عرب أميركا اللاتينية… من الهجرة إلى قصور الرئاسة

مسيرة رؤساء وسياسيين من لبنان وفلسطين وسوريا تركوا بصمتهم في تاريخ القارة الحديث

صورة مركبة لرؤساء عرب في أميركا اللاتينية
صورة مركبة لرؤساء عرب في أميركا اللاتينية
TT

عرب أميركا اللاتينية… من الهجرة إلى قصور الرئاسة

صورة مركبة لرؤساء عرب في أميركا اللاتينية
صورة مركبة لرؤساء عرب في أميركا اللاتينية

لم يكن العرب حين شدّوا الرحال إلى أميركا اللاتينية يحملون سوى حقائب صغيرة وذكريات ثقيلة تركوها خلفهم بين جبال لبنان وبيوت فلسطين وأزقة سوريا. وصلوا إلى القارة البعيدة بحثاً عن حياة أكثر اتساعاً، لكن ما لم يتوقعه أحد أن يتحوّل أبناؤهم بعد عقود قليلة إلى وجوه تتصدّر الشاشات، وتجلس في قصور الحكم، وتوقّع معاهدات، وتسطّر فصولاً جديدة من تاريخ بلدان لم تُولد فيها أحلامهم الأولى.

بين أسونسيون وسان سلفادور وغواياكيل وبوغوتا، مروراً ببوينس آيرس وتيغوسيغالبا، وصولاً إلى برازيليا وكيتو، نسجت الجاليات العربية قصة مختلفة؛ قصة تبدأ من متجر صغير، ثم ترتفع درجاتها عبر الجامعات والبرلمانات، لتصل في نهاية السلم إلى أعلى منصب في الدولة.

وفيما يلي نبذة عن أبرز السياسيين العرب الذين تركوا بصمة في تاريخ أميركا اللاتينية.

كولومبيا - خوليو طربيه: أول العرب في القمة

يُعد خوليو سيزار طربيه أيالا نقطة البداية الرمزية لصعود العرب إلى الرئاسة في أميركا اللاتينية، فقد هاجر مع عائلته من بلدة تنورين في قضاء البترون بمحافظة الشمال اللبنانية إلى كولومبيا في عشرينات القرن الماضي، حين كان في الثانية من عمره.

مرت عائلة طربيه بفترات صعبة، واضطر إلى ترك المدرسة في المرحلة الثانوية والعمل مبكراً لإعالة أسرته، وهي نقطة ظلّ خصومه السياسيون يلوّحون بها طوال مسيرته.

خوليو سيزار طربية رئيس كولومبيا السابق (ويكيبيديا)

بعدما استعادت العائلة مكانتها الاقتصادية، انخرط طربيه في الحزب الليبرالي، وتدرج في المناصب الدبلوماسية، وبات سفيراً لدى الأمم المتحدة، ثم سفيراً لدى بريطانيا ولدى الولايات المتحدة الأميركية، وعُيّن وزيراً للخارجية، قبل أن يتولى الرئاسة المؤقتة عام 1967، ثم انتخب رئيساً للجمهورية عام 1978 حتى عام 1982 في واحدة من أصعب مراحل كولومبيا السياسية، إذ شهدت فترة رئاسته أزمة دولية بالضبط في 27 فبراير (شباط) من عام 1980، عندما اقتحمت مجموعة من 35 مقاتلاً من حركة «إم 19» سفارة الدومينيكان في بوغوتا في أثناء استقبال رسمي بمناسبة عيد وطني، واحتجزوا سفراء 16 دولة، واستمرت الأزمة 61 يوماً. عاد طربية إلى مسقط رأسه بمعية عائلته في عام 2003، قبل أن توافيه المنية عام 2005.

الأرجنتين - كارلوس منعم: الزعيم الذي أعاد هندسة الاقتصاد

كارلوس منعم، المولود لعائلة سورية من يبرود في ريف دمشق، يُعدّ أحد أشهر الرؤساء في تاريخ أميركا اللاتينية. هاجرت عائلته إلى ولاية لا ريوخا الأرجنتينية. بدأ منعم مسيرته السياسية حاكماً للولاية، قبل وصوله إلى الرئاسة عام 1989-1999، ممثلاً لحزب العدالة البيروني الذي أسسه خوان دومينغو بيرون، فيما شغل شقيقه إدواردو منعم رئاسة مجلس الشيوخ خلال ولايته.

خلال حكمه، أقدم منعم على تغييرات اقتصادية جريئة؛ إذ خصخص المؤسسات الكبرى، وربط العملة بالدولار. كما أعادت الأرجنتين، خلال فترته الرئاسية إقامة العلاقات الدبلوماسية مع المملكة المتحدة بعد تعليقها في حرب فوكلاند عام 1982، وأقامت علاقات خاصة مع الولايات المتحدة.

كارلوس منعم رئيس الأرجنتين السابق (ويكيبيديا)

ورحل منعم عام 2021، وبقي اسمه حاضراً في الذاكرة الأرجنتينية بوصفه زعيماً يصعب تجاهله، بعدما حول البلاد إلى نموذج ليبرالي حديث.

ميشال تامر - الرئيس القادم من بتعبورة

تضم البرازيل أكبر جالية عربية في العالم خارج الشرق الأوسط، وكان من الطبيعي أن يصل أبناؤها إلى مراكز السلطة. فمن بلدة بتعبورة بلبنان، ينحدر ميشال تامر الذي هاجر رفقة عائلته إلى البرازيل عام 1925. شغل منصب رئيس مجلس النواب، وكان الشخصية التي صوّتت لعزل الرئيسة ديلما روسيف، قبل أن يتسلم الرئاسة عام 2016 إلى غاية 2019.

رئيس البرازيل السابق ميشال تامر خلال احتفال في برازيليا (أ.ب)

حاول تامر تهدئة العاصفة السياسية والاقتصادية في بلاده عبر إصلاحات تقشفية وجذب الاستثمارات، وعلى الرغم من الجدل الذي رافق ولايته وملاحقته بقضايا فساد، بقي حضوره نموذجاً لابن الجذور اللبنانية الذي يصل إلى أعلى هرم السلطة في واحدة من أكبر دول العالم.

