السلام في الشرق الأوسط... هل نجح ترمب فيما أخفق فيه أسلافه؟

«أشباح أوسلو» يمكن أن تقوّض المسار مع عقبات محتملة لتنفيذ المرحلتين الثانية والثالثة

ترمب ونتنياهو يتصافحان في ختام مؤتمر صحافي بالبيت الأبيض 29 سبتمبر 2025 (أ.ف.ب)
ترمب ونتنياهو يتصافحان في ختام مؤتمر صحافي بالبيت الأبيض 29 سبتمبر 2025 (أ.ف.ب)
TT

السلام في الشرق الأوسط... هل نجح ترمب فيما أخفق فيه أسلافه؟

ترمب ونتنياهو يتصافحان في ختام مؤتمر صحافي بالبيت الأبيض 29 سبتمبر 2025 (أ.ف.ب)
ترمب ونتنياهو يتصافحان في ختام مؤتمر صحافي بالبيت الأبيض 29 سبتمبر 2025 (أ.ف.ب)

بعد عامين من هجوم حماس في 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، الذي أشعل فتيل حربٍ دمّرت غزة وأودت بحياة أكثر من 67 ألف فلسطيني، حفر الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، اسمه في ذاكرة الشرق الأوسط بوقف إطلاق نار مؤقت استعصى على كل من سبقه، منذ انتصارات الرئيس الأسبق جيمي كارتر في كامب ديفيد عام 1978. فقد سعى كثير من الرؤساء الأميركيين إلى تحقيق انفراجة في الصراع المرير بين إسرائيل والفلسطينيين وحققوا نجاحات محدودة، وواجهوا عقبات وصعوبات وتحديات ضخمة.

ويقول الخبراء إن ما حققه ترمب من اتفاق مبدئي بين «حماس» وإسرائيل لوقف إطلاق النار وإطلاق سراح الرهائن الإسرائيليين قد يفتح آفاقاً جديدة للشرق الأوسط وفرصة لتحقيق سلام لأول مرة منذ اتفاقيات أوسلو.

سعت الإدارات السابقة وراء حلم إحلال السلام في الشرق الأوسط في كثير من الجولات والمحادثات، طمعاً في نتيجة تخلِّد أسماءهم في التاريخ، لكنَّ تلك الجهود باءت بالفشل رغم حسن النوايا وصدق الجهود. فقد انهارت محادثات كامب ديفيد في عهد بيل كلينتون (2000)، وفشل جورج بوش في أنابوليس (2007)، وفشل باراك أوباما في تجميد المستوطنات (2010)، وانهارت جهود جو بايدن تحت شعار نتنياهو «إنجاز المهمة».

إسرائيليان يتعانقان وسط صور الرهائن في تل أبيب بعد إعلان التوصل إلى اتفاق حول خطة ترمب الخميس (إ.ب.أ)

حتى اتفاقيات أوسلو 1993-1995، التي اعتمدت على مبدأ الأرض مقابل السلام، ولّدت «شبه دولة » منزوعة السيادة والصلاحية ومتهمة بالفساد، مما أدى إلى تآكل الثقة وعرقلة حل الدولتين.

وقالت صحيفة «نيويورك تايمز» في افتتاحيتها صباح الخميس، إن ترمب يقف على عتبة أكبر إنجاز دبلوماسي في ولايته الثانية، وهو وقف الحرب والتوجه إلى مصر وإسرائيل للإشراف على وقف إطلاق النار واستقبال الرهائن، مما يرسخ له صفة «صانع صفقات» و«صانع سلام» ويمهد الطريق نحو جائزة نويل للسلام التي لطالما طمح إليها. لكنَّ الصحيفة مع اعترافها بأن ترمب حقق خطوة استثنائية لم يستطع أسلافه بايدن وأوباما وكلينتون، تحقيقها، رأت أن التحدي الذي سيواجهه هو الحفاظ على تماسك هذه الصفقة.

