ماكرون يراهن على لوكورنو مجدداً وسط أزمة سياسية غير مسبوقة

اختباره الأول طرح الميزانية... واليمين المتطرّف يتوعّد بإسقاطه

لوكورنو يجيب عن أسئلة الصحافيين بعد زيارة إلى مقر شرطة خارج باريس يوم 11 أكتوبر (إ.ب.أ)
لوكورنو يجيب عن أسئلة الصحافيين بعد زيارة إلى مقر شرطة خارج باريس يوم 11 أكتوبر (إ.ب.أ)
TT

ماكرون يراهن على لوكورنو مجدداً وسط أزمة سياسية غير مسبوقة

لوكورنو يجيب عن أسئلة الصحافيين بعد زيارة إلى مقر شرطة خارج باريس يوم 11 أكتوبر (إ.ب.أ)
لوكورنو يجيب عن أسئلة الصحافيين بعد زيارة إلى مقر شرطة خارج باريس يوم 11 أكتوبر (إ.ب.أ)

أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون تعيين سيباستيان لوكورنو رئيساً للوزراء، مساء الجمعة، بعد 4 أيام فقط على استقالته، بعد مفاوضات مطوّلة لكسر الجمود السياسي في فرنسا.

وكان ماكرون قد عيّن لوكورنو المرة الأولى، في 9 سبتمبر (أيلول)، رئيساً لحكومة جاءت ولادتها قيصرية، ولم تُعمّر سوى 14 ساعة، من مساء الأحد الماضي إلى صباح الاثنين. فبعد 27 يوماً من المشاورات التي شملت معظم الأحزاب، وبعد وعود من لوكورنو بإحداث انعطافة «في النهج الحكومي شكلاً ومضموناً»، جاءت الحكومة الجديدة كأنها نسخة طبق الأصل من حكومة فرنسوا بايرو، الذي فشل في نيل ثقة الجمعية الوطنية (المجلس النيابي) للمُضي في مشروع موازنة عام 2026، التي تضمنت خفضاً في الإنفاق العام، وزيادة في الضرائب، مع تلميحات خجولة بشأن فرض ضرائب إضافية على الثروات الكبرى التي تتجاوز قيمتها 100 مليون يورو.

جانب من زيارة لوكورنو إلى مقر شرطة خارج باريس يوم 11 أكتوبر (أ.ب)

وحكومة لوكورنو الذي خلف بايرو كانت الثالثة التي تسقط منذ صيف العام الماضي، بعد كارثة الانتخابات التشريعية المبكرة التي حصلت بعد أن قام الرئيس إيمانويل ماكرون بحل البرلمان. والنتيجة الانتخابية كانت بروز 3 مجموعات نيابية متنافسة، وغير مستعدة للعمل مع بعضها.

دوامة أزمات

وفي ظلّ غياب أكثرية داعمة لعهد ماكرون وحكوماته، دخلت فرنسا في دوّامة من الأزمات السياسية المتناسلة، بالتوازي مع أزمات اجتماعية وتدهور اقتصادي ومديونية متفلتة بلغت هذا العام 14.300 مليار يورو، أي ما يعادل 115 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي. وتجدر الإشارة إلى أن خدمة الدين ستصل هذا العام إلى ما لا يقل عن 70 مليار يورو، ما جعل فرنسا تتحول إلى «بطة عرجاء» عاجزة عن التعامل مع أزماتها المتعددة الأوجه.

لوكورنو خلال مقابلة تلفزيونية مع «فرانس 2»، يوم 8 أكتوبر (أ.ف.ب)

ومع تساقط الحكومات وعجز الطبقة السياسية عن التصدي لها، وتشظي ما يُسمى «الكتلة المركزية» المتشكلة من الأحزاب الثلاثة الداعمة لماكرون، ومن حزب «الجمهوريون» اليميني التقليدي، برزت هشاشة موقع الرئيس الفرنسي المتهم بعدم احترام نتيجة الانتخابات، ورفض التعاون مع اليسار بمختلف مكوناته رغم حصوله على أكبر مجموعة برلمانية.