السلفادور: حضور فلسطيني طاغٍ يمتد من السقا إلى بوكيلي

إلياس سقا وشفيق حنضل

شهدت السلفادور في انتخابات 2004 مشهداً سياسياً غير مسبوق، حين تقابل مرشحان من أصل فلسطيني في سباق واحد إلى الرئاسة، فيما بدا مواجهة «عربية - عربية»، فقد خاض إلياس أنطونيو سقا غونزاليس، أول رئيس في تاريخ البلاد، حملة إعادة انتخابه ممثلاً تيار الوسط المحافظ. وفي المقابل، وقف شفيق حنضل، الأمين العام للحزب الشيوعي، مرشحاً للتيار اليساري، في هذا البلد الصغير بأميركا الوسطى.

يُعدّ سقا واحداً من أبرز الوجوه السياسية في السلفادور خلال العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، ومن أكثر أبناء الجالية الفلسطينية حضوراً في أميركا اللاتينية. وُلد عام 1965 لعائلة فلسطينية جاءت من بيت لحم في موجة الهجرة الأولى التي حملت آلاف الفلسطينيين إلى أميركا الوسطى بحثاً عن الفرص والاستقرار. وبرز مبكراً في عالم الإعلام والإعلان، قبل أن يجد طريقه إلى السياسة عبر الحزب اليميني المحافظ.

إلياس أنطونيو سقا رئيس السلفادور 2004-2009 (رويترز)

مع بداية الألفية، لمع اسمه داخل الحزب بفضل حضوره الإعلامي، ليترشح عام 2004 للرئاسة في لحظة سياسية حرجة شهدت خلالها البلاد إرث الحرب الأهلية وتحديات الأمن والاقتصاد. فاز سقا بالسباق، ليصبح أول رئيس من أصل عربي فلسطيني في تاريخ السلفادور، مقدّماً نفسه رجلاً وسطياً يسعى إلى تثبيت الاستقرار وتعزيز العلاقات مع الولايات المتحدة. تميزت ولايته بمزيج من الانفتاح الاقتصادي وحملة صارمة ضد العصابات، لكنها واجهت أيضاً انتقادات بشأن ملفات الفساد والإنفاق العام. وبعد خروجه من الحكم، عاد اسمه ليتصدر الأخبار عام 2017 عندما اعتُقل بتهم تتعلق باختلاس أموال عامة، قبل أن يُحكم عليه بالسجن، في واقعة عدّها البعض «السقوط الأكبر» لسياسي صعد بسرعة إلى قمة السلطة.

أما شفيق جورج حنضل فهو أحد أبرز رموز اليسار في أميركا الوسطى. وُلد عام 1930 لأسرة فلسطينية مهاجرة من بيت لحم استقرّت في السلفادور مطلع القرن العشرين. سرعان ما أصبح حنضل جزءاً لا يتجزأ من المشهد السياسي في بلده الجديد، حيث انخرط منذ شبابه في العملَيْن النقابي والطلابي، قبل أن يتدرج داخل صفوف الحزب الشيوعي السلفادوري، ويصبح أحد أبرز منظّريه وقادته.

شفيق حنضل مرشح لرئاسة جمهورية السلفادور (ويكيبيديا)

ومع تصاعد التوترات الداخلية التي قادت السلفادور إلى أعتاب الحرب الأهلية، كان حنضل في مقدمة من دفعوا باتجاه خلق جبهة موحّدة للمعارضة المسلحة، ليكون أحد العقول الأساسية وراء تأسيس جبهة «فارابوندو مارتي» للتحرير الوطني التي تحولت لاحقاً إلى أبرز قوة سياسية يسارية في البلاد. لعب دوراً مركزياً في قيادة الجبهة سياسياً وعسكرياً خلال سنوات الصراع، ثم شارك بفاعلية في مفاوضات السلام التي أنهت الحرب الأهلية مطلع التسعينات.

نجيب بوكيلي - الرئيس الذي غيّر صورة الدولة

برز نجيب بوكيلي، ذو الجذور الفلسطينية الممتدة إلى بيت لحم والخليل، بوصفه أحد أكثر قادة أميركا اللاتينية تأثيراً في السنوات الأخيرة، فهو ينتمي إلى الجيل الثالث من المهاجرين الفلسطينيين الذين استقرّوا في السلفادور، لكن حضوره السياسي جاء مختلفاً عن كل من سبقوه.

نجيب بوكيلي رئيس السلفادور (أ.ف.ب)

بدأ بوكيلي مسيرته المهنية في قطاع الأعمال، مستفيداً من مهارته في الاتصال والإدارة الحديثة، قبل أن يدخل عالم السياسة عبر رئاسة بلدية نويفو كوسكاتلان، ثم انتخابه عمدةً لسان سلفادور عام 2015، حيث برز بوصفه وجهاً شبابياً يكسر القوالب التقليدية. وفي انتخابات 2019، نجح في إنهاء هيمنة الحزبَين التقليديين، ليتولى رئاسة البلاد ببرنامج يقوم على الأمن والإصلاح المؤسسي.

بعد وصوله لسدة الحكم، أطلق بوكيلي ما سمّاه «الحرب على العصابات»، وقد قاد حملة أمنية شديدة الصرامة، شملت اعتقالات موسّعة وبناء «سجن عملاق».

هندوراس: الوجود الفلسطيني بين الرئاسة والإعلام

كارلوس فلوريس... رئيس إعادة الإعمار

كارلوس روبرتو فلوريس، المنحدر من عائلة فلسطينية أصلها من بيت لحم، يُعدّ أول شخصية من جذور عربية تصل إلى قصر الرئاسة في هندوراس. تولّى الحكم بين 1998 و2002، عقب إعصار «ميتش» الذي دمّر أجزاء واسعة من البلاد.

رئيس هندوراس السابق الذي تولى منصبه من 1998 إلى 2002 (ويكيبيديا)

قاد فلوريس مرحلة الإغاثة وترميم البنية التحتية، مستفيداً من رصيده السياسي وشبكة علاقاته الدولية. وبقي يُنظر إليه بوصفه «رئيس إعادة الإعمار» الذي أعاد هندوراس إلى مسار الدولة القادرة على النهوض بعد الكارثة.

