هل خفّض الاحتياطي الفيدرالي الفائدة في الوقت المناسب؟

بين ضغط البيت الأبيض ومخاوف الركود و«ضباب» البيانات

باول يتحدث في مؤتمر صحافي بعد قرار اللجنة خفض أسعار الفائدة (أ.ب)
باول يتحدث في مؤتمر صحافي بعد قرار اللجنة خفض أسعار الفائدة (أ.ب)
TT

هل خفّض الاحتياطي الفيدرالي الفائدة في الوقت المناسب؟

باول يتحدث في مؤتمر صحافي بعد قرار اللجنة خفض أسعار الفائدة (أ.ب)
باول يتحدث في مؤتمر صحافي بعد قرار اللجنة خفض أسعار الفائدة (أ.ب)

رغم أن خفض مجلس الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة بربع نقطة مئوية، ليصل معدلها إلى ما بين 3.75 في المائة و4 في المائة كان خطوة متوقعة، لكنها مثيرة للجدل. فقد جاءت وسط تراجع في سوق العمل وحالة شلل حكومي عطّلت صدور البيانات الاقتصادية، وفتحت الباب أمام تساؤلات جوهرية: هل اتخذ الاحتياطي الفيدرالي القرار الصائب؟ وهل يقف الاقتصاد الأميركي عند مفترق طرق جديد، بين تضخم لم ينكسر بعد، وبطالة تتسلل ببطء إلى المشهد؟

قرار وسط «الضباب»

كان واضحاً رئيس الاحتياطي الفيدرالي، جيروم باول، في مؤتمره الصحافي حين قال إن «المخاطر على التوظيف ارتفعت في الأشهر الأخيرة»، مشيراً إلى أن «القرار جاء وسط تباين حاد في وجهات نظر أعضاء اللجنة بشأن الخطوات المقبلة». وأضاف مازحاً: «عندما تقود سيارتك وسط الضباب، تُبطئ السرعة».

كان ذلك توصيفاً دقيقاً للوضع الراهن. فمع استمرار الإغلاق الحكومي الذي عطّل صدور بيانات حيوية عن التضخم والوظائف، اضطر البنك المركزي الأميركي إلى اتخاذ قراره بالاستناد إلى مؤشرات من القطاع الخاص وتقارير ميدانية من فروعه الإقليمية.

وقد بلغ الانقسام بين أعضاء اللجنة ذروته. فقد صوّت 10 لصالح الخفض مقابل معارضتين: الأولى من محافظ البنك الجديد ستيفن ميران، الذي عُيّن بضغط من الرئيس دونالد ترمب وكان يريد خفضاً أكبر، والأخرى من رئيس فرع كانساس جيفري شمد، الذي رأى أن «الوقت غير مناسب لأي خفض جديد».

توازن هشّ بين التضخم والوظائف

القرار، وهو الثاني بعد خفض سبتمبر (أيلول)، جاء بعد أشهر من الجمود النقدي أعقبت سلسلة من الخفض خلال عامي 2024 و2025؛ لتدارك ما يصفه بعض الاقتصاديين بـ«الركود الصامت» في سوق العمل. فمعدل البطالة ارتفع إلى 4.3 في المائة، وهو الأعلى منذ عام 2021، في حين تباطأ خلق الوظائف إلى نحو 22 ألفاً فقط في أغسطس (آب)، مقابل أكثر من 80 ألفاً قبل عام، وفق صحيفة «واشنطن بوست». لكن في المقابل، لا يزال التضخم عالقاً عند نحو 3 في المائة، مدفوعاً جزئياً برسوم ترمب الجمركية على الواردات، التي رفعت تكلفة الإنتاج والأسعار معاً.

يرى اقتصاديون أن «الفيدرالي» يواجه معضلة نادرة: فالتضخم لا يتراجع، وسوق العمل تضعف، فيما يشبه حالة «الركود التضخمي» التي لم تعرفها أميركا منذ سبعينات القرن الماضي.

في هذا السياق، قال الخبير السابق في «الفيدرالي» ويليام إنغليش لصحيفة «وول ستريت جورنال»: «المشكلة أن البيانات المتضاربة جعلت من المستحيل تقريباً معرفة الاتجاه الحقيقي للاقتصاد... (الفيدرالي) يسير على حبل مشدود بلا شبكة أمان».

