النقد صامد رغم تريليونات المحافظ الرقمية في زمن الصدمات

أزمات عالمية تثبت أن النقود الورقية تبقى الملاذ الأخير

أوراق نقدية من اليورو، والدولار الهونغ كونغي، والدولار الأميركي، والين الياباني، والجنيه الإسترليني واليوان صيني (رويتروز)
أوراق نقدية من اليورو، والدولار الهونغ كونغي، والدولار الأميركي، والين الياباني، والجنيه الإسترليني واليوان صيني (رويتروز)
TT

النقد صامد رغم تريليونات المحافظ الرقمية في زمن الصدمات

أوراق نقدية من اليورو، والدولار الهونغ كونغي، والدولار الأميركي، والين الياباني، والجنيه الإسترليني واليوان صيني (رويتروز)
أوراق نقدية من اليورو، والدولار الهونغ كونغي، والدولار الأميركي، والين الياباني، والجنيه الإسترليني واليوان صيني (رويتروز)

في عصر تتسارع فيه التكنولوجيا بوتيرة غير مسبوقة، أصبحت المدفوعات الرقمية جزءاً لا يتجزأ من حياة الأفراد والشركات على حد سواء. فالهواتف الذكية، والمحافظ الإلكترونية، والتطبيقات المصرفية، والعملات المشفرة، لم تعد خيارات مستقبلية؛ بل أصبحت واقعاً يومياً يهيمن على المشهد المالي العالمي.

ومع هذا الانتشار الرقمي الواسع، أثارت دراسة حديثة للبنك المركزي الأوروبي تحت عنوان «حافظ على هدوئك واحتفظ بالنقود» جدلاً واسعاً؛ حيث دعا البنك من خلالها مواطني منطقة اليورو إلى الاحتفاظ ببعض النقود الورقية في منازلهم، معتبراً إياها شبكة أمان أساسية تحميهم في حال تعطل أنظمة الدفع الرقمية.

تكمن قوة هذه الدعوة في التناقض الظاهر فيها: بينما يشجع العالم على التحول الرقمي الكامل وتقليص الاعتماد على النقد الورقي، يصر «المركزي الأوروبي» على ضرورة الاحتفاظ بالنقود الورقية كوسيلة لضمان الاستقرار المالي والمرونة في الأزمات. ويعكس هذا التناقض مفارقة جوهرية: على الرغم من التقدم الهائل في المدفوعات الرقمية وسهولة الوصول إليها، يظل النقد الورقي محافظاً على دوره الأساسي، ليس فقط كأداة دفع؛ بل كملاذ آمن في أوقات عدم اليقين المالي أو التقني.

فقد أثبتت الأزمات الأخيرة -سواء أكانت صحية أم سياسية أم تقنية- أن النقد الورقي يؤدي دوراً لا تستطيع الوسائل الرقمية منافسته فيه، بدءاً من حماية الأفراد والمؤسسات أمام تعطل الأنظمة الإلكترونية، وصولاً إلى توفير السيولة الفورية عند انقطاع الخدمات الرقمية أو وقوع صدمات اقتصادية مفاجئة.

رجل يستخدم هاتفه للدفع عبر خدمة الهاتف المحمول «أبل باي» في مقهى بموسكو

المدفوعات الرقمية: نمو مستمر

تشير البيانات إلى أن المدفوعات الرقمية شهدت نمواً استثنائياً خلال العقد الماضي؛ إذ ارتفعت قيمة المعاملات عبر المحافظ الرقمية من 1.6 تريليون دولار في 2014 إلى 15.7 تريليون دولار في 2024. ويُعزى هذا النمو إلى الانتشار الواسع للهواتف الذكية، وتحسين البنية التحتية للاتصالات والإنترنت، وتغير تفضيلات المستهلكين بعد جائحة «كوفيد-19».

وتُعد التجارة الإلكترونية من أبرز المحركات لهذا التوسع الرقمي؛ إذ ارتفعت قيمتها من نحو 9.09 تريليون دولار في 2019 إلى توقعات تصل إلى 27.15 تريليون دولار بحلول 2027، بمعدل نمو سنوي مركب قدره 14.7 في المائة. كما شهدت المدفوعات عبر الهواتف المحمولة نمواً ملحوظاً؛ إذ من المتوقع أن تصل قيمة المعاملات إلى 3.31 تريليون دولار بحلول 2027، ما يعكس تحولاً كبيراً في سلوك المستهلكين نحو الدفع الرقمي السريع والمريح.