منافسة عربية - عربية

تشهد هندوراس مواجهة عربية - عربية في انتخابات رئاسية مثيرة للجدل، وصلت أصداؤها إلى رئيس الولايات المتّحدة.

أبرز مرشّح في هذا السباق هو نصري خوان عصفورة زابلا، المعروف باسم «تيتو عصفورة»، وهو رجل أعمال نافذ متحدّر من جذور فلسطينية تعود إلى بيت لحم. ظلّ عصفورة لعقود من أكثر الشخصيات حضوراً خلف الكواليس في هندوراس، حيث لُقّب بـ«صانع الملوك»، نظراً إلى دوره في رسم التحالفات وتوجيه موازين القوة من خارج المؤسسات الرسمية.

المرشح لرئاسة الهندوراس نصري عصفورة في تيغوسيغالبا 22 نوفمبر 2025 (أ.ف.ب)

واليوم، يدخل تيتو سباق انتخابات مرتقبة يوم 30 نوفمبر (تشرين الثاني)، بصفته أحد أبرز المرشحين. ولكنه يحمل هذه المرّة ورقة دعم لافتة من الرئيس الأميركي دونالد ترمب، في خطوة أضفت على حملته بُعداً دولياً غير مألوف في السياسة المحلية. ويُنظر إلى هذا الدعم بوصفه عاملاً يعزّز حضوره بين التيارات المحافظة، ويدفعه للمرة الأولى من موقع اللاعب الخفي إلى واجهة المنافسة المباشرة على كرسي الرئاسة.

ويُنافس عصفورة، السياسي سالفادور نصر الله، وهو ابن عائلة لبنانية تتحدّر من منطقة الشوف في جبل لبنان. بدأ نصر الله مسيرته من بوابة الإعلام الرياضي قبل أن يتحوّل إلى أحد أبرز الوجوه السياسية المعارضة في هندوراس. خاض الانتخابات الرئاسية عامي 2013 و2017، وكاد ينتزع الفوز في الثانية قبل أن تغرق النتائج في جدلٍ طويل.

سلفادور نصر الله مرشح رئاسي في هندوراس (أ.ف.ب)

عاد لاحقاً بقوة ليصبح نائب رئيس جمهورية هندوراس عام 2022، في أعلى منصب يشغله متحدّر فلسطيني منذ فلوريس.

خوان بيريدا حزبون... أول رئيس عربي في بوليفيا

يُعدّ واحداً من أكثر الشخصيات إثارة للجدل في التاريخ السياسي لبوليفيا، ليس فقط لأنه أول رئيس من أصول عربية فلسطينية يصل إلى قصر الحكم، بل لأن فترة رئاسته كانت من الأقصر والأكثر اضطراباً.

ينحدر حزبون من عائلة فلسطينية مهاجرة من بيت لحم، تدرج ابنها في المؤسسات العسكرية حتى بلغ رتبة جنرال، قبل أن يقتحـم الحياة السياسية من بوابة وزارة الداخلية التي تولّى فيها واحداً من أكثر الملفات حساسية في البلاد.

خوان بيريدا حزبون تولى رئاسة بوليفيا ليومين عام 1978 (ويكيبيديا)

في عام 1978، وجد حزبون نفسه مرشحاً للرئاسة بدعم من النظام العسكري القائم. وبالفعل أُعلن فوزه رسمياً، لكن العملية الانتخابية سرعان ما واجهت اتهامات واسعة بالتزوير، مما أدى إلى اندلاع احتجاجات واسعة وملاحقات سياسية أفقدته شرعيته من الأيام الأولى. لم يدم بقاؤه في السلطة أكثر من ثلاثة أشهر، قبل أن يُطاح به بانقلاب قاده الجنرال دافيد باديا، في بداية سلسلة من الانقلابات المتبادلة التي غرقت فيها بوليفيا طوال تلك المرحلة المضطربة من تاريخها.

الإكوادور: قصة وجود لبناني ممتد عبر عائلة بوكرم

أسعد بوكرم... الأب المؤسس

ينحدر أسعد بوكرم من عائلة لبنانية مارونية وصلت إلى الإكوادور مطلع القرن العشرين، واستقرّت في مدينة غواياكيل، المركز التجاري الأكبر في البلاد. وُلد عام 1916، وبدأ حياته تاجراً قبل أن يصبح أحد أبرز رجال الأعمال في الساحل الإكوادوري. تولّى رئاسة غرفة التجارة في غواياكيل في خمسينات القرن الماضي، ثم أصبح نائباً في الكونغرس الوطني خلال الستينات، حيث برز بوصفه معارضاً شرساً للأنظمة العسكرية التي حكمت البلاد.

دفعت مواقفه إلى استهدافه مراراً، قبل أن يُنفى في السبعينات إلى بنما. ويُعدّ أسعد بوكرم «الأب المؤسس» لنفوذ العائلة اللبنانية في الإكوادور، والراعي السياسي لصعود رؤساء عدة.

خايمي رولدوس... الرئيس الإصلاحي الذي رحل في ظروف غامضة

ينتمي خايمي رولدوس أغويليرا إلى عائلة لبنانية مهاجرة من جبل لبنان، وصلت إلى الإكوادور في بدايات القرن العشرين. وُلد رولدوس عام 1940 في غواياكيل، ودرس القانون قبل أن يقتحم الحياة السياسية عبر حزب «الشعب» الإكوادوري، وهو الحزب الذي رعاه أسعد بوكرم.

خايمي رولدوس أغويليرا رئيس الإكوادور من 1979 إلى 1981 (ويكيبيديا)

فاز رولدوس في انتخابات 1979، ليصبح أصغر رئيس في تاريخ البلاد آنذاك، وأول رئيس مدني بعد عقود من الحكم العسكري. تميزت رئاسته ببرنامج إصلاحي ركّز على حقوق الإنسان وتقليص هيمنة الجيش. لكن عهده انتهى فجأة في 24 مايو (أيار) 1981 حين تحطّمت طائرته في الجبال الحدودية مع بيرو، في حادثة لُفّت بالاتهامات والشكوك حول احتمال تصفيته، تاركاً أثراً سياسياً يفوق قِصر عهده.