وشكّل غياب الأكثرية العامل الحاسم في فوضى المشهد السياسي، وتعاقب سقوط الحكومات الثلاث؛ ميشال بارنيه وفرنسوا بايرو، وسيباستيان لوكورنو.

وما يُؤخذ على الرئيس الفرنسي الذي يعاني راهناً العزلة السياسية إلى حد كبير، أنه كرر تجربة فاشلة 3 مرات بسبب حكومات ثلاث متشابهة، الأولى دامت 3 أشهر، والثانية 8 أشهر، والثالثة 14 ساعة. ورغم التجارب السابقة الفاشلة، يبدو من العجب أن يعمد ماكرون إلى تكليف سيباستيان لوكورنو، مرة جديدة، بتشكيل الحكومة.

«ظلّ» ماكرون

شغل لوكورنو سابقاً منصب وزير الدفاع، وحقق في ذلك نجاحاً ملحوظاً. والأمر الآخر المعروف عنه أنه مقرّب جدّاً من ماكرون، إذ انضم إلى فريقه منذ انتخابه لأول مرة عام 2017. ومن هنا جاء الاتهام الموجّه إلى الرئيس الفرنسي بأنه سمّى «ظله» رئيساً للحكومة، في مؤشر إلى تمسّكه بالهيمنة على السلطة التنفيذية كما الحال في عهده الأول.

صورة أرشيفية للرئيس ماكرون برفقة لوكورنو الذي كان يشغل آنذاك منصب وزير القوات المسلحة يوم 15 أغسطس 2024 (أ.ف.ب)

يقول لوكورنو عن نفسه بأنه «جندي يُنفّذ المهمة» التي أناطه بها رئيس الجمهورية. وفي مؤتمره الصحافي المختصر، السبت، ندّد بـ«المشهد الهزلي» الذي تعرفه الحياة السياسية الفرنسية.

وردّاً عن الذين ينتقدون اختياره مجدداً رغم فشله البيّن، أجاب قائلاً: «لم يتكون لديّ شعور بأن هناك الكثير من المرشحين» للقيام بهذه المهمة التي أولى عناصرها النجاح في تمرير الميزانية في البرلمان، لأن تغييبها ستكون له نتائج سيئة على الأوضاع المالية والاقتصادية والاجتماعية للبلاد.

وفي هذا السياق، أعلن غابريال أتال، رئيس حزب «النهضة» الذي كان ماكرون أساس إطلاقه، تعليقاً على تكليف لوكورنو، أن «القرار جاء من رئيس الجمهورية، والتحدي اليوم هو تمكين فرنسا من الحصول على موازنة، ولذلك فإن حزب (النهضة) ونوابه يعملون بكل جهد لتحقيق هذا الهدف». أما بشأن الانتقادات التي طالت لوكورنو بعد سقوطه صباح الاثنين الماضي، فقد ردّ مشيراً إلى حصول بعض «التطورات» الإيجابية في مواقف عدد من الأحزاب، ملمّحاً إلى الحزب «الاشتراكي»، الذي يُقال إنه قد يمتنع عن التصويت لحجب الثقة عن الحكومة، ما من شأنه أن يطيل عمرها السياسي.

دور الحزب «الاشتراكي»

في حقيقة الأمر، ما يزيد تعقيد الأوضاع في فرنسا هو اقتراب استحقاقين انتخابيين مهمين: الأول، الانتخابات البلدية المقررة في الربيع المقبل، والثاني والأهم، الانتخابات الرئاسية في أبريل (نيسان) 2027.وتتمثل الصعوبة الأولى التي يواجهها لوكورنو في ضمان تأمين أغلبية نسبية داعمة لحكومته، تتكوّن من «الكتلة المركزية». غير أن هذا الدعم لا يشكّل «بوليصة تأمين» لاستمرارية الحكومة، الأمر الذي يجعله في حاجة ماسة إلى دعم الحزب «الاشتراكي».

