«فتاة الماء»... غوصٌ بصري في الذاكرة والبحث عن الذات بين الأمواج

المخرجة الفرنسية ساندرا ديمازيير تتحدَّث لـ«الشرق الأوسط» عن فيلمها الحائز «نجمة الجونة البرونزية»

نال الفيلم إشادات عدَّة عند عرضه في «الجونة» (الشركة المنتجة)
نال الفيلم إشادات عدَّة عند عرضه في «الجونة» (الشركة المنتجة)
TT

«فتاة الماء»... غوصٌ بصري في الذاكرة والبحث عن الذات بين الأمواج

نال الفيلم إشادات عدَّة عند عرضه في «الجونة» (الشركة المنتجة)
نال الفيلم إشادات عدَّة عند عرضه في «الجونة» (الشركة المنتجة)

​يُقدّم الفيلم الفرنسي القصير «فتاة الماء» تجربة فنّية مؤثرة، تمزج بين البساطة والتأمل، من دون الاكتفاء بسرد حكاية تقليدية؛ بل يغوص في أعماق النفس والذاكرة والزمان، من خلال صور شاعرية تنبض بالماء والحياة، عبر قصة «ميا»، المرأة التي تمضي عمرها في الغوص الحرّ بين الأمواج، تبحث في أعماق البحر عن نفسها، في حين يترك الزمن بصماته على وجهها وجسدها وذكرياتها.

اختارت المخرجة ساندرا ديمازيير أن تروي هذه الرحلة من دون كلمات، مُستخدمة أسلوب التحريك التقليدي المرسوم بالألوان المائية، لتصنع عالماً بصرياً رقيقاً ومضيئاً، تتحرّك فيه البطلة بين سطح البحر المُضيء وأعماقه الغامضة؛ بين الماضي الذي يلاحقها والمستقبل الذي لا يأتي، في لوحة تجمع بين الواقع والحلم، وبين حضور الجسد وغيابه.

الفيلم الذي بدأ رحلته بمهرجان «كان السينمائي» في دورته الماضية، وصولاً إلى «الجونة السينمائي» في دورته الأخيرة التي حصد فيها جائزة «نجمة الجونة البرونزية» لأفضل فيلم قصير، نال إشادات نقدية واسعة.

تقول المخرجة ساندرا ديمازيير لـ«الشرق الأوسط»، إنّ «فكرة الفيلم وُلدت من لحظة شخصية مؤثّرة، حين عادت جدّتها في المستشفى فرأت جسدها الصغير الضعيف، وتذكّرت طفولتها معها»، مشيرة إلى أنها في تلك المرحلة كانت تحاول الإنجاب من دون جدوى، وهو ما جعلها تتأمّل فكرة الاستمرار والانقطاع، والأمومة والغياب، والحياة بلا أبناء.

الغوص كان طريقة المخرجة الفرنسية لفَهْم العمر (الشرق الأوسط)

وأضافت: «بعد أيام، شاهدت وثائقياً عن نساء يغصن في أعماق البحر لصيد الأسماك، بينهن فتيات صغيرات وعجائز طاعنات في السنّ. صورة أجسادهن التي تستعيد خفّتها في الماء رغم ثقلها على اليابسة شكّلت الشرارة الأولى لولادة فيلمي»، موضحة أنها رأت في هؤلاء النساء مرآة لجدّتها ولنفسها: «فالماء بالنسبة إليّ لم يكن مجرد فضاء بصري؛ بل حالة وجودية تُعبّر عن الغوص في الذات بحثاً عن المعنى والسكينة، كما أنه يحمل رمزية مزدوجة؛ فهو يمنح الحياة ويبتلعها، يطهّر ويؤلم، مما جعل البحر يتحول في الفيلم إلى مركز بصري وروحي تتقاطع فيه مشاعر البطلة مع تلاطم الموجات وتبدُّل الضوء».

وأكدت أن الإيقاع البصري والزمني كان أحد التحدّيات الأساسية في بناء العمل؛ إذ أرادت أن تُظهر مرور السنوات عبر الغوصات المتكرّرة للبطلة «ميا»؛ فكلّ مرة تصعد فيها إلى السطح تكون الحياة قد تقدَّمت، والعمر قد انقضى، والذكريات تراكمت مثل حُبيبات الرمل في قاع الوعي، موضحة أنها اعتمدت على تقنيات التحريك الكلاسيكي لرسم الانتقالات الزمنية والوجدانية في لقطة واحدة، مُستخدمة حركة الكاميرا الجانبية والتحوّلات اللونية والموسيقية، لتجسيد مرور الوقت وتبدُّل الإحساس.

