ليبيا تواجه تحديات تجارة المخدرات وانتشار شبكات التهريب

اختصاصيون وأكاديميون يحذِّرون من «ازدياد عمليات غسل الأموال»

مواد مخدرة ضُبطت في مدينة القطرون جنوب ليبيا (جهاز مكافحة المخدرات)
مواد مخدرة ضُبطت في مدينة القطرون جنوب ليبيا (جهاز مكافحة المخدرات)
TT

ليبيا تواجه تحديات تجارة المخدرات وانتشار شبكات التهريب

مواد مخدرة ضُبطت في مدينة القطرون جنوب ليبيا (جهاز مكافحة المخدرات)
مواد مخدرة ضُبطت في مدينة القطرون جنوب ليبيا (جهاز مكافحة المخدرات)

أعادت عملية ضبط 250 ألف قرص من عقار «الترامادول» في شرق ليبيا «قبل تهريبها إلى مصر»، إلى الواجهة، النقاش حول استمرار مخاطر تجارة المخدرات، وتغول شبكاتها في البلاد؛ حيث تحوَّلت -حسب اختصاصيين- إلى اقتصاد موازٍ عابر للحدود، تُعَد ليبيا إحدى محطاته الرئيسية.

عناصر من «اللواء 444 قتال» تضبط متهماً بالاتجار في المخدرات (اللواء)

العملية الأمنية التي وصفها خبراء بأنها نوعية، داهم خلالها «جهاز مكافحة المخدرات» في شرق ليبيا، مخزناً في منطقة أمساعد الحدودية مع مصر، كان يُستخدم لتجميع «الأقراص المهلوِسة» تمهيداً لتهريبها، كاشفاً أنها نُفِّذت بناءً على معلومات أمنية دقيقة.

ويُنظَر إلى ضبط هذه الكمية الضخمة من الأقراص على أنه «تحسُّن ملموس في الجهد الاستخباراتي»، وهي رؤية الباحث الليبي المتخصص في شؤون الأمن القومي، فيصل أبو الرايقة، الذي قال إن «حجم الكمية المعدة للتهريب يضع البلاد في حالة إنذار مبكر، ذات ضوء برتقالي»، عادّاً أن تهريب المخدرات «يشكِّل تهديداً مباشراً للأمن القومي، الليبي والمصري على حد سواء».

ويحذِّر أبو الرايقة -في تصريح لـ«الشرق الأوسط»- من أن هذه التجارة «تُدار عبر شبكات متطورة، وجماعات تستثمر الفراغ الأمني ومصادر التمويل غير المشروعة».

وتكشف سلسلة من العمليات خلال الأشهر الأخيرة عن اتساع المسارات والطرق المستخدمة في التهريب، بعد الكشف عن محاولات تهريب مشابهة في ميناء بنغازي، داخل حاوية شحن قادمة من الخارج، وأخرى في سبها أسفرت عن ضبط آلاف «الأقراص المهلوِسة».

ويعتمد المهربون على شبكات لوجستية معقدة، تمتد من ميناءي طبرق وبنغازي شرقاً إلى زوارة والخمس غرباً، ومنها إلى معابر صحراوية غير رسمية نحو مصر وتشاد والسودان؛ حسب «المبادرة العالمية لمكافحة الجريمة المنظمة عبر الوطنية».

ويتواكب ذلك مع تطور مستمر في حيل وأساليب التهريب داخل ليبيا؛ حيث لجأت الشبكات إلى وسائل متخفية غير تقليدية، مثل استخدام سيارات إسعاف لأغراض نقل المخدرات وترويجها، وهو ما جرى الكشف عنه، السبت، في طبرق، شرق البلاد.

ويستفيد المهربون من الانقسام السياسي والأمني في ليبيا؛ حيث يتقاسم جهازان مختلفان في الشرق والغرب مهمة مكافحة المخدرات، في ظل غياب تنسيق فعَّال.

