فيصل الحفيان: المخطوط هو التجسيد المتكامل للتاريخ

الباحث السوري يرى أن «تراثنا مترع بالمخطوطات التي يفتقر إليها الإغريقي واللاتيني»

فيصل الحفيان
فيصل الحفيان
TT

فيصل الحفيان: المخطوط هو التجسيد المتكامل للتاريخ

فيصل الحفيان
فيصل الحفيان

يُعدّ الباحث السوري الدكتور فيصل الحفيان واحداً من أهم الباحثين بالتراث، وله خبرة واسعة بإدارة التراث ومؤسساته، فقد عمل في معهد المخطوطات العربية التابع للجامعة العربية لأربعة عقود حتى أصبح مديراً له، وأسس في إطاره أول برنامج أكاديمي كرَّس المخطوط العربي حقلاً معرفياً مستقلاً تحت عنوان «علوم المخطوط»، ويعمل حالياً رئيس هيئة أمناء دار المخطوطات بإسطنبول، ورئيس تحرير موسوعة المخطوط العربي، وأصدر حديثاً كتاباً مهماً في مجال التحقيق أسماه «فقه التحقيق من الصنعة إلى العلم» عن مركز أبوظبي للغة العربية، ضمن «سلسلة البصائر للبحوث والدراسات».

في هذا الكتاب يرى د. الحفيان أن «تراثنا مترع بالمخطوطات الأصول والأمهات التي يفتقر إليها التراث الإغريقي واللاتيني، وهو ما يفتح أبواب الدرس أمام طلبة الدراسات العليا والباحثين، ويعوض ما يشكون منه من قلة النصوص، خاصة في بعض العلوم الشرعية واللغوية».

وهو يوضح أن التحقيق علم، وضرورة لبناء سند معرفي ومنهجي، وهو مزيج بين السند التاريخي والسند اللغوي. كما يمهّد من خلال هذا الكتاب الطريق أمام الباحثين للتعرف على التحقيق والإجراءات العلمية التي يمكن من خلال تتبعها إنتاج مؤلف حقيقي بطمأنينة أكبر، موضحاً اللغط والالتباس بين التحقيق وبعض المصطلحات التي يعتمدها البعض على أنها تحقيق، والأهم من كل ذلك، أن الكتاب يُعدّ نواة وبداية قوية لاعتماد التحقيق كعلم له مناهجه وضوابطه.

المخطوط، كما يقول، هو التجسيد المتكامل للتاريخ وحركته، ففيه تجتمع الكينونة التاريخية في أصدق تجلياتها وأوسعها؛ فهو أثر بكيانه؛ بكل ما فيه من جلد، وورق، وحبر، وصنعة، وما عليه من صورة تتجلى للرائي بصرياً. وهو معرفة بالنص الذي يحمله. وهو وثيقة بكيانه الصامت وبنصه الناطق بالنص. وهو شاهد حضاري؛ إذ إنه بنصه ووثائقيته مكتنز بالدلالات التي يختزنها على صاحبه وعلى حيواته الخاصة والعامة، وعلى أدواته ومهاراته في الحقب والأماكن المختلفة التي عاشها وعاش فيها.

وفي هذا الكتاب، وضّح المؤلف ماهية المخطوط الذي يحمل النص محل التحقيق، وكينونة المخطوط وتصوره الرباعي القائم على: الوعاء أو الكيان المادي ووظائفه في خدمة النصّ، ثمّ النصّ أو المحتوى العرفي، والقيود والخوارج العلمية وغير العلمية، والصورة. متتبعاً السياق المعرفي والمنهجي للتحقيق في التراث، وحضور مصطلح التحقيق تاريخياً، وأول من استخدم هذا المصطلح، وربط المصطلح بمرادفاته أو مقارباته في اللغات الأخرى، والخيوط الجامعة والفارقة التي تربط بين هذه المصطلحات ومصطلح التحقيق.

وفي حديثه عن أن التحقيق «علم»، يؤكد أن التحقيق له تقاطعات مع علوم أخرى تشاركه الموضوع (المخطوط) ومنها: علم تاريخ النص، والكوديكولوجيا، والباليوغرافيا.

ثم يعرض لموضوع دراسة النص، وفرق بين الدراسة التقديمية والدراسة العلمية، ورسم الحدود بينهما، ورسم خريطة العمل، محدداً فيها مفردات الدراسة، والتمهيد واتجاهاته.

وفي الفصل الأول، يرى أن مصطلح المخطوط ليس قديماً في الثقافة العربية الإسلامية، ولا حتى في الثقافة الغربية؛ ذلك أن ظهوره قد ترافق مع ظهور الآلة التي أنتجت الكتاب المطبوع في منتصف القرن الخامس عشر الميلادي في ألمانيا، على حين تأخر ظهوره لدينا إلى منتصف القرن الثامن عشر الميلادي، أما قبل ذلك فقد كان المصطلح هو الكتاب أو المؤلف أو المصنف أو المدون، أو الديوان.

