛ لأن الصين بدأت تحضّر بـ«حريتها الزرقاء» لتجاوز هذا الخط. كذلك الأمر، ومن دون ذكر الصين، انتقدت «الوثيقة» بعض الدول التي تحاول التوسع في بحر الصين الجنوبيّ. شددت «الوثيقة» على ضرورة استعداد الدول الحليفة في تلك المنطقة للتعاون والاستثمار في القدرات العسكرية لإبقاء الخطوط البحرية التجارية مفتوحة وآمنة. كما تشدد «الوثيقة» على الحفاظ على موازين القوى في تلك المنطقة؛ بهدف إبقاء إمكانيّة الدفاع عن تايوان قائمة.

الرئيس الصيني شي جينبينغ خلال عرض بمناسبة مرور 80 عاماً على نهاية الحرب العالمية الثانية في بكين يوم 3 سبتمبر 2025 (رويترز)

إلغاء الماضي

إنها استراتيجيّة تضرب كل ما كان قائماً، لترسي ديناميكيّة جديدة، وقواعد جديدة، وذلك باتجاه تشكيل نظام مستقبلي لم يحصل بعد. وفي المرحلة الانتقالية، تدب الفوضى، وتستعر الحروب، وتطلّ برأسها الصراعات القديمة... ويبدأ كل قادر من اللاعبين استغلال الفرص الجيوسياسيّة لفرض أمر واقع في محيطه المباشر. فماذا عن التحوّلات في الاستراتيجيّات الأميركية الكبرى؟

خلال الحرب الباردة، كانت أوروبا المسرح الأساسيّ ضد الاتحاد السوفياتي. يليها المسرح الآسيوي، وبعده منطقة الشرق الأوسط التي كانت تُسمّى «الحزام المُتصدّع (Shatterbelt)» باللغة الجيوسياسيّة، فهي منطقة مُجزأة سياسياً، وغير مستقرّة، وتشكل مسرح صراع بين القوى العظمى.

بعد سقوط الاتحاد السوفياتي، تبوّأت أميركا مركز الصدارة العالمية، فسُمي النظام العالمي آنذاك «النظام الأحادي». في هذه المرحلة، تحوّل مركز الثقل العالمي إلى واشنطن؛ الأمر الذي حدا بالرئيس جورج بوش الأب إلى إعلان قيام نظام عالميّ جديد.

مروحية تابعة للبحرية الصينية خلال رحلة استطلاعية فوق بحر الصين الجنوبي (أرشيفية - أ.ب)

بعد كارثة «11 سبتمبر (أيلول) 2001»، احتل الشرق الأوسط، ضمن الحرب الاستباقية والحرب العالمية على الإرهاب، المركز الأولّ في الاهتمامات الجيوسياسيّة الأميركيّة وفي كل استراتيجيات الأمن القومي آنذاك. تراجعت حينها أوروبا إلى المركز الثاني.

في عام 2011، كتبت وزيرة الخارجيّة الأميركيّة آنذاك مقالاً نُشر في مجلة «فورين بوليسي» تحت عنوان: «المحور (The Pivot)» أو «القرن الأميركي في الهادئ»، وذلك إعلاناً بانتقال اهتمام الولايات المتحدة إلى شرق آسيا. وعليه؛ احتلت الصين المركز الأول.

بعد الحرب على أوكرانيا، عادت أوروبا إلى المركز الأولّ. فتوسّع «الناتو»، وعادت أميركا مع الرئيس جو بايدن بكامل ثقلها لدعم أوكرانيا و«الناتو». في تلك المرحلة، احتل الشرق الأوسط المركز الثاني بعد كارثة «7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023». أما الصين، فكانت حرّة تقريباً بسبب الانشغال الأميركيّ في أماكن أخرى.