لوكورنو يجيب عن أسئلة الصحافيين بعد زيارة إلى مقر شرطة خارج باريس يوم 11 أكتوبر (إ.ب.أ)

أما اليمين المتطرف، الذي يتمتّع بكتلة نيابية كبيرة، فإن زعيمته مارين لوين أكَّدت العديد من المرات أنها لن تمنح الثقة لأي حكومة تتشكل، وأنها تسعى لإجبار ماكرون على حل المجلس والذهاب إلى انتخابات مبكرة.

وعلى الجانب المقابل من الخريطة السياسية، دعا حزبا «فرنسا الأبية» الذي يتزعمه المرشح الرئاسي السابق جان لوك ميلونشون، وأمينة عام حزب «الخضر» مارين توندوليه إلى إسقاط الحكومة. ومشكلة الطرفين أنهما لا يجمعان العدد الكافي من الأصوات لذلك. من هنا، أهمية الدور المركزي الذي يعود للحزب «الاشتراكي»، لأن تصويت كتلته النيابية (60 نائباً) في هذا الاتجاه أو ذاك من شأنه ترجيح الكفة، ومن ثم رسم مصير لوكورنو وحكومته الجديدة.

مهمة «مستحيلة»

قد يكون ماكرون قد ارتكب أخطاء تكتيكية، ورغم ضعفه السياسي، مقارنة بما كان حاله خلال ولايته الأولى؛ حيث كان يتمتع بأكثرية ساحقة، فإنه ما زال يمتلك بعض الأوراق الضاغطة، وعلى رأسها قدرته، مجدداً، على حلّ البرلمان؛ الأمر الذي يُخيف الكثير من الأحزاب بسبب ما تأتي به استطلاعات الرأي.

زعيمة اليمين المتطرف مارين لوبن تعهّدت بإسقاط حكومة لوكورنو الجديدة (رويترز)

وأهم هذه النتائج أن أي انتخابات تشريعية ستشهد زيادة ملحوظة لعدد من نواب اليمين المتطرف على حساب الآخرين. من هنا، إصرار مارين لوبن على حل المجلس النيابي، في حين ميلونشون وحزبه يريدان رحيل ماكرون عن رئاسة الجمهورية. وما يزيد أمور ماكرون ولوكورنو تعقيداً أن حزب «الجمهوريون» أعلن رفضه المشاركة في الحكومة.

وأكد رئيسه، برونو روتايو، أنه لا يريد البقاء وزيراً للداخلية. أما إدوار فيليب، رئيس حزب «هورايزون» الداعم لماكرون، فقد أكّد أن حزبه سيخرج من الحكومة في حال تراجعت عن قانون التقاعد الذي أقر في عام 2023. والحال أن امتناع الحزب «الاشتراكي» عن إسقاط الحكومة مرهون بتعديل هذا القانون أو تجميده، إضافة إلى إجراءات أخرى يحتاج إليها لتبرير موقفه أمام محازبيه.

إزاء ما سبق، يبدو لوكورنو أمام «مهمة مستحيلة»: إن أرضى اليمين استاء اليسار، وإن تقارب مع اليسار هدده اليمين بإجراءات عقابية. فهل سينجح أم سيسقط مجدداً كما سقطت حكومته بداية الأسبوع المنصرم؟ الجواب في القادم من الأيام.


مقالات ذات صلة

ماكرون يدعو إسرائيل للتخلي عن «أطماعها التوسعية» في لبنان

المشرق العربي الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يصافح رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام في نهاية مؤتمر صحافي مشترك عقب اجتماعهما في قصر الإليزيه الرئاسي في باريس 21 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

ماكرون يدعو إسرائيل للتخلي عن «أطماعها التوسعية» في لبنان

دعا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الثلاثاء، إسرائيل إلى «التخلي عن أطماعها» التوسعية في لبنان.

