لبنان بعد 7 أكتوبر... موازين قوى جديدة لترميم العلاقة مع العالم

تفكّك قبضة «حزب الله» وتحوّل الممارسة باتجاه تثبيت منطق الدولة

لافتة على طريق «مطار بيروت الدولي» تروج للسياحة في لبنان (أ.ب)
لافتة على طريق «مطار بيروت الدولي» تروج للسياحة في لبنان (أ.ب)
TT

لبنان بعد 7 أكتوبر... موازين قوى جديدة لترميم العلاقة مع العالم

لافتة على طريق «مطار بيروت الدولي» تروج للسياحة في لبنان (أ.ب)
لافتة على طريق «مطار بيروت الدولي» تروج للسياحة في لبنان (أ.ب)

يكاد يُجمع الدبلوماسيون الدوليون في لبنان على أن تغييراً كبيراً حصل فيه منذ 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023. تحركت عجلة السلطة، وحصل تغيير سياسي كبير في المشهد اللبناني لناحية تفكك قبضة «حزب الله» عن الدولة، وتبدلت موازين القوى إلى حد كبير، لكن التقديرات تختلف بين مَن يرجعها إلى النتائج المباشرة للحرب الإسرائيلية التي قوّضت قوة «حزب الله» العسكرية، ومن يُعيدها إلى تبدّل في الموازين الإقليمية، وليس أقلها سقوط نظام بشار الأسد في سوريا، وتراجع النفوذ الإيراني داخل لبنان.

الرئيس اللبناني المنتخب جوزيف عون يؤدي اليمين الدستورية في البرلمان اللبناني يناير 2025 (د.ب.أ)

فقبل 7 أكتوبر، أي هجوم «حماس» على المستوطنات الإسرائيلية بغلاف غزة، كان لبنان يراوح ضمن «ستاتيكو» مستمر منذ سنوات: تعايش بين الدولة وسلاح «حزب الله» المشرّع ضمن البيانات الوزارية المتعاقبة، وتجاهل لكل الدعوات الدولية للإصلاح، ومراوحة في تنفيذ الاستحقاقات الدستورية، وفي مقدمها الفراغ الرئاسي، وتأرجح في قوائم التصنيفات المالية ضمن القائمة الرمادية لـ«فاتف»، وغيرها من الملفات العالقة.

مناصرون لـ«حزب الله» يرفعون أعلامه وصورة أمينه العام السابق حسن نصر الله في تحرك محدود بالضاحية الجنوبية لبيروت الأسبوع الماضي (إ.ب.أ)

دخل «حزب الله» الحرب في 8 أكتوبر، وأطلق عليها اسم «حرب إسناد ودعم غزة»، وحاول أن يرسم حدود هذه المعركة، وهو ما رفضته إسرائيل عسكرياً، فكانت توسع الضربات بشكل متدرج، حتى بدأت الاغتيالات بحق قادة «حزب الله» و«حماس» في لبنان، بدءاً من يناير (كانون الثاني) 2024.

ومع الوقت، انتهى ما كان يسميه «حزب الله»، «توازن الردّع» أو «قواعد الاشتباك»، فباتت الساحة اللبنانية، منذ يناير 2024، مشرّعة بأكملها أمام الاغتيالات، وتحوّلت بدءاً من أغسطس (آب) 2024 بأكملها إلى ساحة استهداف جوي إسرائيلي، قبل أن تنفجر الحرب الطاحنة في 23 سبتمبر (أيلول) 2024، وتنتهي باتفاق وقف إطلاق النار في 26 نوفمبر (تشرين الثاني) من العام نفسه.

خلال تلك الفترة، جرى تعليق انتخابات رئاسة الجمهورية، وبقيت الحكومة اللبنانية حكومة تصريف أعمال. وحالَ الفراغ في المؤسسات دون إجراء تعيينات، علماً بأن الفراغ في المواقع الإدارية الأولى بلغت نسبته 50 في المائة، وتحوّلت الوفود الدولية باتجاه ملف واحد، وهو تجنب الانزلاق إلى نزاع أكبر، ووقف الحرب، وإقناع «حزب الله» بوقف مساندته لغزة.

بدء التحول السياسي

انفجرت الحرب في سبتمبر، وتوصل لبنان إلى اتفاق لوقف إطلاق النار في نوفمبر 2024. ومع انقضاء المعارك، انطلقت ورشة سياسية جديدة لترجمة نتائج الحرب التي مُني فيها «حزب الله» بهزيمة عسكرية، ما أفضى إلى اتفاق سياسي قضى بانتخاب قائد الجيش، العماد جوزيف عون، رئيساً للجمهورية، وتكليف القاضي نواف سلّام بتشكيل الحكومة.