شحنة مخدرات ضبطتها السلطات الأمنية في شرق ليبيا (جهاز مكافحة الهجرة غير النظامية)

ويبرز تقرير صادر عن مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة في يونيو (حزيران) الماضي، أن «الانقسام السياسي يؤدي إلى تكرار الجهود وغياب التنسيق الميداني؛ خصوصاً في المناطق الحدودية، مع غياب قاعدة بيانات موحدة لمكافحة هذه الظاهرة»؛ مشيراً إلى أن مساحات شاسعة من الجنوب الليبي والصحراء الكبرى تقع خارج السيطرة الفعلية للدولة.

في المقابل، يبرز الجانب الاقتصادي لشبكات الاتجار بالمخدرات التي تتخذ من ليبيا إحدى محطاتها؛ حيث التشابك العميق مع شبكات غسل الأموال.

ولا توجد تقديرات رسمية موثوقة عن حجم هذا النشاط الإجرامي. ويذهب الخبير الاقتصادي خالد بوزعكوك، رئيس «منتدى بنغازي للتنمية الاقتصادية»، إلى القول إن هذه التجارة تُدر ملايين الدولارات سنوياً، ضمن اقتصاد غير رسمي يتقاطع مع تهريب الوقود والسلاح والبشر.

ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أن أرباح تجارة المخدرات «تُغذي أنشطة غسل الأموال، وتشوه الدورة المالية المشروعة، ما يؤدي إلى ارتفاع سعر الدولار في السوق الموازية، نتيجة تدفق السيولة الضخمة لدى المهربين الذين يشترون العملة الصعبة من السوق المحلية».

ويشير بوزعكوك إلى أن هذه الظاهرة «تسهم كذلك في ارتفاع معدلات الجريمة وازدياد الإنفاق الأمني، وتراجع الإيرادات العامة، مثل الرسوم الجمركية، فضلاً عن انكماش الاقتصاد المحلي وتدهور الصناعة الوطنية».

وعلى مدار الأسبوع الماضي، تمكنت السلطات من ضبط 28 متهماً في قضايا اتجار في المخدرات وتعاطٍ لها، 18 في غرب ليبيا و10 في شرقها، وضُبطت بحوزتهم كميات من «الحشيش» و«الأقراص المهلوِسة» و«الترامادول»، إلا أن محللين يشيرون إلى أن هذه، تمثل «قدراً ضئيلاً» من حجم النشاط الفعلي لشبكات التهريب في البلاد.

وفي السياق، تكشف نقاشات سياسيين وناشطين ليبيين عبر وسائل التواصل الاجتماعي، عن قلق من أن نشاط تجارة المخدرات «بدأ يترك آثاراً غير مباشرة على السوق المحلية».

ولا تقتصر التداعيات على الاقتصاد والأمن؛ إذ يرى خبراء اجتماعيون أن «المخدرات باتت تجارة بديلة في مناطق تعاني الفقر والبطالة».

وحسب بلال المسلاتي، الباحث الاجتماعي وعضو هيئة التدريس بـ«جامعة المرقب» الليبية، فإن انتشار عقاقير مثل «الترامادول» واستمرار نشاط شبكات تهريبها، لا يعكسان فقط ازدياد حالات الإدمان محلياً؛ بل «يُظهران أن بعض الشباب يلجأ للانضمام إلى تلك الشبكات هرباً من الضغوط الاقتصادية والأزمات المعيشية، ما يجعلهم عرضة للاستغلال والتحول إلى حلقة في سلسلتها العابرة للحدود».

ويضيف المسلاتي أن تغول هذه التجارة غير المشروعة «يرتد بآثار بالغة الخطورة على المجتمع الليبي؛ إذ تلجأ شرائح مختلفة لتعاطي هذه المواد كوسيلة للهروب من الواقع الاقتصادي الصعب. وتترافق هذه الظاهرة مع ارتفاع معدلات الجريمة بكافة أشكالها».