ما الذي اختلف؟

يظل التساؤل عمَّا إذا كان ترمب أفضل في نهجه من الرؤساء السابقين؟

يشير المحللون إلى أن ترمب تبنَّى براغماتية «مختلفة جذرياً» اعتمدت على التخلي عن الخرائط واستبدال «خلاطات الأسمنت» بها -من منطلق تفكير رجل العقارات- مع إعادة بناء غزة دليلاً على جدوى التعايش، وتهميش «حماس»، وتمكين التكنوقراط تحت مظلة «مجلس السلام» في تشكيل اليوم التالي في حكم غزة.

وتقول مجلة «إيكونوميست» إن ترمب اعتمد على نهج مختلف عن سابقيه من الرؤساء الأميركيين، وابتعد عن المفاوضات التي لا نهاية لها حول الخرائط والترتيبات الافتراضية لحل الدولتين، واعتمد نهجاً عملياً قائماً على الصفقات والتهديد، ورسم خريطة واضحة حول كيفية إعادة بناء غزة ومَن سيحكها، ومزج ترمب بين أسلوب «تعاقدي مُتسلط» مع استراتيجية التقارب الشخصي، والتركيز على فوائد التعايش بدلاً من التدمير، والاحترام الكبير للقوى العربية والإقليمية لحل صراعٍ أربك كلينتون، وبوش، وأوباما، وبايدن.

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يُطلع الرئيس دونالد ترمب على تطورات مقترح اتفاق غزة خلال فعالية في البيت الأبيض بالعاصمة واشنطن 8 أكتوبر 2025 (رويترز)

واعتمد ترمب على الثنائي ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر -لديهما نفس الذهنية العقارية لترمب- وقد قاما بجولات مزجا فيها ما بين إحياء اتفاقات إبراهام وإغراءات بتعهدات أمنية واستجابة لمطالب القوى الإقليمية، وإجبار نتنياهو على الاعتذار للدوحة، مما حفَّز الجهود للضغط على «حماس» للموافقة بإيجابية، يوم الجمعة.

تغيير الديناميكيات الدبلوماسية

يقول مسؤول أميركي، رفض نشر اسمه، إن الظروف تضافرت لتحقيق انتصار ترمب، فإسرائيل في موقف قوي بعد القضاء على «حزب الله» في لبنان وعلى «حماس» في غزة وضرب إيران، لكنْ دبلوماسياً صارت إسرائيل معزولة بشكل غير مسبوق مع دعوات عدد كبير من القادة الأوربيين إلى قيام «دولة فلسطينية». وأضاف: «لقد حرص ترمب على صداقته بالدول الخليجية، وأجبر نتنياهو على الاعتذار للدوحة، وحثَّ جميع المسؤولين المصريين والسعوديين والقطريين على التفاعل مع (حماس) والموافقة على خطة السلام التي وضعها البيت الأبيض».

يرى أرون ديفيد ميللر، من معهد «كارنيغي للسلام»، والذي عمل على ملف السلام في الشرق الأوسط في عدة إدارات ديمقراطية وجمهورية، أن «وقف إطلاق النار وإطلاق سراح الرهائن ما كان ليحدث لولا ضغط الرئيس ترمب على رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، فلم يسبق لأي رئيس جمهوري أو ديمقراطي أن تعامل بقسوة مع رئيس وزراء إسرائيل في قضايا بالغة الأهمية لسياساته أو لمصالح بلاده الأمنية».

وأشار السيناتور ليندسي غراهام، الجمهوري من كارولاينا الجنوبية، إلى أن «أكبر إنجازات ترمب كان إشراك العالم العربي في التعامل مع القضية الفلسطينية، وأنه حظيَ بتقدير كبير في المنطقة، كما تعتقد إسرائيل أن ترمب هو أفضل رئيس منذ زمن طويل، وهذا هو ما أوصلنا إلي ما نحن عليه اليوم».