النقد صامد رغم المد الرقمي

رغم هذا المد الرقمي، يظل النقد صامداً. فحسب تقرير النقد العالمي 2022، ارتفعت نسبة النقد المتداول إلى الناتج المحلي الإجمالي في معظم الدول بين 2011 و2020، ما يعكس قدرة النقد على التكيف مع التطورات الرقمية، ومكانته المستمرة كوسيلة دفع مفضلة لدى شريحة واسعة من السكان.

ويشير البنك المركزي الأوروبي إلى أن النقد يحتفظ بخصائص فريدة، تزيد من أهميته في الأزمات: ملموس، ومرن، وغير متصل بالإنترنت، ومقبول على نطاق واسع. كما بقيت قيمة أوراق اليورو المتداولة مستقرة عند أكثر من 10 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي خلال السنوات العشر الأخيرة، مع زيادة مؤقتة خلال جائحة «كوفيد-19»، ثم اعتدال منذ منتصف 2022 بفعل ارتفاع أسعار الفائدة.

الطلب على النقد أثناء الأزمات

تُعد الأزمات الاقتصادية والسياسية والصحية من أبرز العوامل التي تدعم استمرار الطلب على النقد. ففي حين يقل استخدام النقد اليومي مع التوسع الرقمي، يزداد الاعتماد عليه كخيار احتياطي لتلبية الاحتياجات الطارئة. وأظهرت دراسة المركزي الأوروبي 4 أزمات رئيسية:

1- جائحة «كوفيد-19»: مع تفشي الجائحة مطلع 2020، شهد الطلب على الأوراق النقدية قفزة استثنائية؛ حيث ارتفع صافي الإصدار بأكثر من 140 مليار يورو (164.58 مليار دولار) بنهاية العام، أي بزيادة تجاوزت 130 في المائة عن المتوسط السنوي قبل الجائحة. ورغم تراجع استخدام النقد اليومي نتيجة الإغلاقات والمخاوف الصحية، ارتفعت الحيازات النقدية للأفراد داخل المنازل، ما يعكس ما تُسمَّى «مفارقة الأوراق النقدية»: زيادة الحيازات رغم انخفاض الاستخدام في المعاملات.

2- الحرب الروسية على أوكرانيا: في فبراير (شباط) 2022، أدى الغزو الروسي إلى ارتفاع حاد في الطلب على النقد؛ خصوصاً في الدول المجاورة، نتيجة مخاوف عدم اليقين الجيوسياسي، واحتمال تعرض البنية التحتية لهجمات إلكترونية. وبلغت الزيادات في صافي الإصدار اليومي نحو 36 في المائة في الشهر الأول من الصراع، في دول مثل إستونيا ولاتفيا وليتوانيا، بينما ظلت الدول الأبعد عن النزاع قريبة من مستوياتها التاريخية.

3- انقطاع التيار الكهربائي في شبه الجزيرة الأيبيرية: أثبت النقد دوره الحيوي خلال انقطاع واسع للتيار الكهربائي في أبريل (نيسان) 2025؛ إذ تعطلت أنظمة الدفع الرقمية، بما في ذلك نقاط البيع وأجهزة الصراف الآلي والمحافظ الإلكترونية. وأدى الانقطاع إلى تراجع الإنفاق بالبطاقات بنسبة 41– 42 في المائة، والانخفاض في التجارة الإلكترونية بنحو 54 في المائة، بينما أصبح النقد الوسيلة الوحيدة المتاحة للأشخاص الذين امتلكوه، مما يعكس أهميته كخيار احتياطي خلال الأعطال.

4- أزمة الديون السيادية في اليونان: خلال أزمة الديون اليونانية 2014– 2015، ارتفع صافي إصدار الأوراق النقدية من بنك اليونان بشكل ملحوظ، متجاوزاً التقديرات الافتراضية مرات عدة، نتيجة حالة عدم اليقين السياسية والمالية. ووصل متوسط الإصدار اليومي خلال فترة الأزمة إلى 72 مليون يورو (84.64 مليون دولار) أعلى من المتوقع، متراكماً إلى نحو 11.2 مليار يورو (13.17 مليار دولار) بعد 6 أشهر، ما يعكس اعتماد المواطنين على النقد كوسيلة أمان ومرونة في مواجهة الأزمة.