وفي الفصل الثاني، وهو بعنوان «فقه المصطلح»، تناول المؤلف مصطلح التحقيق الذي مضى على ظهوره في الثقافة العربية عملياً أكثر من قرن، وتكرس نظرياً على مقاربة النصوص التراثية، وقد زاحمت مصطلح التحقيق بعض المصطلحات الأخرى مثل الشرح، والتعليق، والضبط، والتقديم، والدراسة، والقراءة.

ثم عرض لتأصيل وتأريخ التحقيق، وأعاد بداية التحقيق إلى التبريزي عندما أراد تحقيق كتاب التهذيب في اللغة لأبي منصور الأزهري، وأضاف أن مصطلح التحقيق عربي خالص لا شك في ذلك، بيد أن عربيته ووجوده، بل شيوعه وشيوع اشتقاقاته، ومنها التحقيق ليس دليلاً ولا حتى قرينة على تعبئته التاريخية بالمفهوم الاصطلاحي الذي هو مقاربة النصوص التراثية تحريراً وخدمة. وأن التحقيق كعنوان كان في عناوين عدد من المؤلفات التراثية وأقدمها كتاب «تحقيق ما للهند من مقولة مقبولة في العقل أو مرذولة» للبيروني، وكتاب «التحقيق لأحاديث التعليق» لابن الجوزي، وغيرهما. كما اعتمد التحقيق كعنوان فرعي داخل عدد من العلوم الإسلامية.

وعن تاريخ مصطلح التحقيق، فقد شاع بين الباحثين أن أول من استخدم التحقيق وأثبته على أغلفة كتبه هو أحمد زكي باشا عام 1934، ويحال في هذا السياق على الكتابين اللذين حققهما: «الأصنام» و«أنساب الخيل في الجاهلية والإسلام» لابن الكلبي. ثم عرض المؤلف لعدد من الكتب العربية المحققة يرجع أقدمها إلى عام 1800، وصدرت في ست مدن غربية منها: باريس ولندن وفيينا، غير أن تلك الكتب لها غلافان أحدهما أصيل والآخر مترجم، أضيفت فيه «تحقيق» إضافة محضة أو استبدلت بما هو موجود على الغلاف الأصل، مما يدل على أن أحمد زكي باشا هو أول من استخدم «تحقيق».

وفي الفصل الثالث، وهو بعنوان «فقه العلم»، أشار المؤلف إلى أن الذين نظَّروا للتحقيق لم ينشغلوا بالتفكير فيه على أنه «علم»، بل على أنه مجموعة قواعد وضوابط وإجراءات لا أكثر، ورأوا فيه مجرد «صنعة». وتساءل المؤلف: هل التحقيق علم؟ وأجاب أن التحقيق علم؛ لأن له اليوم رؤية، وتاريخاً، ورجالاً، وكتباً. وأن هذه العناصر الأربعة كافية لكي نصف المعارف التي نملكها بأنها علم. وأن هناك رؤية غائبة بخصوص علم التحقيق، وسببها غياب الوعي بها، سواء على مستوى العمل، أو على مستوى النظر، إضافة لإهمال المتخصصين التعرض لها، والخلط بين التاريخ والحاضر، فيما يخص الوظيفة المحدودة للتحقيق قديماً، والحاضر الذي أصبح له فيه وظيفة مركبة.

ثم عرض المؤلف للفرق بين التحقيق كفن والتحقيق كعلم.

ثم تناول المؤلف الحقل المعرفي الذي ينتمي إليه التحقيق، وأن التحقيق في تراثنا جزء من علم الحديث؛ لأن الحديث يمثل منهج النقد التاريخي الإسلامي في أرفع صوره وأكملها، فلقد حفزت البنية المعرفية لعلم الحديث على إفراز هذه الآلية التي نسميها اليوم «التحقيق». أما الغرب فقد اعتمدوا للتعامل مع النصوص التراثية سنداً معرفياً، تمثل فيما أسموه علم الفيلولوجيا، الذي منه تولد علم نقد النص الذي يوازن عندنا التحقيق، وذلك أن موضوعه هو التأكد من النص الحقيقي الذي أراده المؤلف، أو أسلوب إرجاع النصوص إلى شكلها الأصلي بقدر الإمكان من خلال تحرير العلماء، وهي الدراسة العلمية للنصوص الأدبية، والعناية بتوثيق النصوص وتحقيقها ونشرها والتعليق عليها.

وعن وضع التحقيق في وقتنا الحالي، يذكر المؤلف أن علم التحقيق فقد سنده التاريخي النظري متمثلاً في علم الحديث، وبالتحديد في منهجه، وفي علم أدب العلم، وبالتحديد في قيمه، على الرغم من أنه ظل قروناً يتمتع بهذا السند المزدوج الذي مكن علماءنا على مدى التاريخ من تحرير النصوص وبناء النصوص، فكان التحقيق بقواعده وضوابطه وإجراءاته ثمرة للعلم عامة، ولعلم الحديث وعلم أدب العلم خاصة. وكان كذلك جذراً للمحافظة على العلوم جميعاً متمثلةً في نصوصها من جهة، وإحيائها وإثرائها نوعاً وكماً، من جهة أخرى. ومع فقدان السند غدا التحقيق صنعة، مجرد صنعة معلقة في الهواء، يهجم عليها من شاء ناظراً في إجراءاتها، منزلاً لها على النصوص، ليزين من بعد غلاف الكتاب باسمه على أنه «محقق».