«الشرق الأوسط» (باريس)
أوروبا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس الوزراء البولندي دونالد توسك يعقدان مؤتمراً صحافياً مشتركاً في قاعة المدينة الرئيسية في غدانسك... بولندا 20 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

ماكرون وتوسك يعطيان زخماً جديداً للتعاون الدفاعي بين بلديهما

أعطى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس الوزراء البولندي دونالد توسك زخماً جديداً لتعاون بلديهما في مجالات الردع النووي والأقمار الاصطناعية العسكرية.

«الشرق الأوسط» (غدانسك)
أوروبا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس الوزراء البولندي دونالد توسك يعقدان مؤتمراً صحافياً مشتركاً في قاعة المدينة الرئيسية في غدانسك... بولندا 20 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

ماكرون يحض إيران وأميركا على خفض التصعيد على خلفية إغلاق مضيق هرمز

دعا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، اليوم (الاثنين)، الولايات المتحدة وإيران إلى خفض التصعيد وسط تصاعد التوتر في مطلع الأسبوع بشأن مضيق هرمز.

العالم العربي الرئيسان الفرنسي إيمانويل ماكرون والموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني في مؤتمر صحافي (الرئاسة الموريتانية)

الرئيس الموريتاني يختتم زيارة دولة إلى فرنسا

اختتم الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني، الأحد، زيارته إلى فرنسا والتي وصفها بأنها «خطوة مهمة» في مسار تعزيز «العلاقات القائمة على الثقة» بين البلدين.

الشيخ محمد (نواكشوط)
أوروبا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (أ.ف.ب)

ماكرون يستقبل رئيس الوزراء اللبناني الثلاثاء

أعلنت الرئاسة الفرنسية، اليوم (الأحد)، أن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون سيستقبل رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام الثلاثاء.

«الشرق الأوسط» (باريس )

الاتحاد الأوروبي يقرر توسيع عقوبات إيران لتشمل مسؤولي إغلاق «هرمز»

الممثلة العليا للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية كايا كالاس ووزير الخارجية الهولندي توم بيريندسن خلال اجتماع مجلس الشؤون الخارجية في مدينة لوكسمبورغ... 21 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
الممثلة العليا للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية كايا كالاس ووزير الخارجية الهولندي توم بيريندسن خلال اجتماع مجلس الشؤون الخارجية في مدينة لوكسمبورغ... 21 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
TT

الاتحاد الأوروبي يقرر توسيع عقوبات إيران لتشمل مسؤولي إغلاق «هرمز»

الممثلة العليا للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية كايا كالاس ووزير الخارجية الهولندي توم بيريندسن خلال اجتماع مجلس الشؤون الخارجية في مدينة لوكسمبورغ... 21 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
الممثلة العليا للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية كايا كالاس ووزير الخارجية الهولندي توم بيريندسن خلال اجتماع مجلس الشؤون الخارجية في مدينة لوكسمبورغ... 21 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

قالت كايا كالاس مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، اليوم (الثلاثاء)، إن دول التكتل اتفقت على توسيع نطاق العقوبات المفروضة على إيران لتشمل المسؤولين عن إغلاق مضيق هرمز، وفق وكالة «رويترز» للأنباء.

وأضافت كالاس أنها طلبت من وزراء الخارجية خلال اجتماعهم في لوكسمبورغ تعزيز البعثة البحرية للاتحاد الأوروبي في الشرق الأوسط التي تعمل حالياً على حماية السفن من هجمات جماعة الحوثي اليمنية في البحر الأحمر.