في الختام، قد يمكن القول إن استراتيجيّة الأمن القومي الحالية للرئيس ترمب تضرب أسس كل الاستراتيجيات السابقة. فكيف ستكون حال العالم؟


مقالات ذات صلة

كالاس: ضربات المسيّرات الأوكرانية تُثير ذعر الكرملين

أوروبا مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس (أ.ف.ب)

كالاس: ضربات المسيّرات الأوكرانية تُثير ذعر الكرملين

أكدت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس أن ضربات الطائرات المسيّرة الأوكرانية بالعمق الروسي تُثير «ذعر» الكرملين

«الشرق الأوسط» (بروكسل )
أوروبا صورة التقطتها مسيرة أوكرانية لضربة تقول كييف إنها استهدفت قاعدة بحرية في سان بطرسبرغ يوم 3 يونيو (رويترز)

زيلينسكي يُلوّح بتكثيف الضربات في العمق الروسي

أشاد الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بالضربات الجوية التي شنّها الجيش الأوكراني على مدينة سان بطرسبرغ الروسية، معتبراً أنها ردّ «عادل» على الهجمات الروسية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
خاص الرئيس الروسي فلاديمير بوتين متحدثاً في الكرملين بموسكو (أ.ب)

خاص موسكو وكييف تبحثان عن أوراق تفاوض تحت النار

يرى الغرب أن الكرملين يُحاول تحويل التصعيد الميداني إلى أداة تفاوض عبر رفع تكلفة الحرب على أوكرانيا وحلفائها.

إيلي يوسف (واشنطن)
الاقتصاد أوراق نقدية من الدولار والروبل الروسي (رويترز)

«سبير بنك»: العملة الروسية بحاجة للانخفاض إلى 90 روبلاً للدولار

قال مسؤول تنفيذي في «سبير بنك» إن قوة الروبل تُضيّق الخناق على مُصدّري السلع الروس، مما يقلّل أي زيادة في الأرباح ناتجة عن ارتفاع أسعار النفط.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أوروبا جانب من تحضيرات المؤتمر الاقتصادي الخامس في زمن الحرب في سان بطرسبرغ (رويترز)

روسيا تصد هجوما بمسيرات فوق لينينغراد مع انطلاق منتدى اقتصادي

يُفتتح منتدى الاستثمار، وهو الخامس منذ إرسال روسيا قواتها إلى أوكرانيا عام 2022، بعد ساعات فقط من هجومٍ مميت بطائرات مسيرة وصواريخ على كييف.

«الشرق الأوسط» (موسكو)

جدل أميركي بعد تعيين بيل بولتي على رأس الاستخبارات

بيل بولتي يتحدّث إلى صحافيين خارج الجناح الغربي للبيت الأبيض في واشنطن يوم 2 سبتمبر 2025 (أ.ب)
بيل بولتي يتحدّث إلى صحافيين خارج الجناح الغربي للبيت الأبيض في واشنطن يوم 2 سبتمبر 2025 (أ.ب)
TT

جدل أميركي بعد تعيين بيل بولتي على رأس الاستخبارات

بيل بولتي يتحدّث إلى صحافيين خارج الجناح الغربي للبيت الأبيض في واشنطن يوم 2 سبتمبر 2025 (أ.ب)
بيل بولتي يتحدّث إلى صحافيين خارج الجناح الغربي للبيت الأبيض في واشنطن يوم 2 سبتمبر 2025 (أ.ب)

أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب، مساء الثلاثاء، تعيين بيل بولتي، مدير الوكالة الفيدرالية لتمويل الإسكان (FHFA)، مديراً بالإنابة للاستخبارات الوطنية (DNI)، خلفاً لتولسي غابارد، التي استقالت الشهر الماضي لأسباب عائلية. وأثار الاختيار دهشة واسعة وتساؤلات وانتقادات، نظراً إلى افتقار بولتي إلى أي خبرة تُذكر في مجال الاستخبارات أو الأمن القومي.

وجاء القرار بمثابة صدمة لمستشاري ترمب داخل البيت الأبيض، ولعدد من المشرعين الجمهوريين في مبنى الكابيتول، الذين رأوا أنه غير مؤهل للمنصب ولا يملك الخبرات اللازمة لإدارة ملف بالغ الحساسية كهذا، وفق ما نقلت تقارير أميركية. وفي منشور عبر حسابه على «تروث سوشال» مساء الثلاثاء، أشاد ترمب بخبرة بولتي في قطاع الإسكان، وبإدارته لشركتي «فاني ماي» و«فريدي ماك» العقاريتين، وإشرافه على أصول تتجاوز قيمتها 10 تريليونات دولار. وأعلن تعيينه مديراً للاستخبارات الوطنية بالإنابة، إلى جانب احتفاظه بمنصبه مديراً للوكالة الفيدرالية لتمويل الإسكان ورئيساً لمجلسي إدارة «فاني ماي» و«فريدي ماك». وقال ترمب إن «ويليام بولتي يتمتع بخبرة عميقة في إدارة بعض أكثر الملفات حساسية في أميركا، وفي ضمان سلامة الأسواق ومتانتها».

