قطارا إندونيسيا وكينيا محطتا اختبار لـ«ديون الحزام والطريق»

جاكرتا ونيروبي في مساعٍ لإعادة التفاوض مع بكين

شعار «مبادرة الحزام والطريق» في أحد المؤتمرات (رويترز)
شعار «مبادرة الحزام والطريق» في أحد المؤتمرات (رويترز)
TT

قطارا إندونيسيا وكينيا محطتا اختبار لـ«ديون الحزام والطريق»

شعار «مبادرة الحزام والطريق» في أحد المؤتمرات (رويترز)
شعار «مبادرة الحزام والطريق» في أحد المؤتمرات (رويترز)

بدأت دول نامية في آسيا وأفريقيا إعادة النظر في التزاماتها المالية تجاه الصين، أكبر ممول للبنية التحتية في العالم، بينما تواجه بكين ضغوطاً متزايدة لإعادة هيكلة ديون «الحزام والطريق» بعد سنوات من الإنفاق المكثّف. ففي أقل من 48 ساعة، أعلنت كل من إندونيسيا وكينيا خطوات منفصلة لإعادة صياغة علاقاتهما التمويلية مع الصين، في تحرك يرى محللون أنه يعكس تحوّلاً تدريجياً نحو إدارة أكثر حذراً للديون المرتبطة بالمشروعات العملاقة.

مظاهرة في العاصمة الإندونيسية جاكرتا ضد قرار حكومي بتطوير جزء من الساحل (أ.ف.ب)

إندونيسيا... «إصلاح شامل» لقطار فائق السرعة

في جاكرتا، كشفت وزيرة الاستثمار الإندونيسية روزان روسلاني، أن حكومتها دخلت في مفاوضات رسمية مع بكين بشأن إعادة هيكلة ديون مشروع «قطار جاكرتا-باندونغ» فائق السرعة، الذي تبلغ قيمته نحو 7.3 مليار دولار.

وقالت روزان في تصريحات نقلتها «رويترز» إن الهدف هو «تنفيذ إصلاح شامل يضمن عدم تكرار أي مخاطر للتعثر في المستقبل».

المشروع، الذي يُعدّ الأول من نوعه في جنوب شرقي آسيا، انطلق عام 2016 بدعم تمويلي وتقني من الصين، وكان يفترض أن يبدأ التشغيل في 2019. لكنه واجه سلسلة من العقبات، من بينها مشكلات في شراء الأراضي وتأخيرات مرتبطة بجائحة «كوفيد-19» وارتفاع كبير في التكاليف، مما أدى إلى تأجيل تشغيله لأكثر من أربع سنوات.

ويُنظر إلى هذا المشروع على أنه رمز للشراكة الاقتصادية بين الصين وإندونيسيا، لكنه في الوقت ذاته يعكس مخاطر التمويل المعتمد على القروض السيادية وضمانات الدولة. إذ اضطرت جاكرتا سابقاً إلى ضخ أموال إضافية لتغطية تجاوزات التكلفة، وسط انتقادات داخلية بشأن عبء الدين العام الذي يقترب من 40 في المائة من الناتج المحلي.

الوزيرة لم تكشف تفاصيل هيكل الدين الجديد أو الجدول الزمني للاتفاق مع الصين، لكنَّ مراقبين في جاكرتا أشاروا إلى أن المفاوضات تشمل مزيجاً من تمديد آجال الاستحقاق وإعادة تحديد الفائدة لتقليل الضغوط على المالية العامة، بالتزامن مع إعادة تقييم الأداء المالي لشركة «كيه سي آي سي»، المشغِّلة للمشروع والمملوكة جزئياً للحكومة الإندونيسية وشركات صينية.

عمال في مصنع لإنتاج الأقمشة في مدينة كاجيادو الكينية (رويترز)

كينيا... التحول إلى اليوان لتقليل تكلفة الدين

في المقابل، أعلنت كينيا أنها أكملت تحويل قروض صينية بقيمة 3.5 مليار دولار من الدولار الأميركي إلى اليوان الصيني، في خطوة تهدف إلى تقليل تكلفة الفائدة السنوية بنحو 215 مليون دولار، وفقاً لوزير المالية الكيني جون مبادي.

وقال مبادي في مؤتمر صحافي: «التحويل يبدأ فوراً... إنه يتيح لنا وفراً مالياً ملموساً في الموازنة».