الرئيس اللبناني المنتخب جوزيف عون يؤدي اليمين الدستورية في البرلمان اللبناني يناير 2025 (د.ب.أ)

انتهت التسوية إلى تغيير جذري في الأدبيات السياسية اللبنانية، إذ لم تُذكر المقاومة مطلقاً في خطاب القسم والبيان الوزاري للحكومة، في أول تغيير من نوعه منذ نهاية الحرب اللبنانية. كما تعهّدت الحكومة بـ«حصرية السلاح»، واحتكار قرار السلم والحرب.

منطق الدولة

عملياً، بدأت الدولة في عهد الرئيس جوزيف عون ترميم علاقتها مع العالم، ومخاطبة المجتمع الدولي، وتحوَّلت الممارسة في الداخل باتجاه تثبيت منطق الدولة وحضورها. فإلى جانب الإصلاحات الأمنية والسياسية جرى تعيين الهيئات الناظمة للقطاعات، وانطلقت خطة ملء الشغور في المواقع الإدارية وإجراء تعيينات، وفي مقدمتها حاكمية مصرف لبنان المركزي، وإعلان التشكيلات القضائية، وبدء ورشة إقرار القوانين الإصلاحية، وإجراء الانتخابات البلدية.

في تلك المرحلة، برزت إجراءات أمنية عكست تغييرات كبيرة، وفي مقدمتها الإجراءات في مطار بيروت، وإبعاد المشتبه بأنهم من «حزب الله»، تزامنت مع إجراءات قضائية واستدعاءات وتوقيفات... وتُوّجت الإجراءات بقرار الحكومة في 5 أغسطس 2024، القاضي بحصرية السلاح، وتكليف الجيش اللبناني في جلسة 5 سبتمبر الماضي بتنفيذ الخطة التي عبرت من جنوب الليطاني في جنوب لبنان، إلى المخيمات الفلسطينية التي لطالما كانت عصيّة عن تسليم سلاح فصائلها، إلى جانب ضبط الحدود مع سوريا وبدء العمل المشترك مع دمشق على حل الملفات العالقة، وتفكيك مصانع الكبتاغون ووقف تهريب المخدرات.

مجلس الوزراء منعقد برئاسة رئيس الجمهورية جوزيف عون الاثنين (إ.ب.أ)

في كل تلك التفاصيل، برز حضور الدولة بشكل لافت، فيما تراجع الوجه العسكري لـ«حزب الله» وتقلّص نفوذه. واتجه الحزب في خطابه نحو التركيز على الجانب السياسي، في تحوّل نادر في مسيرته، محمّلاً الدولة اللبنانية مسؤولية الدفاع والحماية.

وترى مصادر دبلوماسية أن ما تحقّق خلال العام الأخير «كان إنجازاً كبيراً ومفاجئاً لكل المعنيين الدوليين بملف لبنان»، فالبلاد التي اهتزت علاقتها بمحيطها العربي في وقت سابق، عادت إلى ترميم حضورها وتوطيد علاقاتها، وبدأ لبنان، في العهد الجديد، استعادة تلك الثقة تدريجياً، وخطى باتجاه تنفيذ تعهداته التي تحتاج إلى وقت، وهو ما يتفهمه أصدقاء لبنان، حسبما تقول المصادر، «كون الأمور وُضِعت على السكة».


مقالات ذات صلة

قمة دينية لبنانية تدعم مساعي الدولة لوقف الحرب

المشرق العربي صورة جامعة لرجال الدين والمرجعيات الروحية (الشرق الأوسط)

قمة دينية لبنانية تدعم مساعي الدولة لوقف الحرب

خلصت القمة الروحية الإسلامية المسيحية، التي انعقدت الثلاثاء في بيروت بمشاركة رؤساء الطوائف، إلى تأييد الدولة اللبنانية في سعيها الحثيث لتحقيق وقف إطلاق النار.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي جنود من البعثة الفرنسية في «اليونيفيل» ضمن عداد «اليونيفيل» في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

غوتيريش يقترح الإبقاء على قوة أممية في لبنان بعد انتهاء مهمة «اليونيفيل»

شدّد الأمين العام للأمم المتحدة على «ضرورة» الإبقاء على وجود عسكري أممي في لبنان بعد انتهاء مهمة حفظ السلام الحالية (اليونيفيل) في آخر 2026.