عبد الله بوكرم... الرئيس الأكثر إثارة للجدل

عبد الله بوكرم، ابن مدينة غواياكيل المولود عام 1952، درس القانون، ثم دخل عالم السياسة في شبابه عبر «حزب روضة الشعب» الذي أسسه خاله أسعد بوكرم.

عبد الله بوكرم رئيس الإكوادور 1996-1997 (ويكيبيديا)

فاز بوكرم بالرئاسة عام 1996 بأغلبية واضحة، مقدّماً نفسه زعيماً شعبياً قريباً من الطبقات الفقيرة. غير أن فترة حكمه التي لم تتجاوز 18 شهراً، شهدت سلسلة أزمات سياسية واقتصادية انتهت بعزله في فبراير (شباط) 1997 بتهمة «اختلال في السلوك»، وهو توصيف استخدمته المحكمة الدستورية لتبرير إقالته. حمل لقب «إل لوكو» (أي المجنون) وعاش سنوات طويلة في المنفى ببنما، قبل أن يعود لاحقاً إلى الإكوادور في إطار تسويات سياسية وقضائية.

جميل معوّض... رئيس السلام مع بيرو

جميل معوّض، منحدر من عائلة لبنانية وصلت إلى الإكوادور في النصف الأول من القرن العشرين، وُلد في كيتو عام 1949. خاض تجربته الأولى في الانتخابات الرئاسية عام 1988، لكنه خسرها بفارق ضئيل. عاد بعد عقد كامل ليحقق فوزاً ساحقاً في انتخابات 1998، مقدّماً خطاباً إصلاحياً يهدف إلى استعادة ثقة الدولة بمؤسساتها.

جميل معوض رئيس الإكوادور من 1998 حتى 2000 (ويكيبيديا)

دخل معوّض التاريخ بتوقيعه معاهدة السلام الدائمة مع بيرو عام 1998، منهياً واحداً من أطول النزاعات الحدودية في أميركا الجنوبية، لكن رئاسته تأثرت لاحقاً بالأزمة المصرفية الكبرى عام 1999، مما أدى إلى إضعاف شعبيته ودفعه إلى مغادرة البلاد بعد انتهاء ولايته.

خوليو ثيودور سالم... أول حضور لبناني في القصر الرئاسي

يُعدّ خوليو سالم، المنحدر من عائلة لبنانية مهاجرة من جبل لبنان، أول شخصية من أصل عربي تتبوّأ منصب الرئيس في الإكوادور. وُلد عام 1900، وتدرّج في الحياة العامة حتى أصبح نائباً للرئيس.

خوليو تيودورو سالم الرئيس المؤقت في الإكوادور لفترة ثلاثة أيام فقط من 29 إلى 31 مايو 1944 (ويكيبيديا)

تولّى رئاسة الجمهورية لثلاثة أيام فقط في مايو 1944 خلال مرحلة انتقالية شديدة الاضطراب أعقبت انتفاضة شعبية أطاحت بالجنرال أرويو. وعلى الرغم من أن فترته كانت قصيرة ورمزية، فقد مثّلت أول اختراق عربي واضح لمؤسسات الحكم، ومهّدت الطريق لوجود سياسي لبناني متجذّر في العقود التالية.

ماريو عبدو بينيتيز: رئيس باراغواي ذو الجذور اللبنانية

يُعدّ ماريو عبدو بينيتيز أبرز شخصية عربية الأصل تصل إلى رئاسة باراغواي عبر تاريخها الحديث، فالرئيس الذي حكم البلاد بين 2018 و2023 ينحدر من عائلة لبنانية مهاجرة تعود جذورها إلى مرجعيون في جنوب لبنان، وهو بذلك أحد أهم الوجوه العربية التي اعتلت هرم السلطة في أميركا الجنوبية.

رئيس باراغواي ماريو عبدو بينيتز من 2018 إلى عام 2023 (رويترز)

والده، ماريو عبدو الأب، كان أحد رجال الدائرة الضيقة للرئيس العسكري الشهير ألفريدو ستروسنر، وقد ورث الابن شبكة سياسية واسعة داخل «الحزب الكولورادو» الذي يسيطر على الحياة السياسية منذ عقود. صعد عبدو الابن بسرعة ليتولى رئاسة مجلس الشيوخ، قبل أن يفوز في انتخابات 2018 بفارق مريح.

الدومينيكان - جاكوبو آزار: الرئيس العربي الذي حكم 42 يوماً

يُعدّ جاكوبو آزار واحداً من أكثر الوجوه العربية حضوراً في تاريخ جمهورية الدومينيكان، رغم قصر الفترة التي تولّى خلالها الرئاسة. ينحدر من عائلة لبنانية مهاجرة استقرت في الدومينيكان مطلع القرن العشرين، وتمكنت من بناء موقع اقتصادي واجتماعي بارز، سمح لأبنائها لاحقاً بدخول مؤسسات الدولة.

برز آزار سياسياً داخل حزب الإصلاح، وتولّى مناصب رفيعة، أبرزها نائب رئيس الجمهورية في عهد الرئيس أنطونيو غوزمان.

جاكوبو آزار تولى رئاسة جمهورية الدومينيكان 42 يوماً عام 1982(ويكيبيديا)

وفي يوليو (تموز) 1982، وجد نفسه فجأة في أعلى منصب في الدولة بعد انتحار الرئيس غوزمان قبل نهاية ولايته بأسابيع قليلة، ليتولى آزار الرئاسة وفقاً للدستور لمدة 42 يوماً فقط، وهي المدة المتبقية من الفترة الرئاسية. ورغم قصر عهده، فقد أدار آزار مرحلة انتقالية حساسة اتسمت بالتوتر السياسي والصدمة الوطنية على خلفية انتحار الرئيس.