ألمانيا وإيطاليا ترفضان تعليق اتفاق التعاون بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل

وزير الخارجية الإيطالي أنطونيو تاياني (يسار) ووزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول في لوكسمبورغ (إ.ب.أ)
وزير الخارجية الإيطالي أنطونيو تاياني (يسار) ووزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول في لوكسمبورغ (إ.ب.أ)
TT

ألمانيا وإيطاليا ترفضان تعليق اتفاق التعاون بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل

وزير الخارجية الإيطالي أنطونيو تاياني (يسار) ووزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول في لوكسمبورغ (إ.ب.أ)
وزير الخارجية الإيطالي أنطونيو تاياني (يسار) ووزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول في لوكسمبورغ (إ.ب.أ)

رفضت ألمانيا وإيطاليا، اليوم الثلاثاء، الدعوات لتعليق اتفاق للتعاون مع إسرائيل رغم تصاعد الغضب حيال الحرب في لبنان والوضع في الضفة الغربية المحتلة.

واقترحت إسبانيا وآيرلندا مجدداً تعليق العمل بالاتفاق المبرم في يونيو (حزيران) 2000 أثناء اجتماع لوزراء خارجية الاتحاد الأوروبي في لوكسمبورغ.

ووصف وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول المقترح بأنه «غير مناسب». وقال في مستهل الاجتماع: «علينا التحدّث مع إسرائيل عن القضايا المهمة»، مضيفاً أن الأمر يجب أن يتم عبر «حوار بنّاء مع إسرائيل».

وأكد وزير الخارجية الإيطالي أنطونيو تاياني أنه «لن يتم اتّخاذ قرار اليوم» في هذا الشأن.

وبعدما نددت بممارسات إسرائيل خلال حرب غزّة، اتّخذت بلدان في الاتحاد الأوروبي مواقف أكثر تشدداً إزاء الدولة العبرية بعد عملياتها العسكرية في لبنان، وإقرارها قانوناً يجيز فرض عقوبة الإعدام في الضفة الغربية المحتلة ويطبقها بشكل فعلي بحق الفلسطينيين.

وقالت وزيرة الخارجية الآيرلندية هيلين ماكينتي: «علينا التحرّك. علينا ضمان حماية قيمنا الأساسية».

وزيرة الخارجية الآيرلندية هيلين ماكينتي في لوكسمبورغ (أ.ب)

وطرح الاتحاد الأوروبي العام الماضي سلسلة إجراءات محتملة لمعاقبة إسرائيل على خلفية حصيلة الضحايا المدنيين لحرب غزة، شملت قطع العلاقات التجارية معها وفرض عقوبات على وزراء الحكومة. لكن أياً من الخطوات التي طرحتها بروكسل لم تحصل بعد على دعم الدول الأعضاء ليتم تطبيقها.

ويتطلب تعليق اتفاق التعاون مع الاتحاد الأوروبي إجماع الدول الأعضاء الـ27 في التكتل، وهو أمر يرجّح بأن يعرقله حلفاء إسرائيل.

وقد يكون تعليق الجزء من الاتفاق الذي يسهّل تعزيز العلاقات التجارية أمراً قابلاً أكثر للتطبيق، إذ إن هذا الإجراء لا يتطلب سوى دعم أغلبية مرجِّحة من دول الاتحاد الأوروبي. إلا أنه سيتطلب تبديل مواقف القوى المؤثّرة في التكتل مثل ألمانيا أو إيطاليا.

ولمّحت روما إلى أنها قد تكون منفتحة على تشديد موقفها حيال إسرائيل بعدما علّقت اتفاقاً دفاعياً.

لكنّ مسؤولين ودبلوماسيين في الاتحاد الأوروبي قالوا إن الدول تبدو مترددة في اتخاذ خطوة من هذا النوع، خصوصاً بعد التوصل إلى وقف لإطلاق النار في لبنان.

في الأثناء، كانت هناك جهود لفرض تدابير أصغر بدلاً من ذلك. وجدّدت فرنسا والسويد دعوة سابقة من بعض دول الاتحاد الأوروبي للتكتل للنظر في وقف استيراد السلع من المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية المحتلة، التي تُعد غير قانونية بموجب القانون الدولي.