ترمب والضغوط السياسية

منذ عودته إلى البيت الأبيض، لم يُخفِ الرئيس ترمب استياءه من باول، الذي عيّنه في ولايته الأولى عام 2018. فترمب يرى أن «الفيدرالي» «يتباطأ أكثر مما ينبغي» في خفض الفائدة، عادَّاً أن ذلك «يضر بالقدرة التنافسية للاقتصاد الأميركي».

وفي تصريحات أدلى بها من كوريا الجنوبية، وصف ترمب باول بأنه «متأخر دائماً». ويعتقد على نطاق واسع أن ترمب يسعى إلى تسريع تعيين بديل لباول قبل نهاية العام، من بين خمسة مرشحين قيد الدرس. لكن باول دافع مجدداً عن استقلالية المؤسسة، مؤكداً أن السياسة النقدية «ليست على مسار محدد مسبقاً»، وأن «القرارات ستُتخذ بناءً على المعطيات، لا على السياسة».

غير أن تزامن خفض الفائدة مع إنهاء برنامج تقليص الميزانية العمومية للبنك (المعروف بالتشديد الكمي) أثار تساؤلات حول مدى تكيّف «الفيدرالي» مع المناخ السياسي الجديد في واشنطن.

في وول ستريت، خيّمت نغمة باول الحذرة على مزاج المستثمرين. فبعد أن كانت المؤشرات الثلاثة الكبرى تتجه لتحقيق مكاسب قياسية، انقلبت إلى اللون الأحمر فور مؤتمره الصحافي. ويرى محللون في «بلومبرغ» أن هذا التفاعل المزدوج «يكشف عن هشاشة الثقة في المسار الاقتصادي»، مشيرين إلى أن الأسواق «تتخوف من أن يؤدي الخفض المتكرر إلى فقدان أدوات التحفيز إذا تبين لاحقاً أن التضخم يعاود الارتفاع».

مبنى الاحتياطي الفيدرالي في واشنطن (رويترز)

الوظائف عند نقطة تحول

في الوقت الذي يتجادل فيه الساسة والمصرفيون حول معدلات الفائدة، بدأت إشارات ملموسة على تباطؤ سوق العمل تثير القلق. فقد أعلنت شركات كبرى مثل «أمازون» و«يو بي إس» عن خطط لتسريح عشرات الآلاف من الموظفين، فيما كشفت تقارير عن أن نسبة الوظائف المفتوحة لكل عاطل انخفضت إلى أقل من وظيفة واحدة (0.98) للمرة الأولى منذ عام 2020.

ويقول اقتصاديون إن هذا التراجع «الهيكلي» يعكس تحوّلاً في عقلية الشركات التي «لم تعد تخشى نقص العمالة كما في فترة ما بعد الجائحة»، بل تسعى إلى تقليص التكلفة استعداداً لعصر الذكاء الاصطناعي.

لكن رغم تزايد التسريحات، لا تشير المؤشرات بعد إلى ركود وشيك. فالنمو لا يزال إيجابياً، والإنفاق الاستهلاكي مدعوم بارتفاع أسواق الأسهم وتراجع تكاليف الاقتراض نسبياً، فإن الخطر الأكبر، حسب تقديرات «فاينانشال تايمز»، يتمثل في أن «الاقتصاد الأميركي يفقد زخمه ببطء بينما يظل التضخم عنيداً... وهي معادلة تضع (الفيدرالي) في مأزق حقيقي».

الاقتصاد والسياسة وجهان للأزمة

على المدى القريب، يتوقع خبراء أن يظل «الفيدرالي» في موقف انتظار حتى اجتماع ديسمبر (كانون الأول) المقبل، حين تتوافر بيانات أوضح حول التوظيف والأسعار. لكن استمرار الإغلاق الحكومي قد يمنع صدور تلك البيانات أصلاً؛ ما يجعل القرار المقبل رهناً بالحدس أكثر من التحليل.

وفي غياب وضوح الرؤية، يبدو أن «الفيدرالي» يسير بين مطرقة البيت الأبيض وسندان الأسواق، في وقت يتحول فيه الاقتصاد الأميركي ساحة اختبار بين السياسة النقدية والاستراتيجية الانتخابية.