ولفتت إلى أن «الماء في الفيلم ليس مجرّد خلفية طبيعية؛ بل رمز للمرايا الداخلية؛ فكلّ غوص يُمثّل رحلة في داخل الذات، وكلّ عودة إلى السطح لحظة مواجهة مع ما تبقّى من الحياة»، مشيرة إلى أنها لم تفكر في الرمزية خلال الكتابة بقدر ما شعرت بأنه المكان الوحيد القادر على احتضان الصمت والتأمل: «لأنّ البحر يُشبه الذاكرة؛ هادئ في الظاهر، مضطرب في الأعماق، لا يُفصح عمّا يخفيه إلا لمَن يتجرأ على الغوص فيه».

وأضافت أنّ اختيارها الرسوم التقليدية كان قراراً فنّياً وجمالياً؛ لأنها أرادت أن تخلق تواصلاً عضوياً بين الرسم والمشاعر: «فالرسم اليدوي يمنح الصورة هشاشة إنسانية لا يمكن للوسائل الرقمية وحدها تحقيقها»، موضحة أنها استخدمت الألوان المائية «لأنها تحمل شفافية تُشبه الماء نفسه، ولقدرتها على تجسيد التحوّلات العاطفية الدقيقة من دون حواجز».

وتحدَّثت المخرجة الفرنسية عن الصعوبات التقنية والعاطفية، قائلة إنّ «التحدّي الأكبر كان في نقل الإحساس من دون كلمات، وفي جَعْل النظرات واللمسات بين (ميا) وزوجها قادرة على رواية ما لا يُقال»، مؤكدة أن ضغط الوقت ومدّة الفيلم المحدودة في 15 دقيقة جعلها تسعى إلى تكثيف عمر كامل في مَشاهد قليلة، تعتمد على الإيحاء أكثر من السرد المباشر.

عُرض الفيلم أول مرة في «مهرجان كان السينمائي» (الشركة المنتجة)

وأوضحت أنّ الذاكرة في الفيلم تعمل «مثل رحلة قطار تمرُّ فيها المَشاهد والوجوه والمناظر؛ تدخل وتغيب وتعود»، مشيرة إلى أنّ الشخصيات الثانوية على غرار الأم والزوج والحوت «لم تكن شخصيات واقعية فحسب؛ بل رموز لعلاقاتها المتبدلة مع الحياة والموت والحلم».

وحرصت المخرجة على أن «يكون الصوت جزءاً من الصورة، لا مجرّد خلفية لها»، مؤكدة أنها كتبت المَشاهد وهي تتخيّل أصوات البحر والرياح والحشرات، ولافتة إلى أنّ فريق الصوت عمل على خلق حالة يختلط فيها الواقع بالخيال، فلا يُميّز المشاهد بين ما هو فوق الماء وما هو تحته، في إحساس مقصود يجعل المتفرّج يعيش داخل ذهن «ميا» وذكرياتها.

وأضافت أنّ الموسيقى رافقت التحوّلات الزمنية والعاطفية، وظهرت في لحظات محدّدة لتجسّد الرغبة أو الحنين أو الانطفاء، قبل أن تترك المجال في النهاية لأصوات الطبيعة، كي تختم الرحلة بالصمت والسكينة.

وختمت قائلة إنّ الفيلم بالنسبة إليها «ليس فقط عن (ميا)؛ بل عن كلّ إنسان يقف أمام مرآة حياته مُتأملاً ما مضى وما تبقّى»، مشيرة إلى أنها أرادت أن تمنح الجمهور مساحة للتأمُّل الذاتي: «ليغوص كلّ مُتفرّج في تجربته الخاصة، كما تغوص البطلة في الماء».


مقالات ذات صلة

مايان السيد لـ«الشرق الأوسط»: «كولونيا» منحني دفعة معنوية كبيرة

يوميات الشرق مايان السيد حصدت جائزة أفضل ممثلة (مهرجان مالمو)

مايان السيد لـ«الشرق الأوسط»: «كولونيا» منحني دفعة معنوية كبيرة

كانت تجربة «كولونيا» محطة مهمة في مسيرة الفنانة المصرية مايان السيد، إذ شكلت تحدياً جديداً عزَّز تطورها الفني بفضل ثقة المخرج واجتهادها في تعميق تفاصيل الشخصية.