التحقيق علم وضرورة لبناء سند معرفي ومنهجي وهو مزيج بين السند التاريخي والسند اللغوي

ويحمل الفصل الرابع عنوان «فقه التوثيق»، وفيه يذكر المؤلف أن وثائق التاريخ ومخطوطاته ليست هي التاريخ، بل هي شواهده التي تدل عليه، وهي – إذن – وسائط، قد تصدق، وقد لا تصدق، وعلى المحقق أن يجمع تلك الشواهد، سواء كانت لا تزال في صورتها الأولى (المخطوطات)، أو استحالت (مطبوعات)، ويضرب بعضها ببعض؛ ليصل إلى الحقيقة النصية أو يقاربها. هذه المقايسة وهذا الضرب هو التوثيق الذي يكشف الخبيء، ويملأ الثغرات، ويصحح الأخطاء، فتحضر النصوص التي غيبتها الأيام من جديد.

وعلى الرغم من أهمية التوثيق، فإننا لا نجد في كتب التحقيق عنواناً رئيسياً مستقلاً اسمه «التوثيق»، ولربما يرجع ذلك إلى سببين؛ أولهما: أن المحقق في أولى خطواته في اختيار النص الذي سيعمل فيه ينشغل بالتأكد من هويته، وتلك عملية توثيقية رفيعة، فإذا ما انتقل إلى النسخ استحوذ عليه النظر فيها للمفاضلة بينها، وذلك باستنطاق الوعاء الحامل، ومظاهره وتقاليده، وخوارجه، والنص نفسه، وموضوعه، ومحتوياته، والرجوع إلى المصادر. وفي ذلك كله حراك توثيقي أيضاً، ويمر بذلك ونحوه في مختلف مراحل عمله. وثانيهما: أن التوثيق يلتبس بمصطلح التحقيق حتى يتماهى معه، فيقال التوثيق، ويراد التحقيق، والعكس صحيح.

أما «فقه التعليق»، فقد تحدث عنه في الفصل الخامس، ويذكر المؤلف أن التعليق على النص ذو أهمية بالغة، فإذا كان تحرير النص هو الركن الذي لا ينهض عمل المحقق من دونه، فإن التعليق عليه هو الركن الآخر، فهما معاً يشكلان المقاربة العلمية للنص. كما يعد التعليق فناً قائماً بذاته، يتطلب مهارات منها: المعاناة المستمرة للنصوص والمواجهة المتكررة لها، حتى يتمكن من معالجتها والتعبير العلمي عنها في الحواشي، وإدامة النظر في النصوص التعليقية العالية التي كتبها المحققون ذوو القدم الراسخة على النصوص التي اشتغلوا عليها، بوصفها نماذج تطبيقية.

والتعليق يدل على وعي المحقق بوظيفته من جهة، ويظهر قدراته على التعامل مع النص من جهة ثانية. فإن المحقق الذي لا يذيّل النص بتعليقات علمية محررة وكاشفة ينطق بتعليقاته نفسها أنه غير مؤهل لعمله، وليس مسيطراً على النص، ومغترب عنه، ولم يفهمه، ولا يملك القدرة على إفهامه. كما أن التعليق عمل علمي يخضع بالضرورة لأسس نظرية عامة يصدر عنها العمل، الذي يخضع بدوره لقواعد وضوابط توجهه وتحكمه.


مقالات ذات صلة

رواية سعودية عن «نجد» في سنوات الشدّة

ثقافة وفنون رواية سعودية عن «نجد» في سنوات الشدّة

رواية سعودية عن «نجد» في سنوات الشدّة

تصدر قريباً عن «نوفل» في بيروت، رواية «ورق الكافور» للكاتب السعودي عبد الله العرفج، وهي رواية تسبر أغوار مجتمع نجد وسط الجزيرة العربية

«الشرق الأوسط» (الدمام)
ثقافة وفنون السموم... «كلمة السر» في عالم أغاثا كريستي

السموم... «كلمة السر» في عالم أغاثا كريستي

في كتابها «أغاثا كريستي واستخدام السموم»، تكشف الكيميائية والباحثة البريطانية كاثرين هاركاب كيف استخدمت رائدة أدب الجريمة السموم في رواياتها البوليسية المشوقة..

رشا أحمد (القاهرة)
كتب من تاريخ المدن إلى سير الأحياء

من تاريخ المدن إلى سير الأحياء

تعيش المدن بأسمائها، أي بتفاصيلها؛ بأحيائها وشوارعها ومقاهيها، وأصداء من سكنوها أو مروا بها؛ أسماء تحافظ على نظارتها ولا تذوي، مهما تغيرت ملامح المدن.

شرف الدين ماجدولين
كتب اللعب على وتر الحدود روائيّاً

اللعب على وتر الحدود روائيّاً

في رواية «شيء إلهي» يبدو فعل الابتكار مهيمناً بظلاله على عالم الرواية، التي يمهّد فيها الكاتب والروائي المصري محمد عبد النبي قارئه منذ بدايات السرد للعبور...