ومع تصاعد نشاط الشبكات العابرة للحدود، لا يجد فيصل أبو الرايقة خياراً سوى «ضرورة تجفيف المنابع المالية لهذه الأنشطة المحرَّمة، عبر تكثيف تتبع الحسابات المصرفية، وتعزيز الجهود الاستخباراتية، إلى جانب تشديد الرقابة على الحدود، وتفعيل آليات التعاون الإقليمي لمواجهة هذا التحدي السيادي الخطير».

وبينما يرى مراقبون أن ضبط ربع مليون قرص «خطوة مهمة في الاتجاه الصحيح»، فإن استمرار الانقسام وغياب استراتيجية وطنية موحدة قد يجعل من هذه النجاحات «إنذارات متكررة في حرب طويلة ضد اقتصاد يزداد تغولاً».


مقالات ذات صلة

هل بدأ العد التنازلي لتنفيذ مبادرة واشنطن لتقاسم السلطة في ليبيا؟

شمال افريقيا الدبيبة خلال استقبال القائم بأعمال السفارة الأميركية جيريمي برنت في طرابلس الخميس الماضي (السفارة الأميركية)

هل بدأ العد التنازلي لتنفيذ مبادرة واشنطن لتقاسم السلطة في ليبيا؟

تسارعت التحركات الأميركية، على أكثر من مستوى، في الملف الليبي، عقب صدور التوصيات النهائية لـ«الحوار المهيكل»، برعاية أممية، مطلع الأسبوع الماضي.

علاء حموده (القاهرة )
شمال افريقيا أحد الوفود البرلمانية الأفريقية لدى وصوله إلى بنغازي للمشاركة في المؤتمر البرلماني السبت (الناطق باسم مجلس النواب)

بنغازي لتجاوز «عقدة» الإرهاب باستضافة مؤتمر برلماني آسيوي - أفريقي

تستعد مدينة بنغازي، الواقعة في شرق ليبيا، لاستضافة أعمال مؤتمر يضم وفوداً برلمانية، من عدد من الدول الأفريقية والآسيوية.

خالد محمود (القاهرة )
شمال افريقيا رجال أمن ليبيون خلال تدريب في تاجوراء بالعاصمة طرابلس الأربعاء الماضي (مديرية أمن تاجوراء)

عودة التوتر إلى العاصمة الليبية بعد تغييرات في جهاز الاستخبارات

أعادت قرارات منسوبة إلى قيادة جهاز الاستخبارات الليبي أجواء التوتر والاحتقان إلى العاصمة طرابلس، بعدما شهدت مناطق شرق المدينة، خصوصاً تاجوراء، تحركات مسلحة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا صدام حفتر يصافح عدداً من المسؤولين خلال زيارته إلى سبها بالجنوب الليبي (القيادة العامة)

صدام حفتر يتعهد التصدي لأي محاولة تستهدف جنوب ليبيا

شدد الفريق صدام حفتر نائب القائد العام لـ«الجيش الوطني» الليبي خلال زيارة إلى مدينة سبها على التصدي بكل حزم لأي محاولات تستهدف زعزعة الأمن والاستقرار.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا حلقة نقاشية حول إشراك الأطفال وتجنيدهم في النزاعات المسلحة الليبية... فبراير 2025 (المجلس الوطني للحريات وحقوق الإنسان)

تجنيد القاصرين في ليبيا... المجموعات المسلحة تواصل «انتهاك» القوانين الدولية

أعادت توصيات «الحوار المهيكل» الذي رعته البعثة الأممية في ليبيا تسليط الضوء على ظاهرة تجنيد القُصّر من قبل التشكيلات المسلحة، وسط مطالب بتشريع يجرم هذه الجرائم.