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق محمد رمضان ورزان جمال في لقطة من فيلم «أسد» (حساب محمد رمضان على «فيسبوك»)

«ثنائيات سينمائية» جديدة في أفلام «موسم عيد الأضحى» بمصر

يشهد موسم «عيد الأضحى» السينمائي في مصر طرح عدد من الأفلام التي تضم «ثنائيات فنية» لأول مرة، من بينها أفلام «صقر وكناريا»، و«أسد».

داليا ماهر (القاهرة )
يوميات الشرق المخرجة قدمت الفيلم من منظور إنساني (الشركة المنتجة)

أنيت أوسترو لـ«الشرق الأوسط»: «البجعة الذهبية» رحلة إنسانية معقدة

قالت المخرجة النرويجية أنيت أوسترو إن فيلمها «البجعة الذهبية» جاء بعد رحلة طويلة من التفكير في الطريقة التي يمكن من خلالها سرد هذه القصة المعقدة.

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق وثَّق الفيلم جوانب مختلفة في رحلة المخرج (الشركة المنتجة)

مارسيل فايس يواجه خوفه من الموت... ويحوّله إلى فيلم «أفتح عقلي»

قال المخرج السويسري، مارسيل فايس، إن فيلمه الوثائقي «أفتح عقلي» كان محاولة لرصد تجارب العلاج النفسي من الخارج.

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق المعهد العالي للسينما في مصر (فيسبوك)

أزمة في «أكاديمية الفنون» المصرية فجّرها قسم التصوير بمعهد السينما

أصدرت أكاديمية الفنون المصرية، التابعة لوزارة الثقافة، بياناً حول الأزمة التي أثيرت بخصوص إلحاق طالب بالدراسات العليا في قسم التصوير بمعهد السينما.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )

شيرين عبد الوهاب لتجاوز أزماتها بغناء «عايزة أشتكي»

شيرين عبد الوهاب تطرح أغنية جديدة (فيسبوك)
شيرين عبد الوهاب تطرح أغنية جديدة (فيسبوك)
TT

شيرين عبد الوهاب لتجاوز أزماتها بغناء «عايزة أشتكي»

شيرين عبد الوهاب تطرح أغنية جديدة (فيسبوك)
شيرين عبد الوهاب تطرح أغنية جديدة (فيسبوك)

عادت المطربة المصرية شيرين عبد الوهاب للأضواء مرة أخرى، بعد إعلان الملحن والموزع عزيز الشافعي عن قرب إصدار أغنية جديدة لها بعنوان «عايزة أشتكي»، ما حظي باهتمام لافت على صفحات «سوشيالية»، وتصدر «الترند» على «غوغل» في مصر، الأحد، وعَدّه بعض المتابعين والنقاد خطوة من شيرين لتجاوز أزمات تعرضت لها في الفترة الأخيرة، تسببت في غيابها عن الساحة الغنائية.

ونشر الملحن عزيز الشافعي مقطع فيديو تظهر فيه شيرين خلال تصوير أغنية جديدة تقول كلماتها «عايزة أشتكي... أشكي»، وقال في الفيديو إنه يعرف أنها أوحشت جمهورها كثيراً، وهي أيضاً تشتاق إليهم، معلناً عن عودتها قريباً بعد فترة غياب شغلت كل محبيها.

وتعرضت شيرين عبد الوهاب للعديد من الأزمات والقضايا والمحاضر المتبادلة بينها والملحن والمطرب حسام حبيب بعد ارتباطهما وانفصالهما أكثر من مرة، كما شهدت أزمات أخرى حول حقوق استغلال صفحاتها «السوشيالية» وفي علاقتها بأخيها وأسرتها، وتعرضت لأزمة صحية بعد جدل أثير حول حفل قدمته في المغرب، واتهمها الجمهور باستخدام «البلاي باك» على خلاف المتوقع منها.

شيرين عبد الوهاب (إنستغرام)

وغابت شيرين عن الساحة الفنية والغنائية لفترة طويلة، إلى أن ظهرت في مارس (آذار) الماضي عبر فيديو متداول على «السوشيال ميديا» بصحبة ابنتها هنا وهما يغنيان في حالة من البهجة والمرح، إلى أن ظهرت أخيراً في مقطع الفيديو الذي نشره عزيز الشافعي من كواليس التسجيل، معلناً عن عودتها للساحة الغنائية.