«الشرق الأوسط» (الأمم المتحدة (الولايات المتحدة))
الاقتصاد الشمس تغرب فوق الضاحية الجنوبية لبيروت في أعقاب تهديد إسرائيلي بضرب المنطقة (أ.ب)

«صندوق النقد» يُشرّح أزمة لبنان: الفساد المنهجي يعطّل التعافي... والحوكمة هي الحل

أصدر صندوق النقد الدولي تقريراً فنياً شاملاً ومفصلاً يُعد بمنزلة «مشرط جراح» للأوضاع المؤسسية في لبنان.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
خاص عائلات تغادر الضاحية الجنوبية بعد أن أمر نتنياهو بشنّ غارات على الضاحية في بيروت بلبنان (الشرق الأوسط)

خاص لبنان: الأولوية لوقف نار حقيقي... ومستعد لخيار اتفاق أمني

يحمل المفاوض اللبناني إلى واشنطن مطلب «وقف حقيقي» لإطلاق النار مع إسرائيل، ومنفتح على كل الخيارات ومنها اتفاق أمني.

ثائر عباس (بيروت)
المشرق العربي تصاعد الدخان من منطقة في جنوب لبنان عقب غارة إسرائيلية كما بدا من مدينة مرجعيون (رويترز)

ضاحية بيروت في دائرة النار مجدداً... بضوء أخضر أميركي

أدخلت إسرائيل الضاحية الجنوبية لبيروت مباشرة في قلب المواجهة بعدما أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع يسرائيل كاتس إصدار أوامر باستهدافها

صبحي أمهز (بيروت)

غوتيريش يقترح 3 خيارات لإنشاء قوة مراقبة بين لبنان وإسرائيل

الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش خلال زيارة تفقدية للخط الأزرق على الحدود بين لبنان وإسرائيل (الأمم المتحدة)
الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش خلال زيارة تفقدية للخط الأزرق على الحدود بين لبنان وإسرائيل (الأمم المتحدة)
TT

غوتيريش يقترح 3 خيارات لإنشاء قوة مراقبة بين لبنان وإسرائيل

الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش خلال زيارة تفقدية للخط الأزرق على الحدود بين لبنان وإسرائيل (الأمم المتحدة)
الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش خلال زيارة تفقدية للخط الأزرق على الحدود بين لبنان وإسرائيل (الأمم المتحدة)

اقترح الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش إنشاء قوة مراقبة معززة من آلاف الأفراد لتولي مهمات ما بعد القوة المؤقتة للأمم المتحدة في لبنان (اليونيفيل) التي ستنسحب بشكل كامل في نهاية العام الجاري، في خطوة يمكن أن تلقى معارضة من كل من الولايات المتحدة وإسرائيل.

ووجه غوتيريش رسالة إلى رئيسة مجلس الأمن للشهر الجاري المندوبة الكولومبية الدائمة لدى الأمم المتحدة ليونيور زالاباتا توريس ضمنها ما سماه «خيارات مستقبل تنفيذ القرار 1701 بعد انسحاب القوة المؤقتة للأمم المتحدة في لبنان (اليونيفيل)، بما في ذلك خيارات المساعدة فيما يتعلق بأمن الخط الأزرق ومراقبته، وسبل تعزيز دعم إعادة انتشار القوات المسلحة اللبنانية جنوب نهر الليطاني من خلال أدوات الأمم المتحدة»، طبقاً لما يتطلبه قرار مجلس الأمن رقم 2790.

غير أن الرسالة التي أصدرها غوتيريش تأتي أيضاً في ظل محادثات السلام التي ترعاها إدارة الرئيس دونالد ترمب بين الجانبين اللبناني والإسرائيلي، والتي تشمل العمل على ترتيبات أمنية على جانبي الحدود تشمل ضمانات من الولايات المتحدة.

وعرض غوتيريش للوقائع الميدانية ومفاوضات السلام هذه، عقب اجتماع استضافته الولايات المتحدة، مجادلاً بأنه بعد انتهاء ولاية «اليونيفيل» مع نهاية العام الجاري «سيكون من الضروري وجود قوة نظامية تابعة للأمم المتحدة تعمل على تيسير خفض التصعيد والحوار والتنسيق والاتصال، ودعم القوات المسلحة اللبنانية، استكمالاً لمكتب منسق الأمم المتحدة الخاص المعني بلبنان المعزز، بغية تحقيق الهدف الأسمى المتمثل في التوصل إلى حل طويل الأمد للنزاع.