يقول فنسنت رينهارت، الخبير في «بي إن واي إنفستمنتس» لصحيفة «وول ستريت جورنال»: «لم يعد هناك مسار خالٍ من المخاطر... إذا خفّض (الفيدرالي) كثيراً، يخاطر بتأجيج التضخم، وإذا امتنع، قد يُتهم بخنق النمو». ويضيف أن باول «يعرف أنه يواجه ضغطاً غير مسبوق من البيت الأبيض، لكنه أيضاً يدرك أن أي خطوة خاطئة قد تضعف مصداقية المؤسسة التي يرأسها».

شاشات في بورصة نيويورك تعرض مؤتمر باول الصحافي بينما متداول يراقب تطور الأسهم (رويترز)

الاقتصاد في صندوق الاقتراع

لا يمكن فصل القرار النقدي عن حسابات العام الانتخابي المقبل. فترمب، الذي يسعى لتجديد الثقة في إدارته الاقتصادية، يريد دخول عام 2026 على وقع نمو متجدد وأسعار مستقرة. ويعتقد مستشاروه أن خفض الفائدة الآن «قد يمنح دفعة للأسواق العقارية والاستهلاك قبل أن تبدأ الحملات الانتخابية الفعلية»، وفق «فاينانشال تايمز».

لكن خصومه يرون العكس تماماً، فخفض الفائدة في توقيت خاطئ قد يُضعف السيطرة على التضخم ويخلق ارتباكاً في الأسواق؛ ما يمنح الديمقراطيين ورقة لاتهام الإدارة بـ«التلاعب بالسياسة النقدية لخدمة أهداف انتخابية».

ويرى محللون أن الاقتصاد سيظل البوصلة التي تحدد مسار ترمب في العام المقبل. إذا شعر الأميركيون بأن وظائفهم وأقساطهم في أمان، فسيفوز حزبه بسهولة. أما إذا عادت الأسعار إلى الارتفاع، فسيواجه معركة صعبة.

بين ضغوط سياسية، وبيانات غائبة، وسوق عملٍ تترنح على حافة التباطؤ، يجد الاحتياطي الفيدرالي نفسه اليوم في وضع «قيادة وسط الضباب»، كما قال باول. القرار بخفض الفائدة قد يمنح الاقتصاد الأميركي استراحة قصيرة، لكنه لا يبدد الغيوم التي تتكاثف في الأفق، ولا يحل معضلة التضخم الذي يأبى التراجع. وربما تكمن المفارقة في أن أكثر خطوة اتُخذت لتطمين الأسواق، كشفت في الوقت نفسه عن عمق الانقسام داخل المؤسسة النقدية، وأعادت إلى الواجهة سؤالاً قديماً جديداً: هل ما زال «الفيدرالي» قادراً على رسم سياسة نقدية مستقلة في ظل اقتصادٍ تقوده السياسة أكثر من الأرقام؟

ومع ذلك، قد يتبين أن الاقتصاد الأميركي بات لاعباً سياسياً لا يقل نفوذاً عن المرشحين أنفسهم في تحديد وجهة السباق إلى البيت الأبيض.


مقالات ذات صلة

الاقتصاد تيليس يتحدث إلى الصحافيين لدى دخوله قاعة مجلس الشيوخ (أ.ف.ب)

هل يطيح السيناتور المتمرد توم تيليس بمرشح ترمب في «يوم الحساب» النقدي؟

تحوّل توم تيليس، السيناتور الجمهوري، إلى «العدو اللدود» لخطط البيت الأبيض، مهدداً بمنع كيفن وارش من الوصول إلى سدة رئاسة أهم بنك مركزي في العالم.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد كيفن وورش يتحدث خلال مؤتمر حول السياسة النقدية بمعهد هوفر بجامعة ستانفورد في بالو ألتو - كاليفورنيا (رويترز)

رجل ترمب للمهمات الصعبة… كيف يخطط وورش لتفكيك «إرث باول»؟

يقدّم كيفن وورش، الذي اختاره الرئيس دونالد ترمب لخلافة رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي جيروم باول، رؤية شاملة وطموحة لإعادة تشكيل دور البنك المركزي.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد وورش يتحدث إلى وسائل الإعلام حول تقريره عن الشفافية في بنك إنجلترا عام 2014 (أ.ب)