وعرقلت المجر مقترحاً منفصلاً لفرض عقوبات على مستوطنين إسرائيليين «متطرفين» في الضفة الغربية لعدة أشهر.

لكن الإطاحة مؤخرا برئيس الوزراء المجري الداعم بشدّة لإسرائيل فيكتور أوربان في الانتخابات المجرية عزّزت آمال بلدان أخرى في الاتحاد الأوروبي حيال إمكان تطبيقها قريباً.


الخلافات تطغى على أداء الحكومة الائتلافية الألمانية

المستشار الألماني فريدريش ميرتس ونائبه لارس كلينغبايل في برلين (إ.ب.أ)
المستشار الألماني فريدريش ميرتس ونائبه لارس كلينغبايل في برلين (إ.ب.أ)
TT

الخلافات تطغى على أداء الحكومة الائتلافية الألمانية

المستشار الألماني فريدريش ميرتس ونائبه لارس كلينغبايل في برلين (إ.ب.أ)
المستشار الألماني فريدريش ميرتس ونائبه لارس كلينغبايل في برلين (إ.ب.أ)

لم يمض عام بعدُ على تشكيل حكومة المستشار الألماني، فريدريش ميرتس، والخلافات بين الحزبين في الائتلاف الحاكم تزداد؛ مما بدأ يطرح تساؤلات بشأن مدى قدرة الحكومة على العمل في ظل أزمات متتالية تواجهها ألمانيا. ويواجه الحزبان تحديات في إقناع الألمان بقدرتهما على قيادة البلاد وإدخال إصلاحات ضرورية وانتزاع الاقتصاد مع السقوط.

وكان استطلاع للرأي، نشر قبل أيام، أظهر أن شعبية ميرتس في الحضيض، وأنه يحظى بتأييد لا يزيد على 19 في المائة مقابل 76 في المائة من غير الراضين عن أدائه؛ مما وضعه على رأس لائحة لأقل قادة العالم شعبية، وفق استطلاع أجراه معهد «مورنينغ كونسالت» الأميركي. وتتطابق نتائج الاستطلاع هذا مع استطلاعات أخرى أجرتها معاهد محلية، كان آخرها من معهد «فورسا» في نهاية مارس (آذار) الماضي أظهر أن نسبة غير الراضين عن أداء المستشار بلغت 78 في المائة. وحتى قبل وصوله إلى السلطة، لم يكن ميرتس، زعيمُ الحزب «المسيحي الديمقراطي» الذي قادته أنجيلا ميركل 20 عاماً، ذا شعبية كبيرة، على النقيض من ميركل التي تقاعدت وهي تحظى بشعبية مرتفعة.

وفي المقابل، يبدو شريكه في الائتلاف الحكومي في مأزق أيضاً؛ فقد مُني «الحزب الاشتراكي» بزعامة نائب المستشار وزير المالية، لارس كلينغبايل، بخسائر تاريخية في انتخابات محلية بولايتين الشهر الماضي... ففي ولاية بادن فرتمبيرغ، خسر مطلع مارس الماضي نصف الأصوات ولم يحصل على أكثر من 5.5 في المائة ليحقق أسوأ نتائج منذ عام 1945. وفي ولاية راينلاند بالاتينات التي كان يحكمها قبل الانتخابات، خسر نحو 10 نقاط وانخفض تمثيله إلى 26 في المائة.

وتأتي هذه النتائج في وقت تزداد فيه شعبية حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف الذي وضعته أحدث استطلاعات الرأي في الطليعة بنسبة تأييد تصل إلى 26 في المائة، أي لو أُجريت انتخابات في ألمانيا اليوم فسيفوز بها الحزب المتطرف.