رجل يستخدم النقود لدفع ثمن مشترياته خلال تسوقه في ميلانو (رويترز)

تحديات التحول الكامل للشركات

رغم الانتشار المتزايد للمدفوعات الرقمية، لا تزال الشركات -خصوصاً الصغيرة والمتوسطة- مترددة في التخلي عن النقد. يعود ذلك أساساً إلى تكاليف التنفيذ المرتفعة، ورسوم المعاملات على البطاقات والمحافظ الرقمية، بالإضافة إلى المخاطر التقنية مثل الأعطال والانقطاعات.

كما تلعب تفضيلات العملاء دوراً مهماً؛ إذ يفضل كبار السن وذوو الدخل المحدود النقد لاعتبارات الخصوصية والتحكم في الميزانية، كما تعتبر بعض الثقافات الدفع النقدي أكثر ملاءمة في مناسبات معينة، مما يؤكد أن الاختيار الفردي لا يزال عنصراً محورياً في تحديد وسائل الدفع. كذلك يفرض الإطار التشريعي أحياناً قبول النقد لضمان شمول جميع المستهلكين، ما يجعل التحول الكامل إلى مجتمع بلا نقد عملية معقدة.

هل بات الاقتصاد العالمي بلا نقود؟

الإجابة -حسب المعطيات- واضحة: لا، ليس بعد.

يتوقع الخبراء استمرار تراجع استخدام النقد، ولكنه سيظل جزءاً أساسياً من النظام المالي لعقود قادمة. فالمستقبل ليس خياراً ثنائياً بين النقد والمدفوعات الرقمية؛ بل هو نظام متنوع الوسائل يوازن بين الابتكار والأمان.

ولا تُعد دعوة البنك المركزي الأوروبي تراجعاً عن الرقمنة؛ بل هي تأكيد على المرونة والأمن القومي المالي. ففي مجتمع بلا نقود، تصبح القدرة على الصمود أمام الأزمات محدودة؛ لأنه إذا أصبح كل شيء رقمياً، واختُرق النظام المصرفي أو التحويل الإلكتروني، فإنه يمكن تدمير الاقتصاد دون إطلاق رصاصة واحدة، وفق خبراء، مثل جاي زاغورسكي، من جامعة بوسطن، الذي يؤكد أن النقود الورقية ستظل جزءاً أساسياً من المستقبل، وأن الأمن القومي في بعض الحالات يعتمد عليها.

وفي هذا الإطار، أشارت دراسة للبنك المركزي الأوروبي في 2024، إلى أهمية النقد بالنسبة للجمهور؛ إذ يرى 62 في المائة من المستهلكين، أنه من الضروري أن يظل النقد خياراً متاحاً للدفع، مقابل 60 في المائة في 2022، وأبدت غالبية كبيرة (87 في المائة) رضاها عن سهولة الوصول إلى النقود، رغم انخفاضه قليلاً مقارنة بـ89 في المائة في 2022.

الحاجة إلى نهج متوازن

يتطلب مستقبل المعاملات المالية منظوراً متوازناً، يتجاوز التفكير في خيار ثنائي بين النقد والمدفوعات الرقمية. ويجب أن يضمن هذا النهج توفير خيارات دفع متعددة تناسب جميع الفئات، وإتاحة الوصول لأنظمة الدفع للجميع، بما في ذلك الفئات محدودة الوصول للتكنولوجيا، وحماية بيانات المستخدمين، وضمان عدم المراقبة المالية غير المبررة، وتحسين أمان الدفع الرقمي مع الحفاظ على خيار النقد، وتشجيع الابتكار التكنولوجي مع ضمان موثوقية الأنظمة الجديدة، وقدرة النظام على الصمود أمام الأعطال والهجمات الإلكترونية والانقطاعات.

تعكس مفارقة المدفوعات الرقمية (التعايش بين التقدم التكنولوجي السريع واستمرار استخدام النقد) الطبيعة المعقدة لعلاقة المجتمع بالمال واحتياجات السكان المختلفة. ويعتمد تحقيق نظام مالي مستدام على تعاون البنوك المركزية والمؤسسات المالية والشركات والمستهلكين، لضمان فعالية وأمان وشمولية أنظمة الدفع.