«مقامرة المقايضة»... هل يرهن وورش استقلالية «الفيدرالي» لطموحات ترمب؟

يستعد كيفين وورش، مرشح الرئيس دونالد ترمب لرئاسة «الاحتياطي الفيدرالي»، للمثول أمام لجنة المصارف بمجلس الشيوخ يوم الثلاثاء المقبل.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد والر يتحدث في مؤتمر ابتكار المدفوعات (أرشيفية - الاحتياطي الفيدرالي)

حرب إيران ورسوم ترمب تُجمدان طموحات «أكبر مؤيدي» خفض الفائدة الأميركية

ربط محافظ «الاحتياطي الفيدرالي»، كريستوفر والر، مستقبل الفائدة، بـ«سرعة الحل» العسكري والدبلوماسي لحرب إيران.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

مرشح ترمب لرئاسة «الفيدرالي»: سأتخذ قراراتي بمعزل عن أي ضغوط من الرئيس

وارش يتحدث خلال جلسة الاستماع أمام لجنة الشؤون المصرفية في مجلس الشيوخ (أ.ف.ب)
وارش يتحدث خلال جلسة الاستماع أمام لجنة الشؤون المصرفية في مجلس الشيوخ (أ.ف.ب)
TT

مرشح ترمب لرئاسة «الفيدرالي»: سأتخذ قراراتي بمعزل عن أي ضغوط من الرئيس

وارش يتحدث خلال جلسة الاستماع أمام لجنة الشؤون المصرفية في مجلس الشيوخ (أ.ف.ب)
وارش يتحدث خلال جلسة الاستماع أمام لجنة الشؤون المصرفية في مجلس الشيوخ (أ.ف.ب)

في شهادة تاريخية أمام اللجنة المصرفية بمجلس الشيوخ، وضع كيفن وارش، المرشح لرئاسة الاحتياطي الفيدرالي، «استقلالية القرار النقدي» كقاعدة أساسية لمستقبل المصرف المركزي، مؤكداً لأعضاء اللجنة أنه سيتخذ قراراته بمعزل عن أي نصيحة أو ضغط من الرئيس دونالد ترمب، ومسلّطاً الضوء على نجاحه في الحفاظ على انخفاض التضخم باعتباره «الدرع الواقية» التي ستحصن استقلالية المؤسسة وتحميها من السجالات السياسية، مشدداً على أن «التضخم المنخفض هو خيار، وعلى الاحتياطي الفيدرالي تحمل مسؤوليته دون أعذار».

وقال وارش أمام أعضاء اللجنة الذين سيرفعون توصياتهم بشأن تثبيته في مجلس محافظي الاحتياطي الفيدرالي، بالإضافة إلى فترة ولاية مدتها أربع سنوات على رأس البنك المركزي: «استقلالية السياسة النقدية أمرٌ جوهري».

وأضاف أن الحفاظ على هذه الاستقلالية «يقع على عاتق الاحتياطي الفيدرالي إلى حد كبير» من خلال تحقيق أهدافه وعدم تجاوز صلاحياته الممنوحة له من الكونغرس.

وقال وارش، الممول البالغ من العمر 56 عاماً والمحافظ السابق للاحتياطي الفيدرالي: «لا أعتقد أن استقلالية السياسة النقدية مهددة بشكل خاص عندما يُبدي المسؤولون المنتخبون - الرؤساء، أو أعضاء مجلس الشيوخ، أو أعضاء مجلس النواب - آراءهم بشأن أسعار الفائدة. لقد كلّف الكونغرس الاحتياطي الفيدرالي بمهمة ضمان استقرار الأسعار، دون أعذار أو مراوغة، أو جدال أو قلق. التضخم خيار، ويجب على الاحتياطي الفيدرالي أن يتحمل مسؤوليته. انخفاض التضخم هو سلاح الاحتياطي الفيدرالي الأقوى».

واعتبر وارش أن البيانات المستخدمة لتقييم التضخم غير دقيقة إلى حد بعيد، وقال إنه سيُجري مراجعة للبيانات، ومشيراً إلى أن الإجراءات الحالية التي يتبعها مجلس الاحتياطي الفيدرالي «معيبة».

