«الأندية السينمائية في السعودية»... مشهد مُتجدّد يصنع جمهوره ووعيه البصري

رئيس «سينيراما» لـ«الشرق الأوسط»: نحلم بنادٍ للسينما في كلّ حيّ

تُمثّل الأندية السينمائية مساحة حيّة للحوار حول الأفلام واتّجاهات الفنّ السابع (سينيراما)
تُمثّل الأندية السينمائية مساحة حيّة للحوار حول الأفلام واتّجاهات الفنّ السابع (سينيراما)
TT

«الأندية السينمائية في السعودية»... مشهد مُتجدّد يصنع جمهوره ووعيه البصري

تُمثّل الأندية السينمائية مساحة حيّة للحوار حول الأفلام واتّجاهات الفنّ السابع (سينيراما)
تُمثّل الأندية السينمائية مساحة حيّة للحوار حول الأفلام واتّجاهات الفنّ السابع (سينيراما)

لم تعُد السينما في السعودية تقتصر على عرض الأفلام في الصالات التجارية التي فتحت أبوابها عام 2018، فالمملكة تشهد اليوم حراكاً موازياً يتمثَّل في انتشار الأندية السينمائية بمختلف المناطق. هذه الظاهرة الجديدة بدأت تتحوَّل إلى حاضنة جماعية تمنح الهواة والنقّاد والكتّاب والممثّلين منصّات للتجريب والحوار، وتخلق بيئة ثقافية موازية تعزّز الوعي البصري وتُنمّي الذائقة الفنّية.

كانت السعودية قد عرفت محاولات محدودة لإنشاء تجمّعات سينمائية منذ بداية الألفية الثالثة، لكنها بقيت في دوائر ضيّقة. ومع الانفتاح الثقافي الذي شهدته المملكة خلال السنوات الأخيرة، عادت الفكرة بقوة عبر مبادرات شبابية ومؤسّساتية، مدعومة من «هيئة الأفلام» السعودية ومنصّات مثل جمعية أندية الهواة «هاوي» التابعة لبرنامج «جودة الحياة»؛ ويمكن القول إنّ هذه الأندية باتت تُشكل خريطة سينمائية جديدة لاتجاهات الفنّ السابع في البلاد.

مؤسِّس نادي «سينيراما» د. فهد اليحيا (الشرق الأوسط)

نادي «سينيراما»... من الحلم إلى الواقع

إحدى التجارب اللافتة هي نادي «سينيراما» السينمائي بمدينة الرياض. وفي حديث لرئيس النادي الدكتور فهد اليحيا، أوضح لـ«الشرق الأوسط» أنه حاول منذ عودته من دراسته العليا في بريطانيا تأسيس نادٍ للسينما لكنه لم يفلح. وأضاف: «ذات يوم تداعى عدد من الشباب المهتمّين بالسينما، على رأسهم مجموعة (تلاشي) برئاسة الناقد والكاتب فهد الأسطا، وأنشأنا مجموعة غير رسمية لعرض الأفلام والنقاش حولها تحت اسم (7 ½)، ربما استُلهم من فيلم فيلليني الشهير (8 ½). في تلك المدّة، عرضت المجموعة عدداً من الأفلام في أحد فنادق غرب الرياض، بالقرب من جمعية الثقافة والفنون، وكانت أمسية جميلة، لكن التجربة لم تدم طويلاً بعدما اتجه كثير من أعضائها للدراسة في الخارج».

وأوضح اليحيا أنه بعد تقاعده قبل أكثر من عامين، ومع ظهور منصّة «هاوي» التابعة لبرنامج «جودة الحياة»، التي تُعنى بإنشاء نوادٍ للهواة، عاد لمحاولاته لتأسيس نادٍ سينمائي حتى تكلّلت بالنجاح بتدشين نادي «سينيراما» في 15 مارس (آذار) الماضي. وأفاد بأنّ النادي بدأ منذ انطلاقه بتنظيم عروض سينمائية نوعية، منها عرض فيلم «هوبال» بحضور مخرجه عبد العزيز الشلاحي والممثلة ميلا الزهراني. كما عرض الفيلم القصير «بسطة» بحضور مخرجته هند الفهاد، وأجرت الحوار الإعلامية إيمان بكر يونس.