مقالات ذات صلة

انتخابات عامة في إثيوبيا وآبي أحمد يتعهد بـ«حقبة تحولية»

أفريقيا رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد خلال الإدلاء بصوته الاثنين (وكالة الأنباء الإثيوبية)

انتخابات عامة في إثيوبيا وآبي أحمد يتعهد بـ«حقبة تحولية»

شهدت إثيوبيا، الاثنين، سابع انتخابات عامة في تاريخها وسط حديث رسمي عن مشاركة واسعة للناخبين، ومؤشرات باقتراب حزب رئيس الوزراء آبي أحمد من نيل فوز جديد.

محمد محمود (القاهرة)
أفريقيا رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد يدلي بصوته في الانتخابات (رويترز)

الإثيوبيون يختارون ممثليهم... وفوز كاسح متوقع لحزب آبي أحمد

توجَّه ملايين الإثيوبيين لصناديق الاقتراع صباح الاثنين لاختيار ممثِّليهم في انتخابات عامَّة يُتوقع أن تسفر عن فوز كاسح لحزب «الازدهار» الحاكم بقيادة آبي أحمد.

«الشرق الأوسط» (أديس أبابا)
أميركا اللاتينية المرشحان اليساري إيفان سيبيدا (يسار) واليميني أبيلاردو دي لا إسبرييا (يمين) (أ.ف.ب)

دي لا إسبرييا وسيبيدا إلى جولة الإعادة في الانتخابات الرئاسية الكولومبية

سيتنافس المرشحان اليساري إيفان سيبيدا واليميني أبيلاردو دي لا إسبرييا في الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية بكولومبيا 21 يونيو.

«الشرق الأوسط» (بوغوتا)
شؤون إقليمية رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد (وكالة الأنباء الإثيوبية)

انتخابات إثيوبيا... غيابات تيغراي وأمهرة تقلص مصداقية الاقتراع

تغيب صناديق الاقتراع عن إقليم تيغراي، و8 دوائر انتخابية على الأقل في أمهرة، وسط توترات وخلافات حادة مع الحكومة الفيدرالية الإثيوبية.

محمد محمود (القاهرة)
الولايات المتحدة​ ترمب مخاطباً أنصاره في نيويورك يوم 22 مايو (إ.ب.أ)

هل يحسم الشباب نتائج الانتخابات النصفية في نوفمبر؟

كان الاقتصاد المدخل الأوسع الذي دفع كثيراً من الشباب وخصوصاً الذكور إلى الانزياح يميناً في انتخابات 2024

إيلي يوسف (واشنطن)

مرشحا اليمين واليسار لدور ثانٍ في انتخابات الرئاسة بكولومبيا

صورة مركبة للمرشحين لانتخابات الرئاسة الكولومبية اليساري إيفان سيبيدا (يمين) واليميني أبيلاردو دي لا إسبرييّا (رويترز)
صورة مركبة للمرشحين لانتخابات الرئاسة الكولومبية اليساري إيفان سيبيدا (يمين) واليميني أبيلاردو دي لا إسبرييّا (رويترز)
TT

مرشحا اليمين واليسار لدور ثانٍ في انتخابات الرئاسة بكولومبيا

صورة مركبة للمرشحين لانتخابات الرئاسة الكولومبية اليساري إيفان سيبيدا (يمين) واليميني أبيلاردو دي لا إسبرييّا (رويترز)
صورة مركبة للمرشحين لانتخابات الرئاسة الكولومبية اليساري إيفان سيبيدا (يمين) واليميني أبيلاردو دي لا إسبرييّا (رويترز)

سيتنافس المرشحان اليساري إيفان سيبيدا واليميني أبيلاردو دي لا إسبرييّا في الدور الثاني من انتخابات الرئاسة بكولومبيا في 21 يونيو (حزيران) الحالي وفقاً للنتائج الجزئية للجولة الأولى.

مؤيدون للمرشح اليميني لانتخابات الرئاسة الكولومبية أبيلاردو دي لا إسبرييّا بعد إعلان نتائج الدور الأول في بوغوتا الأحد (رويترز)

وأعلنت الهيئة الانتخابية أن المرشح اليميني أبيلاردو دي لا إسبرييّا فاز بنسبة 44 في المائة من الأصوات متفوقاً على المرشح اليساري إيفان سيبيدا الذي حصل على 41 في المائة، وعلى مجموعة من المرشحين الآخرين. وكان يفترض أن يؤمّن أحد المرشحّين نسبة 50 في المائة من الأصوات لتجنب جولة الإعادة.

وتشهد البلاد أسوأ موجة عنف منذ توقيع اتفاق السلام مع القوات المسلحة الثورية الكولومبية (فارك) عام 2016، مع اغتيال الكثير من قادة مجتمعيين ومقتل مدنيين في هجمات بسيارات مفخخة ومسيّرات، بالإضافة إلى مقتل مرشح رئاسي. وبعد مرور عقد من توقيع اتفاق السلام التاريخي، لا تزال جيوب من كولومبيا تحت سيطرة جماعات مسلحة منشقة تهيمن على إنتاج الكوكايين.

الرئيس الكولومبي غوستافو بيترو يعرض أمام الصحافة ورقة اقتراعه قبل الإدلاء بصوته بالجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية في بوغوتا الأحد (رويترز)

ويحظر الدستور ولاية ثانية لأول رئيس يساري في تاريخ البلاد غوستافو بيترو الذي فشلت استراتيجيته «السلام الشامل» في التوصل إلى اتفاق لإنهاء الصراع مع الجماعات المسلحة.

«كثيرون يفكرون في الهجرة»

ويقول منتقدون لسياسة بيترو إن استراتيجيته منحت الجماعات الإجرامية حرية مطلقة؛ ما أدى إلى تصاعد العنف وارتفاع صادرات الكوكايين إلى مستويات قياسية. وقالت كاتالينا ديفيا، وهي مديرة إعلانات تبلغ 42 عاماً وأم لطفلين صوتت لصالح دي لا إسبرييّا: «لقد عززت هذه الحكومة الجماعات المسلحة بكونها متساهلة للغاية» مضيفة: «يفكر الكثير من الكولومبيين في الهجرة»، حسبما نقلت عنها «وكالة الصحافة الفرنسية».