وأوضح أنه يُفضل استخدام المتوسط ​​المُعدَّل أو الوسيط لتغيرات الأسعار للحصول على فهم أفضل لمعدل التضخم الأساسي.

وارش يتحدث خلال جلسة الاستماع أمام لجنة الشؤون المصرفية في مجلس الشيوخ (أ.ف.ب)

نقد «حقبة باول» وضرورة التغيير

وفي مواجهة اتسمت بالنقد الصريح، دعا وارش إلى «تغيير جذري» في آليات إدارة السياسة النقدية، معتبراً أن الإطار الحالي يحتاج إلى أدوات جديدة كلياً.

وانتقد وارش تمسك الإدارة الحالية بتوقعاتها لفترات أطول مما ينبغي، مشيراً إلى أن الاقتصاد لا يزال يدفع ثمن تداعيات أخطاء السياسة النقدية لعامي 2021 و2022، ومؤكداً في الوقت ذاته أن «لا مسألة أكثر إلحاحاً من تكلفة المعيشة» في الوقت الراهن.

وأبلغ وارش أعضاء مجلس الشيوخ أنه سيفي بتعهده بالتخلي عن ممتلكاته في حال تثبيته في منصبه، لكنه امتنع عن الخوض في تفاصيل كيفية التخلص من ملايين الدولارات من الأصول. وقال: «حتى لا يكون هناك أي شك في استقلاليتي، ولا أي شك في شفافية سجلي المالي، وافقت على التخلي عن جميع أصولي المالية تقريباً، وسيتم التخلي عن غالبيتها العظمى قبل أن أرفع يدي اليمنى وأؤدي اليمين الدستورية».

حتى قبل أن يُلقي وارش كلمته الافتتاحية، كرّر ترمب في مقابلة مع قناة «سي إن بي سي» أنه سيشعر بخيبة أمل إذا لم يُسرع مرشحه المُختار لخلافة رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي جيروم باول في خفض أسعار الفائدة. يُمثّل هذا التوقع تحدياً كبيراً لقائد البنك المركزي الذي يحتاج إلى حشد أصوات زملائه الذين ما زالوا قلقين بشأن تأثير صدمة أسعار النفط المستمرة على التضخم الذي يتجاوز بالفعل هدف الاحتياطي الفيدرالي البالغ 2 في المائة.

وقد صرّح وارش بأن خفض أسعار الفائدة مُبرّر لأن التغييرات التكنولوجية التي أطلقها الذكاء الاصطناعي سترفع الإنتاجية، وهو رأي يقول محافظو بنوك مركزية آخرون إنه قد يكون صحيحاً بمرور الوقت، ولكنه لا يجعل خفض أسعار الفائدة مناسباً بالضرورة على المدى القصير.

لقد فشل الاحتياطي الفيدرالي في تحقيق هدفه البالغ 2 في المائة لأكثر من خمس سنوات، أولاً بسبب صدمة جائحة كوفيد-19، ولكن مؤخراً بسبب تأثير تعريفات إدارة ترمب وارتفاع أسعار النفط المرتبط بالحرب في الشرق الأوسط، وهي مشكلة محتملة للمشرعين الجمهوريين قبيل انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر (تشرين الثاني).

ولطالما تصادم ترمب مع باول بشأن السياسة النقدية منذ تعيينه رئيساً للاحتياطي الفيدرالي في ولايته الأولى بالبيت الأبيض. تنتهي ولاية باول رسمياً على رأس البنك المركزي في 15 مايو (أيار)، لكن من الممكن أن يبقى في منصبه لفترة أطول إذا تأخرت المصادقة على تعيين وارش.

في هذه المرحلة، لا يزال توقيت توصية اللجنة أو تصويت مجلس الشيوخ غير مؤكد. وقد صرّح السيناتور الجمهوري توم تيليس، عضو اللجنة، بأنه سيعرقل ترشيح وارش إلى أن تُسقط وزارة العدل الأريكية تحقيقاً مع باول يعدّه السيناتور تافهاً وجزءاً من مساعي ترمب للضغط على الاحتياطي الفيدرالي لخفض أسعار الفائدة أو إجبار باول على الاستقالة.