منى أبو النصر (القاهرة)
كتب وليد سيف يختتم رباعيته الأندلسية بـ«غرناطة... آخر الأيام»

وليد سيف يختتم رباعيته الأندلسية بـ«غرناطة... آخر الأيام»

في روايته الجديدة «غرناطة... آخر الأيام»، يواصل الكاتب ‏والشاعر والروائي الفلسطيني وليد سيف مشروعه الإبداعي في ‌‏استعادة التاريخ العربي الإسلامي في الأندلس

«الشرق الأوسط» (دمشق)

من تاريخ المدن إلى سير الأحياء

من تاريخ المدن إلى سير الأحياء
TT

من تاريخ المدن إلى سير الأحياء

من تاريخ المدن إلى سير الأحياء

تعيش المدن بأسمائها، أي بتفاصيلها؛ بأحيائها وشوارعها ومقاهيها، وأصداء من سكنوها أو مروا بها؛ أسماء تحافظ على نظارتها ولا تذوي، مهما تغيرت ملامح المدن وتبدلت عتباتها. لذا تعيش بعض الأحياء بتحولاتها، وكأنما هي أنوية مدن تحيا في أعطاف مدينة «أم». وحين تتبدل تقاسيم المدن أو تشيخ، وعندما يطرأ عليها غرباء، أو يمر بها غزاة عابرون، تفقد الكثير من معالمها ومفرداتها وسمات أهلها، تطفو تدريجياً على السطح كتل وامتدادات شائهة، وأحياناً تتحول إلى هياكل، لكنها تتشبث بتسمياتها وبألقابها وما يتعارف الناس به عليها. وحتى حين تسلب عناوينها الأولى، ولو لحين من الدهر، فإنها لا تلبث أن تستعيدها، في مقاطع أغنيات وأبيات شعر وصور أفلام قديمة، وفي ملامح أبطال يقتنصون تفاصيلها في فصول روايات خالدة.

من داخل حي «مونمارتر» (Montmartre)، حيث تمترس ثوار كمونة باريس، وطالب إميل زولا في «الأسبوع الدامي» بهدمه على رؤوس «المتمردين السفلة»، نشأت إحدى أكثر المعالم العمرانية احتضاناً للأساطير الباريسية، ذلك ما دعا الكاتب الفرنسي أوليفيي رونو Olivier Renault المختص في إعداد تصانيف عن الأحياء التاريخية لعاصمة الأنوار إلى إصدار كتاب بعنوان «مونمارتر: أمكنة الأساطير» (Montmartre: Les lieux de légende) (منشورات باريغرام، باريس، 2026)، لتأريخ محال ودور وأزقة وساحات وبارات ومطاعم ومراسم، سكنت مجازات الشعر والرواية ومشاهد المسرح والسينما ولوحات كبار الانطباعيين ممن صنعوا عنفوان الفن الحديث والمعاصر.

يتقدم الكتاب لقارئه بتواضع مخاتل، دونما ادعاءات معرفية كبرى، قصاراه سرد حكاية فضاء أليف وخالب للأذهان، فبدا مزيجاً من «سيرة الفضاء» و«المونوغرافيا الفنية» و«الدليل التاريخي المصور»، إلا أنه يفلح في تقديم قصة نشأة حي كان عبارة عن قرية تقع خارج حدود باريس الإدارية، تميزت بتلتها المطلة على المدينة، ومزارع الكروم، والطواحين، وبيوت العمال والمزارعين البسطاء. قبل أن تعيد مخططات «البارون هوسمان»، قائد ثورة التحديث العمراني في باريس، على عهد نابليون الثالث، إلحاق هضبة «مونمارتر» الواقعة في الحزام الهامشي، الآهل بالشطار والخارجين عن القانون، بباريس، لتصبح الدائرة الثامنة عشرة. وموطن المواقع التي صنعت قسطاً غير يسير من أسطورة باريس: «فيلا الفنون، وشارع هيجيسيب مورو، وشارع ليبيك، أمام محترف فان غوخ، ومحل كورتلين في شارع أورشامب، ومحترف براك في شارع سيمون ديرور. إننا لا نعرف دائماً أننا نمر أمام عناوين رسم فيها، أو كتب، أو غنى، أو أحبّ فيها كل من: بيكاسو، وبونار، وباسكين، وكاركو، وموديغلياني، وبروان، وماكس غاكوب، ومارسيل إيميه، وريفيردي، وسيلين» (ص 12).

وعبر فصلين كبيرين يحمل أولهما عنوان «جادة كليشي وروافده»، والثاني وسم «هضبة مونمارتر»، يقوم الكتاب باستنطاق الأمكنة عبر الحديث عن ساكنيها، من كُتَّاب ورسامين، وأناس عاشوا في الظل أيضاً: من مثل تجار الأصباغ الذين يصبح أحدهم فجأةً صاحب رواق فني، أو أصحاب المطاعم والحانات ممن يمحو بعضهم بكرم ديون عباقرة تضوروا جوعاً زمناً ما. وسرعان ما تتجلى مباحث الفصلين وفقراتهما المؤثثة باللوحات الفنية والصور الفوتوغرافية لأبنية وشخصيات وشوارع وحدائق من أزمنة شتى، حيزاً لاستحضار أسماء رمزية، قادت الكاتب تدريجياً إلى الحديث عن الحركات التي انتسبوا إليها، من الانطباعية، وجماعة الأنبياء، إلى التكعيبية والسوريالية والمستقبلية... علامات فارقة في تاريخ الفن وتاريخ باريس على حد سواء.