وبشكل أكثر تحديداً، ستواصل الأمم المتحدة، بصفتها الجهة المؤقتة المسؤولة عن الخط الأزرق، القيام بدور حيوي في مراقبة الخط الأزرق والحفاظ عليه بشكل محايد، بما في ذلك من خلال المراقبة والإبلاغ ورسم الخرائط والمسح ووضع العلامات وجهود منع الاشتباك الفنية».

الخيارات الثلاثة

أعضاء من لجنة مراقبة وقف النار بين لبنان وإسرائيل وبينهم قائد القوة المؤقتة للأمم المتحدة في لبنان (اليونيفيل) الميجر جنرال أرولدو لازارو ساينز والميجر جنرال الأميركي جاسبر جيفرز والجنرال الفرنسي غيوم بونشامب خلال اجتماع في بيروت (أ.ب)

وبناء عليه، عرض غوتيريش «ثلاثة خيارات» لوجود عسكري نظامي للأمم المتحدة في لبنان مستقبلاً، موضحاً أن الخيار الأول يتمثل بـ«وجود مراقبين عسكريين غير مسلحين من الأمم المتحدة، قوامهم 350 فرداً نظامياً، إلى جانب وجود مسلح من الأمم المتحدة لحماية القوة، يشمل أربع كتائب مشاة قوام كل منها 750 جندياً مسلحاً، وقوات احتياط قوامها 700 جندي مسلح، من شأنه أن يُمكنهم من رصد التطورات على امتداد الخط الأزرق وصولاً إلى نهر الليطاني بأكثر الطرق صدقية».

وإذا اعتمد مجلس الأمن هذا الخيار، ستتألف القوة من نحو 5525 فرداً نظامياً، بينهم المراقبون غير المسلحين، ووحدات الأمم المتحدة المسلحة، ووحدات الدعم الأخرى وأفرادها.

ويحدد الخيار الثاني «وجود مراقبين عسكريين غير مسلحين من الأمم المتحدة، قوامهم 285 فرداً نظامياً، إلى جانب وجود مسلح من الأمم المتحدة لحماية القوات، يشمل كتيبتي مشاة قوام كل منهما 750 جندياً مسلحاً، وقوات احتياطية قوامها 450 جندياً مسلحاً، مع التركيز على المنطقة الواقعة بين نهر الليطاني والخط الأزرق، سيكون لديه القدرة على مراقبة جزء من الخط الأزرق بشكل مباشر من خلال وجوده المادي، بما في ذلك من نقاط مراقبة ثابتة وعبر الدوريات».

ويشمل الخيار نحو 3370 فرداً نظامياً.

أما الخيار الثالث فيتطلب «وجود مراقبين عسكريين غير مسلحين من الأمم المتحدة قوامهم 215 فرداً، بالإضافة إلى كتيبتين من المشاة الخفيفة قوام كل منهما 450 جندياً مسلحاً، وقوة رد فعل سريع قوامها 350 جندياً مسلحاً لحماية القوات، ولمراقبة التطورات على طول الخط الأزرق وحتى عدة كيلومترات شماله، بما في ذلك من مواقع ثابتة في مواقع حيوية وعبر عمليات مراقبة متنقلة». واستدرك أنه «لا يمكن مراقبة الخط الأزرق بأكمله بشكل مستمر دون توفر القدرات التكنولوجية اللازمة. سيكون لدى وجود الأمم المتحدة بعض القدرة على التحقق والتحقيق في انتهاكات القرار 1701 حتى نهر الليطاني».

ويتألف الخيار الثالث من نحو 1980 فرداً نظامياً.

وقال غوتيريش إنه بعد انتهاء مهمة «اليونيفيل»، ينبغي مراعاة «ضمان توفير الحماية اللازمة والترتيبات اللوجستية للمراقبين العسكريين غير المسلحين التابعين لهيئة الأمم المتحدة لمراقبة الهدنة، (أونتسو)، في مجموعة المراقبين في لبنان».

وقدم عرضاً إضافياً حول حظر الأسلحة المفروض على لبنان وقوة المهمات البحرية الأممية لدعم البحرية اللبنانية في مراقبة مياهها الإقليمية، وتأمين السواحل اللبنانية، ومنع دخول الأسلحة أو المعدات ذات الصلة إلى لبنان عن طريق البحر من دون ترخيص.