ورغم أن اجتماع السياسة النقدية الأسبوع المقبل قد يكون الأخير لباول رئيساً للاحتياطي الفيدرالي، لكن هذا المأزق قد زاد من احتمالية بقائه في منصبه حتى بعد انتهاء ولايته رسمياً. لا يبدو أن المدعية العامة الأميركية لمنطقة كولومبيا، جانين بيرو، حليفة ترمب، مستعدة للتخلي عن التحقيق مع باول، ولا يبدو أن الرئيس يضغط عليها للقيام بذلك، على الرغم من أن هذا الموقف يعني احتمال استمرار العمل مع رئيس البنك المركزي الحالي لأشهر إضافية، أو إشعال معركة قانونية أخرى بمحاولة تعيين بديل مؤقت من بين محافظي الاحتياطي الفيدرالي الستة الآخرين.

وفي غياب خليفة مؤكد للمنصب الرفيع، سبق للبنك المركزي أن عيّن رئيساً مؤقتاً للاحتياطي الفيدرالي. تمتد ولاية باول محافظاً للبنك المركزي حتى عام 2028، ما يعني أنه قد يبقى صانعاً رئيسياً للسياسات حتى في حال تثبيت وارش. كما صرّح ترمب بأنه قد يُقيل باول إذا لم يتخلَّ عن منصبه كمحافظ. ومن المؤكد أن مثل هذه الخطوة ستُثير طعناً قانونياً، كما حدث في محاولة الرئيس الصيف الماضي لإقالة ليزا كوك، محافظة الاحتياطي الفيدرالي.


بسبب الحرب... الاتحاد الأوروبي يدرس توسيع واردات وقود الطائرات الأميركي

طائرة تابعة لشركة «دي إتش إل» تقف خلف عدة شاحنات صهريجية في مركز الشركة بمطار لايبزيغ (د.ب.أ)
طائرة تابعة لشركة «دي إتش إل» تقف خلف عدة شاحنات صهريجية في مركز الشركة بمطار لايبزيغ (د.ب.أ)
TT

بسبب الحرب... الاتحاد الأوروبي يدرس توسيع واردات وقود الطائرات الأميركي

طائرة تابعة لشركة «دي إتش إل» تقف خلف عدة شاحنات صهريجية في مركز الشركة بمطار لايبزيغ (د.ب.أ)
طائرة تابعة لشركة «دي إتش إل» تقف خلف عدة شاحنات صهريجية في مركز الشركة بمطار لايبزيغ (د.ب.أ)

أعلن مسؤول النقل في الاتحاد الأوروبي أبوستولوس تزيتزيكوستاس، يوم الثلاثاء، أن التكتل الأوروبي يدرس توسيع وارداته من وقود الطائرات الأميركي، إلى جانب اتخاذ إجراءات لتعزيز استقرار قطاع الطيران، في ظل المخاوف المتزايدة من تداعيات الحرب الإيرانية على إمدادات الطاقة.

وأوضح تزيتزيكوستاس أن الاتحاد سيصدر توجيهات لشركات الطيران بشأن التعامل مع قضايا تشغيلية مثل مواعيد الإقلاع والهبوط، وحقوق المسافرين، والتزامات الخدمة العامة، في حال حدوث أي اضطرابات محتملة في إمدادات وقود الطائرات. وأضاف أنه لا توجد حتى الآن أي مؤشرات على نقص فعلي في الإمدادات، لكنه حذّر من أن إغلاق مضيق هرمز لفترة طويلة سيكون «كارثياً» على أوروبا والاقتصاد العالمي.

وقبل اندلاع القصف الأميركي والإسرائيلي على إيران في 28 فبراير (شباط)، كان نحو خُمس إمدادات النفط والغاز الطبيعي المسال العالمية يمر عبر مضيق هرمز. ويعتمد الاتحاد الأوروبي على استيراد ما بين 30 في المائة و40 في المائة من احتياجاته من وقود الطائرات، يأتي نحو نصفها من منطقة الشرق الأوسط.

ومن المقرر أن تقدم المفوضية الأوروبية، يوم الأربعاء، حزمة أوسع من التدابير المرتبطة بالطاقة والنقل، تشمل إنشاء «مرصد لوقود الطائرات» لمراقبة مستويات الإمدادات بشكل دوري.