ويرى الناقد الموسيقي المصري، محمود فوزي السيد، أن محبي وجمهور شيرين يتمنى عودتها بشكل نهائي للساحة الغنائية وتجاوز كل أزماتها، وقال لـ«الشرق الأوسط»: «للأسف رفاهية الفرص الجديدة لم تعد متاحة بشكل كبير بالنسبة لشيرين، خصوصاً أنها حظيت بفرص للعودة من قبل ولم تستثمرها بالشكل المنشود».

وتابع: «نتمنى رجوعها طبعاً لأنها صوت مهم جداً على ساحتي الغناء المصرية والعربية، ونتمنى أن يكون هذا قرار العودة النهائية بألبوم كامل، وأن يكون فريق العمل معها من ملحنين وشعراء وموزعين ومهندسي صوت على قدر المسؤولية؛ لأنها مسؤولية كبيرة عودة شيرين، ويجب أن تكون أعمالها القادمة مناسبة لقيمتها الفنية وموهبتها واشتياق الجمهور لها، وليست مجرد أعمال لملء الألبوم».

ووصف السيد صوت شيرين بأنه «يتميز بالأصالة الشديدة، ومن ثم حين تعود يجب أن تعود بكامل لياقتها الصوتية، لأنها صوت مميز جداً، وهذا التميز يجب أن يظل العلامة المميزة لصوتها وأدائها».

من كواليس الأغنية الجديدة (صفحة عزيز الشافعي على فيسبوك)

وقدمت شيرين العديد من الألبومات الغنائية والأغاني الفردية على مدى مشورها كما أحيت عشرات الحفلات في مصر والخارج، وكان أول ألبوماتها المفردة «جرح تاني» الذي صدر عام 2003، ثم توالت أعمالها مثل «آه يا ليل» و«بتوحشني» و«أنا كثير» و«حبيت»، وكانت أحدث أغنياتها بعنوان «باتمنى أنساك».

ويصف الناقد الموسيقي المصري، أحمد السماحي، الاهتمام بعودة شيرين بأنها «قد يكون مفتعلاً من صفحات مؤثرة»، ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أن «شيرين بقدر محبة جمهورها لها فهو غاضب منها، وربما كان الاهتمام بإعلان عزيز الشافعي قرب عودة شيرين؛ لأن الشافعي واحد من فرسان الساحة الغنائية حالياً، والجميع يهتم بما يعلن عنه».

وتابع السماحي: «أرجو أن تبعد شيرين أزماتها الأسرية والشخصية عن الإعلام والمجال العام، كما تفعل الكثير من المطربات، فهناك العديد من الأسرار في حياة النجوم ونجمات الغناء لا نعرف عنها شيئاً، لأنهم تمكنوا من بناء حائط صد وخط أحمر يفصل بين حياتهم الفنية وحياتهم الشخصية وأتمنى أن تتمكن شيرين من رسم هذا الخط الأحمر لحياتها الشخصية والأسرية، وتبتعد عن الصخب والجدل الذي يحيط بوجودها وتترك المساحة لصوتها فقط وأغنياتها؛ أقول ذلك بحكم محبتي لصوتها ومتابعتي لها منذ بداياتها، وأعرف مدى طيبتها وعفويتها».

وأشار السماحي إلى أن حضور شيرين حالياً في وجدان محبيها وجمهورها يعود إلى «عذوبة وجمال صوتها، واختياراتها الغنائية الموفقة، فهي من المطربات القليلات في مصر والوطن العربي اللائي يجيدن اختيار أغانيهن، لذلك حظيت بمكانة ما في قلب الجمهور العربي، لكن هذا المكان أصبح عرضة للتراجع بسبب الخلط بين الحياة الشخصية وبين المشوار الفني»؛ على حد تعبيره.