«حماس» تكثف لقاء الوسطاء... وملادينوف يربط مشاركته بـ«تقدم إيجابي»

فلسطينيون ينتظرون لتلقي الطعام من مطبخ خيري في مدينة غزة يوم الثلاثاء (رويترز)
فلسطينيون ينتظرون لتلقي الطعام من مطبخ خيري في مدينة غزة يوم الثلاثاء (رويترز)
TT

«حماس» تكثف لقاء الوسطاء... وملادينوف يربط مشاركته بـ«تقدم إيجابي»

فلسطينيون ينتظرون لتلقي الطعام من مطبخ خيري في مدينة غزة يوم الثلاثاء (رويترز)
فلسطينيون ينتظرون لتلقي الطعام من مطبخ خيري في مدينة غزة يوم الثلاثاء (رويترز)

في الوقت الذي تكثف فيه حركة «حماس» اللقاءات مع وسطاء اتفاق وقف إطلاق النار في غزة من مصر وقطر وتركيا، لإيجاد مقاربات بشأن القضايا العالقة باتفاق وقف إطلاق النار، ينتظر «مجلس السلام» والإدارة الأميركية ما ستؤول إليه محادثات القاهرة المرتقبة بين الوسطاء ووفد الحركة والفصائل الفلسطينية.

والتقى وفد من المجلس القيادي لـ«حماس» مسؤولين أتراك في أنقرة، بينما ينتظر وصول ممثلين عن الحركة، قريباً، إلى القاهرة لعقد لقاءات مع ممثلين عن الفصائل الفلسطينية، ومسؤولين مصريين بشكل أحادي، وآخرين من الدول الوسيطة.

وعلمت «الشرق الأوسط» من مصدرين في «حماس»، أن وفد الحركة سيقدم بعض الأفكار التقريبية التي تهدف إلى حل الخلافات القائمة، مشيراً إلى أن بعضها تم بالتشاور مع الفصائل والوسطاء.

ويخيّم الجمود على المحادثات غير المباشرة بين إسرائيل و«حماس»، وفي حين تتمسك الحركة بتنفيذ استحقاقات المرحلة الأولى المتضمنة الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي التي تحتلها، وإدخال المساعدات والبضائع إلى القطاع، تضغط إسرائيل لنزع سلاح الفصائل بوصفه أبرز بنود المرحلة الثانية.

وانتهكت إسرائيل وقف إطلاق النار المعلن في غزة منذ أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، وقتلت أكثر من 930 فلسطينياً بينهم قيادات كبيرة في «كتائب القسام» الذراع العسكرية لـ«حماس»، بينما بلغ إجمالي الضحايا في غزة قرابة 73 ألف قتيل منذ أكتوبر 2023.

فلسطينيون يتفقدون مركبة أُصيبت بغارة جوية إسرائيلية في دير البلح وسط قطاع غزة (أ.ب)

وتوقعت المصادر بحثاً إضافياً ومعمقاً في تلك المقترحات خلال اجتماعات القاهرة، استكمالاً لمناقشات سابقة مع الوسطاء في قطر وتركيا.

ولفت أحد المصادر إلى أن «الوسطاء سيقدمون من طرفهم مقاربات أخرى، لتوحيد الجهود نحو صياغة موحدة يتم نقلها إلى إسرائيل و«مجلس السلام» والإدارة الأميركية، وضمان ألا تقوم الأطراف الثلاثة الأخيرة بأي تحركات أحادية الجانب في الفترة المقبلة».

ولم يوضح المصدران ماهية الأفكار الجديدة التي ستطرح في اللقاءات المرتقبة. بينما اكتفى أحدهما بالقول إنه «من المُبكر الحديث عنها قبل إجراء مناقشات معمقة والوصول إلى صياغة مناسبة».

وأعلنت «حماس» في بيان، الثلاثاء، أن وفداً من مجلسها القيادي برئاسة محمد درويش، وعضوية: خالد مشعل، وخليل الحية، وزاهر جبارين، التقى مع رئيس المخابرات التركية، إبراهيم قالن، في أنقرة.

وبحث اللقاء بحسب البيان «تصاعد الهجمات الإسرائيلية بغزة، وتنكر حكومة (رئيس الوزراء الإسرائيلي) بنيامين نتنياهو للالتزام باتفاق شرم الشيخ، وعدم استكمال تطبيق المرحلة الأولى من الاتفاق»، ونقل أن «الوفد قدم تقييماً لمسار الاتفاق والتطورات المرتبطة به وخاصةً الخروقات الميدانية التي تعوق التقدم في المباحثات بشأن المراحل التالية».

وقال مصدر من «حماس» في تركيا لـ«الشرق الأوسط»، إن «اللقاء كان مهماً، وبحث العديد من الأفكار للمضي قدماً باتفاق وقف إطلاق النار».