القروض الثلاثة التي تمت إعادة تسعيرها كانت قد مُنحت عامي 2014 و2015 من بنك التصدير والاستيراد الصيني (China Exim Bank)، لتمويل الخط الحديدي الحديث الذي يربط ميناء مومباسا بمدينة نيفاشا في وادي الصدع. وحسب وزارة المالية الكينية، فإن القروض المستحقة انخفضت إلى 3.5 مليار دولار بحلول منتصف 2024.

وأكد كبير المستشارين الاقتصاديين للرئيس ديفيد ندي، أن نيروبي مدّدت أيضاً فترات السداد، في إطار ما سماها «إعادة مواءمة هيكل الدين مع قدرتنا على السداد». وكتب على منصة «إكس»: «لقد أعدنا أيضاً جدولة آجال الاستحقاق لتخفيف الضغط المالي». وبينما لم تُعلق الصين رسمياً على عملية تحويل العملة، أوضح مسؤولون كينيون أن الخطوة تهدف أيضاً إلى تقليل مخاطر سعر الصرف الناتجة عن هيمنة الدولار على ديون البلاد، إذ يشكل الدولار نحو 68 في المائة من إجمالي الدين الخارجي لكينيا... وتقترب نسبة الدين العام الكيني من 70 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، في حين تسعى حكومة الرئيس ويليام روتو إلى تبنّي استراتيجية جديدة لإدارة الدين تشمل توريق الإيرادات الحكومية وتمديد منحنى النضج المالي.

صينيون أمام محطة قطارات في العاصمة بكين (إ.ب.أ)

«الحزام والطريق»... من التوسع إلى إعادة التقييم

ومنذ إطلاق مبادرة «الحزام والطريق» عام 2013، موّلت الصين أكثر من 900 مشروع بنية تحتية حول العالم بقيمة تتجاوز تريليون دولار، معظمها في الدول النامية. لكن مع تباطؤ النمو الصيني وارتفاع معدلات الفائدة العالمية، بدأت بكين تواجه مطالب متزايدة بإعادة هيكلة هذه القروض لتجنب موجة تعثر محتملة.

وتشير بيانات مركز «إيد داتا» الأميركي إلى أن أكثر من 60 في المائة من القروض الخارجية الصينية تواجه تأخيرات أو مخاطر سداد. وقد أعادت الصين بالفعل جدولة أو خفّضت ديون دول مثل سريلانكا وزامبيا وإثيوبيا.

في هذا السياق، تمثل التحركات الأخيرة في إندونيسيا وكينيا مؤشراً لمرحلة أكثر واقعية في الدبلوماسية المالية الصينية، حيث تسعى بكين إلى الحفاظ على نفوذها الاقتصادي، لكنها تُظهر استعداداً أكبر لتعديل شروط القروض بما يضمن الاستقرار المالي للدول المقترضة واستمرار المشاريع الاستراتيجية.

اختبار للصين

ويرى خبراء الاقتصاد أن ما يجري هو إعادة تموضع تدريجية للعلاقات المالية جنوب-جنوب... فبدلاً من التركيز على التوسع السريع في الإقراض، تتجه الصين نحو نموذج أكثر انتقائية يعتمد على المراجعة الدورية للمشروعات القائمة وتقييم الجدوى طويلة المدى.

أما بالنسبة إلى الدول النامية، فإن التجربتين الكينية والإندونيسية تقدمان درساً مزدوجاً، مفاده أن التفاوض المبكر على إعادة الهيكلة قد يمنع الأزمات المالية لاحقاً، وأن تنويع العملات والسياسات التمويلية بات ضرورياً لتفادي الاعتماد المفرط على الدولار أو الدائنين الخارجيين.

وفي النهاية، يبدو أن القطارين السريعين في آسيا وأفريقيا ليسا مجرد مشروعَي نقل، بل رمزٌ لسرعة التحول في العلاقات الاقتصادية مع الصين؛ من التمويل السهل إلى الديون المحسوبة، ومن النمو بأي ثمن إلى الإدارة الواعية للمخاطر.