ترمب يتحدث في مؤتمر صحافي مع نتنياهو في البيت الأبيض 29 سبتمبر 2025 (أ.ف.ب)

في المقابل، رفض فيليب جوردون، مستشار الرئيس السابق جو بايدن، روايات الإدارة الأميركية عن أن ترمب وحده استطاع أن يلوي ذراع نتنياهو، مشيراً إلى أن ترمب لم يفعل شيئاً تجاه الحصار الإسرائيلي لغزة والانتهاكات والتجويع. وقال: «أحد الأسباب التي وفَّرت لترمب فرصة أفضل من الرؤساء السابقين هي المناورات مع إيران وسيطرته على الحزب الجمهوري، ونفوذه الفريد على إسرائيل، وقدرته على التفاوض مباشرةً مع (حماس) لإطلاق سراح رهينة أميركي، وهو أمر لم يكن الرؤساء الأميركيون السابقون ليفعلوه ولكانوا ترددوا في القيام به». وأضاف جوردون أن ترمب كان لديه هامش للمناورة مع الحوثيين ومع الرئيس السوري الجديد، أحمد الشرع، والتفاوض مع إيران، وكانت لديه المساحة لفعل ذلك بطريقة لم تكن متاحة لأوباما وبايدن.

مجلس السلام برئاسة ترمب

وبموجب خطة ترمب، المكونة من عشرين نقطة، ستشكّل المرحلة التالية حكومة تكنوقراط تعيد بناء غزة مع إقصاء «حماس» من السلطة ونزع سلاحها وتوفير قوة حفظ سلام دولية. وسيرأس ترمب مجلس إشراف (مجلس السلام) إلى أن يتولى الفلسطينيون المسؤولية بعد إصلاحات للسلطة الفلسطينية.

وتشير بعض استطلاعات الرأي إلى تفاؤل يبعث على الأمل في تحقيق انفراجات تؤدي إلى نهاية الحرب، مع تغيير في القيادة في الجانبين الإسرائيلي والفلسطيني أو إجبارهم على التخلي عن أي أدوار رسمية في غزة مع إجراء انتخابات في إسرائيل خلال 12 شهراً، قد تُفضي إلى رحيل نتنياهو ونهاية ائتلافه الحاكم مع أحزاب اليمين المتطرف.

ويقول محللون إن استطلاعات الرأي تُظهر ترمب على أنه رجل لا يخشى الضغط على إسرائيل بقوة، واستطاع مواجهة وإذلال النظام الإيراني ووكلائه، وتمكَّن من كسب احترام الدول الخليجية والإقليمية، ونجح في حثها على دفع تكاليف إعادة الإعمار والمساعدة في توفير الأمن.

إسرائيليون يحتفلون بعد إعلان التوصل إلى اتفاق حول خطة ترمب في تل أبيب الخميس (رويترز)

العقبات

ورغم الإشادة والاحتفال والتفاؤل بما تحقق من اتفاق حول المرحلة الأولى، يُحذر المحللون من عقبات على الطريق، منها فقدان الثقة لدى الجانبين الإسرائيلي والفلسطيني بإمكانية السلام، وعقبات نزع سلاح «حماس»، والتساؤلات حول إعادة الإعمار والثغرات التي قد تشوب أسلوب الحكم ومجلس التكنوقراط. وتلوح في الأفق «أشباح أوسلو» وندوب غزة الغائرة، مما يتطلب أكثر من مجرد حبر على الورق.

وتقول صحيفة «فاينانشال تايمز» إنه لحماية ما تحقق من اختراق، سيتعيَّن على جميع الأطراف كبح جماح المحاولات الهدامة لدى كلا الجانين، ومنع أعمال العنف، ومساندة السلطة الفلسطينية في الإصلاح، وإيجاد قادة جدد. ويتعين على الرئيس ترمب الحد من توسيع المستوطنات الإسرائيلية والعمل بجدية على تعزيز المؤسسات الفلسطينية.

ووسط شكوك فلسطينية في مدى التزام إسرائيل بعدم عرقلة خطة ترمب، وعرقلة تشكيل حكومة تكنوقراط، وشكوك إسرائيلية في قدرة الفلسطينيين على حكم أنفسهم وتفكيك البنية التحتية للإرهاب وإصلاح المؤسسات، فإن الطريق سيكون طويلاً، ولن يكون سهلاً.