وتابع اليحيا: «قدَّمنا فيلم (طريق الوادي)، وفي الأسبوع التالي فيلماً توثيقياً بعنوان (رحلة مع طريق الوادي) عن صناعة الفيلم، تلاه نقاش مع المخرج وعدد من المشاركين. إضافةً إلى ذلك، عرضنا عدداً من الأفلام القصيرة عن الحياة الفطرية في المملكة وحاورنا صنَّاعها». وأشار إلى أنّ أحدث فعاليات النادي كانت خلال هذا الأسبوع باستضافة الشاعر والسينمائي أحمد الملا في أمسية وصفها بـ«الناجحة بكلّ المقاييس»، مزجت بين النقاش حول السينما والمهرجانات، وعرض الأفلام، والشِّعر.

وختم حديثه بالقول: «مع (رؤية 2030)، فُتِح المجال أمام أنشطة فنّية وثقافية وأدبية متعدّدة، وأُنشئت تباعاً أندية سينمائية، ولا يزال الطريق مفتوحاً أمام مزيد من هذا كلّه. أتمنّى أن يكون في كلّ حيّ من كلّ مدينة وقرية نادٍ للسينما، كما الحال في المغرب الذي يضم أكثر من 250 نادياً سينمائياً، وفق ما يذكر السينمائي المغربي الدكتور حمادي كيروم».

الرئيسة التنفيذية لـ«المجموعة السعودية للأبحاث والإعلام» جمانا الراشد في «سينيراما»... (الشرق الأوسط)

نادي «كات»... الوليد الأحدث

أحدث ما أُضيف إلى مشهد الأندية السينمائية هو نادي «كات» السينمائي بالخُبر، الذي تستضيفه جمعية السينما السعودية ليُعقد لقاءاته بشكل شهري، جامعاً بين الكتّاب والممثلين والنقّاد وهواة الفنّ السابع. ويأتي اسمه «كات» ليجمع بين كلمة «كاتب» ومصطلح القطع في لغة السينما، في إشارة إلى روح الكتابة والإبداع. ويركّز الصالون على تطوير مهارات الكتابة السينمائية وتعميق أدوات النقد الفنّي، واستكشاف فنون الأداء والتمثيل، بما يمنح المشاركين فرصة الحوار وتبادل التجارب أمام جمهور متنوّع.

في هذا السياق، أوضح الكاتب والمخرج عبد المحسن المطيري، أحد مؤسِّسي النادي، أنّ فكرته جاءت «لسدّ فراغ في المشهد المحلّي، إذ تفتقر الساحة إلى منصّات دورية تتيح للمبدعين تبادل الرؤى والتجارب». وأضاف أن النادي سيكون «منبراً حيّاً يحتضن الإبداع ويُنمّي الحوار الفنّي»، ومن المتوقَّع أن يعقد فعالياته في أول يوم أربعاء من كلّ شهر، بداية من نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل.

الفنان إبراهيم الحساوي خلال أحد لقاءات نادي «سينيراما»... (الشرق الأوسط)

حراك سينمائي... من جدة وأبها

ومن الأندية التي شكَّلت نقطة انطلاق جديدة، نادي «ألوان السينما» بجدة، الذي تأسَّس عام 2021 ويضمّ اليوم أكثر من 500 عضو، مُقدِّماً نفسه منصّة مُتكاملة تجمع الموهوبين في التمثيل والإخراج والتصوير وكتابة السيناريو؛ فيعمل على تطوير مهاراتهم عبر ورشات تدريبية ودورات متخصّصة.

وفي منطقة عسير، تأسَّس نادي «الإبداع السينمائي» ليؤكد أنّ الاهتمام بالفنّ السابع لم يعد حكراً على الرياض وجدة، مُركّزاً على مزج المحترفين بالهواة عبر جلسات نقدية وتدريبية، ضمن توجّه يبرز قيمة الأندية بكونها مختبرات صغيرة تسمح للمبتدئين بالتعلُّم المباشر من ذوي الخبرة، وتفتح المجال أمام مدن خارج المركز التقليدي لتُشارك في صياغة المشهد السينمائي الوطني.

وبالعودة إلى العاصمة الرياض، شهد منتصف العام الحالي انطلاق نادي «السينمائيون الجدد» الهادف إلى بناء وعي سينمائي جديد لدى جيل الشباب من خلال ترسيخ مفاهيم التذوّق الفنّي والنقد الجمالي، وتشجيع القراءة العميقة للأفلام، مع فتح المجال أمام الإسهامات الفردية والجماعية في تطوير المشهد السينمائي المحلّي.