وقال تزيتزيكوستاس عقب اجتماع وزراء النقل في الاتحاد الأوروبي: «في حال ظهور اضطرابات فعلية في الإمدادات، يجب استخدام المخزونات الاستراتيجية بالشكل الأمثل، مع ضمان الشفافية الكاملة في أي عمليات سحب وطنية لتفادي تشوهات السوق».

وأضاف أنه لا توجد في الوقت الراهن أي مؤشرات على حدوث «إلغاءات واسعة النطاق» خلال الأسابيع أو الأشهر المقبلة. في المقابل، حذرت وكالة الطاقة الدولية الأسبوع الماضي من احتمال بدء نقص فعلي في الوقود بحلول يونيو (حزيران)، في حين تشير شركات الطيران الأوروبية إلى أن الضغوط الحالية تتركز في ارتفاع الأسعار فقط.

وقالت مجموعة «إيه آي جي» المالكة للخطوط الجوية البريطانية و«إيبيريا» إنها لا تواجه أي اضطرابات في إمدادات وقود الطائرات في مطاراتها الرئيسية، لكنها تتعرض لارتفاع ملحوظ في التكاليف. كما أعلنت مجموعة «دي إتش إل» الألمانية أنها مؤمّنة من حيث إمدادات الوقود لعمليات الشحن في أوروبا حتى يونيو، بينما تبقى التوقعات في آسيا أقل وضوحاً.

وأكد المسؤول الأوروبي أن المفوضية تسعى إلى تسريع تطوير وقود الطيران المستدام والوقود الاصطناعي، بهدف تقليل الاعتماد على الواردات، خصوصاً من الشرق الأوسط. إلا أن الاتحاد الدولي للنقل الجوي (إياتا) كان قد حذر من أن إنتاج الوقود المستدام لا يزال دون المستويات المطلوبة لتحقيق أهداف التحول الأخضر، مشيراً إلى أن تكلفته قد تصل إلى خمسة أضعاف الوقود التقليدي.

وتسمح قواعد الاتحاد الأوروبي المتعلقة بمكافحة «التزود بالوقود الزائد» باستثناءات في حالات النقص المحتمل، على أن يتم توضيح الإطار التنظيمي بشكل أدق يوم الأربعاء.

كما تدرس المفوضية الأوروبية خيار تنويع مصادر الاستيراد، بما في ذلك وقود الطائرات الأميركي (جيت إيه) الذي يتميز بدرجة تجمد أعلى من المعيار الأوروبي.

وختم تزيتزيكوستاس بالقول: «لا حاجة في هذه المرحلة إلى أي إجراءات تمس حياة المواطنين أو حركة السفر والعمل. أوروبا مستعدة لاستقبال السياح والضيوف خلال موسم الصيف». وأضاف أن ارتفاع أسعار الوقود لا يبرر التراجع عن حقوق تعويض الركاب في حالات التأخير أو الإلغاء.


وول ستريت تحافظ على استقرارها ترقباً للتطورات الجيوسياسية

متداولون يعملون في بورصة نيويورك (أ.ب)
متداولون يعملون في بورصة نيويورك (أ.ب)
TT

وول ستريت تحافظ على استقرارها ترقباً للتطورات الجيوسياسية

متداولون يعملون في بورصة نيويورك (أ.ب)
متداولون يعملون في بورصة نيويورك (أ.ب)

حافظت الأسهم الأميركية على استقرارها، يوم الثلاثاء، بعدما دعمت نتائج قوية لشركات كبرى، مثل «يونايتد هيلث»، معنويات المستثمرين، في وقت استقرت فيه أسعار النفط وسط ترقب الأسواق لنتائج محادثات وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران، في ظل استمرار التوترات العسكرية بين الجانبين.

وارتفع مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بنسبة 0.1 في المائة بعد تراجعين متتاليين، مقترباً من مستويات قياسية جديدة. كما صعد مؤشر «داو جونز» الصناعي بنحو 256 نقطة، أي ما يعادل 0.5 في المائة، بحلول الساعة 9:35 صباحاً بتوقيت شرق الولايات المتحدة، فيما سجل مؤشر «ناسداك» المركب ارتفاعاً طفيفاً بنسبة 0.1 في المائة.