مقالات ذات صلة

«ثورة 26 يونيو»... دعوات لحراك ضد «حماس» في غزة

المشرق العربي فلسطينيون يسيرون وسط مبانٍ دمَّرها القصف الإسرائيلي خلال الحرب في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة يوم الجمعة (رويترز)

«ثورة 26 يونيو»... دعوات لحراك ضد «حماس» في غزة

دعا ناشطون فلسطينيون عبر شبكات التواصل الاجتماعي لحراك ضد حركة «حماس» وبقائها في حكم قطاع غزة.

«الشرق الأوسط» (غزة)
رياضة عالمية المتظاهرون رفعوا شعارات تطالب بطرد إسرائيل من الفيفا (رويترز)

احتجاجات في تورنتو تطالب بطرد إسرائيل من «الفيفا»

رفع متظاهرون الجمعة لافتة حمراء ضخمة فوق شعار كأس العالم بالقرب من طريق سريع مزدحم في تورونتو، تنديداً بارتباط الاتحاد الدولي لكرة القدم (الفيفا) بإسرائيل.

«الشرق الأوسط» (تورونتو)
خاص طفل فلسطيني يأكل من وعاء بعدما تسلم وجبة طعام من مطبخ خيري في مخيم النصيرات للاجئين بوسط قطاع غزة الجمعة (أ.ف.ب)

خاص إسرائيل تستأنف هجماتها بغزة وتستهدف ناشطين

توقفت الغارات منذ فجر الثلاثاء وحتى ظهر الخميس، قبل أن يتم استئنافها بتنفيذ عمليات طالت نشطاء من فصائل فلسطينية، والعودة لاستهداف المربعات السكنية من جديد.

«الشرق الأوسط» (غزة)
خاص فلسطينيون داخل مدرسة تؤوي نازحين في مخيم جباليا للاجئين شمال غزة يتابعون مباراة لكرة القدم يوم الثلاثاء (أ.ف.ب) p-circle

خاص «الشرق الأوسط» تنشر نص تعديل الفصائل على «البند الثامن» من اتفاق غزة

يعول وسطاء اتفاق وقف إطلاق النار في غزة والفصائل الفلسطينية على موقف إدارة ترمب في الضغط على إسرائيل، لقبول الصياغة الجديدة حول بنود خريطة الطريق للاتفاق.

«الشرق الأوسط» (غزة)
شؤون إقليمية فلسطينيون معتقلون في قاعدة «سدي تيمان» العسكرية بجنوب إسرائيل شتاء 2023 (منظمة كسر الصمت - أ.ب) p-circle

أزمة خلف القضبان: كيف أربكت حرب غزة منظومة الاحتجاز في إسرائيل؟

كشف تقرير رسمي في إسرائيل عن أوجه قصور كبيرة في جاهزية منظومة السجون والمؤسسة الأمنية للتعامل مع الارتفاع الحاد في أعداد المعتقلين الفلسطينيين خلال حرب غزة.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)

«اتفاق إيران» الإلكتروني على الأبواب


صورة نشرتها القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) أمس لطائرات فوق الحاملة «يو إس إس أبراهام لينكولن» أثناء عبورها بحر العرب
صورة نشرتها القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) أمس لطائرات فوق الحاملة «يو إس إس أبراهام لينكولن» أثناء عبورها بحر العرب
TT

«اتفاق إيران» الإلكتروني على الأبواب


صورة نشرتها القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) أمس لطائرات فوق الحاملة «يو إس إس أبراهام لينكولن» أثناء عبورها بحر العرب
صورة نشرتها القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) أمس لطائرات فوق الحاملة «يو إس إس أبراهام لينكولن» أثناء عبورها بحر العرب

أصبح التوقيع الإلكتروني على «اتفاق إيران» على الأبواب بعدما أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب، أمس ‌في ‌منشور على «تروث سوشيال»، أنه من المقرر ‌توقيع ‌الاتفاق اليوم (الأحد)، وأن ‌مضيق هرمز سيصبح «مفتوحاً للجميع» فور اكتمال التوقيع.

كما أعلن رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف، أن واشنطن وطهران توصلتا إلى «نص نهائي لمذكرة التفاهم بينهما»، وقال في منشور على «إكس»، السبت: «أصبحنا أقرب إلى الاتفاق من أي وقت مضى، مع توقع إتمامه خلال الساعات الـ24 المقبلة». وأضاف أن باكستان تستعد الآن للتوقيع إلكترونياً على الاتفاق الإطاري الذي ستعقبه محادثات فنية خلال أسبوع.