فضاءات بديلة

رغم الانتشار، تُواجه الأندية تحّديات أبرزها الاستمرارية والتمويل، إذ يتطلَّب نجاحها دعماً مادياً ومعنوياً يضمن بقاء النشاط، كما تُواجه صعوبات في الحصول على حقوق عرض لأفلام عالمية. كما يبقى جذب الأعضاء والمحافظة على تفاعلهم مسألة تحتاج إلى إدارة دقيقة. ومع ذلك، فإنّ الدعم المؤسَّسي من «هيئة الأفلام» ومنصات مثل «هاوي»، إلى جانب الحماسة الشبابية، يمنحان هذه الأندية أرضية صلبة للنمو.

من جدة إلى أبها، ومن الرياض إلى الخُبر، تتشكَّل اليوم خريطة جديدة للسينما السعودية عبر الأندية والصالونات. ولا تعرض هذه الفضاءات البديلة الأفلام فقط، بل تصنع جمهوراً متذوّقاً، وتُدرّب جيلاً من المبدعين، وتفتح مسارات للنقد والحوار. وإذا كانت قاعات العرض التجارية قد أعادت السينما إلى الحياة العامة، فإنّ الأندية السينمائية تمنحها عمقاً ومعنى، وتجعلها عنصراً أصيلاً في المشهد الثقافي والفنّي للبلاد.


مقالات ذات صلة

«التمساح» يوثق معاناة وأحلام سينمائيين نيجيريين على مدار 13 عاماً

يوميات الشرق انجذبت المخرجة للفريق بمجرد مشاهدة مقاطعهم عبر الإنترنت (الشركة المنتجة)

«التمساح» يوثق معاناة وأحلام سينمائيين نيجيريين على مدار 13 عاماً

يقدم الفيلم الوثائقي «Crocodile» (التمساح) واحدة من أكثر الحكايات الإنسانية دفئاً وصدقاً.

أحمد عدلي (القاهرة )
يوميات الشرق ختم «شاشات الجنوب» فعالياته مع «اللي باقي منك» (متروبوليس)

مهرجان «شاشات الجنوب» يختم فعالياته بفيلم «اللي باقي منك»

يأتي تنظيم هذا المهرجان انطلاقاً من إيمان جمعية «متروبوليس سينما» بضرورة إفساح المجال أمام أفلام الجنوب.

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق الفنان البريطاني المخضرم أنتوني هيد (أسوشييتد برس)

انطفاء الكاريزما الباريتونية... الموت يغيب البريطاني الأنيق أنتوني هيد

غيّب الموت الفنان البريطاني المخضرم أنتوني هيد عن عمر ناهز 72 عاماً، لتفقد الساحة الفنية اللندنية والعالمية واحداً من أكثر وجوهها جاذبية وكاريزما.

كوثر وكيل (لندن)
يوميات الشرق تضمَّن الفيلم عدداً من مَشاهد الأكشن (الشركة المُنتجة)

دانكن كاب: قذفنا سيارات في الهواء بطريقة مُبتَكرة داخل «سفن دوجز»

ما تحقَّق داخل «سفن دوجز» مثَّل خطوةً مختلفةً في طريقة تنفيذ أفلام الحركة داخل المنطقة العربية.

أحمد عدلي (القاهرة )
يوميات الشرق فهد المطيري في دور المدير شاهين في فيلم «فخر السويدي» (الشركة المنتجة)

بعد شبّاك التذاكر... المنصات الرقمية تمنح الأفلام السعودية «حياة ثانية»

تمنح صالات السينما الفيلم انطلاقته الأولى، فيما تفتح المنصات الرقمية باباً جديداً لقياس مدى استمراره وانتشاره... وخلال الأيام الماضية، فرضت الأعمال السعودية…

إيمان الخطاف (الدمام)

لماذا لا تزال ثلاثية «حرب النجوم» الأولى هي الأفضل؟

«الإمبراطورية تضرب مجدداً» (توينتيث سنتشري فوكس)
«الإمبراطورية تضرب مجدداً» (توينتيث سنتشري فوكس)
TT

لماذا لا تزال ثلاثية «حرب النجوم» الأولى هي الأفضل؟

«الإمبراطورية تضرب مجدداً» (توينتيث سنتشري فوكس)
«الإمبراطورية تضرب مجدداً» (توينتيث سنتشري فوكس)

انطلقت عروض فيلم «ستار وورز: الماندالوريان وغروغو» (Star Wars: The Mandalorian and Grogu) في الأسبوع الأخير من الشهر الماضي بنجاح جيد، لكنه ليس مميّزاً. أما الاستقبال النقدي فتوزّع على 3 فئات شبه متعادلة: معجبة، ومعجبة بحدود، وغير معجبة على الإطلاق (نقدنا في زاوية «شاشة الناقد» أدناه).