لماذا بولتي؟

قدّم تقرير لصحيفة «وول ستريت جورنال» بعض الإجابات، إذ نقل عن مسؤولين أن بولتي طرح أمام ترمب حجة مفادها أنه سيكون نصيراً قوياً لأجندته في السياسة الخارجية، وأنه يدعم الحرب ضد إيران. وبحسب التقرير، لاقت هذه الحجة صدى لدى ترمب، الذي يتزايد شعوره بالإحباط من المعارضة الداخلية والانتقادات الجمهورية الموجهة إليه.

ولطالما كان بولتي، البالغ 38 عاماً، شخصية مثيرة للجدل داخل الإدارة الأميركية منذ توليه مسؤولية تنظيم قطاع الإسكان، ولا سيما دوره في التدقيق في سجلات الرهن العقاري للتحقق مما إذا كان خصوم ترمب السياسيون قد التزموا بقوانين الرهن العقاري أم ارتكبوا عمليات احتيال. ويُعدّ بولتي أحد أبرز مناصري ترمب من حركة «ماغا»، وعُرف بأسلوبه الهجومي على وسائل التواصل الاجتماعي، وبانخراطه في حملات تستهدف خصوم الرئيس السياسيين.

كما كان بولتي صريحاً في دعمه شنّ عمل عسكري ضد إيران؛ إذ قال سابقاً لصحيفة «وول ستريت جورنال» إنه غير قلق بشأن تأثير هذا الصراع على أسعار الرهن العقاري، متوقعاً أن «إيران لن تشكل تهديداً للعالم بعد الانتهاء من هذا الأمر».

انتقادات الجمهوريين

قوبل التعيين، الذي جاء بصفة «بالإنابة» بما يجنّبه المرور بعملية المصادقة في مجلس الشيوخ، بتشكك علني من جانب مشرعين جمهوريين.

وقال السيناتور جون كورنين، من تكساس، إنه «لم يرَ أي دليل على امتلاكه مؤهلات لهذا المنصب»، بينما حذّر زعيم الأغلبية في مجلس الشيوخ جون ثون من تحويل منصب مدير الاستخبارات الوطنية إلى «أداة مسيّسة» تُستخدم كسلاح.

وأثارت السيناتورة الجمهورية ليزا موركوفسكي، عن ألاسكا، تساؤلات حول مؤهلات بولتي لتولي زمام مجتمع الاستخبارات في البلاد، في منصب يتطلب الإشراف على 18 وكالة فيدرالية، من بينها وكالة الاستخبارات المركزية (CIA)، ووكالة الأمن القومي (NSA)، ووكالة استخبارات الدفاع (DIA)، ومكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI). وقالت: «لا يوجد في خلفيته ما يؤهله لتولي منصب رئيس جهاز الاستخبارات الوطنية. أعلم أن لديه خبرة في قطاع الإسكان، لكنني لست على دراية كافية بالأسباب التي دفعت الرئيس إلى اختياره لهذا المنصب».

من جانبها، قالت السيناتورة الجمهورية سوزان كولينز، عن ولاية مين، وهي عضو بارز آخر في لجنة الاستخبارات بمجلس الشيوخ، إنها لا تعرف ما إذا كان بولتي، وريث إحدى أكبر شركات بناء المنازل في البلاد، «Pulte Homes»، يمتلك تصريحاً أمنياً.

أما السيناتور الديمقراطي مارك وارنر، عن ولاية فيرجينيا، ونائب رئيس لجنة الاستخبارات في مجلس الشيوخ، فشنّ هجوماً لاذعاً على قرار تعيين بولتي مديراً مؤقتاً للاستخبارات، واصفاً الاختيار بأنه «مروّع». وقال في بيان إن اختياره للإشراف على مجتمع الاستخبارات يوضح أن الرئيس لا يبحث عن قائد استخباراتي يتبع الحقائق، بل عن شخص مستعد لتطويع المعلومات الاستخباراتية بما يتوافق مع رغباته، بغضّ النظر عن التكلفة التي قد يدفعها الشعب الأميركي.