لكن متحدثاً من «الخارجية الإيرانية»، قال: «علينا الانتظار لمعرفة الموعد المحدد للتوقيع الذي لن يكون غداً (الأحد)»، مرجحاً حصوله في الأيام المقبلة.

في الأثناء نقلت «رويترز» عن مسؤول في الإدارة الأميركية قوله إن واشنطن توصلت إلى «اتفاق قوي» مع إيران، وإنها ‌ستشارك في فتح مضيق هرمز عبر ‌إزالة الألغام بمجرد اكتمال التوقيع.


4 عقد مؤجلة في «اتفاق إيران»... وإسرائيل أكثر تشككاً

ترمب يَعرض مذكرة وقَّعها للانسحاب من الاتفاق النووي الإيراني في 8 مايو 2018 (أرشيفية - أ.ب)
ترمب يَعرض مذكرة وقَّعها للانسحاب من الاتفاق النووي الإيراني في 8 مايو 2018 (أرشيفية - أ.ب)
TT

4 عقد مؤجلة في «اتفاق إيران»... وإسرائيل أكثر تشككاً

ترمب يَعرض مذكرة وقَّعها للانسحاب من الاتفاق النووي الإيراني في 8 مايو 2018 (أرشيفية - أ.ب)
ترمب يَعرض مذكرة وقَّعها للانسحاب من الاتفاق النووي الإيراني في 8 مايو 2018 (أرشيفية - أ.ب)

يميل الخبراء في واشنطن إلى الاعتقاد بأنَّ الاتفاق المرتقب مع إيران سيبقي 4 عقد أساسية معلقةً دون تسوية حاسمة وواضحة.

وتتعلق العقبة الأولى بتسلسل الخطوات في تنفيذ الاتفاق: هل تفتح إيران المضيق أولاً، أم تخفِّف واشنطن حصارها البحري وتفرج عن بعض الأموال المُجمَّدة؟

طهران تطالب بمكاسب اقتصادية مبكرة، بما في ذلك أموال مجمَّدة وتخفيف للعقوبات، بينما تصرُّ واشنطن على ألا تحصل إيران على فوائد ملموسة قبل تنفيذ التزامات واضحة. هذه النقطة حساسة سياسياً للرئيس الأميركي دونالد ترمب، الذي سبق أن انتقد بشدة أي إفراج مالي مبكِّر لإيران في الاتفاقات السابقة.

أما العقبة الثانية، فهي الملف النووي نفسه. الاتفاق الأولي يكتفي غالباً بتعهُّد عام من إيران بعدم تطوير أو امتلاك سلاح نووي، لكنه لا يحسم مستقبل التخصيب، ولا مصير المخزون العالي التخصيب، ولا آليات التفتيش. وهذا ما يثير خشية من أن تتحوَّل مهلة الـ60 يوماً إلى فرصة لإيران لإعادة ترتيب أوراقها لا إلى مسار تفكيك حقيقي.

العقبة الثالثة تتصل بالصواريخ والمسيّرات والوكلاء الإقليميِّين. فبحسب مايكل سينغ، المسؤول السابق في مجلس الأمن القومي والباحث في معهد واشنطن، يبدو أنَّ الاتفاق يقوم على مقايضة مركزية: فتح «هرمز» مقابل رفع الحصار عن الموانئ الإيرانية.

لكن سينغ يرى أن الاتفاق على الأرجح لا يعالج برنامج الصواريخ والمسيّرات إلا بصورة محدودة، ولا يتضمَّن أكثر من إعلان نيات بشأن الملف النووي، تاركاً القضايا الأوسع إلى مفاوضات لاحقة.