علاء حموده (القاهرة)

30 مليون وثيقة تاريخية سودانية معرّضة للتلف

آثار الحرب على مقر «دار الوثائق القومية» (الشرق الأوسط)
آثار الحرب على مقر «دار الوثائق القومية» (الشرق الأوسط)
TT

30 مليون وثيقة تاريخية سودانية معرّضة للتلف

آثار الحرب على مقر «دار الوثائق القومية» (الشرق الأوسط)
آثار الحرب على مقر «دار الوثائق القومية» (الشرق الأوسط)

تواجه «دار الوثائق القومية» في الخرطوم خطراً متزايداً يهدد أكثر من 30 مليون وثيقة تؤرخ لتاريخ السودان منذ عام 1505، وذلك نتيجة الأضرار التي لحقت بالمبنى خلال الحرب.

ورغم نجاة معظم الوثائق من الحرائق التي طالت أجزاء من المبنى، فإن بقاءها وسط بيئة متضررة ومليئة بالركام والغبار يثير مخاوف جدية بشأن سلامتها على المدى الطويل.

وأكدت مديرة الدار، الدكتورة نجوى محمود، أن الأرشيف الإلكتروني فُقد خلال الحرب، مشيرة إلى إعداد خطة للتحول الرقمي وإعادة رقمنة الوثائق بهدف حمايتها من المخاطر المستقبلية.

من جهته، حذر مدير الإدارة العامة للتوثيق محمد يوسف من مخاطر موسم الأمطار المقبل بعدما خلفت القذائف فتحات في أسقف المبنى قد تسمح بتسرب المياه إلى قاعات الحفظ.

وتضم الدار وثائق نادرة، بينها أرشيف الدولة المهدية والحكم الثنائي البريطاني ـ المصري وأرشيف الصحافة السودانية. ويأمل المسؤولون في تأهيل المبنى والحفاظ على هذا الإرث الوطني الذي يمثل ذاكرة السودان عبر خمسة قرون.


هل بدأ العد التنازلي لتنفيذ مبادرة واشنطن لتقاسم السلطة في ليبيا؟

الدبيبة خلال استقبال القائم بأعمال السفارة الأميركية جيريمي برنت في طرابلس الخميس الماضي (السفارة الأميركية)
الدبيبة خلال استقبال القائم بأعمال السفارة الأميركية جيريمي برنت في طرابلس الخميس الماضي (السفارة الأميركية)
TT

هل بدأ العد التنازلي لتنفيذ مبادرة واشنطن لتقاسم السلطة في ليبيا؟

الدبيبة خلال استقبال القائم بأعمال السفارة الأميركية جيريمي برنت في طرابلس الخميس الماضي (السفارة الأميركية)
الدبيبة خلال استقبال القائم بأعمال السفارة الأميركية جيريمي برنت في طرابلس الخميس الماضي (السفارة الأميركية)

تسارعت التحركات الأميركية، على أكثر من مستوى، في الملف الليبي، عقب صدور التوصيات النهائية لـ«الحوار المهيكل»، برعاية أممية، مطلع الأسبوع الماضي، مما أثار تساؤلات في الأوساط السياسية حول ما إذا كانت واشنطن قد بدأت فعلياً التمهيد لتنفيذ مبادرة تُنسب إلى مستشار الرئيس الأميركي للشؤون الأفريقية، مسعد بولس، وتهدف إلى إعادة ترتيب السلطة التنفيذية في بلد يعيش انقساماً سياسياً ومؤسسياً منذ عام 2011.

برنت ورئيس أركان الجيش الوطني خالد حفتر في لقاء بمدينة بنغازي الثلاثاء الماضي (السفارة الأميركية)

وتقوم المبادرة -وفق ما يُتداول في الأوساط الليبية منذ أشهر ولم ينفه أي طرف ولا حتى الجانب الأميركي- على بناء تفاهمات بين سلطتي الشرق والغرب عبر صيغة جديدة لتقاسم السلطة، تتضمّن تولي صدام حفتر، نائب القائد العام لـ«الجيش الوطني»، رئاسة مجلس رئاسي جديد، مع إبقاء عبد الحميد الدبيبة رئيساً لحكومة موحدة.