العلا تعيد رسم موقعها على خريطة الأفلام العالمية

استوديوهات «فيلم العلا»... بنية حديثة للإنتاج السينمائي (فليم العلا)
استوديوهات «فيلم العلا»... بنية حديثة للإنتاج السينمائي (فليم العلا)
TT

العلا تعيد رسم موقعها على خريطة الأفلام العالمية

استوديوهات «فيلم العلا»... بنية حديثة للإنتاج السينمائي (فليم العلا)
استوديوهات «فيلم العلا»... بنية حديثة للإنتاج السينمائي (فليم العلا)

في سباق عالمي محتدم على استقطاب كبرى الإنتاجات السينمائية، تدخل العلا المشهد بثقل مختلف، لا يعتمد فقط على سحر الموقع، بل على «مشروع متكامل» يعيد تشكيل مفهوم صناعة الفيلم في المنطقة. فمن صحرائها التي احتضنت عبر التاريخ حضارات متعاقبة، تنطلق اليوم رؤية حديثة يقودها «فيلم العلا»، ليضع المملكة في موقع تنافسي جديد، ليس بوصفها محطة تصوير عابرة، بل وجهة إنتاج سينمائي متكاملة تسعى إلى ترسيخ حضورها في قلب الصناعة العالمية.

وفي مؤشر واضح على تصاعد حضورها الدولي، جاءت العلا مؤخراً ضمن القائمة النهائية لـ«جوائز الإنتاج العالمية 2026»، في فئة «مدينة الأفلام»، وهي من أبرز الجوائز المهنية التي تُنظم سنوياً بالتزامن مع «مهرجان كان السينمائي». ومن المقرر أن تُعلن النتائج في 18 مايو (أيار) 2026 خلال حفل رسمي بمدينة كان الفرنسية، حيث تتنافس العلا مع وجهات إنتاج عالمية، في سباق يعكس مكانتها المتنامية في صناعة السينما الدولية.

هذا الترشيح لا يُقرأ على أنه إنجاز رمزي فحسب، بل أيضاً بوصفه دليلاً على انتقال «فيلم العلا» من مشروع محلي ناشئ إلى لاعب حاضر في مشهد الإنتاج العالمي، مدعوماً ببنية تحتية متطورة ومواقع تصوير استثنائية.

من موقع تصوير إلى مركز إنتاج عالمي

لم يعد الرهان على جمال الطبيعة وحده كافياً، فالعلا، كما يؤكد لـ«الشرق الأوسط» المدير التنفيذي المكلف بالإنابة «فيلم العلا»، زيد شاكر، «تتحرك بخطى مدروسة نحو بناء منظومة إنتاج متكاملة، قادرة على استقطاب المشروعات العالمية وتوطينها في الوقت ذاته». ويشير إلى أن البنية التحتية التي يجري تطويرها ليست مجرد إضافة تقنية، «بل هي أيضاً عنصر حاسم في هذا التحول»، موضحاً أن الهدف هو الانتقال بالعلا «من موقع تصوير مميز إلى مركز إنتاج سينمائي متكامل يستقطب كبرى المشروعات العالمية».

خلال تصوير عدد من الأعمال العالمية، لم تكن الطبيعة وحدها هي العامل الجاذب، بل تكاملها مع بنية إنتاجية متقدمة. ويؤكد شاكر أن العلا تمتلك مزيجاً فريداً من «الصحارى والجبال والتكوينات الصخرية والمواقع الأثرية»؛ مما يمنحها قدرة استثنائية على تمثيل بيئات متعددة على الشاشة، دون الحاجة إلى التنقل بين مواقع مختلفة. لكن الأهم، وفقه، هو «ما وراء الكاميرا: استوديوهات مجهزة، ومرافق إنتاج، ودعم لوجيستي، وخدمات متكاملة... تتيح تنفيذ المشروعات السينمائية الكبرى بكفاءة عالية».

بين العالمية والمحلية

أحد أبرز رهانات «فيلم العلا» تمثل في تحقيق توازن مستدام بين استقطاب الإنتاجات العالمية، وبناء كوادر وطنية قادرة على قيادة الصناعة مستقبلاً. وفي هذا السياق، يوضح شاكر أن «الجهود تتركز على برامج تدريبية وشراكات تعليمية دولية، إلى جانب حوافز إنتاجية تنافسية لدعم المشروعات المحلية والعالمية، بما يسهم في نقل المعرفة وتوطينها».

قبل وصولهم إلى العلا، يحمل كثير من صناع الأفلام تصورات مسبقة عن تحديات التصوير في المنطقة، لكن هذه الصورة تتغير سريعاً بمجرد بدء العمل. ويشير شاكر إلى أن «الشركاء الدوليين يفاجأون بمستوى الجاهزية، وسلاسة الإجراءات، والدعم اللوجيستي المتكامل؛ مما يعزز ثقتهم ويشجعهم على العودة بمشروعات جديدة».