رغبة معاكسة

بصرف النظر عن مستوى الفيلم، يستدعي العمل، الذي أنجزه جون فافرو (من أفلامه Avengers: Endgame وIron Man)، نظرة قريبة إلى هذا المسلسل الذي انطلق للمرة الأولى على هيئة حلم صغير عند مخرجه جورج لوكاس. رفضت هوليوود تمويله إلى أن وافقت شركة «توينتيث سنتشري فوكس» على صرف 11 مليون دولار عليه. وكان الناتج مذهلاً، إذ سجَّل خلال أسابيع قليلة من صيف 1977 نحو 775 مليون دولار، أي ما يتجاوز 8 مليارات دولار بسعر الصرف اليوم، وحين كانت التذكرة لا تزيد على 5 دولارات في صالات العرض الأول.

كاري فيشر في أحد أشهر أدوارها السينمائية (توينتيث سنتشري فوكس)

ذلك الفيلم الأول من المسلسل لم يكن بداية عهد من الأفلام المتتالية التي استفادت من إقبال الجمهور عليها فحسب، وإنما أيضاً معالجة فكرية ترتدي ملابس الترفيه وتقدّم بين أحداثها المشوّقة نتفاً من المجازات الميتافيزيقية والميثولوجية. يتبدّى ذلك في الأفلام الثلاثة الأولى من بين الأفلام العشرة التي أُنجزت منذ ذلك التاريخ (وهي الأساسية، كون الإنتاج تمدَّد ليشمل شرائط فيديو وأفلاماً تلفزيونية ورسوماً). بعد ذلك، تداولت الأفلام اللاحقة المغامرة وبعض الإيحاءات الدرامية، مثل اللعب على علاقة الأب بالابن التي عكست علاقة المخرج بالسينما، كون لوكاس ابتعد عن وصية ورغبة والده (جورج واتسون لوكاس) ليشقَّ طريقه بنفسه.

لا بدَّ أنّ الضغط الذي واجهه برفضه الاقتداء برغبة والده قد ولّد فيه الحاجة إلى التعبير عنها. لم يعبّر عنها في أفلامه التي سبقت «ستار وورز» الأول، لا القصيرة منها (9 أفلام ما بين 1965 و1968)، ولا فيلميه الطويلين THX 1138 سنة 1971 و«أميركان غرافيتي» (1973).

جورج لوكاس... مهندس المجرة السينمائية التي انطلقت عام 1977 (ديزني ستوديوز)

تعدُّد أفكار

أخرج لوكاس أول هذه الأفلام («ستار وورز» الذي تغيَّر لاحقاً عنوانه إلى Star Wars: A New Hope تبعاً لتسلسل روائي لاحق). ثم اكتفى بإنتاج الفيلمين التاليين «الإمبراطورية تضرب مجدداً» (The Empire Strikes Back) لإرفين كيرشنر (1980) و«عودة الجيداي» (Return of the Jedi) لريتشارد ماركواند (1983).

غابت السلسلة سنة 1983 وعادت سنة 1999 بـ3 أفلام تسبق حكاياتها الثلاثية الأولى، ممّا جعلها تحمل الأرقام 4 و5 و6 عوضاً عن 1 و2 و3. ومنذ عام 2015، أُطلق عهد جديد من هذه الأفلام أقل قيمة فنية وفكرية من تلك الأولى.