محاولات لإشراك ملادينوف

ويسعى الوسطاء إلى إشراك الممثل الأعلى لغزة في «مجلس السلام»، نيكولاي ملادينوف، في لقاءات القاهرة؛ إلا أن مصادر من «حماس» وأخرى مقربة من ملادينوف قالت إن تلك الجهود «لم تنجح بعد» خصوصاً مع استمرار «حماس» في انتقاده علناً، واتهامه بالانحياز لإسرائيل، وتبنّي روايتها.

وقال مصدر مطلع على تواصل مع فريق ملادينوف لـ«الشرق الأوسط»، إن زيارته إلى القاهرة «مرتبطة بنجاح الاتصالات بشكل جدي بين (حماس) والوسطاء، وأضاف: «من دون إحراز أي تقدم لا معنى لوجوده أو حضوره في القاهرة، وملادينوف على تواصل باستمرار مع الوسطاء، ويتم إطلاعه على المستجدات اللازمة، وفي حال كانت هناك بوادر إيجابية جدية سيحضر فوراً سواء إلى القاهرة أو غيرها من العواصم».

الممثل السامي لغزة في «مجلس السلام» نيكولاي ملادينوف يتحدث أمام مجلس الأمن بنيويورك (الأمم المتحدة)

وأكد المصدر أن موقف ملادينوف بشأن الوضع في غزة، يمثل موقف «مجلس السلام» بشكل كامل، والذي يصر على نزع السلاح بأكمله في قطاع غزة، سواء الفصائلي أو العشائري وحتى الشخصي، بما يضمن تولي لجنة إدارة قطاع غزة مهمة حصر السلاح، وأن يكون لها السيادة الكاملة في ترتيب الوضع الأمني والقانوني داخل القطاع.

ومن دون تسمية إيران، قال المصدر إن على «حماس» ألا تعول على موقف جهات أخرى، وترهن الوضع في غزة بمصير جبهات أخرى. ونفت مصادر في «حماس» في وقت سابق رهنها مفاوضات غزة بمصير الاتفاق الأميركي - الإيرانية المرتقب.

ولفت المصدر إلى أن «المرحلة المقبلة بشأن غزة ستكون حاسمة فيما يتعلق بالخيارات المطروحة داخل (مجلس السلام) والإدارة الأميركية، بالتنسيق مع إسرائيل وأطراف أخرى»، مشيراً إلى أن «من أهم تلك الخطوات المضي قدماً في خطة الرئيس الأميركي دونالد ترمب بشكل أحادي، ومن دون أن تكون (حماس) شريكة فيها عبر إجراءات عملية».

لجنة غزة ولقاء مع «مجلس السلام»

وواصلت «حماس» وفصائل فلسطينية، الثلاثاء، توجيه انتقادات حادة لملادينوف، و«مجلس السلام» على خلفية مواقفهما من الوضع والخروقات الإسرائيلية المتكررة في غزة، وطالت الانتقادات بصورة أقل «لجنة إدارة غزة».

وعلمت «الشرق الأوسط» من مصدرين مقربين من «لجنة إدارة غزة»، أنه تم وضع اجتماعات على جدول أعمالها من المفترض أن تعقد بعد منتصف الشهر الحالي في قبرص، مع مسؤولين في «مجلس السلام»، وذلك بهدف بحث الخطوات المرتقبة التي يجب أن تتخذ بشأن الوضع في غزة، وقد يكون منها «خطوات أحادية الجانب» وفق قول أحد المصدرين.

رئيس لجنة إدارة غزة علي شعث يوقع بيان مهمة اللجنة (إكس)

وأكد حازم قاسم الناطق باسم «حماس»، جاهزية حركته تسليم الحكم للجنة إدارة غزة، متهماً إسرائيل وملادينوف بتعطيل عملها ومنعها من دخول القطاع.

بينما قال بيان باسم «فصائل المقاومة» الفلسطينية في غزة، إن «خريطة ملادينوف لإدارة غزة تمثل ابتزازاً سياسياً وإنسانياً؛ إذ تربط المساعدات والوقود والإعمار بنزع سلاح المقاومة، وتحاول وضع لجنة التكنوقراط في مواجهة شعبنا الفلسطيني، بما يعمق الانقسام، ويهدد بتفجير صراع داخلي يخدم العدو الصهيوني، ويشرعن جرائمه»، وفق نص البيان الذي دعا اللجنة إلى «الانحياز دوماً لمصالح الفلسطينيين، ورفض خطط إسرائيل».