وقادت شركة «يونايتد هيلث» المكاسب في السوق بارتفاع سهمها بنسبة 9.1 في المائة، عقب إعلانها عن أرباح وإيرادات فاقت توقعات المحللين خلال بداية العام، إلى جانب رفع توقعاتها لأرباح عام 2026 بالكامل.

ويعكس هذا الأداء أهمية ارتباط أسواق الأسهم بمسار أرباح الشركات على المدى الطويل؛ إذ يحقق المستثمرون مكاسب إضافية عندما تتجاوز الشركات التقديرات الحالية وترفع توقعاتها المستقبلية في الوقت ذاته.

كما ارتفع سهم شركة «كويست دياجنوستيكس» بنسبة 4.6 في المائة بعد إعلانها عن نتائج فصلية قوية تجاوزت التوقعات، إلى جانب رفع توقعاتها السنوية للأرباح. في المقابل، تراجع سهم «تراكتور سبلاي» بنسبة 7.5 في المائة بعد أن جاءت نتائجها دون تقديرات السوق.

وتشير بيانات اقتصادية حديثة إلى استمرار متانة الاقتصاد الأميركي رغم التقلبات المرتبطة بأسعار النفط الناتجة عن الحرب مع إيران؛ إذ أظهر تقرير ارتفاع إنفاق المستهلكين في مارس (آذار)، وهو أول شهر كامل من النزاع، بما يفوق توقعات المحللين، مع استقرار نسبي في مبيعات التجزئة عند استبعاد قطاع الوقود.

وقال برايان جاكوبسن، كبير الاستراتيجيين الاقتصاديين في شركة «أنيكس» لإدارة الثروات: «من المألوف القول إن الأثر الاقتصادي سيتوقف على مدة الصراع في الشرق الأوسط، لكن هذه المقولة تبقى صحيحة إلى حد كبير».

وفي أسواق الطاقة، تراجع سعر خام برنت، المعيار الدولي، بنسبة 0.5 في المائة ليصل إلى 95.02 دولار للبرميل، قبيل انتهاء الهدنة المقررة بين الولايات المتحدة وإيران فجر الأربعاء بتوقيت طهران.

ولا يزال الترقب يهيمن على الأسواق بشأن مصير مضيق هرمز، الممر الحيوي الذي تمر عبره شحنات النفط من الخليج العربي؛ إذ إن أي إغلاق طويل له قد يؤدي إلى تعطيل الإمدادات العالمية ورفع الأسعار بشكل حاد.

وتراوح سعر خام برنت خلال فترة الحرب بين نحو 70 دولاراً و119 دولاراً للبرميل، مع تصاعد المخاوف من اضطرابات طويلة الأمد في الإمدادات.

وفي أسواق الشركات، تراجع سهم «أبل» بنسبة 0.9 في المائة بعد إعلان تيم كوك تنحيه عن منصب الرئيس التنفيذي في الأول من سبتمبر (أيلول)، وانتقاله إلى منصب رئيس مجلس إدارة الشركة، على أن يتولى جون تيرنوس القيادة التنفيذية، وهو أحد أبرز مسؤولي الهندسة في الشركة.

في المقابل، ارتفع سهم «أمازون» بنسبة 1.9 في المائة بعد إعلان شركة «أنثروبيك» عن اتفاق جديد والتزامها باستثمار أكثر من 100 مليار دولار خلال العقد المقبل في خدمات الحوسبة السحابية عبر منصة «إيه دبليو إس» لتدريب وتشغيل نموذج الدردشة «كلود».

وعلى صعيد الأسواق العالمية، سجلت المؤشرات الأوروبية أداءً متبايناً بعد مكاسب قوية في آسيا، حيث ارتفع مؤشر «كوسبي» الكوري الجنوبي بنسبة 2.7 في المائة، مسجلاً أحد أكبر التحركات في الأسواق العالمية.

وفي سوق السندات، ارتفعت عوائد سندات الخزانة الأميركية بشكل طفيف؛ إذ صعد العائد على سندات العشر سنوات إلى 4.27 في المائة مقارنة بـ4.26 في المائة في ختام تداولات يوم الاثنين.