في الأفلام الثلاثة الأولى المذكورة، منحى واضح لتجسيد بعض الشخصيات على نحو متّصل بالتاريخ هنا وبالواقع هناك. جيداي يمثل فيلسوفاً يونانياً تشبه تعاليمه تلك التي لدى أرسطو. والصراع بين الابن المتمرّد ضدّ الإمبراطور دارث فيدر يماثل تمرّد لوكاس الابن ضدّ أبيه، لكنه في الوقت عينه على علاقة بنظرية فرويد التي تقول إنّ الابن يميل إلى الأم أكثر من الأب، والابنة تميل إلى الأب أكثر من الأم. كذلك الحروب ذاتها تحمل سمات صراع الشعوب ضدّ مستبديها، ولو أنّ لوكاس هنا لا يحدّد ما بعد تلك الإشارة.

في «الإمبراطورية تضرب مجدداً» محاكاة للأجواء السياسية المعادية للعرب في ذلك الحين، ترتدي شكلاً عنصرياً واضحاً.

أبعد من ذلك، هناك حضور ديني قوي في الأفلام الأولى من السلسلة. هناك إيعاز بتجسيد الفيلم للمعنى الديني في الصراع بين الخير (مؤمنون) والشر (ملحدون). بل إنّ الأميرة ليا قُصد بها أن تكون رمزاً للسيدة مريم. وهذه بعض الأبعاد التي تتراءى في حال مشاهدة هذه الأفلام اليوم كما في الأمس.

انطلقت عروض فيلم «ستار وورز: الماندالوريان وغروغو» في الأسبوع الأخير من الشهر الماضي بنجاح جيد، لكنه ليس مميّزاً

استيحاءات

الفيلم الأول من السلسلة وما تلاه من أجزاء ليست الأولى في السينما لناحية تقديم مغامرات فضائية. الصورة الكليّة لذلك العالم البعيد مثل مسافة، والقريب مثل أجواء سياسية أو اجتماعية حاضرة، نجدها في سلسلة أفلام «فلاش غوردون» في الثلاثينات والأربعينات، حيث الصراع بين عالم متمدّن وآخر معاد.

في الواقع، خطَّط لوكاس في الأساس لإعادة إخراج فيلم «فلاش غوردون» الذي حقّقه فريدريك ستيفاني سنة 1936 قبل أن يُنجز «ستار وورز».

إلى جانب «فلاش غوردون»، هناك استيحاء من حكاية «الباحثون» (The Searchers) لجون فورد (1956)، ومن فيلم أكيرا كوروساوا «القلعة المخفية» (The Hidden Fortress) سنة 1958. هذا الفيلم الياباني هو الأقرب بوصفه حكاية، إذ يدور حول رجلين يسعيان إلى مساعدة أميرة على استعادة عرشها... كما الحال في «ستار وورز».

الأفلام السبعة اللاحقة (آخرها «ستار وورز: الماندالوريان وغروغو»، 2026) اعتنت بتطوير العمود الفقري للحكاية على نحو أفقي ينهل من الفرص المتاحة للالتزام بالمغامرات والصراعات أكثر من منحها معانيَ ورموزاً. والهم كذلك كان تطوير المؤثرات البصرية وكل ما له علاقة بالخدع البصرية وفنون التحريك، لإبقاء حوافز المُشاهدة والحفاظ على هواة السلسلة أعلى في كل جزء جديد من سابقه.


شاشة الناقد: خيال علمي وتشويق و«وسترن»

«ستار وورز- ماندالوريان وغروغو» (ديزني ستديوز)
«ستار وورز- ماندالوريان وغروغو» (ديزني ستديوز)
TT

شاشة الناقد: خيال علمي وتشويق و«وسترن»

«ستار وورز- ماندالوريان وغروغو» (ديزني ستديوز)
«ستار وورز- ماندالوريان وغروغو» (ديزني ستديوز)

STAR WARS‪:‬ ★★

THE MANDALORIAN

AND GROGU

إخراج: ‪جون فافريو‬

الولايات المتحدة | خيال علمي

الجزء العاشر من السلسلة

منذ شراء شركة «ديزني ستوديوز» حقوق صنع سلسلة «ستار وورز» سنة 2017، ارتفعت الرغبة في التواصل مع الجمهور السائد من زاوية الترفيه وحدها. طبعاً لا تزال بعض الأفلام الأخيرة، مثل «The Last Jedi» لريان جونسون (2017) و«Rogue One: A Star Wars Story» لغاريث إدواردز خصوصاً، تؤمّن بعض الأفكار الجديدة المنفّذة جيداً.