مؤشرات على قرب تنفيذ المبادرة

يرى رئيس حزب الكرامة الليبي، الدكتور يوسف الفارسي، أن التحركات الدبلوماسية الأميركية من جانب القائم بالأعمال في ليبيا، جيريمي برنت، بين طرابلس وبنغازي خلال الأيام القليلة الماضية تُعطي مؤشرات على أن «تنفيذ المبادرة بات أقرب من أي وقت مضى»، موضحاً لـ«الشرق الأوسط» أن واشنطن تعمل بالتوازي على المسارَين العسكري والاقتصادي لتهيئة الأرضية المناسبة لأي تسوية سياسية محتملة.

مستشار الرئيس الأميركي للشؤون الأفريقية مسعد بولس (أ.ف.ب)

على المستوى العسكري، التقى القائم بالأعمال الأميركي كلاً من رئيس أركان قوات حكومة الوحدة في غرب ليبيا، الفريق أول صلاح الدين النمروش، ووكيل وزارة الدفاع عبد السلام الزوبي. كما عقد اجتماعاً مع رئيس أركان الجيش الوطني في شرق ليبيا، الفريق أول خالد حفتر. وركزت اللقاءات على تطوير التعاون العسكري، ودعم جهود توحيد المؤسسة العسكرية، وتعزيز بناء القدرات المهنية للقوات المسلحة الليبية.

مبعوثة الأمم المتحدة هانا تيتيه خلال إعلان توصيات «الحوار المهيكل» في طرابلس الأسبوع الماضي (البعثة الأممية)

وينظر مراقبون إلى هذه اللقاءات بوصفها حلقة جديدة في مسار أميركي متدرج بدأ خلال الأشهر الماضية، عبر خطوات دعّمتها واشنطن لبناء جسور تواصل بين مؤسسات الشرق والغرب، تمهيداً لتقليص الانقسام القائم. وشمل ذلك جمع عسكريين من شرق ليبيا وغربها في مناورات «فلينتلوك»، التي استضافتها مدينة سرت في أبريل (نيسان) الماضي، فضلاً عن رعاية اتفاق الإنفاق والميزانية الموحدة بين السلطتَين في بنغازي وطرابلس في الشهر ذاته، في خطوة عُدّت سابقة لم تشهدها البلاد منذ 13 عاماً من الانقسام المؤسسي.

وفق هذا التقدير أيضاً، شملت لقاءات برنت في بنغازي (شرق) مدير صندوق التنمية وإعادة إعمار ليبيا بلقاسم حفتر، والمدير العام للجهاز الوطني للتنمية محمود الفرجاني، حيث تركزت المحادثات على تنفيذ اتفاقية الميزانية الموحدة، وتشجيع الاستثمارات الأميركية، وضمان توزيع الإنفاق التنموي على مختلف المناطق الليبية.

كما سجل تعزيز التعاون الليبي مع الشركات الأميركية العاملة في قطاع النفط جانباً مهماً من جولة برنت، ضمن لقائه مع رئيس المؤسسة الوطنية للنفط، مسعود سليمان، حيث بحثا سبل زيادة الإنتاج النفطي وحماية البنية التحتية للطاقة.

تحديات سياسية معقّدة

هذا التحرك الأميركي متعدد المسارات، الذي انطلق منذ منتصف الأسبوع الماضي ولا يزال مستمراً، لا يراه مراقبون معزولاً عن نتائج «الحوار المهيكل»، التي تضمنت مقترحات لإعادة هيكلة السلطة التنفيذية عبر تشكيل مجلس رئاسي جديد، يضم رئيساً ونائبين، إلى جانب تشكيل حكومة جديدة تحت اسم «حكومة الاستحقاق الوطني» برئاسة رئيس حكومة وثلاثة نواب، يمثلون الأقاليم التاريخية الثلاثة (طرابلس وبرقة وفزان).