مجلس الأمن يشيد بضغوط ترمب ويطالب إسرائيل بالانسحاب من لبنان

صورة التقطت من الجانب الإسرائيلي للحدود وفيها آليات عسكرية إسرائيلية داخل الأراضي اللبنانية (أ.ف.ب)
صورة التقطت من الجانب الإسرائيلي للحدود وفيها آليات عسكرية إسرائيلية داخل الأراضي اللبنانية (أ.ف.ب)
TT

مجلس الأمن يشيد بضغوط ترمب ويطالب إسرائيل بالانسحاب من لبنان

صورة التقطت من الجانب الإسرائيلي للحدود وفيها آليات عسكرية إسرائيلية داخل الأراضي اللبنانية (أ.ف.ب)
صورة التقطت من الجانب الإسرائيلي للحدود وفيها آليات عسكرية إسرائيلية داخل الأراضي اللبنانية (أ.ف.ب)

أظهر أعضاء مجلس الأمن شبه إجماع على تحذير إسرائيل من تكرار تجربة احتلالها في لبنان، مطالبين بسحب قواتها من المناطق التي اجتاحتها خلال الحرب الأخيرة، بالتزامن مع الجهود لبسط سلطة الدولة على كامل أراضيها والشروع في نزع سلاح «حزب الله».

وبطلب من فرنسا، عقد مجلس الأمن جلسة طارئة، مساء الاثنين، للتعامل مع التصعيد الواسع النطاق، في وقت تدخل فيه الرئيس الأميركي دونالد ترمب لمنع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو من الذهاب بعيداً في استهداف بيروت وضاحيتها الجنوبية مقابل وقف استهداف «حزب الله» للقرى والبلدات والمدن الإسرائيلية. وأشاد المندوبون الدائمون للدول الـ15 الأعضاء في المجلس بجهود الرئيس ترمب رغم أنها لم تصل إلى حد المطالبة بانسحاب إسرائيل من لبنان.

غير أن المندوب الأميركي الدائم لدى الأمم المتحدة مايك والتز حرص على الإشارة إلى أن الرئيس ترمب «الذي يهتم شخصياً بلبنان، اقترح تسلسلًا واضحاً لإنهاء الحرب: على (حزب الله)، الذي أشعل فتيل القتال، أن يوقف هجماته في إسرائيل»، مضيفاً أن «هذا من شأنه أن يفسح المجال لخفض التصعيد تدريجاً، وفي نهاية المطاف، لوقف إطلاق النار». وإذ عدّ أن الإسرائيليين «ليست لديهم مطامع في الأراضي اللبنانية»، حمل بشدة على «حزب الله» بوصفه «جماعة إرهابية هاجمت أميركيين، وقتلت قوات حفظ السلام التابعة لـ(اليونيفيل)، واحتجزت مدنيين رهائن لعقود، واغتالت أبناء شعبها الشجعان الذين تدّعي حمايتهم». واتهم مسؤولي النظام الإيراني بأنهم «أمروا» الحزب «بإطالة أمد هذه الحرب، ليتمكنوا من ادعاء إنقاذ الموقف».

المندوب الأميركي الدائم لدى الأمم المتحدة مايك والتز (الأمم المتحدة)

وتطرق والتز إلى محادثات السلام اللبنانية - الإسرائيلية، قائلاً إن «إسرائيل قدمت ضمانات واضحة بعدم وجود أي مطامع إقليمية لها في لبنان»، بينما «أعلن لبنان عزمه على نزع سلاح (حزب الله) نهائياً». وأكد أن «الطريق واضح: يتوقف (حزب الله) عن مهاجمة إسرائيل. وتؤكد القوات المسلحة اللبنانية والحكومة اللبنانية الشرعية السيطرة على الأراضي اللبنانية. وتتوقف إيران عن استخدام لبنان قاعدة عمليات أمامية».

«خطأ استراتيجي فادح»

وفي موازاة هذه المقاربة الأميركية، أصدر ممثلو كل من فرنسا وبريطانيا وروسيا والصين وبقية الأعضاء انتقادات حادة لتصرفات إسرائيل. وأفاد المندوب الفرنسي الدائم لدى الأمم المتحدة جيروم بونافون بأن بلاده طلبت عقد هذا الاجتماع الطارئ رداً على «التصعيد الخطير الجاري حالياً»، مشدداً على أن «(حزب الله)، المدعوم من إيران، يتحمل مسؤولية إشعال فتيل الصراع، كونه جرّ لبنان والشعب اللبناني» إلى الحرب. غير أنه أضاف أيضاً أنه «لا يوجد ما يبرر استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية ونطاقها»، واصفاً تصرفات إسرائيل بأنها «خطأ استراتيجي فادح». وأعلن تأييد فرنسا القوي للمحادثات المباشرة الجارية بين لبنان وإسرائيل بوساطة من الولايات المتحدة، داعياً إلى «تسوية سياسية دائمة، تشمل نزع سلاح (حزب الله)، وانسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي اللبنانية».