«ستار وورز: الماندالوريان وغروغو» ليس من بينها. نعم، يوفر شخصية محارب جديد (الماندالوري أو ماندو في الفيلم) الذي يهب حياته لمعاقبة الأشرار. الحكاية تطول منتقّلة من مهمّة جديدة مسندة إليه (إنقاذ ابن المخلوق جابا الذي اختُطِف إلى كوكب شكاري تمهيداً لاحتلال مملكة أبيه ومنعه من الوراثة).

إذ تنطلق الحكاية على هذا النحو، تتعرّض لمغامرات ماندو المتواصلة مع مخلوق صغير اسمه غروغو، موجود لتسلية الصغار بكلّ السذاجة الممكنة. في الواقع، أمكن غروغو أن يكون كلباً أو قرد شمبانزي، فكلاهما يعجب الأولاد من الجنسين. شخصية ماندو بدورها كان يمكن لها أن تأتي في فيلم مستقلّ تماماً عن السلسلة الشهيرة. كما هي الآن، هي «تفليم» لمسلسل تلفزيوني نال نجاحاً كبيراً. خطوة آمنة أخرى بالنسبة إلى «ديزني» لاستثمار لا «حرب النجوم» وحدها، بل المسلسل التلفزيوني أيضاً.

كل ما سبق كان يمكن تقبّله لو أنّ جديداً فعلياً طرأ على القصة أو شخصياتها بمناسبة نقلها إلى الشاشة الكبيرة على الأقل. الأحداث متتابعة لكنها مُعالجة على هيئة حلقات منفصلة تبعاً لخيال، وليس على شكل إبداع وخَلْق. هو فيلم بلا روح، مليء بمعارك مصنوعة بواسطة الرسوم الحاسوبية شوهدت مراراً قبل ذلك، وباتت مثل مطاردات أفلام الوسترن القديمة حيث البطولة للحصان (على الأقل كان مخلوقاً حيّاً) في مطاردات لا تنتهي. التمثيل، وفق التقليد المتَّبع في أفلام ملؤها المؤثرات والموسيقى (للودفيغ غورانسون)، جيد في حال سماعها للمرة الأولى والثانية، قبل أن تُسبِّب الضجر لتكرارها.

THE HOUSEMAID★★

إخراج: ‫بول فيغ‬

الولايات المتحدة | دراما تشويقية

ثرية تستقبل عاملة منزل وتندم

«تستطيعين مناداتي نينا»، تقول الزوجة (أماندا سيفريد) للشابة ميلي (سيدني سويني) في الثواني الأولى من لقائهما. الأولى ربّة بيت كبير لزوجها الثري أندرو (براندون سكلينار)، والثانية وصلت للتو لتشغل وظيفة الإشراف على شؤون المنزل.

«عاملة المنزل» (ليونزغيت)

إذ تبدأ ميلي عملها سعيدة بالاستقبال الجيد والودود، يضع المخرج، الذي اقتبس فيلمه عن رواية ناجحة لفريدا ماكفادن، الخطّة للانتقال من التأسيس إلى الحبكة المراد بها أن تكون درامية نفسية. نينا ستندم على قبول ميلي بعدما لاحظت تقارباً بين زوجها والعاملة المنزلية، تمهيداً لنهاية تأتي بلا مفاجآت.

الواقع أنّ الفيلم بكامله يخلو من مفاجأة فعلية. المفارقات تتابع كما يتوقّعها المُشاهد. المخرج بول فيغ اعتمد خطاً قصصياً من دون إضافة ظلال مناسبة. بذلك يمضي الفيلم، بعد نحو ساعة من التمهيد وربع ساعة من الاسترجاع، صوب تطوّرات لا يشعر المشاهد حيالها بأي اهتمام، إلا إذا كان مدمناً على أفلام تفتقر إلى الحد الأدنى من الغموض والتشويق.

RUST★★★

إخراج: ‫جوِل سوزا

الولايات المتحدة (2025) | وسترن

الحكاية التي تشبه ما حدث وراء الكاميرا

‫ثمة تشابه مؤسف بين الحكاية التي يسردها الفيلم وما حدث في الواقع. هذا هو الفيلم الذي أطلق فيه الممثل أليك بالدوين النار على مديرة التصوير هالينا هاتشينز معتقداً أنّ المسدس يحتوي على رصاص فارغ. في الفيلم (كما كُتبت حكايته قبل الحادثة) صبي يقتل رجلاً بالخطأ أيضاً. في «رست» (اسم الشخصية التي يؤدّيها بالدوين) رغبة محقّة في توفير فيلم «وسترن» بجماليات المكان الطبيعي والعام. مشاهده مؤطرة بدراية، ولقطاته موحية وجميلة، ولو أنّ ألوانها تنتمي إلى نسق داكن واحد نصف ناجح.‬