مقالات ذات صلة

أدنى فائض تجاري لإندونيسيا في 6 سنوات تزامناً مع تسارع وتيرة التضخم

الاقتصاد عُمال يفرغون أكياساً من الأرز من سفينة شحن إلى متن شاحنة في ميناء تانجونغ بريوك في جاكرتا (أرشيفية - رويترز)

أدنى فائض تجاري لإندونيسيا في 6 سنوات تزامناً مع تسارع وتيرة التضخم

سجلت إندونيسيا أدنى فائض تجاري لها في ست سنوات خلال أبريل (نيسان)، في حين تسارع معدل التضخم السنوي في مايو (أيار) مقترباً من الحد الأعلى للنطاق المستهدف

«الشرق الأوسط» (جاكرتا)
الاقتصاد متداولون يعملون قرب شاشة تعرض مؤشر «كوسبي» وسعر صرف الدولار والوون الكوري الجنوبي في سيول (أ.ب)

أسهم آسيا تتخلى عن مكاسبها وسط تضارب الأنباء في الشرق الأوسط

تراجعت الأسهم الآسيوية في تعاملات تشهد تقلبات حادة يوم الثلاثاء؛ حيث بددت الشكوك المحيطة بفرص استمرار وقف النار بالشرق الأوسط تفاؤل المستثمرين.

«الشرق الأوسط» (سنغافورة )
الاقتصاد الرئيس الفرنسي يعانق رئيس «سوفت بنك» ماسايوشي سون أثناء إدلائهما ببيان مشترك بعد اجتماعهما بقصر الإليزيه (رويترز)

«اختر فرنسا» تحصد استثمارات قياسية بـ108 مليارات دولار تقودها «سوفت بنك»

حققت فرنسا رقماً قياسياً جديداً في جذب الاستثمارات الأجنبية، بعد أن تعهدت شركات عالمية بضخ 93 مليار يورو (نحو 108 مليارات دولار) في البلاد.

«الشرق الأوسط» (باريس)
الاقتصاد علم اليابان يرفرف أمام حاويات في ميناء العاصمة طوكيو (رويترز)

تباطؤ نمو المصانع في اليابان مع ارتفاع ضغوط التكاليف

شهد قطاع التصنيع الياباني تباطؤاً طفيفاً في مايو حيث قابلت الزيادة القياسية بطلبات التصدير ارتفاعاً حاداً بالتكاليف نتيجةً لحرب الشرق الأوسط.

«الشرق الأوسط» (طوكيو)
الاقتصاد الرئيس الأذربيجاني خلال افتتاحه «أسبوع باكو للطاقة» (إكس)

اتفاق غاز بين تركيا وأذربيجان... وممر كهربائي على غرار «تاناب»

وقّعت تركيا وأذربيجان، يوم الاثنين، اتفاقية استراتيجية طويلة الأجل لتوريد الغاز الطبيعي، بالتزامن مع إعلان البلدين خطة طموحة لإنشاء ممر إقليمي لنقل الكهرباء.

«الشرق الأوسط» (باكو)

قبيل اجتماع يونيو... اتجاه متزايد داخل «المركزي الأوروبي» نحو رفع الفائدة

مبنى البنك المركزي الأوروبي في فرانكفورت (رويترز)
مبنى البنك المركزي الأوروبي في فرانكفورت (رويترز)
TT

قبيل اجتماع يونيو... اتجاه متزايد داخل «المركزي الأوروبي» نحو رفع الفائدة

مبنى البنك المركزي الأوروبي في فرانكفورت (رويترز)
مبنى البنك المركزي الأوروبي في فرانكفورت (رويترز)

تأتي تصريحات صناع السياسة النقدية في البنك المركزي الأوروبي قبيل اجتماع 11 يونيو (حزيران)، لتكشف عن تزايد الميل داخل المجلس نحو تشديد السياسة النقدية، في ظل استمرار الضغوط التضخمية وتداعيات الصدمات الخارجية على أسعار الطاقة وسلاسل الإمداد. وبينما تتباين لهجات المسؤولين بين الحذر والدعوة إلى التحرك السريع، تعكس مجمل التصريحات قلقاً متصاعداً من اتساع نطاق التضخم وامتداده إلى مستويات أوسع من الاقتصاد، مما يعزّز احتمالات اتخاذ خطوة رفع الفائدة في الاجتماع المرتقب.

وتشير توقعات الأسواق المالية إلى تسعير شبه كامل لاحتمال رفع سعر الفائدة بحلول يوليو (تموز) على أقصى تقدير، في حين يتوقع اقتصاديون استطلعت «رويترز» آراءهم أن يتم رفع الفائدة في يونيو.