المستشار الألماني فريدريش ميرتس خلال مؤتمر صحافي في هوسوم بألمانيا يوم 3 نوفمبر 2025 (د.ب.أ)

وتواجه حكومة ميرتس أزمات متتالية منذ تشكيلها العام الماضي وسط تحديات انتشال الاقتصاد الألماني الذي يواجه كثيراً من العقبات، وغير القادر على تحقيق نمو كاف. ومؤخراً زادت آثار حرب إيران وارتفاع أسعار البنزين والتأثير المباشر على المواطنين من النقمة الشعبية على الحكومة.

وتحاول الحكومة إدخال تعديلات على قوانين «الضرائب» و«النظام الاجتماعي»، وهما موضوعان يشكلان مادة جدل رئيسية بين الحزبين في الائتلاف الحكومي. ويسعى الحزب «المسيحي»، المنتمي إلى يمين الوسط بزعامة ميرتس، إلى إدخال تعديلات على نظام الضرائب تهدف إلى تقليل الضرائب على الشركات؛ بهدف جعل مناخ العمل في ألمانيا أكبر جاذبية؛ وهو ما يعارضه الحزب «الاشتراكي» الذي يريد تخفيف الأعباء عن الطبقةِ المنخفضة؛ قاعدتِه الأساسية، بمنحها إعفاءات ضريبية مقابل رفع الضرائب على ذوي الدخل الأعلى. ولكن حزب ميرتس يعارض رفع الضرائب ويقترح تخفيض الخدمات الاجتماعية وهو أيضاً ما يعارضه «الاشتراكيون».

وقد أمضى الحزبان في عطلة نهاية الأسبوع ما قبل الماضية يومين كاملين يجريان مشاورات سرية بشأن كيفية تخفيف الأعباء عن المواطنين بسبب ارتفاع أسعار الوقود إثر إغلاق مضيق هرمز. وكادت الخلافات بينهما بشأن المقاربة تتسبب في انهيار الحكومة، ولكن في النهاية اتفقا على تخفيض بعض الضرائب على الطاقة من دون فرض ضرائب أرباح على شركات الطاقة، وهو ما أراده «الاشتراكيون».

شعار حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف الذي بات الحزب الثاني في ألمانيا (د.ب.أ)

والآن تلوح في الأفق خلافات جديدة مع إعلان المستشار الحاجة إلى إدخال إصلاحات على نظام التقاعد، وتحويل مرتب التقاعد إلى «مرتب أساسي»، أي تخفيضه؛ بسبب ارتفاع عدد المتقاعدين بشكل لا يتساوى مع دخول أعداد مناسبة سوقَ العمل. وقال ميرتس أمام مجموعة من الشركات المالية إنه سيتعين على الأفراد الاستثمار في معاشات تقاعد، خصوصاً أن الحكومة ستعمل على تشجيع ذلك عبر إقرار قوانين جديدة. واعترف ميرتس بأن هذه الاصلاحات ستُدخل حكومته مواجهةً جديدة، لكنه قال: «سيتعين فتح حوار جدي مع الحزب (الاشتراكي)» بشأن إصلاحات قانون التقاعد. وبالنسبة إلى «الاشتراكيين»، فإن قانون التقاعد يمس بقاعدتهم الأساسية، والموافقة على تخفيض المعاش التقاعدي ستؤثر من دون شك على شعبيتهم.

وقبل أن تبدأ المشاورات الحكومية بشأن إصلاح القانون، بدأت الخلافات على الإصلاحات، ورد النائب ديرك فيزه، من الحزب «الاشتراكي» بالقول: «يجب على الأشخاص أن يكونوا قادرين على الاعتماد على المعاش التقاعدي. كثيرون دفعوا لسنوات في التأمين التقاعدي مما جنوه من عملهم المضني، ولا يمكن لهذا أن يتحول فقط إلى معاش أساسي»، أي يغطي فقط الأساسيات. لكن السياسي الاشتراكي أبدى انفتاحاً على إصلاح قانون التقاعد، داعياً إلى توسيع قاعدة من يدفعون في التأمين التقاعدي، مقترحاً أن تطول النواب المُعفَين من ذلك حالياً.