الشيء الأكيد أن سيرة «مونمارتر»، كما سعى لنسج معالمها أوليفيي رونو، تقصدت تجميع التراث المجازي والحسي للحيز المديني المؤلف بين السحر والقسوة، والوقوف عند عتبات تكون الأسطوريات الحية، من المفردات إلى الوصفات الحياتية، ومن الأطباق والروائح إلى الجدران المحيطة بمواطن السهر: «لم يكن الأمر مجرد أسطورة؛ فمن فان غوخ إلى أوتريلو، كان هذا الحي حقاً، وأكثر من أي حي آخر، معقل البوهيمية. وعلى هذه المرتفعات، التقى جيلان أو ثلاثة من الفنانين والكتاب الذين ملأوا الدنيا ضجيجاً. وفي هذه الكوكبة اللامعة، يرى البعض اليوم أن أعمالهم كانت لتدر عليهم الملايين، غير أن بداياتهم - وأحياناً نهاياتهم - كانت صعبة في الغالب، تغرق في العوز أو الفقر المدقع. وإذا كان ديغا أو بونار لم يعرفا الجوع قط، فإن آخرين، مثل ماكس غاكوب أو ريفيردي أو فان دونغن، قد ذاقوا مرارته حقاً في هذا الحي» (ص 13).

يستنطق الكتاب الأمكنة عبر الحديث عن ساكنيها من كُتَّاب ورسامين وأناس عاشوا في الظل أيضاً

إنها المنطلقات التي مكّنت مونمارتر، كما تؤكد محاور الكتاب، من أن ينتزع لقباً لا يخلو من حس غرائبي، هو «عاصمة باريس». الذي يحيل على ما اكتنزه المحيط العمراني من ملاذ حسي وذهني، حيث كان صخب المقاهي والملاهي الليلية يتصادى مع الاختراق التشكيلّي والموسيقي والمسرحي والشعري. بالقدر ذاته التي كان الحي فيه أيضاً ذاكرة كبرى للألم، أرخت لعذابات المرض والجوع والإدمان لعشرات الأسماء الشهيرة التي صنعت مجده، كانت إيجارات البيوت فيه منخفضة، واستطاع الفنانون المفلسون تحمل تكلفة محترف مختصر، في «باتو لافوار» مثلاً، أو في شارع «كورتو»، وتمكن الكتاب، ممن لا يملكون قوت يومهم، من العثور على غرف علوية ضيقة، أو زوايا صغيرة في الأفنية الخلفية للمنازل. وكان الحي أيضاً موطن النبيذ الرخيص، والطعام الذي قد يدفع حسابه الآخرون، وكان أصحاب المطاعم، من مثل «الأرنب» أو «الشاليه» يمنحون الفنانين من ذوي العوز المزمن (وهم الغالبية) وجبات مؤجلة الدفع دوماً.

تدريجياً يتحول الكتاب إلى شبه سيرة لحي في مواجهة بقية باريس، وفي مقابل حي بذاته هو «مونبارناس» فقد كان مونمارتر موطن الخلق والشطح التخييلي، في مواجهة العقلانية والسطوع البراغماتي لأحياء النخبة الأخرى، وظل كذلك حتى الحرب العالمية الأولى. وحين فرض «مونبارناس» نفسه مركزاً جديداً للإبداع التشكيلي والشعري والمسرحي والروائي... هجر الشعراء والفنانون تلّة مونمارتر تدريجياً، ولم يسلك الطريق المعاكس سوى قلة من السرياليين الذين كان معظمهم يمقتون الياقات البيضاء.

ليس من شك أن للمدن صلات رمزية بتحولات أسمائها، ليس فقط في ذاكرة الناس، وما تتوسله من تآويل حقيقية أو ملفقة، وإنما أساساً في لغة الأدب والفن، ومهما تعددت التحويرات والاختزالات لتلك الأسماء فإنها تبقى متصلة بالأصل الأوحد، الذي يعنيها في البدء والمنتهى. باريس هي جماع تفاصيل كبرى تمتد من «موبرناس» إلى «سان ميشيل» ومن «الحي اللاتيني» إلى «بير لاشيز»، ومن «الشانزيليزي» إلى «مونمارتر»...، وقد تتلاشى المدن وتبقى تسمياتها المعجونة بالنكهات والألوان والحرارة والماء والرقصات وطعم الكلام، في صدى الداخل العميق؛ إذ هي جزء من صناعة القدر الشقي أو السعيد الذي نسائله يومياً، لأجل ذلك فإن هذا النوع من السير بحق هو فن تحويل المجال إلى رواية، هو تشكيل نوعي لفتنة الذات الداخلية بمحيطها كما يدركها صاحبها، وكما يتمثلها زمنياً. ولن يستطيع السارد أن يترجم تفاصيل تكون الهوية الذاتية وتناميها المتشابك دونما إعادة تركيب وتوليف وتصرف في ملامح المدن التي استوعبت نزقها وتقلباتها، وبغير ما قيمة مضافة تجسر المسافة بين الذات ومنبتها. هكذا تروي سير الأحياء لعنات مسترسلة وبركات ضائعة، قد تقول ما كان، أو ما راود أحلام ساكنتها وصانعي فتنتها، وقد تُكتب مواساة للذات عن فقدان مراتع الطفولة واليفاعة، أو تطهراً من أحاسيس مرزئة تجاه أحداث التبست بأحياء عتيقة، وقد تستحضر كمجرد سعي لتمثّل الماضي، وإعادة رسم الأبواب والشرفات والمباني والوجوه بالأبيض والأسود.