ويبقى لبنان العقدة الرابعة. فإيران تريد إدخال وقف الحرب هناك ضمن التسوية، بما يشمل «حزب الله» والوجود الإسرائيلي في الجنوب. لكن هذا يضع واشنطن أمام معضلة: كيف تمنع انهيار الاتفاق من دون أن تظهر كأنها تقيِّد حرية إسرائيل في مواجهة «حزب الله»؟

إسرائيل قلقة من اتفاق ناقص

وتبدو إسرائيل الطرف الأكثر تشككاً في الاتفاق المرتقب. فبالنسبة إلى رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، لم تكن الحرب على إيران تهدف فقط إلى وقف التصعيد في «هرمز»، بل إلى ضرب البرنامج النووي، وتقييد الصواريخ، وإضعاف شبكة الوكلاء، وربما تغيير ميزان القوة داخل إيران نفسها. لذلك، فإنَّ اتفاقاً يوقف الحرب من دون تحقيق هذه الأهداف سيبدو في الداخل الإسرائيلي تنازلاً كبيراً.

وقد أبلغ ترمب رئيسَ الوزراء بنيامين نتنياهو، وفق ما نُقل عن مسؤولين أميركيين، أنَّ الاتفاق قريب، وأنَّ «وقت إنهاء الحرب» قد حان.

لكن القبول الإسرائيلي يبدو اضطرارياً أكثر منه اقتناعاً. فوزير الدفاع، يسرائيل كاتس، شدَّد على أنَّ إسرائيل تحتفظ بحقها في العمل منفردة لمنع إيران من امتلاك سلاح نووي، كما أكد أنَّها لن تنسحب تلقائياً من مواقع في لبنان لمجرد أنَّ الاتفاق الأميركي ـ الإيراني يتضمَّن وقفاً للتصعيد هناك.

ويرى روبرت ساتلوف، المدير التنفيذي لمعهد واشنطن في الندوة نفسها، أن لبنان كان الساحة التي حاولت إيران استخدامها لدق إسفين بين واشنطن وتل أبيب، عبر ربط مسار «حزب الله» بالمفاوضات الأميركية ـ الإيرانية. وبحسب تقديره، فإنَّ اتفاقاً محدوداً يقتصر على تمديد وقف النار وحل مسألة «هرمز» سيترك أسئلةً جوهريةً بلا إجابة، وسيُشكِّل مشكلةً سياسيةً وأمنيةً كبرى لنتنياهو.

عراقجي يتسلم رسالةً نقلها وزير الداخلية الباكستاني محسن نقوي إلى طهران (الخارجية الإيرانية)

اتفاق لا يحسم جوهر الأزمة

المطروح حتى الآن ليس اتفاقاً شاملاً ينهي أسباب الحرب، بل مذكرة تفاهم تفتح مرحلةً تفاوضيةً جديدةً. فالصيغة المتداولة تقوم على وقف القتال، وإعادة فتح مضيق «هرمز» أمام الملاحة، وتراجع الولايات المتحدة عن حصارها البحري للموانئ والتجارة الإيرانيتَّين، على أن تبدأ بعد ذلك مفاوضات تمتد نحو 60 يوماً حول البرنامج النووي والعقوبات والضمانات المطلوبة.

وتقول واشنطن إنَّ الاتفاق يجب أن يتضمَّن تعهداً إيرانياً بعدم تطوير أو امتلاك سلاح نووي، مع التزام لاحق بتفكيك عناصر البرنامج النووي، والتخلص من مخزون اليورانيوم العالي التخصيب. لكن طهران تبدو حريصةً على ترك الملفات النووية الأكثر حساسية إلى المرحلة النهائية، بما يمنحها هامشاً للمناورة. لذلك، فإنَّ التفاؤل بقرب التوقيع لا يعني أنَّ الخلافات انتهت، بل إنَّ الطرفين توصَّلا إلى صيغة تؤجِّل الأصعب.