وداخل أروقة الإدارة، شارك بعض المسؤولين هذه المخاوف سراً، رغم أن البيت الأبيض دافع علناً عن الاختيار. فقد وصف مدير المجلس الاقتصادي الوطني كيفن هاسيت بولتي بأنه شخص «يحظى بثقة الرئيس». وكان بولتي قد اشتبك مراراً مع كبار المسؤولين، وعلى رأسهم وزير الخزانة سكوت بيسنت، بعد علمه بأن بولتي كان يعمل على تقويض مكانته لدى الرئيس. وبلغ التوتر حداً دفع مسؤولي وزارة الخزانة إلى القول إنهم لم يعلموا بقرار تعيين بولتي في منصب الاستخبارات إلا بالطريقة نفسها التي علم بها عامة الناس، أي عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

«ترمب الصغير»

ويقول خبراء إن هذا الاختيار يعكس فلسفة ترمب في تقديم معيار الولاء أولاً، واختيار شخصيات مستعدة للانخراط في معارك سياسية دفاعاً عنه. وتطلق بعض وسائل الإعلام على بولتي لقب «ترمب الصغير»، فهو رجل أعمال شاب ووريث ثروة، يجسّد حماس حركة «ماغا»، ويرفض قيود المؤسسات التقليدية. ويرى هؤلاء أنه سيواجه صعوبة كبيرة في الحصول على مصادقة مجلس الشيوخ إذا قرر ترمب ترشيحه للمنصب بشكل دائم، لا الاكتفاء بتعيينه بالإنابة.

ويتخوف منتقدو الرئيس من أن يستخدم بولتي صلاحياته الواسعة لتسريع حملات الانتقام من خصوم ترمب السياسيين، أو رفع السرية عن ملفات حساسة، بما قد يثير مخاوف دستورية وتحديات قضائية.


اعتقال إيراني - أميركي بتهمة تزويد إيران بمعدات حاسوبية محظورة

القائم بأعمال وزير العدل الأميركي تود بلانش (رويترز)
القائم بأعمال وزير العدل الأميركي تود بلانش (رويترز)
TT

اعتقال إيراني - أميركي بتهمة تزويد إيران بمعدات حاسوبية محظورة

القائم بأعمال وزير العدل الأميركي تود بلانش (رويترز)
القائم بأعمال وزير العدل الأميركي تود بلانش (رويترز)

اعتُقل إيراني - أميركي، الأربعاء، في الولايات المتحدة، ووُجّهت إليه تهمة تزويد إيران بمعدات حاسوبية متطورة، بما في ذلك تكنولوجيا لبرنامجيها العسكري والنووي، وفق ما أفاد مسؤولون.

وقال مسؤولون في وزارة العدل الأميركية إن جمشيد قومي البالغ 63 عاماً يواجه عقوبة بالحبس 20 عاماً في حال إدانته بخرق العقوبات التي تفرضها الولايات المتحدة على إيران، وفق ما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وجاء في منشور للقائم بأعمال وزير العدل الأميركي تود بلانش على منصة «إكس»، أن قومي «خرق عقوبات أميركية مفروضة على إيران، وساعد أحد أعداء أمّتنا ودعم البرنامج النووي الإيراني واغتنى من ذلك».

وقال المدعي العام الأميركي بيل عسيلي إن السلطات تعتزم مصادرة أصول قومي، بما في ذلك قصر تبلغ قيمته 35 مليون دولار في نيوبورت بيتش بولاية كاليفورنيا.

وأشار بيان وزارة العدل إلى أن قومي استخدم على مدار أكثر من عقد من الزمن، شركته «فراز برداز ريانه» التي تتخذ مقراً في طهران، لإنتاج معدات شبكات حاسوبية لعملاء في إيران، في خرق للعقوبات الأميركية.

وجاء في البيان أن «جزءاً ضئيلاً نسبياً، إنما على قدر من الأهمية من ذاك النشاط التجاري، كان موجّهاً إلى أكثر الجهات حساسية في إيران: المؤسسة النووية والعسكرية للنظام الإيراني».

وقالت وزارة العدل إن قومي استخدم شركات صورية في الإمارات لإخفاء شحنات معدات شبكات حاسوبية متجهة إلى إيران.