ومع ذلك فإن الطريق لا يزال يواجه تحديات سياسية معقدة، حسب محللين، وقال الناشط الليبي، عمر بوسعيدة، إن المبادرة تواجه داخل طرابلس «تداخلاً في أجندات قوى إقليمية تستخدم حلفاءها المحليين لعرقلة أي ترتيبات جديدة لتقاسم السلطة»، لافتاً إلى أن «الاختبار الحقيقي للمبادرة يتمثّل في القدرة على إنتاج جسم تنفيذي موحّد يحظى بقبول الأطراف الرئيسية».

وبالنسبة إلى رئيس «تجمع تكنوقراط ليبيا»، أشرف بلها، فإن «المبادرة لا تزال بحاجة إلى معالجة عدد من الملفات الخلافية، وفي مقدمتها معايير اختيار الحكومة المقبلة، وتوزيع الصلاحيات داخل السلطة التنفيذية الجديدة، وهي قضايا لم تصل الأطراف الليبية بعد إلى توافق نهائي بشأنها».

واستبعد بلها، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إمكانية التوصل إلى تفاهمات ليبية واسعة من دون ضغوط دولية مؤثرة، مستشهداً بتجربة ملتقى الحوار السياسي، الذي رعته الأمم المتحدة في جنيف بقيادة المبعوثة الأممية السابقة، ستيفاني ويليامز، وأسفر عن تشكيل السلطة التنفيذية الحالية بعد توافقات دعمتها قوى دولية فاعلة.

وفي هذا السياق، قال رئيس «تجمع تكنوقراط ليبيا» إن واشنطن تسعى حالياً إلى تحقيق أكبر قدر ممكن من التوافق بين المبادرة الأميركية ومسار الأمم المتحدة، مشيراً إلى معلومات متداولة بشأن جهود لعقد اجتماع دولي في النرويج، خلال الفترة المقبلة، بمشاركة أطراف إقليمية ودولية لدعم هذا المسار.

وقبل جلسة مقررة لمجلس الأمن الشهر الحالي تعرض خلالها تيتيه نتائج «الحوار المهيكل»، أكد بولس عقب لقائه مبعوثة الأمم المتحدة، هانا تيتيه، الجمعة، أن جهود بلاده في توحيد السلطتَين «تتكامل» مع خريطة طريق بعثة الأمم المتحدة ومخرجات الحوار، بما يضمن عملية سياسية يقودها الليبيون لتحديد مستقبل بلادهم.

من جلسة سابقة لمجلس الأمن حول الأزمة الليبية (المجلس)

وهنا يرى الفارسي أن حديث بولس عن تكامل الجهود الأميركية مع خريطة الطريق، التي تقودها بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا لا ينفي، في رأيه، أن واشنطن تمثّل القوة الدولية الأكثر تأثيراً في دفع هذا المسار، مشيراً إلى أن التحركات الأممية تحظى بدعم أميركي واضح.

ومع هذا فإن المبادرة الأميركية قد لا تستهدف من منظور باحثين إنهاء الأزمة الليبية بصورة نهائية، بقدر ما تسعى إلى إعادة تنظيم موازين القوى وإدارة الانقسام القائم عبر أدوات سياسية ومؤسسية متدرجة.

ووفق تقدير الباحث في الشؤون الأفريقية، عبد الله فارس القزاز، في دراسة نشرها «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» فإن واشنطن «تبدو منشغلة ببناء إطار أكثر استقراراً لإدارة الدولة الليبية وتوحيد مؤسساتها أكثر من انشغالها بفرض تسوية نهائية شاملة في المدى القريب».