«الكردستاني» يشترط حرية أوجلان والهوية القانونية للأكراد للسلام مع تركيا

أكراد يرفعون صوراً لزعيم حزب «العمال الكردستاني» عبد الله أوجلان مطالبين بإطلاق سراحه خلال مسيرة في ديار بكر جنوب شرقي تركيا يوم 15 مايو الماضي (رويترز)
أكراد يرفعون صوراً لزعيم حزب «العمال الكردستاني» عبد الله أوجلان مطالبين بإطلاق سراحه خلال مسيرة في ديار بكر جنوب شرقي تركيا يوم 15 مايو الماضي (رويترز)
TT

«الكردستاني» يشترط حرية أوجلان والهوية القانونية للأكراد للسلام مع تركيا

أكراد يرفعون صوراً لزعيم حزب «العمال الكردستاني» عبد الله أوجلان مطالبين بإطلاق سراحه خلال مسيرة في ديار بكر جنوب شرقي تركيا يوم 15 مايو الماضي (رويترز)
أكراد يرفعون صوراً لزعيم حزب «العمال الكردستاني» عبد الله أوجلان مطالبين بإطلاق سراحه خلال مسيرة في ديار بكر جنوب شرقي تركيا يوم 15 مايو الماضي (رويترز)

أعلن حزب «العمال الكردستاني» تمسكه بإطلاق سراح زعيمه السجين عبد الله أوجلان، والاعتراف القانوني بالهوية الكردية، كشرطين أساسيين لتحقيق السلام مع تركيا، ورفض التركيز على قضية نزع أسلحة الحزب من جانب واحد، مؤكداً أن الأمر يتطلب تنازلات سياسية شاملة من الدولة.

وبينما يتصاعد النقاش في تركيا بشأن «قانون إطاري» مقترح لـ«عملية السلام والمجتمع الديمقراطي»، أو ما تطلق عليها الحكومة «عملية تركيا خالية من الإرهاب»، أكد عضو اللجنة التنفيذية في منظومة «المجتمع الكردستاني» (الكيان الجامع للتنظيمات الكردية، بما فيها «العمال الكردستاني») القائد العام لـ«قوات الدفاع الشعبي» (الجناح العسكري للحزب)، مراد كارايلان، أن إطلاق سراح أوجلان والاعتراف القانوني بالهوية الكردية شرطان أساسيان لتحقيق السلام مع تركيا.

شرطان أساسيان

ورفض كارايلان في تصريحات لـ«وكالة أنباء فرات» القريبة من الحزب، نقلتها وسائل إعلام تركية السبت، فكرة أن يقوم حزب «العمال الكردستاني» بنزع أسلحته من جانب واحد دون تقديم تنازلات سياسية شاملة من جانب الدولة التركية.

القيادي في حزب «العمال الكردستاني» مراد كارايلان (رويترز)

وقال: «يجب أولاً إطلاق سراح (القائد آبو/ أوجلان)»، لافتاً إلى ضرورة توضيح وضعه، بشكل جذري، قبل إحراز أي تقدم في مفاوضات السلام؛ لأن أي تسوية جديدة تتطلب أن يتولى دور «المفاوض الرئيسي» والمحاور الأساسي فيها.

وأضاف: «لكي يتم إلقاء السلاح، يجب أن يقود أوجلان بنفسه هذه العملية، أو بعبارة أخرى، يجب أن يكون حراً»، رافضاً في الوقت ذاته التركيز الضيق على عملية نزع السلاح، وحذر من أن الحزب لن يقبل تشريعات تقوم على هذا الأمر فقط.

ولم تقتصر مطالب «العمال الكردستاني»، التي عبر عنها كارايلان، على مصير أوجلان فقط؛ إذ أكد أن التوصل إلى حل دائم يتطلب تحولاً جذرياً في عقلية الدولة التركية، مطالباً بالاعتراف القانوني المكتوب بوجود الشعب الكردي ضمن قوانين الجمهورية.

مجموعة من عناصر حزب «العمال الكردستاني» خلال مراسم رمزية لإحراق الأسلحة في جبل قنديل بشمال العراق يوم 11 يوليو 2025 (رويترز)

وأشار كارايلان إلى أنه إذا أوفت تركيا بالشرطين الأساسيين (تحرير أوجلان والاعتراف القانوني بالأكراد)، فإن حزب «العمال الكردستاني» سينظر حينها في «قانون اندماج ديمقراطي» من شأنه أن يُسهل عملية الحل.