وفيما يلي تصريحات رئيسية لصناع السياسة النقدية في البنك المركزي الأوروبي:

قالت عضوة المجلس التنفيذي للبنك المركزي الأوروبي، إيزابيل شنابل، إن التفاؤل لم يعد خياراً مطروحاً في ظل حجم الصدمة الحالية واستمراريتها، مشيرة إلى أن الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية للطاقة وسلاسل الإمداد العالمية تستدعي استجابة من السياسة النقدية، وترى أن رفع سعر الفائدة في يونيو سيكون ضرورياً، وفق «رويترز».

ومن جانبه، توقع كبير الاقتصاديين في البنك المركزي الأوروبي، فيليب لين، إجراء تعديل تصاعدي إضافي لتوقعات التضخم في يونيو، محذراً من امتداد آثار الصدمة إلى ما هو أبعد من أسعار الطاقة؛ إذ تشير الاستطلاعات إلى اتجاه الشركات لرفع الأسعار، مما قد يحوّل صدمة الطاقة إلى ضغوط تضخمية أوسع نطاقاً.

أما محافظ البنك المركزي الإيطالي، فابيو بانيتا، فأكد أن الصورة المستقبلية تستدعي إعادة تقييم موقف السياسة النقدية في ضوء مخاطر استمرار الضغوط التضخمية، لافتاً إلى أن عودة أسعار النفط والغاز إلى مستوياتها الطبيعية بسرعة تبدو غير مرجحة حتى في حال انتهاء النزاع بسرعة.

وفي السياق ذاته، شدد محافظ البنك المركزي اليوناني، يانيس ستورناراس، على ضرورة أن تكون الاستجابة متوازنة في حال تجاوز التضخم الهدف بشكل مؤقت، بحيث يتم تشديد السياسة النقدية بحذر دون الإضرار بالنشاط الاقتصادي، مع تأكيد أهمية التحرك السريع لتفادي دوامة تضخمية محتملة.

وأشار محافظ البنك المركزي الفنلندي، أولي رين، إلى أن العامل الحاسم يتمثّل في رصد أي آثار ثانوية أو تراجع في توقعات التضخم، موضحاً أن التذبذب في التوقعات قصيرة الأجل لا يزال قائماً، دون وجود انحراف كبير على المديَين المتوسط والطويل.

كما قال محافظ البنك المركزي النمساوي، مارتن كوخر، إنه في حال عدم تحسن الوضع بشكل ملموس، فلا مفر من رفع أسعار الفائدة في المستقبل القريب. في حين رأى محافظ البنك المركزي السلوفاكي، بيتر كازيمير، أن تشديد السياسة النقدية في يونيو يبدو شبه حتمي في ظل التطورات الحالية، رغم عدم الالتزام بمسار محدد مسبقاً.


شركات منطقة اليورو تكافح لرفع الأسعار رغم صدمة الحرب

يمرّ أشخاص أمام ناطحات السحاب في الحي المالي والتجاري لا ديفانس في بوتو بالقرب من باريس (رويترز)
يمرّ أشخاص أمام ناطحات السحاب في الحي المالي والتجاري لا ديفانس في بوتو بالقرب من باريس (رويترز)
TT

شركات منطقة اليورو تكافح لرفع الأسعار رغم صدمة الحرب

يمرّ أشخاص أمام ناطحات السحاب في الحي المالي والتجاري لا ديفانس في بوتو بالقرب من باريس (رويترز)
يمرّ أشخاص أمام ناطحات السحاب في الحي المالي والتجاري لا ديفانس في بوتو بالقرب من باريس (رويترز)

أظهر تحليل أجرته «رويترز» لتعليقات أرباح الشركات المدرجة في منطقة اليورو أن نحو ثلث الشركات الكبرى فقط أشار إلى عزمه رفع الأسعار استجابة لتداعيات الحرب الإيرانية، في مؤشر على أن ضعف النشاط الاقتصادي لا يزال يقيد قدرتها على تمرير التكاليف إلى المستهلكين.

ويحاول المستثمرون وصناع السياسات في البنك المركزي الأوروبي تقييم ما إذا كانت منطقة اليورو تتجه نحو موجة تضخم جديدة ناجمة عن الحرب، على غرار تلك التي أعقبت الغزو الروسي لأوكرانيا في عام 2022.

حتى الآن تبدو الإجابة بالنفي.