ترمب يتلقى انتكاسة نادرة في انتخابات أيوا التمهيدية

المرشح الجمهوري ستيف هيلتون يتحدّث خلال تجمّع انتخابي في سباق حاكم ولاية كاليفورنيا مساء 2 يونيو (أ.ف.ب)
المرشح الجمهوري ستيف هيلتون يتحدّث خلال تجمّع انتخابي في سباق حاكم ولاية كاليفورنيا مساء 2 يونيو (أ.ف.ب)
TT

ترمب يتلقى انتكاسة نادرة في انتخابات أيوا التمهيدية

المرشح الجمهوري ستيف هيلتون يتحدّث خلال تجمّع انتخابي في سباق حاكم ولاية كاليفورنيا مساء 2 يونيو (أ.ف.ب)
المرشح الجمهوري ستيف هيلتون يتحدّث خلال تجمّع انتخابي في سباق حاكم ولاية كاليفورنيا مساء 2 يونيو (أ.ف.ب)

في انتكاسة مفاجئة للرئيس الأميركي دونالد ترمب، خسر النائب الجمهوري راندي فينسترا فرصة الفوز بترشيح الحزب الجمهوري لمنصب حاكم ولاية أيوا، في الانتخابات التمهيدية التي جرت الثلاثاء. ورغم إعلان ترمب تأييده له، الجمعة، ووصفه بأنه من أقوى داعميه، مُني فينسترا بالهزيمة أمام زاك لان، المزارع الذي دخل المعترك السياسي أخيراً، ويُعدّ من خارج المؤسسة الحزبية التقليدية. وحقّق لان فوزاً بنسبة 37.8 في المائة، مقابل 37 في المائة لفينسترا، بفارق يقلّ عن نقطة مئوية واحدة.

النائب راندي فينسترا الجمهوري عن ولاية أيوا خسر حملته الانتخابية للفوز بترشيح الحزب الجمهوري لمنصب حاكم الولاية (أ.ب)

شكّلت هزيمة فينسترا مفاجأة واسعة، ووصفت بأنها انتكاسة نادرة لهيمنة ترمب على سباقات الترشيح الجمهوري، إذ كان يُنظر إلى فينسترا بين المحافظين في أيوا بوصفه مرشح المؤسسة السياسية. أما زاك لان، فهو مزارع من أيوا، وناشط سياسي محافظ مرتبط بحركة «ماغا»، ركّز حملته على شعار «أيوا أولاً»، مع التشديد على مكافحة معدلات السرطان المرتفعة، ودعم المزارع العائلية، والحدّ من الهجرة. واستطاع بذلك استقطاب ناخبين يبحثون عن وجه جديد بعيداً عن واشنطن.

وأثارت هذه الخسارة تساؤلات حول حدود نفوذ ترمب داخل قاعدته الجمهورية التقليدية، بعد سلسلة انتصارات حقّقها مرشحون يدعمهم الرئيس في الانتخابات التمهيدية خلال الأسابيع الماضية.

لطالما عُدّ تأييد ترمب عاملاً حاسماً في كثير من السباقات التمهيدية الجمهورية. وخلال الشهر الماضي، أسهم دعمه لمرشحين موالين له في إقصاء أعضاء حاليين في مجلس الشيوخ، وعضو في مجلس النواب، ومشرّعين في مجالس الولايات، ممن اعتبرهم الرئيس غير مخلصين له بما يكفي.

لذلك، حين حصل فينسترا على تأييد ترمب لمنصب الحاكم في الأسبوع الماضي، بدا الأمر وكأنه دفعة قوية كان في أمسّ الحاجة إليها للتفوق على 4 مرشحين آخرين في الانتخابات التمهيدية. غير أن مراقبين أشاروا إلى أنه خاض حملة باهتة افتقرت إلى الحماسة، وفشل في كسب تأييد القاعدة المحافظة في الولاية. كما رأى محللون آخرون أن تأييد ترمب جاء متأخراً، ولم يترك وقتاً كافياً للاستفادة منه أو تسليط الضوء عليه.