المرشح اليميني لانتخابات الرئاسة الكولومبية أبيلاردو دي لا إسبرييّا يحيي أنصاره بعد إعلان نتائج الدور الأول في بوغوتا الأحد (رويترز)

يشار إلى أن دي لا إسبرييّا (47 عاماً)، شخصية من خارج المؤسسة السياسية، ومؤيد للرئيس الأميركي دونالد ترمب، ويطلق على نفسه لقب «النمر». وخاض حملته الانتخابية من وراء زجاج مضاد للرصاص وتعهد مواجهة الجماعات المسلحة في الجو والبر والبحر. وقال دي لا إسبرييّا في خطاب النصر وهو يرتدي قميص منتخب كولومبيا لكرة القدم: «سأقتل نفسي من أجل كولومبيا إذا لزم الأمر». وسيخوض الآن جولة الإعادة في مواجهة سيبيدا، وهو ابن زعيم شيوعي تم اغتياله، مهندساً لاتفاقات السلام التاريخية لعام 2016 مع «فارك». وقد تعهد مواصلة السعي لتحقيق «السلام الشامل» وتوسيع نطاق البرامج الاجتماعية في مجتمع يعاني عدم المساواة بشكل كبير.

المرشح اليساري لانتخابات الرئاسة الكولومبية إيفان سيبيدا يلقي كلمة عقب إعلان نتائج الدور الأول في بوغوتا الأحد (د.ب.أ)

وشكك سيبيدا الذي كان يتوقع أن يتصدر التصويت، في دقة النتائج الأولية، لكنه لم يصل إلى حد الادعاء بأن الانتخابات مزورة، متعهداً هزيمة «اليمين المتطرف الفاشي» في الجولة الثانية من الانتخابات.

ويشير مؤيدو خطه السياسي إلى ارتفاع الحد الأدنى للأجور وزيادة الإنفاق على التعليم ونقل أراض إلى المجتمعات الفقيرة. وأعرب مؤيدون لسيبيدا عن خيبة أملهم لحصوله على المركز الثاني. وقال أندريس ألبا، وهو موظف في مقهى يبلغ 42 عاماً بعد صدور النتائج: «يترك ذلك مرارة».

من جهتها، قالت غلوريا تيرانوفا، وهي صاحبة مقهى تبلغ 59 عاماً، إنها لا تزال تأمل في أن يفوز سيبيدا بالرئاسة رغم حصوله على المركز الثاني في الجولة الأولى. وصرّحت: «نحن الآن أمام طرفي نقيض: أحد الجانبين يريد السلام، والآخر يريد الحرب».

«سأختار المرشح الأقل سوءاً»

لكن بعض الناخبين أعربوا عن استيائهم من هذا الخيار المحتم والمستقطب. وقال جوليان، وهو مدير مشاريع يبلغ 37 عاماً: «تصويتي لا يسترشد بما أريده، بل بما أخشاه أكثر من غيره»، مضيفاً: «سأصوت للمرشح الأقل سوءاً».

وفي المناطق المتضررة من أعمال العنف، أعرب ناخبون عن قلقهم بشأن الأمن، لكنهم طالبوا أيضاً بالاستثمار الاجتماعي. وقالت يوريلس بولانكو، وهي عضو في مجتمع واييو قرب الحدود الفنزويلية: «ماذا أتوقع من الحكومة الجديدة؟ أن تضع المجتمعات الأصلية في الحسبان».

ورغم تزايد المخاوف من إراقة الدماء، مرّ يوم الانتخابات بهدوء. ونشرت الحكومة أكثر من 400 ألف عنصر أمني في أنحاء البلاد لضمان الأمن.

والآن، سيكون على خليفة بيترو التعامل مع عدد كبير من الجماعات الإجرامية التي تنشط في تهريب المخدرات والتعدين غير القانوني.


دي لا إسبرييا وسيبيدا إلى جولة الإعادة في الانتخابات الرئاسية الكولومبية

المرشحان اليساري إيفان سيبيدا (يسار) واليميني أبيلاردو دي لا إسبرييا (يمين) (أ.ف.ب)
المرشحان اليساري إيفان سيبيدا (يسار) واليميني أبيلاردو دي لا إسبرييا (يمين) (أ.ف.ب)
TT

دي لا إسبرييا وسيبيدا إلى جولة الإعادة في الانتخابات الرئاسية الكولومبية

المرشحان اليساري إيفان سيبيدا (يسار) واليميني أبيلاردو دي لا إسبرييا (يمين) (أ.ف.ب)
المرشحان اليساري إيفان سيبيدا (يسار) واليميني أبيلاردو دي لا إسبرييا (يمين) (أ.ف.ب)

سيتنافس المرشحان؛ اليساري إيفان سيبيدا، واليميني أبيلاردو دي لا إسبرييا، في الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية في كولومبيا، في 21 يونيو (حزيران) الحالي، وفقاً للنتائج الجزئية للجولة الأولى.

ووفق «وكالة الصحافة الفرنسية»، فقد أعلنت الهيئة الانتخابية أن المرشح اليميني أبيلاردو دي لا إسبرييا فاز بنسبة 44 في المائة من الأصوات، متفوقاً على المرشح اليساري إيفان سيبيدا الذي حصل على 41 في المائة، وعلى مجموعة من المرشحين الآخرين.

وكان يُفترض أن يؤمن أحد المرشحيْن نسبة 50 في المائة من الأصوات لتجنب جولة الإعادة.

موظفو الانتخابات يحصون الأصوات بمركز اقتراع خلال الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية في بوغوتا (رويترز)

وتشهد البلاد أسوأ موجة عنف منذ توقيع اتفاق السلام مع القوات المسلحة الثورية الكولومبية «فارك» عام 2016، مع اغتيال قادة مجتمعيين ومقتل مدنيين في هجمات بسيارات مفخّخة ومسيّرات، بالإضافة إلى مقتل مرشح رئاسي.

وبعد مرور عقد من توقيع اتفاق السلام التاريخي، لا تزال جيوب من كولومبيا تحت سيطرة جماعات مسلحة منشقّة تُهيمن على إنتاج الكوكايين.