أليك بولدوين وباتريك سكوت في «رست» (120DB فيلمز)

‫اهتمام المخرج بتوفير جماليات كلّ لقطة وكيفية تأطيرها لا غبار عليه، سوى أنّ الحكاية تبقى بعيدة عن الاستفادة من هذا المنوال. هناك ثلاثة خطوط قصصية، أحدها عن رست وحفيده، والآخران عن مطارديه وخلفياتهم. تتابع هذه الخطوط بسهولة، لكن المخرج ومونتيره (ديفيد أندالمان) لا يملكان القدرة على تلاحمها على نحو يبعث على التشويق، بل حتى على الاهتمام أيضاً.‬

‫بعد عروض قصيرة وفاشلة في صالات السينما، يمكن الآن مشاهدته عبر المنصات، ولو على حساب الجماليات التي توفرها الشاشة الكبيرة في نطاق سينما الغرب الأميركي.‬

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز


ستيفن سبيلبرغ يعود إلى عوالم الغزو والخيال العلمي

توم كروز في «تقرير أقلية» (تونتييث سنتشري فوكس)
توم كروز في «تقرير أقلية» (تونتييث سنتشري فوكس)
TT

ستيفن سبيلبرغ يعود إلى عوالم الغزو والخيال العلمي

توم كروز في «تقرير أقلية» (تونتييث سنتشري فوكس)
توم كروز في «تقرير أقلية» (تونتييث سنتشري فوكس)

في الـ11 من الشهر المقبل، يُطلق المخرج والمنتج ستيفن سبيلبرغ فيلمه الجديد «يوم الكشف» (Disclosure Day)، وهو الفيلم السينمائي الـ40 له، بكونه أنجز 13 فيلماً تلفزيونياً قبل دخوله عالم السينما، ولاحقاً أنجز فيلمَي فيديو وفيلمَيْن قصيرين ما بين 1999 و2022.

في الواقع، فإنَّ فيلمه الأول الذي عُرض في صالات السينما، وهو «مبارزة» (Duel) سنة 1971، كان تلفزيوني الإنتاج داخل الولايات المتحدة، لكنه انتُخب للعروض السينمائية عالمياً خارجها، مثل حال عدد كبير من الأفلام المُشابهة في وضعيّتها آنذاك. و«مبارزة» كان فيلم طريق مع تشويق حاسم حول رجل أعمال بسيط تطارده شاحنة على طريق جبلي في ولاية أريزونا بهدف قتله. ذلك الفيلم، بالتالي، كان تشويقياً، رغم أنّ الحكاية كان يمكن لها أن تضع المطاردة بين عربة فضائية وأخرى أرضية.

سبيلبرغ يعود إلى ثيمته المفضلة: غزو الأرض (يونيفرسال)

عشرة

«يوم الكشف» (أو «يوم الإفصاح») هو خيال علمي عن موضوع غزو الفضاء للأرض. وبذلك، فهو الفيلم العاشر من هذا النوع من توقيع المخرج. هذا بالطبع إلى جانب عدد آخر من الأفلام التي اكتفى بإنتاجها واختار من يخرجها سواه.

الأفلام الـ9 السابقة هي التي بدأت بفيلم «لقاءات قريبة من النوع الثالث» (Close Encounters of the Third Kind) سنة 1977. هذا مع العلم أن سبيلبرغ أخرج فيلم هواة من هذا النوع، وفَّر تكلفته من مصروف الجيب سنة 1964، عندما كان في الـ18 من عمره، لكنه لا يُعدُّ فيلماً حقيقياً.

كان «لقاءات قريبة...» ثالث فيلم سينمائي فعليّ له بعد «ذا شوغرلاند إكسبرس» في 1974 و«جوز» (Jaws). وكلاهما كان من النوع التشويقي، وأفضلهما «جوز»، الذي حطم أرقاماً قياسية في صيف عام 1975. أما الأول فكان حكاية كوميدية مع تشويق حول خطف زوجين ابنهما من منزل عائلة عُهد إليها برعايته، وشرطي أجلساه في المقعد الخلفي من السيارة. لكن «جوز» هو تعامل سبيلبرغ الأول مع فن التشويق.