فقد أظهر تحليل «رويترز»، الذي اعتمد على تقنيات الذكاء الاصطناعي لدراسة 175 مكالمة أرباح لشركات في منطقة اليورو، أن 56 شركة فقط قامت برفع أسعارها، أو تخطط لذلك خلال الأشهر المقبلة، وهو ما يعكس استمرار ضعف الطلب في اقتصاد منطقة العملة الموحدة المكونة من 21 دولة.

ويمثل ذلك تبايناً واضحاً مع ما حدث عقب الغزو الروسي لأوكرانيا، عندما رفعت ما يقرب من ثلثي الشركات أسعارها في ظل صدمة قوية بأسواق الطاقة، مدعومة بطلب استهلاكي مرتفع بعد الجائحة، وبرامج دعم حكومية واسعة النطاق، ما دفع التضخم آنذاك إلى مستويات تجاوزت 10 في المائة.

اختلاف جوهري عن عام 2022

وفي تعليقه على نتائج التحليل، قال أولي رين، عضو مجلس محافظي البنك المركزي الأوروبي، ومحافظ البنك المركزي الفنلندي، إن هناك «فرقاً واضحاً بين ربيع 2022 وربيع 2026».

وأضاف أن سوق العمل أصبحت أقل سخونة، كما أن وتيرة النمو الاقتصادي أبطأ بشكل ملحوظ، في حين تغيب حالياً الحوافز المالية القوية التي دعمت الاقتصاد قبل أربع سنوات.

وكان التضخم في منطقة اليورو قد بلغ 5.9 في المائة بالفعل عندما بدأت الحرب في أوكرانيا في فبراير (شباط) 2022، بينما لم يتجاوز 1.9 في المائة عند اندلاع الحرب الإيرانية. وتشير التوقعات إلى ارتفاعه إلى 3.2 في المائة في مايو (أيار).

مبنى البنك المركزي الأوروبي في فرانكفورت (رويترز)

ويخفف هذا الوضع الضغوط على البنك المركزي الأوروبي لاتخاذ سلسلة واسعة من زيادات أسعار الفائدة تتجاوز الرفع الأول المتوقع الأسبوع المقبل، والذي يرى اقتصاديون أنه يهدف بالأساس إلى ترسيخ مصداقية البنك، ومنع انتقال تأثير ارتفاع أسعار الطاقة إلى بقية مكونات التضخم.

من جانبه، قال كبير الاقتصاديين في «أليانز غلوبال إنفستورز»، كريستيان شولز، إن هذه المعطيات تمنح البنك المركزي الأوروبي مساحة أكبر للتحلي بالصبر.

وأضاف: «أي تشديد إضافي للسياسة النقدية سيتطلب أدلة أوضح على انتقال الضغوط التضخمية إلى الأسعار الأساسية، واستمرارها لفترة أطول».

ارتفاعات سعرية محدودة مقارنة بمرحلة ما بعد الغزو الأوكراني

وكلفت «رويترز» أداة الذكاء الاصطناعي الخاصة بها «كلود كوارك» بتحليل نصوص 175 مكالمة أرباح جرت بين 2 أبريل (نيسان) و15 مايو، مع التركيز على مدى تأثر الشركات بارتفاع تكاليف الطاقة، وخططها لنقل هذه التكاليف إلى العملاء.

وأظهرت النتائج أن 105 شركات ناقشت تأثير ارتفاع تكاليف الطاقة، فيما ربطت 91 شركة هذه التطورات بالحرب الإيرانية.

وبعد استبعاد المؤسسات المالية، التي تتعامل عادة مع صدمات الطاقة باعتبارها قضية اقتصادية كلية أكثر من كونها قضية تسعير مباشرة، شملت العينة 136 شركة غير مالية، وأفادت 55 منها بأنها رفعت الأسعار، أو تعتزم القيام بذلك خلال الأشهر المقبلة.

وتركزت هذه الزيادات بصورة رئيسة بين الشركات الأكثر تعرضاً لارتفاع أسعار الطاقة، والمواد الخام، أو العاملة في القطاع الصناعي، مثل المجموعة الكيميائية الألمانية «باسف»، وشركة «نيكسانز» الفرنسية المتخصصة في صناعة الكابلات.