أما نظيره الروسي فاسيلي نيبينزيا، فوصف وقف النار الذي جرى التوصل إليه يوم 17 أبريل (نيسان) الماضي بأنه «للأسف ستار من الدخان لعدوان زاحف ضد لبنان». وإذ ندد بقوة «بالأعمال العدوانية الإسرائيلية»، طالب بـ«الانسحاب الفوري للقوات الإسرائيلية من الأرض اللبنانية»، محذراً من أنه «دون ذلك سيكون من المستحيل التوصل إلى وقف لإطلاق النار». ورأى أن تدهور الوضع في لبنان هو نتيجة مباشرة لـ«العدوان غير المبرر» من الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران.

وندد القائم بأعمال المندوب البريطاني جيمس كاريوكي بتصرفات إسرائيل، قائلاً إن «هذا التصعيد المتهور وغير المتناسب للعمل العسكري الإسرائيلي يُفاقم الوضع الكارثي أصلاً الذي يعيشه المدنيون اللبنانيون، ويضع الحكومة اللبنانية تحت ضغط إضافي». وطالب بانسحاب إسرائيل فوراً من كل الأراضي اللبنانية وعدم تكرار تجربة الاحتلال.

ودعا دبلوماسيون يمثلون باكستان والبحرين وجمهورية الكونغو الديمقراطية والدنمارك وليبيريا، بالإضافة إلى كولومبيا التي تتولى الرئاسة الدورية لمجلس الأمن في يونيو (حزيران) الحالي، إلى خفض التصعيد، مطالبين إسرائيل بالانسحاب من الأراضي اللبنانية.

وكان أعضاء المجلس استمعوا إلى إحاطة من مساعدة الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش للشؤون السياسية وبناء السلام مارثا بوبي التي أشارت إلى خط الترسيم الذي يفصل إسرائيل عن لبنان وهضبة الجولان، قائلة إن «وجود إسرائيل شمال الخط الأزرق يُعد انتهاكاً صارخاً لسيادة لبنان ووحدة أراضيه. وتتردد أصداء هذه الأعمال العدائية في كل أنحاء المنطقة». وشددت على أن «القوات المسلحة اللبنانية هي القوة المسلحة الشرعية الوحيدة في لبنان». ودعت إسرائيل إلى سحب قواتها من الأراضي اللبنانية.

لبنان وإسرائيل

المندوب اللبناني الدائم لدى الأمم المتحدة أحمد عرفة (الأمم المتحدة)

وعرض المندوب اللبناني أحمد عرفة جهود الحكومة اللبنانية، متهماً إسرائيل بمواصلة «عملية تدمير ممنهج للقرى والبلدات والأحياء السكنية، واستهداف الطواقم الطبية والمستشفيات والإعلاميين والمدارس والبنى التحتية والأجهزة الأمنية وقوات اليونيفيل ودور العبادة والمواقع الأثرية المصنفة بوصفها تراثاً عالمياً للإنسانية». وحذّر من أن «استحداث إسرائيل مناطق أمنية ورسم خطوط جغرافية هو احتلال مباشر وانتهاك صارخ لسيادة لبنان ووحدة وسلامة أراضيه».

من جهته، قال المندوب الإسرائيلي داني دانون: «نحن لا نسعى إلى التصعيد، ولا نطمع في الأراضي اللبنانية، كما أن إسرائيل لا تريد الدخول في صراع مع الشعب اللبناني. المشكلة هي (حزب الله)»، الذي ينفذ على أرض الواقع ما تريده منه إيران، بحيث «يُبقي جذوة الصراع مشتعلة. ويُبقي لبنان رهينة في قبضته، ويُبقي شمال إسرائيل تحت وطأة الهجمات». وأضاف أن «الطريق إلى السلام ليس معقداً. نحن نعرفه جيداً، ونعرف ما يتطلبه الأمر: نزع سلاح (حزب الله) بالكامل، ووجود دولة لبنانية قوية، وقوات مسلحة لبنانية قوية، وحكومة واحدة، وجيش واحد، وسلطة سيادية واحدة».