الجغرافيا بوصفها عاملاً إبداعياً... لا مجرد خلفية

ليست العلا مجرد موقع بصري جذاب، بل بيئة سردية تؤثر في طبيعة الأعمال التي تنتَج فيها. ويؤكد شاكر أن «الخصائص الجغرافية والتاريخية للمنطقة تلعب دوراً مباشراً في اختيار المشروعات؛ لما توفره من تنوع بصري وسردي يفتح آفاقاً واسعة أمام صناع الأفلام». ورغم البعد الاقتصادي الواضح، فإن «فيلم العلا» يحمل بعداً ثقافياً استراتيجياً، فالمشروع، وفق شاكر، «يسهم في إعادة تشكيل الصورة السينمائية للمملكة عالمياً، ويعزز حضورها مصدراً للقصص، وليس فقط موقعَ تصوير».

وعند تلخيص التجربة، تبدو الرسالة واضحة: العلا ليست مجرد موقع تصوير، بل بيئة متكاملة لصناعة القصص، ففي وقت تتنافس فيه الوجهات العالمية على جذب الإنتاجات، تقدم العلا نموذجاً مختلفاً، يجمع بين المكان، والبنية، والرؤية، ليؤسس لصناعة سينمائية واعدة، تتجاوز حدود الجغرافيا نحو فضاء أوسع من التأثير والحضور.


حل لغز اختفاء عائلة عام 1958 بعد سبعة عقود

العائلة المفقودة منذ عام 1958 (شرطة مقاطعة هود ريفر)
العائلة المفقودة منذ عام 1958 (شرطة مقاطعة هود ريفر)
TT

حل لغز اختفاء عائلة عام 1958 بعد سبعة عقود

العائلة المفقودة منذ عام 1958 (شرطة مقاطعة هود ريفر)
العائلة المفقودة منذ عام 1958 (شرطة مقاطعة هود ريفر)

كُشف أخيراً عن مصير عائلة أميركية اختفت في ظروف غامضة قبل نحو سبعة عقود، في قضية أثارت اهتماماً واسعاً آنذاك. فقد اختفت عائلة مارتن، المكوّنة من الوالدين كينيث وباربرا، وبناتهما: باربي (14 عاماً)، وفيرجينيا (13 عاماً)، وسوزان (11 عاماً)، في ديسمبر (كانون الأول) 1958 بولاية أوريغون، بعد تغيّب الوالدين عن العمل بشكل مفاجئ. وعُثر بعد أشهر على جثتي فيرجينيا وسوزان، في حين ظل مصير بقية أفراد الأسرة مجهولاً، حسب «سي إن إن» الأميركية. وظل اختفاء باربي ووالديها لغزاً لعقود، إلى أن قاد اكتشاف حديث إلى حل القضية، إذ عثر الغواص آرتشر مايو، عام 2024 على سيارة من طراز «فورد ستيشن واغن» في نهر كولومبيا، قبل أن تُنتشل في العام التالي وبداخلها بقايا بشرية.

وأكدت فحوص الحمض النووي أنها تعود إلى بقية أفراد عائلة مارتن. وقالت كريستن ميتمان، من مختبر «أورثام»: «كثيرون عملوا لسنوات طويلة لكشف مصير العائلة، ونحن فخورون بالإسهام في هذا الإنجاز. مثل هذه الألغاز لا تثقل كاهل العائلة فحسب، بل المجتمع بأسره، ونأمل أن ينهي هذا حالة الانتظار الطويلة». وكان الابن الأكبر دونالد، الذي كان يبلغ 28 عاماً آنذاك ويقيم في نيويورك، قد شكك في فرضية الحادث العرضي، مرجحاً وجود شُبهة جنائية.

غير أن مكتب شريف مقاطعة هود ريفر، أكد عدم وجود أي دليل على وقوع جريمة، موضحاً أن العائلة اختفت خلال زيارة يُعتقد أنهم قاموا بها إلى منطقة كولومبيا ريفر غورج لجمع نباتات عيد الميلاد، وأنه رغم العثور على بقايا فيرجينيا وسوزان في مجرى النهر بعد أشهر، لم تُثمر عمليات البحث المكثفة، بما فيها الغوص، عن العثور على الوالدين كينيث وباربرا، أو الابنة الكبرى باربي آنذاك.