في المقابل، بدت الشركات الموجهة للمستهلك النهائي أكثر حذراً في تحميل العملاء التكاليف المرتفعة، إذ تعهدت شركات تجزئة، مثل «دِلهايز» بالحفاظ على أسعار تنافسية، بينما ركزت شركات السيارات، ومن بينها «فولكس فاغن»، على برامج خفض التكاليف بدلاً من رفع الأسعار.

وتختلف هذه الصورة بشكل ملحوظ عن ربيع 2022، إذ أظهر تطبيق المنهجية نفسها على مكالمات الأرباح آنذاك أن 108 شركات من أصل 132 شركة غير مالية قامت بتمرير التكاليف المرتفعة إلى المستهلكين، مستفيدة من الطلب القوي، والدعم المالي الحكومي.

موظفون يجمعون سيارات «فولكس فاغن» الكهربائية في مصنع الشركة بمدينة إمدن شمال ألمانيا (د.ب.أ)

الشركات الصناعية أكثر قدرة على تمرير التكاليف

ويشير التحليل إلى أن الشركات التي تبيع منتجاتها وخدماتها لشركات أخرى تتمتع بقدرة أكبر على رفع الأسعار مقارنة بالشركات التي تعتمد على المستهلك النهائي.

فمن بين 33 شركة صناعية شملتها الدراسة، أكدت 11 شركة أنها تقوم بالفعل بتمرير التكاليف المرتفعة إلى العملاء، بينما تخطط ثلاث شركات أخرى لاتخاذ الخطوة نفسها، في حين تطبق شركتان زيادات جزئية.

أما في قطاع السلع الاستهلاكية، فقد كانت شركة «بيريللي» الإيطالية لصناعة الإطارات الوحيدة بين 26 شركة أكدت اعتماد سياسة تمرير التكاليف بالكامل، بينما تدرس أربع شركات أخرى اتخاذ إجراءات مماثلة.

وقال كارستن جونيوس، كبير الاقتصاديين في بنك جي سافرا ساراسين السويسري، إن هذا التباين يعكس طبيعة النمو الاقتصادي الحالي الذي يعتمد بدرجة أكبر على الاستثمار مقارنة بالاستهلاك الأسري.

وأضاف أن السباق العالمي المتسارع في تطوير وتبني تقنيات الذكاء الاصطناعي قد يجعل بعض الشركات أقل حساسية للأسعار، ما يسهل عليها تمرير ارتفاع تكاليف المدخلات إلى عملائها.

الضغوط التضخمية لم تختفِ بعد

ورغم هذه المؤشرات، يحذر اقتصاديون من التقليل من شأن الضغوط السعرية التي لا تزال تتراكم في بعض القطاعات.

فالشركات العاملة في قطاع النقل، مثل «لوفتهانزا» و«دويتشه بوست»، بدأت بالفعل في فرض رسوم إضافية مرتبطة بأسعار الوقود، وهو ما قد يؤدي تدريجياً إلى رفع تكاليف الأعمال في مختلف القطاعات الاقتصادية.

وقال سبيروس أندريوبولوس، مؤسس شركة «ثين آيس» للاستشارات الاقتصادية الكلية: «من السابق لأوانه الحكم على مدى استدامة هذه الضغوط السعرية، كما أنه من المبكر إعلان انتهاء الأزمة».

وتشير دراسة صادرة عن بنك فنلندا إلى أن انتقال الزيادات السعرية في بعض القطاعات إلى التضخم الاستهلاكي العام قد يستغرق ما بين شهرين و15 شهراً.

الشركات استفادت من دروس أزمة 2022

كما يكشف التحليل أن الشركات الأوروبية أصبحت أكثر استعداداً للتعامل مع صدمات الأسعار مقارنة بما كانت عليه قبل أربع سنوات.

فقد توسع استخدام استراتيجيات التحوط المالي، سواء عبر العقود طويلة الأجل، أو الأدوات المشتقة، ما خفف الحاجة إلى زيادات فورية في الأسعار.

وأفادت إدارات 74 شركة بامتلاكها برامج تحوط ضد تقلبات الأسعار، مقارنة بـ68 شركة فقط في عام 2022.

كما توسع استخدام بنود ربط الأسعار بالتضخم، والتي تسمح بتعديل الأسعار تلقائياً عند ارتفاع تكاليف المدخلات، مثل الوقود، والطاقة.

واستخدم نحو ربع الشركات التي تخطط لرفع الأسعار هذه الآلية، مقارنة بنسبة 22 في المائة خلال أزمة 2022.