اللعب على وتر الحدود روائيّاً

اللعب على وتر الحدود روائيّاً
TT

اللعب على وتر الحدود روائيّاً

اللعب على وتر الحدود روائيّاً

في رواية «شيء إلهي» يبدو فعل الابتكار مهيمناً بظلاله على عالم الرواية، التي يمهّد فيها الكاتب والروائي المصري محمد عبد النبي قارئه منذ بدايات السرد للعبور بين مستويات نفسية وفانتازية وجسدية معقدة تخص بطله «سلامة»، الذي تبدو أزمته الشخصية بوابة لكثير من التساؤلات حول الوحدة، والغرابة، والتسليم، وحدود الجسد والهوية، بل حدود ما يمكن للعقل نفسه أن يصدقه أو يحتمله.

تُحيل الرواية الصادرة عن دار «المحروسة» بالقاهرة، لبنية العالمين الاجتماعي والداخلي لـ«سلامة»، بوصفهما وجهين للاغتراب نفسه، فالعزلة النفسية التي يعيشها البطل الأربعيني الأعزب، الموظف في بنك حكومي، تجد طريقها إلى أسلوب حياته الصارم، بما في ذلك كراهيته للإجازات، وتجنبه المواصلات العامة، ونفوره من المقاهي والاختلاط بصوره كافة، ضمن محاولاته الدائمة للسيطرة على عالمه المحيط الذي يشعر داخله بالتهديد والارتباك، لتصبح حياته «يوماً وحيداً مُتكرراً منذ سنوات».

في المقابل، يسلط السرد الضوء على مدى استغراق «سلامة» في أحلام يقظته، وتأثره الكامل بشاشة «التلفزيون»؛ يستقي منها المعرفة والبهجة، حتى تصوراته الانهزامية عن الحب: «لم يرَ «سلامة» رجلاً فقيراً أسود يحب ويتزوج على شاشة التلفزيون»، وهي مرجعية يكشف السرد عن أن «سلامة» يتبناها بصورة لا واعية ضمن تسليمه الكامل بمرجعية «الشاشة»، على نحوٍ تُلخصّه العبارة الدالة: «كان يولّي وجهه للتلفزيون، وظهره إلى العالم».

أرضية نفسية

من هذا العالم المُشبّع بالخيالات البديلة، يبدأ السرد في زحزحة الواقع نفسه، فلا يندفع عبد النبي نحو «الغرائبي» قبل أن يهيئ له أرضيته النفسية، عبر شخصية اعتادت العيش بين الواقع وظلاله المتخيلة، وهكذا يفتح الباب أمام ظهور كائن غامض يُطلق عليه السرد اسم «شيء»، يُراقب «سلامة» ويحدِّثه ويناديه باسمه من داخل جسده، رغم تركيبته النافرة أصلاً من الآخر الغريب.

وتنهض هذه المفارقة على خلق مستويات متداخلة من الدهشة، إذ يمهد السرد تدريجياً لصوت أو «شيء» يسمعه «سلامة» من داخله، قبل أن يفجّر مفاجأة استشعاره لحالات تشبه «غثيان» الحمل، ليضع القارئ بدوره داخل منطقة ملتبسة تتداخل فيها حدود النفسي والبيولوجي، والواقعي والمتخيَّل: «استعاد رعبه كاملاً إزاء هذا الصوت الداخلي الأخرس الذي يُخبره بأن روحاً حيّة تسكن بداخله الآن، روحاً أخرى غير تلك التي خرج بها من بطن أمه».

غير أن الرواية لا تتعامل مع هذا الـ«شيء» بوصفه مفارقة غرائبية أو حدثاً فانتازياً، بقدر ما تجعله أداة لتفكيك الحدود المستقرة بين النفسي والبيولوجي والهُوية الجسدية، وبين ما ينتمي إلى الداخل وما يُفترض أنه يأتي من الخارج، بحيث يتحوّل الالتباس نفسه إلى أحد المحركات الأساسية للرواية.

خيال تعويضي

يُعزز عبد النبي من تأثير التاريخ الشخصي والعائلي لبطله «سلامة»، عبر استدعاء ذكرياته الممتدة مع التنمر عليه بوصفه «محدود القدرات العقلية»، وصولاً إلى دلالة اسمه نفسه، المستمد من أحد أبطال السيرة الهلالية، ليكشف السرد عن تعلّق والده الراحل بمِخيال تلك السيرة القائم على البطولة والفروسية، إلى الحد الذي يدفعه إلى إطلاق أسماء أبطالها على أبنائه كنوع من التقمص الوجداني والدرامي لعالمها والتيمّن ببطولاتها.