ويحظر الدستور ولاية ثانية لأول رئيس يساري في تاريخ البلاد غوستافو بيترو الذي فشلت استراتيجيته «السلام الشامل» في التوصل إلى اتفاق لإنهاء الصراع مع الجماعات المسلحة.

ويقول المنتقدون إن استراتيجية بيترو منحت الجماعات الإجرامية حرية مطلقة، ما أدى إلى تصاعد العنف وارتفاع صادرات الكوكايين إلى مستويات قياسية.

وقالت كاتالينا ديفيا، وهي مديرة إعلانات تبلغ 42 عاماً وأم لطفلين صوّتت لصالح دي لا إسبرييا: «لقد عززت هذه الحكومة الجماعات المسلحة بكونها متساهلة للغاية»، مضيفة: «يفكر كثير من الكولومبيين في الهجرة».

ودي لا إسبرييا، البالغ 47 عاماً، هو شخصية مؤيدة لترمب من خارج المؤسسة السياسية ويطلق على نفسه لقب «النمر».

وخاض حملته الانتخابية من وراء زجاج مضاد للرصاص وتعهّد بمواجهة الجماعات المسلحة في الجو والبر والبحر.

وقال دي لا إسبرييا في خطاب النصر، وهو يرتدي قميص منتخب كولومبيا لكرة القدم: «سأقتل نفسي من أجل كولومبيا، إذا لزم الأمر».

دي لا إسبرييا وهو يرتدي قميص منتخب كولومبيا لكرة القدم (أ.ف.ب)

وسيخوض، الآن، جولة الإعادة في مواجهة سيبيدا وهو ابن زعيم شيوعي اغتيل، مهندس اتفاقات السلام التاريخية لعام 2016 مع «فارك».

وقد تعهّد بمواصلة السعي لتحقيق «السلام الشامل» وتوسيع نطاق البرامج الاجتماعية في مجتمع يعاني عدم المساواة بشكل كبير.

وشكّك سيبيدا، الذي كان يتوقع أن يتصدر التصويت، في دقة النتائج الأولية، لكنه لم يصل إلى حد ادعاء أن الانتخابات مزوّرة، متعهداً بهزيمة «اليمين المتطرف الفاشي» في الجولة الثانية من الانتخابات.

ويشير مؤيدو خطه السياسي إلى ارتفاع الحد الأدنى للأجور وزيادة الإنفاق على التعليم ونقل أراض إلى المجتمعات الفقيرة.

وأعرب مؤيدون لسيبيدا عن خيبة أملهم بعد حصوله على المركز الثاني.

المرشح اليساري إيفان سيبيدا (رويترز)

وقال أندريس ألبا، وهو موظف في مقهى يبلغ 42 عاماً، بعد صدور النتائج: «يترك ذلك مرارة».

من جهتها، قالت غلوريا تيرانوفا، وهي صاحبة مقهى تبلغ 59 عاماً، إنها لا تزال تأمل أن يفوز سيبيدا بالرئاسة، رغم حصوله على المركز الثاني في الجولة الأولى.

وصرّحت: «نحن الآن أمام طرفيْ نقيض: أحد الجانبين يريد السلام، والآخر يريد الحرب».

«ليس ما أريده... بل ما أخشاه»

لكن بعض الناخبين أعربوا عن استيائهم من هذا الخيار المحتّم والمستقطب.

وقال جوليان، وهو مدير مشاريع يبلغ 37 عاماً: «تصويتي لا يسترشد بما أريده، بل بما أخشاه أكثر من غيره»، مضيفاً: «سأصوت للمرشح الأقل سوءاً».

وفي المناطق المتضررة من أعمال العنف، أعرب ناخبون عن قلقهم بشأن الأمن، لكنهم طالبوا أيضاً بالاستثمار الاجتماعي.

وقالت يوريلس بولانكو، وهي عضو في مجتمع واييو قرب الحدود الفنزويلية: «ماذا أتوقع من الحكومة الجديدة؟ أن تأخذ المجتمعات الأصلية في الحسبان».

ورغم ازدياد المخاوف من إراقة الدماء، مرّ يوم الانتخابات بهدوء.

ونشرت الحكومة أكثر من 400 ألف عنصر أمني في أنحاء البلاد؛ لضمان الأمن.

والآن، سيكون على خلف بيترو التعامل مع عدد كبير من الجماعات الإجرامية التي تنشط في تهريب المخدرات والتعدين غير القانوني.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


كولومبيا تختار خليفة بيترو وسط حصيلة اقتصادية وأمنية متباينة

أحد مكاتب الاقتراع في كالي بكولومبيا يوم 30 مايو 2026 (أ.ب)
أحد مكاتب الاقتراع في كالي بكولومبيا يوم 30 مايو 2026 (أ.ب)
TT

كولومبيا تختار خليفة بيترو وسط حصيلة اقتصادية وأمنية متباينة

أحد مكاتب الاقتراع في كالي بكولومبيا يوم 30 مايو 2026 (أ.ب)
أحد مكاتب الاقتراع في كالي بكولومبيا يوم 30 مايو 2026 (أ.ب)

بعد 4 سنوات من بداية تجربة أول رئاسة يسارية منذ الاستقلال، يتجه الكولومبيون إلى صناديق الاقتراع لانتخاب خلف لغوستافو بيترو الذي ينهي ولايته بحصيلة وافرة من المنجزات الاقتصادية والاجتماعية التي لم تشهدها كولومبيا منذ عقود، لكن تحت ضغط مالي متفاقم؛ بسبب تراجع الاستثمارات وزيادة الإنفاق العام الذي تجاوز بنسبة عالية منسوب الجباية الضريبية وعائدات السياحة والصادرات.