ورغم أن العينة التي اعتمدتها «رويترز» تركز على شركات كبرى ذات نشاط عالمي، ومدرجة ضمن مؤشر «يورو ستوكس»، ما قد لا يعكس أوضاع الشركات الصغيرة، والمتوسطة، فإن النتائج تتماشى مع استطلاعات المفوضية الأوروبية التي أظهرت تراجع توقعات الشركات لأسعار البيع خلال مايو بعد ارتفاعها في أبريل، مع بقائها أدنى بكثير من المستويات المسجلة في ربيع 2022.


الأسهم الأوروبية ترتفع في بداية التداولات وتترقب بيانات التضخم

يظهر مؤشر أسعار الأسهم الألماني «داكس» على شاشة في بورصة فرانكفورت (رويترز)
يظهر مؤشر أسعار الأسهم الألماني «داكس» على شاشة في بورصة فرانكفورت (رويترز)
TT

الأسهم الأوروبية ترتفع في بداية التداولات وتترقب بيانات التضخم

يظهر مؤشر أسعار الأسهم الألماني «داكس» على شاشة في بورصة فرانكفورت (رويترز)
يظهر مؤشر أسعار الأسهم الألماني «داكس» على شاشة في بورصة فرانكفورت (رويترز)

ارتفعت الأسهم الأوروبية في بداية تداولات يوم الثلاثاء، مدعومةً بتوقعات إيجابية من شركة «إس تي ميكروإلكترونيكس»، مما عزّز أسهم قطاع التكنولوجيا، في وقت يترقب فيه المستثمرون صدور بيانات مهمة عن التضخم في وقت لاحق من اليوم، بحثاً عن مؤشرات حول تأثير التوترات في الشرق الأوسط على اقتصاد منطقة اليورو.

وارتفع مؤشر «ستوكس 600» الأوروبي بنسبة 0.7 في المائة، ليصل إلى 625.20 نقطة بحلول الساعة 07:15 بتوقيت غرينتش، في حين تصدّر قطاع التكنولوجيا المكاسب القطاعية بارتفاع بلغ 2.4 في المائة، وفق «رويترز».

وقفز سهم شركة «إس تي ميكروإلكترونيكس» بنسبة 9.8 في المائة ليصل إلى 65.1 يورو، وهو أعلى مستوى له منذ سبتمبر (أيلول) 2000، بعد أن رفعت الشركة توقعاتها لإيرادات أعمال مراكز البيانات، مما يعكس استمرار الطلب القوي المدفوع بازدهار تقنيات الذكاء الاصطناعي.

كما ارتفعت أسهم شركات أخرى مرتبطة بالذكاء الاصطناعي، من بينها «إنفينيون» و«شنايدر إلكتريك»، بنسبة 5.2 في المائة و2.4 في المائة على التوالي. وفي سياق جيوسياسي، أسهم إعلان وقف إطلاق نار جزئي بين لبنان وإسرائيل، عقب تصعيد محدود للأعمال العدائية يوم الاثنين، في دعم معنويات الأسواق.

في المقابل، تراجعت أسعار النفط الخام بنحو 1 في المائة، مع ترقب المستثمرين تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترمب بشأن استمرار المحادثات مع إيران، رغم تقارير أشارت إلى تعليق طهران المفاوضات غير المباشرة مع واشنطن. ومع ذلك، يرى محللون أن أسعار الطاقة، التي تدور حول 94 دولاراً للبرميل، ستظل عند مستويات مرتفعة نسبياً.

ومن المتوقع أن يُظهر تقرير تضخم أسعار المستهلكين في منطقة اليورو، المنتظر صدوره لاحقاً اليوم، ارتفاعاً سنوياً بنسبة 3.2 في المائة خلال مايو (أيار) مقارنة بالشهر السابق.

كما تشير توقعات المتداولين إلى احتمال رفع البنك المركزي الأوروبي أسعار الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس خلال اجتماعه الأسبوع المقبل، وفقاً لبيانات مجموعة بورصة لندن.

وفي أسهم الشركات، هبط سهم شركة «أبيفاكس» بنسبة 27 في المائة، بعد إعلان الشركة الفرنسية نتائج المرحلة الأخيرة من التجارب السريرية لعقارها المخصص لعلاج التهاب الأمعاء.