يبدو ثمة خيط خفي يربط الأب بابنه؛ فكلاهما يلجأ، بطريقته، إلى مِخيال بديل يعوّض تهميشه في الواقع، ولا يتوقف هذا الميل إلى تجاوز الواقع عند السيرة الشعبية أو أحلام اليقظة، بل يمتد إلى علاقة «سلامة» بالصورة الفوتوغرافية نفسها، بوصفها مساحة قابلة لإعادة التخييل، مما يكشف عن مهارات «سلامة» الاستثنائية في تسييل الحدود بين الواقع والصورة والذكرى، ليُعيد معايشة لحظات لم يعد الواقع قادراً على استعادتها.

بعد ظهور «شيء»، بما يفرضه من فانتازيا ومفارقات هزلية، ومساءلة الجسد نفسه، ومع تصاعد حضوره كشخصية تُقاسم «سلامة» البطولة، لا يعود السؤال متعلقاً بوجوده من عدمه، بقدر ما يصبح متعلقاً بطبيعة هذا الوجود نفسه؛ هل هو امتداد لوعي «سلامة» أم كيان مستقل عنه؟ لا سيما أن السرد لا يتوقف عند تقديمه بوصفه مجرد عرَض غرائبي، بل يدفع السرد باستمرار لمنح «شيء» ملامح شخصية روائية مُحكمة.

علاقة جنينية

كما يستثمر عبد النبي الآصرة البيولوجية بين الأم وجنينها في بناء عدد من المشاهد الهزلية والغرائبية التي تمنح «شيء» حضوراً متزايداً داخل الرواية، فالكائن لا يكتفي بمشاركة «سلامة» جسده، بل يبدو متأثراً بما يتناوله من طعام أو ما يستنشقه من دخان، كأن السرد يعيد تخيّل «العلاقة الجنينية» بكل ما تنطوي عليه من اعتماد وتشارك حسّي، وهي مشاهد تسهم في ترسيخ «شيء» بوصفه وجوداً حياً يتفاعل مع العالم. فلا يتعامل الكاتب معه بوصفه ظلاً لشخصية البطل، بل يعمل تدريجياً على منحه وجوده الخاص؛ فهو يمتلك مساراً للنمو، ووعياً يتسع بمرور الوقت، وقدرة على الحوار والتعليق وإبداء الرأي، بل تكوين علاقة خاصة بالعالم، وكما تشير الرواية إلى تطوره الجسدي عبر إحالات مرتبطة بعمر الجنين، فإنها تمنحه في الوقت نفسه معرفة وخبرة لا تتناسبان مع حداثة وجوده البيولوجي، بما يجعله يتجاوز موقع «المخلوق» أو «التابع» ليقترب من موقع الشريك السردي الكامل.

ويتمثل أحد أبرز تحديات السرد في بناء سياق لغوي يتجاوز ثنائية «المونولوغ» و«الديالوغ» معاً، ليؤسس علاقة لغوية ثالثة بين «سلامة» و«شيء» الذي يسكنه، يُطلِق عليها السرد أحياناً «التخاطر»، فيما تبدو أقرب إلى منطقة ذهنية مشتركة تتسع بتطوّر العلاقة بين الطرفين، وتكتسب تدريجياً ذاكرتها وقاموسها الخاص، كأن الرواية تجعل اللغة نفسها جزءاً من فعل الخلق، بحيث يتشكّل الكائن ولغته وعلاقته بالعالم بالتوازي، إلى أن يصبح «شيء» قطباً موازياً لـ«سلامة» داخل البنية السردية، فيتبادلان الحديث البدائي بدايةً من «صباح الخير» وصولاً إلى أسئلة وجودية معقدة مثل: «هل أنت سعيد يا سلامة».

تعزيزاً لهذا الحضور المُتنامي، يبدو «شيء» مطَّلعاً على أدق تفاصيل «سلامة» الداخلية؛ أحلامه، وهواجسه، وتطلعاته المكبوتة تجاه الأنثى والجنس، كما يمتلك معرفة تتجاوز خبرته المباشرة بالعالم، بما يمنحه حضوراً يتجاوز مجرد الكائن البيولوجي أو الصوت النفسي، ليقترب أحياناً من كيان ماورائي قادر على قراءة الداخل الإنساني.

يضاعف السرد من اتساع «شيء» ككيان روائي عبر الجمع بين الطابع الماورائي لحضوره، والإيحاء بقدرات عقلية ومعرفية تتجاوز شروط وجوده البيولوجي، ففي أحد المشاهد يُحدّث «شيء» صاحبه «سلامة» عن أنواع نادرة من الفراشات، في مفارقة لافتة بين «العقل المحدود» الذي ظلّ «سلامة» يُوصم به طوال حياته، ووعي يبدو أكثر اتساعاً وتعقيداً للكائن الذي يتخلّق من داخله.