مؤشرات اقتصادية متباينة

تبيّن الأرقام الواردة في التقرير الشهري الأخير الصادر عن «لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية لأميركا اللاتينية» أن معدل البطالة في كولومبيا انخفض إلى أدنى مستوياته منذ أواخر القرن الماضي، وأن قطاع السياحة سجّل نمواً زاد على 30 في المائة خلال السنوات الأربع الماضية بإيرادات تجاوزت 12 مليار دولار العام الماضي، فيما شهد القطاع الزراعي طفرة إنتاجية وتصديرية جعلته في مرتبة قطاع الطاقة من حيث العائدات الضريبية. كما سجل مؤشر الفقر تراجعاً ملحوظاً انعكس في تحسين ظروف التعليم والخدمات الصحية والمسكن لملايين الكولومبيين.

الرئيس الكولومبي غوستافو بيترو داخل السفارة الكولومبية في واشنطن يوم 3 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

في المقابل، شهدت الاستثمارات العامة والخاصة تراجعاً مطرداً منذ بداية ولاية الرئيس الحالي؛ ويعزو الخبراء ذلك إلى عوامل عدة، منها كثرة العراقيل في التشريعات الناظمة للاستثمار، وتعاقب التعديلات التي طرأت عليها في قطاعات حساسة تمتد فيها الاستثمارات فترات طويلة، خصوصاً في قطاع الطاقة الذي تعتمد عليه القطاعات الإنتاجية الأخرى.

تدهور أمني

لكن التركة التي تثير أكبر قدر من القلق في حصيلة ولاية أول رئيس يساري في كولومبيا، هي تدهور الأوضاع الأمنية التي كان غوستافو بيترو وضع ضبطها في طليعة أولوياته، لا سيما أنه جاء من صفوف الحركة الثورية التي أقامت «دولتها» الخاصة طيلة عقود في مواجهة مسلحة مع الأجهزة الأمنية والعسكرية جعلت من كولومبيا أعنف دول العالم على الإطلاق.

انتشار أمني في بوغوتا عشية الانتخابات الرئاسية يوم 29 مايو 2026 (رويترز)

آخر ظواهر هذا التدهور الأمني كان العنف الذي شهدته حملة الانتخابات الرئاسية منذ بدايتها، عندما اغتيل المرشح الليبرالي الشاب ميغيل أوريبي طربيه، حفيد الرئيس الأسبق خوليو طربيه المولود في لبنان، عندما كان يخاطب أنصاره في المهرجان الافتتاحي لحملته. كما أن المرشحين الثلاثة الرئيسيين الذين يتنافسون على منصب الرئاسة يتعرضون باستمرار لتهديدات بالقتل أجبرتهم على التنقل تحت حماية مشددة ومخاطبة أنصارهم في المهرجانات من وراء سواتر زجاجية واقية من الرصاص.

مرشح اليسار

المرشح الأوفر حظاً للوصول إلى الدورة الثانية، وفق الاستطلاعات الأخيرة، هو اليساري إيفان سيبيدا المدعوم من الرئيس الحالي، الذي يطمح للحصول على أكثر من نصف الأصوات في الدورة الأولى ومواصلة سياسة بيترو القائمة على الحوار مع الجماعات المسلحة.

مرشح اليسار إيفان سيبيدا خلال مؤتمر صحافي في بوغوتا يوم 28 مايو 2026 (رويترز)

وفي حال فوزه، سيكون ثاني رئيس يساري في تاريخ كولومبيا التي كان يتناوب على رئاستها دائماً الحزبان «الليبرالي» و«المحافظ»، اللذان قال عنهما الروائي الشهير غارسيا ماركيز: «الفارق الوحيد بين الحزبين (الليبرالي) و(المحافظ)، هو أن أتباع الأول يذهبون يوم الأحد إلى قداس الساعة العاشرة، بينما يذهب أتباع الثاني إلى قداس الساعة الثانية عشرة».

وقد اختار سيبيدا ممثلة السكان الأصليين في مجلس الشيوخ، عايدة كيلكوي، مرشحةً ترافقه لمنصب نائب الرئيس. وكان قبل إنهاء حملته الانتخابية توجه إلى البرازيل حيث التقى الرئيس لويس إيغناسيو لولا دا سيلفا، ثم إلى المكسيك حيث اجتمع بالرئيسة كلاوديا شينباوم، وإلى مدريد حيث اجتمع برئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز، في جولة على القيادات اليسارية البارزة في أميركا اللاتينية وأوروبا. ويعتقد المراقبون أن ما يزيد في حظوظ المرشح اليساري أنه لا منافس له على الأصوات التقدمية، وأصوات الذين يرغبون في إخراج كولومبيا نهائياً من دوامة التناوب بين القوى اليمينية والمحافظة.

مرشحا اليمين

على الجبهة الأخرى تياران يمينيان؛ محافظ ومتطرف، للوصل إلى الدورة الثانية من الانتخابات في 21 يونيو (حزيران) المقبل.

لافتة انتخابية لمرشحة اليمين بالوما فالينسيا بمدينة بارنكيا يوم 30 مايو 2026 (إ.ب.أ)

الأول تقوده عضو مجلس الشيوخ بالوما فالنسيا التي يدعمها زعيم اليمين المحافظ الرئيس الأسبق ألفارو أوريبي الذي يخوض معركة قضائية منذ 10 سنوات ضد المرشح اليساري. والثاني يقوده اليميني المتطرف آبيلاردو أسبيريلّا الذي يخوض معركته الانتخابية على «الطريقة التِّرَمْبِيَّة»؛ يعتمر قبعة شبيهة بقبعة الرئيس الأميركي، مطلقاً العنان للتعليقات الذكورية والشتائم المباشرة للصحافيين الذين يغطون لقاءاته مع وسائل الإعلام.

لافتة انتخابية لمرشح اليمين المتطرف آبيلاردو أسبيريلّا بمدينة بارنكيا يوم 30 مايو 2026 (إ.ب.أ)

وفيما يزداد الترقب لمعرفة النتيجة التي سيحصدها المرشح اليميني المتطرف في الدورة الأولى، يرجح بعض الأوساط أن يتقدم على مرشحة اليمين المحافظ التي تدعمها شخصيات بارزة في المعسكر اليميني التقليدي، أبرزها الرئيس الأسبق ألفارو أوريبي الذي ما زال يتمتع بشعبية واسعة رغم مرور 15 عاماً على رئاسته والملاحقات القضائية الكثيرة التي تعرض لها.