ووصف الوضع الجيوسياسي الراهن بأنه «عملية استثنائية» سيُحدد فيها مصير الشعب الكردي خلال السنوات القليلة المقبلة، مشيراً إلى ضرورة صياغة استراتيجية موحدة للفصائل الكردية لمنع القوى الخارجية من فرض مخططات إقليمية غير مرغوب فيها.

ولفت كارايلان إلى تصريحات أوجلان السابقة، التي نقلها وفد «إيمرالي» التابع لحزب «الديمقراطية والمساواة للشعوب» التركي المؤيد للأكراد، والتي قال فيها: «لا ينبغي لأحد أن يسيء فهم الأمر؛ لم نتوصل إلى اتفاق مع أي طرف. إنها عملية نضال».

تحدٍّ للحكومة التركية

وتشكل تصريحات كارايلان تحدياً للحكومة التركية؛ لأن الاعتراف القانوني بالهوية الكردية والإفراج عن شخصية مدانة بتهمة «الخيانة والانفصالية» (أوجلان)، من شأنهما أن يُثيرا ردود فعل داخلية عنيفة، لا سيما من القوميين، في وقت يقترب فيه موعد الانتخابات البرلمانية والرئاسية المقررة في 2028، والتي قد يجري تقديم موعدها لتجرى مبكراً في خريف 2027.

أفادت تقارير باستعجال إردوغان وضع اللوائح القانونية المتعلقة بعملية السلام قبل العطلة الصيفية للبرلمان (الرئاسة التركية)

في الوقت ذاته، ذكرت تقارير صحافية تركية أن الرئيس رجب طيب إردوغان أصدر تعليمات بالتحرك لوضع التشريعات الخاصة بعملية «تركيا خالية من الإرهاب» (السلام)، قبل عطلة البرلمان الصيفية التي تبدأ في يوليو (تموز) المقبل.

وكشفت التقارير نقلاً عن مصادر بالحكومة أن عملية تسليم كهوف وأسلحة حزب «العمال الكردستاني» في شمال العراق قد استؤنفت، وأن اجتماعاً عُقد في سجن «إيمرالي» بين مسؤولين في الحكومة وأوجلان.

وحسب المصادر، فإن اللوائح القانونية المقترحة، التي لا تشمل سوى أعضاء حزب «العمال الكردستاني»، قد تتحول إلى «عفو عام»؛ نظراً لانتهاكها مبدأ المساواة؛ إذ إنه من المستحيل تجنب قيام المحكمة الدستورية بإلغاء «القانون الإطاري» إذا لم يتم تطبيقه على جميع السجناء، ما يعني إطلاق سراح المدانين بجرائم قتل النساء والاغتصاب، ومرتكبي الاعتداءات على الأطفال، والمحتالين، وأعضاء حركة «الخدمة» التابعة للداعية الراحل فتح الله غولن، المتهمة بتدبير محاولة الانقلاب الفاشلة عام 2016، وهو ما سيكون أسوأ رسالة يمكن توجيهها قبل الانتخابات.

نزع الأسلحة كأساس

ورداً على مطالبات الجانب الكردي بتسريع وضع «القانون الإطاري»، قال رئيس البرلمان نعمان كورتولموش إنه لتسريع العملية يتعين على أجهزة الأمن تفعيل آليات رقابة قابلة للقياس والتحقق من نزع أسلحة «المنظمة الإرهابية» (حزب العمال الكردستاني)، ثم استكمال العملية بإقرار القوانين اللازمة في البرلمان.

رئيس البرلمان التركي نعمان كورتولموش (حساب البرلمان في «إكس»)

وأضاف كورتولموش، في تصريحات، أن تقدماً أُحرز في العملية، وأن المسألتين اللتين كانتا تشكلان عقبتين أمام «العمال الكردستاني» في عملية إلقاء السلاح قد أُزيلتا، وهما اندماج «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) في مؤسسات الدولة السورية، وعدم تنفيذ مشروع تسليح «حزب الحياة الحرة الكردستاني» (بيجاك)، للمشاركة في الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران.

ولفت إلى أنه سيعقد لقاء مع رئيس المخابرات التركية، إبراهيم كالين، للاستماع مباشرة إلى آخر المستجدات والمعلومات المتوفرة لديه حول نزع أسلحة «العمال الكردستاني».