وليد سيف يختتم رباعيته الأندلسية بـ«غرناطة... آخر الأيام»

وليد سيف يختتم رباعيته الأندلسية بـ«غرناطة... آخر الأيام»
TT

وليد سيف يختتم رباعيته الأندلسية بـ«غرناطة... آخر الأيام»

وليد سيف يختتم رباعيته الأندلسية بـ«غرناطة... آخر الأيام»

في روايته الجديدة «غرناطة... آخر الأيام»، يواصل الكاتب ‏والشاعر والروائي الفلسطيني وليد سيف مشروعه الإبداعي في ‌‏استعادة التاريخ العربي الإسلامي في الأندلس، مختتماً بها ‏رباعيته الأندلسية بعد أعماله «صقر قريش» بجزأيه، و«مواعيد ‌‏قرطبة»، و«خريف إشبيلية»، التي أنجز ثلاثة منها للشاشة ‏الصغيرة، مع المخرج السوري الراحل حاتم علي.

وتتناول الرواية الفصل الأخير من الوجود العربي الإسلامي في ‏الأندلس، من خلال استعادة السنوات الأخيرة من حكم بني ‏نصر ‏في غرناطة، وصولاً إلى سقوطها وتسليم مفاتيحها للقشتاليين، ‏في لحظة تاريخية أنهت ثمانية قرون من الحضور ‏العربي في ‏شبه الجزيرة الإيبيرية.

ويفتتح الكاتب روايته بمقطع يحمل مرارة المنفى وأفول السلطة، ‏يقول فيه على لسان بطله: «مواطئ أقدام العامة خيرٌ من ‏مجلس ‏السلطان»، في إشارة إلى التحول القاسي من سلطان كان يحكم ‏غرناطة إلى منفي يستأذن على أبواب السلاطين.

ويعيد وليد سيف في الرواية تقديم شخصية محمد بن علي بن سعد ‏النصري، المعروف بأبي عبد الله الصغير، بعيداً عن ‏الصورة ‏التقليدية التي اختزلته في رمز للهزيمة وضياع الأندلس، فالرواية ‏لا تنظر إلى السقوط بوصفه ثمرة قرار فردي، بل ‏نتيجة ‏تراكمات طويلة من الصراعات والانقسامات والتراجع السياسي.

ومن خلال صوت أبي عبد الله نفسه، يناقش الكاتب مفهوم ‏المسؤولية التاريخية، ويعيد مساءلة الروايات الشائعة التي علقت ‌‏بذاكرة سقوط غرناطة، ومنها المقولة المنسوبة إلى والدته عائشة ‏الحرة: «ابكِ كالنساء ملكاً مضاعاً لم تحافظ عليه كالرجال»، ‏إذ ‏ينفي بطل الرواية صحتها، مقدماً والدته بوصفها شخصية ‏سياسية ساندته في صراعاته ومحنته.

وتمنح الرواية شخصية أبي عبد الله بعداً إنسانياً مأساوياً، إذ ‏يظهر فيها وريثاً للهزائم لا للأمجاد، مطارداً بثقل الماضي ‌‏وبأصداء الثورات والانقسامات التي عصفت بالأندلس منذ ‏بدايات الفتح الإسلامي وحتى عصر ملوك الطوائف.

تزخر الرواية بالصراعات والمؤامرات داخل البيت الحاكم في ‏غرناطة، بين الآباء والأبناء والإخوة والأعمام، في مقابل ‌‏حضور قصص الحب والتضحية والنهايات التراجيدية التي تمنح ‏النص بعده الإنساني، يقدم من خلالها الكاتب مدينة غرناطة ‌‏عالماً كاملاً يتداعى سياسياً وأخلاقياً وإنسانياً.

كما تحضر المرأة بوصفها عنصراً محورياً في البناء الدرامي، ‏وفي مقدمة الشخصيات النسائية عائشة الحرة، إلى جانب ثريا ‌‏القشتالية، ومريمة زوجة أبي عبد الله، والملكة إيزابيلا التي ‏يقدمها العمل بوصفها صاحبة مشروع، هدفه توحيد إسبانيا تحت ‌‏سلطتها وطرد العرب واليهود منها. وفي مقابل ضَعْف السلطة وصراعاتها، تمنح الرواية مساحة ‏للمقاومة الشعبية التي يمثلها موسى الغساني وعلي العطار ‌‏وحامد الثغري، بوصفهم شخصيات حاولت إبطاء السقوط ‏والدفاع عن غرناطة في مواجهة واقع سياسي متصدع. ويبرز في الرواية أيضاً سؤال الحضارة والتحولات التاريخية، ‏إذ يستعيد الكاتب صورة الأندلس بوصفها منارة للعلم والثقافة، ‌‏في وقت كانت فيه الوفود الأوروبية تفد إلى قرطبة للتعلم، قبل ‏أن تتبدل موازين القوة لمصلحة الغرب مع تراجع العرب ‌‏وانقسامهم.

رواية «غرناطة.. آخر الأيام» صدرت عن «الأهلية للنشر والتوزيع» في الأردن، وتقع في 565 ‌‏صفحة من القطع المتوسط.