والتشويق سمة «لقاءات قريبة...» الذي تعامل مع غزاة من ذلك الطابق العلوي للفضاء.

كرَّر ذلك عام 1982 عندما أخرج «خارج الأرض» (E.T. the Extra-Terrestrial)، بعد فيلم كوميدي فشل تجارياً هو «1941»، وآخر مغامراتي حقق نجاحاً كبيراً هو «غزاة الفلك المفقودة» (Raiders of the Lost Ark) في 1981.

من «إي تي- خارج الأرض» (يونيفرسال)

مخلوقات متوحّشة

هذان الفيلمان هما الوحيدان، في سلسلة سبيلبرغ من أفلام الخيال العلمي، اللذان عكس فيهما نظرة تعاطفية مع مخلوقات الفضاء. ففي الأول دعا إلى التفاهم معها، وفي الثاني حوَّل الفكرة إلى ملهاة سريعة الإيقاع حول مخلوق فضائي عادت سفينة الفضاء إلى كوكبها من دونه.

وقبل العودة إلى قصص الفضاء، عمد إلى نوع آخر من أفلام الخيال العلمي، هي أفلام وحوش ما قبل العصور المدنية. ففي 1993 أنجز «جوراسيك بارك»، وتبعاً لنجاحه حقَّق، بعد 4 سنوات، جزءاً ثانياً في 1997. وللإيضاح، يرى المؤرخون وهواة التصنيف أنّ أفلام الوحوش هي نوع من الخيال العلمي، لكنه في الواقع ليس كذلك، وإن كان بعض العلم مُستَخدماً فيه.

النقلة الفعلية لسينما الخيال العلمي، التي حملت في طياتها عودة مكمّلة لفيلميه السابقين «لقاءات قريبة» و«إي تي»، وردت سنة 2001 عبر «ذكاء اصطناعي» (A.I. Artificial Intelligence)، حكاية الصبي غير البشري ديفيد (هايلي جويل أوزمنت) والعائلة التي احتضنته لمدّة لأنّ ابنها الفعلي يرقد في المستشفى. والفارق بين ديفيد وأي منتج اصطناعي آخر أنه مزوَّد بإمكانية الحبّ. وعندما يعود ابن العائلة من المستشفى سليماً، تكتشف العائلة أنها لن تستطيع احتواء الولدين، فتقرّر التخلّي عن ديفيد، الذي سيعاني طوال حياته من حبه للأم التي رعته حيناً (فرانسيس أوكونور).

مشكلة الفيلم الأكبر هي أنه عاطفي إلى حد يكاد يوازي التباكي، لكن فكرته رائعة، وتنفيذ سبيلبرغ له يضع الفيلم في مصاف الأعمال المهمّة في سينما النوع.

«يوم الكشف» هو الفيلم العاشر من هذا النوع للمخرج وسوف يُطلق في الـ11 من الشهر المقبل

بعد ذلك، في 2002، نجد سبيلبرغ في نطاق أفضل شأناً مع «تقرير أقلية» (Minority Report)، حول مستقبل يجد فيه المرء نفسه مُداراً ومحاطاً بتكنولوجيا لا قدرة له على تفاديها، خصوصاً إذا ما كان أحدهم في مركز القيادة يريد الإجهاز عليه.

عاد سبيلبرغ إلى النوع في عام 2005 في «حرب العوالم» (War of the Worlds)، وهو عن غزو من مخلوقات وحشية، من بطولة توم كروز، الذي لعب كذلك بطولة «تقرير أقلية». وكلا الفيلمين ناجح على معظم الأصعدة، كونهما عملين تشويقيين ينتميان فعلياً إلى نوع الخيال العلمي، علماً بأن «حرب العوالم» هو إعادة صنع لفيلم حقّقه بايرون هاسكن عام 1953.

الفيلم التاسع هو ذلك الذي أنجزه سبيلبرغ بعنوان «ريدي بلاير وان» (Ready Player One)، الذي تقع أحداثه في المستقبل (2045)، والمأخوذ عن لعبة فيديو مقتبسة بدورها من رواية. ولم يستقبله النقّاد جيداً، وواقعياً كان فيلماً لا يحمل السبب الكافي ليُنجزه سبيلبرغ.