آمال الديمقراطيين تنتعش

لكن هذه النتيجة، التي تُمهّد للانتخابات العامة، أشعلت آمال الديمقراطيين الذين رأوا فيها فرصة محتملة للفوز بمنصب حاكم ولاية أيوا. ويدفع الحزب بمرشحه روب ساند، مدقق حسابات الولاية، الذي يخوض حملة انتخابية ممولة جيداً لخلافة الحاكمة كيم رينولدز، التي لم تترشح لإعادة انتخابها. ولم يفز أي ديمقراطي بمنصب حاكم ولاية أيوا منذ عام 2006.

كما عزّز فوز المرشح الديمقراطي جوش توريك في الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي لمجلس الشيوخ في أيوا تلك الآمال، إذ يتمتع بخبرة في الفوز في مناطق تميل إلى الجمهوريين. وسيواجه النائبة الجمهورية آشلي هينسون في الانتخابات العامة لخلافة السيناتورة الجمهورية جوني إرنست، التي ستتقاعد بعد ولايتين في مجلس الشيوخ.

ويحتاج الديمقراطيون إلى الحفاظ على مقاعدهم في مجلس الشيوخ والفوز بـ4 مقاعد جمهورية على الأقل لانتزاع الأغلبية.

ديناميكيات معقدة

جرت السباقات الانتخابية مساء الثلاثاء في 6 ولايات. هي كاليفورنيا، وأيوا، ومونتانا، ونيوجيرسي، ونيومكسيكو، وساوث داكوتا. وقدّمت النتائج مؤشراً إلى الديناميكيات المعقدة داخل الحزبين قبل انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل.

ففي ولاية كاليفورنيا الديمقراطية، بقي سباق منصب الحاكم مفتوحاً، مع تقدم طفيف لستيف هيلتون الجمهوري، وزافيير بيسيرا الديمقراطي، فيما حلّ توم ستاير ثالثاً بفارق واضح. ويعني نظام الانتخابات التمهيدية المفتوحة في كاليفورنيا أن المرشحين الحاصلين على أعلى عدد من الأصوات يتأهلان إلى انتخابات نوفمبر، بغضّ النظر عن الانتماء الحزبي. وفي لوس أنجليس، تأهلت العمدة كارين باس إلى جولة إعادة في سباق رئاسة البلدية.

كارين باس رئيسة بلدية لوس أنجليس برفقة مؤيديها في حفل متابعة نتائج الانتخابات مساء 2 يونيو (رويترز)

وفي مونتانا، فازت الديمقراطية ألاني بانكهيد، وهي من قدامى المحاربين، بترشيح الحزب لمجلس الشيوخ، لتواجه كورت ألمه المدعوم جمهورياً. وفي نيومكسيكو، ضمنت ديب هالاند، وزيرة الداخلية السابقة، ترشيح الديمقراطيين لمنصب حاكم الولاية، في خطوة قد تكون تاريخية، إذا أصبحت أول امرأة من السكان الأصليين تتولى منصب حاكم ولاية أميركية.

أما في نيوجيرسي، فقد فاز جاستن مورفي، المحامي المخضرم، بترشيح الجمهوريين لمقعد في مجلس الشيوخ، في سباق تنافسي ضم 4 مرشحين. في المقابل، فاز السيناتور الديمقراطي كوري بوكر من دون منافسة. وسيتواجه مورفي وبوكر في نوفمبر المقبل في ولاية زرقاء تميل بقوة إلى الديمقراطيين.

وفي ساوث داكوتا، لم يحصل أي مرشح على نسبة 35 في المائة المطلوبة للفوز بترشيح الحزب الجمهوري لمنصب الحاكم، لذلك ستُجرى جولة إعادة بين رجل الأعمال توبي دودن، والحاكم الحالي لاري رودن. وعلى الجانب الديمقراطي، فاز دان أهلرز من دون منافسة، في ما يُعد أول جولة إعادة لسباق حاكم في تاريخ الولاية.

وتمثل هذه الانتخابات بداية حملة طويلة ستحدد من يملك السيطرة داخل الكونغرس. ويبدو أن الديمقراطيين في موقع أفضل للاستفادة من الغضب الشعبي تجاه الإدارة الحالية بسبب ارتفاع الأسعار، بينما يواجه الجمهوريون صعوبة في توحيد قاعدتهم. كما تؤكد النتائج استمرار الاستقطاب الأميركي، وأهمية القضايا المحلية في رسم خريطة السلطة الفيدرالية.