Your Premium trial has ended


أكبر تجمع معارض بمصر يحاول إنعاش حضوره السياسي

«الحركة المدنية» المعارضة في مصر تحاول لملمة صفوها بعد أزمة «قصر قرطام» (صفحة الحركة على فيسبوك)
«الحركة المدنية» المعارضة في مصر تحاول لملمة صفوها بعد أزمة «قصر قرطام» (صفحة الحركة على فيسبوك)
TT

أكبر تجمع معارض بمصر يحاول إنعاش حضوره السياسي

«الحركة المدنية» المعارضة في مصر تحاول لملمة صفوها بعد أزمة «قصر قرطام» (صفحة الحركة على فيسبوك)
«الحركة المدنية» المعارضة في مصر تحاول لملمة صفوها بعد أزمة «قصر قرطام» (صفحة الحركة على فيسبوك)

تتجه «الحركة المدنية الديمقراطية»، التي تعد أكبر تجمع لأحزاب وشخصيات عامة معارضة في مصر، نحو اتخاذ إجراءات من شأنها إعادة هيكلة تنظيمها، بعد انتقادات لاذعة طالتها مؤخراً على خلفية دفاعها عن أحد قياداتها بعد تحرك جهات تنفيذية لهدم قصر قام ببنائه على النيل بالمخالفة للقوانين الحكومية.

وتحاول «الحركة المدنية» إنعاش حضورها السياسي في أعقاب الأزمة الأخيرة. وبحسب قيادات داخلها تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، فإن اجتماعاً انعقد، مساء الجمعة، قررت فيه الحركة تشكيل لجنة لإعادة «الهيكلة»، تتولى فحص ودراسة جميع المقترحات المقدمة من داخل وخارج الحركة لتطوير وتجديد أدائها السياسي والتنظيمي، مشيرين إلى أن تلك الإجراءات بمنزلة مقدمة لـ«تصحيح المسار».

وأصدر التكتل المعارض الذي تشكل في عام 2017، بياناً نهاية الشهر الماضي، أعلن فيه رفضه قيام الحكومة بهدم قصر على النيل مملوك لرئيس حزب «المحافظين» رجل الأعمال أكمل قرطام، حيث ربطت «الحركة» قضية القصر، الذي قالت الحكومة إنه خالف إجراءات البناء، بقضايا جماهيرية عامة؛ ما أثار انتقادات واسعة، واضطرت الحركة لاحقاً إلى الاعتذار، وسحب البيان.

ولم تكن هذه هي الأزمة التي مرت بها «الحركة المدنية» خلال العامين الماضيين؛ حيث شهدت تباينات وخلافات في أثناء الإعداد للمشاركة في اقتراعات سياسية مهمة في مقدمتها انتخابات الرئاسة المصرية الأخيرة في عام 2024، وانتخابات البرلمان (مجلسي النواب والشيوخ) العام الماضي، وبدت غير قادرة على أن تكون متماسكة داخلياً.

اجتماع سابق لمجلس أمناء الحركة المدنية (صفحة الحركة على فيسبوك)

وأكد المتحدث الإعلامي باسم «الحركة المدنية» وليد العماري، أن اللجنة التي تم إسناد رئاستها إلى منسق الاتصال السياسي بحزب «العيش والحرية» (أحد أحزاب الحركة) أكرم إسماعيل، سترسل نتائجها والرؤية التي ستضعها خلال أسبوعين إلى جميع الأحزاب المكونة للحركة لدراستها، واستطلاع رأي قواعدها الحزبية، تمهيداً لاتخاذ القرارات النهائية خلال اجتماع سيُعقد بعد 3 أسابيع.

وقال العماري لـ«الشرق الأوسط» إن «المحاور العامة لعمل اللجنة، تتلخص في التوسع لضم شخصيات عامة جديدة من أجيال مختلفة، وإفساح المجال للقيادات الشابة، واستعادة التواصل مع الجماهيىر ليس فقط في العاصمة، بل من خلال أنشطة متنوعة بالمحافظات».

وبحسب العماري، تجري الحركة «نقداً ذاتياً لتقييم أدائها خلال المرحلة الماضية، وتدارك الأخطاء وإجراء مراجعة شاملة»، مؤكداً أنه «من بين المقترحات التي سوف تناقشها اللجنة ما يتعلق بدور مجلس الأمناء (أعلى سلطة تنظيمية بالحركة)، حيث يوجد اقتراح بإلغائه، والبحث عن تشكيل تنظيمي مختلف، بينما يذهب رأي آخر إلى الإبقاء عليه على أن يكون رأيه استشارياً».

وتضم «الحركة المدنية» عدداً من الشخصيات العامة البارزة إلى جانب أحزاب (الدستور، والكرامة، والتحالف الشعبي الاشتراكي، والمحافظين، والعربي الديمقراطي الناصري، والعيش والحرية «تحت التأسيس») وشهدت المرحلة الماضية خلافات داخلية، أعقبها إعلان أحزاب «المصري الديمقراطي الاجتماعي» و«الإصلاح والتنمية»، و«العدل» تجميد عضويتها بالحركة، وعقب أزمة «قصر قرطام» أعلن حزب «العدل» انسحابه الكامل من الحركة.

وأكد منسق الاتصال السياسي بحزب «العيش والحرية» أكرم إسماعيل، أن هدف اللجنة «تصحيح مسار الحركة، وإعادة تجديد الدماء»، وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «اللجنة بدأت تلقي المقترحات من داخل وخارج الحركة لبلورة رؤية للمرحلة المقبلة، تنطلق من عدة محاور، منها تصعيد القيادات الشبابية لضخ دماء جديدة، والبحث عن ضم شخصيات جديدة مرتبطة بالحركة الاجتماعية والنقابية، والنزول للجماهير لاستعادة دور الحركة بالشارع للتعبير عن القضايا المجتمعية التي تهم الناس».

وتحدث إسماعيل عن موقف الأحزاب المنسحبة من الحركة، مؤكداً أن «الرؤية الجديدة لتطوير أداء الحركة لن تتضمن أي محاولات لإعادة التواصل مع الأحزاب المنسحبة».

جانب من المؤتمر الاقتصادي الذي عقدته الحركة المدنية مطلع الشهر الماضي (صفحة الحركة على فيسبوك)

لكن الخبير في الشؤون السياسية والبرلمانية، نائب مدير «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» الدكتور عمرو هاشم ربيع، لا يتفاءل بشأن مستقبل الحركة، وقال لـ«الشرق الأوسط» إنه «ما دامت الوجوه نفسها موجودة فلن يكون هناك جديد، وستتم إعادة إنتاج الأفكار نفسها، فإعادة الهيكلة لن تكفي»، حسب رأيه.

واستطرد قائلاً: «ربما ضخ دماء شبابية جديدة يمكن أن يؤدي إلى استعادة الحركة لدورها السياسي وتطويره، وسيظل مستقبل الحركة مرهوناً بقدرتها على مواجهة التحديات الداخلية وتوحيد الرؤى، والتركيز على قضايا سياسية نوعية، مثل ملف حقوق الإنسان، وإذا حدث ذلك فربما تستعيد الحركة زخمها السياسي».

لكن أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، القيادي بالحركة، الدكتور مصطفى كامل السيد، أكد أن «المرجعات التي تقوم بها الحركة هدفها تدارك الأخطاء السابقة والاستفادة منها مستقبلاً»، وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «أبرز الأخطاء التي ارتكبتها الحركة سابقاً، فكرة المركزية الديمقراطية، حيث من المفترض أنه عندما يتم اتخاذ قرارات بالتصويت عقب نقاشات بين الأحزاب أن يلتزم الجميع برأي الأغلبية، لكن هذا لم يكن يحدث».

وبحسب السيد، تحتاج الحركة إلى «البحث عن آليات جديدة، وابتكار أساليب مختلفة للتواصل مع الجماهير، مثل الأنشطة الفنية والعلمية، فالعمل السياسي ليس مجرد بيانات».