أحد الزبائن يدفع باستخدام بطاقة ائتمان داخل متجر في باريس (رويترز)

ضمان مواجهة الأزمات

يوفر النقد أماناً فردياً وعملياً؛ حيث يمنح المستخدمين شعوراً باليقين والتحكم، ويعمل كوسيلة دفع غير متصلة بالإنترنت عند فشل أنظمة الدفع الرقمية أو انقطاع الكهرباء. كما يلعب النقد دوراً حيوياً في مرونة النظام المالي؛ إذ يعمل كإطار احتياطي أساسي، وتساهم الحيازات النقدية الفردية في توزيع السيولة عند تعطل الأنظمة المركزية، ما يجعلها أشبه بـ«التأمين المجتمعي منخفض التكلفة».

ويمتاز النقد أيضاً بالقيمة الاسمية الثابتة، وسهولة الوصول، والخصوصية، مما يفسر استمرار الطلب عليه بقوة في أوقات التوتر، بغض النظر عن العوامل الاقتصادية التقليدية. وقد أدركت البنوك المركزية في دول مثل هولندا والنمسا وفنلندا هذه الأهمية، فبدأت توصي الأسر بالاحتفاظ بمخزون نقدي يكفي لعدة أيام من المشتريات الأساسية، كما أجرت تجارب على أجهزة صرَّاف آلي مقاومة للانقطاعات لضمان الوصول للنقد في أوقات الأزمات.

وعليه، يعزز هذا النهج دور النقد كالتزام مباشر من البنك المركزي ومتاح للجميع، ليس فقط في المعاملات اليومية؛ بل كركيزة أساسية للاستقرار الاقتصادي وثقة الجمهور. فهل يمكن أن يضمن المستقبل المالي التوازن بين الابتكار الرقمي والشمولية الاقتصادية، ويظل النظام قوياً وموثوقاً أمام الأزمات، إذا اختفى النقد الذي يمثل شبكة الأمان الأساسية للفرد والمؤسسات على حد سواء؟


مقالات ذات صلة

اكتتاب «سبايس إكس»... ثراء تاريخي لماسك وتحوُّل في صراع التكنولوجيا بين واشنطن وبكين

الاقتصاد صورة أرشيفية للملياردير الأميركي إيلون ماسك وخلفه نماذج لمركبات شركة «سبايس إكس» (د.ب.أ)

اكتتاب «سبايس إكس»... ثراء تاريخي لماسك وتحوُّل في صراع التكنولوجيا بين واشنطن وبكين

لا يبدو طرح «سبايس إكس» أسهمها للاكتتاب العام حدثاً مالياً عادياً، حتى بمقاييس «وول ستريت» التي اعتادت المبالغات في تسعير شركات التكنولوجيا.

إيلي يوسف (واشنطن)
الاقتصاد سيدة تقرأ صحيفة أمام متجرها في مدينة هونغ كونغ (أ.ف.ب)

قروض الصين الجديدة تُخيّب التوقعات في مايو

ارتفعت قروض البنوك الصينية الجديدة في مايو (أيار) بأقل من المتوقع بعد انكماشها في الشهر السابق.

«الشرق الأوسط» (بكين)
الاقتصاد محافظ بنك فرنسا إيمانويل مولان يلوح بيده خلال منتدى باريس للتمويل يوم 9 يونيو 2026 (أ.ف.ب)

محافظ بنك فرنسا: أزمة الطاقة ستترك آثاراً طويلة الأمد

قال محافظ بنك فرنسا، إيمانويل مولان، إن أزمة الطاقة الناجمة عن الصراع في الشرق الأوسط بدأت بالفعل تدفع مستويات الأسعار إلى الارتفاع.

«الشرق الأوسط» (باريس)
الاقتصاد مارة يمرون بجوار عرض لصور لاعبي كرة قدم دوليين خارج متجر لشركة «نايكي» يوم 10 يونيو 2026 في سانتا مونيكا بولاية كاليفورنيا الأميركية (أ.ف.ب)

كأس العالم 2026... فرصة استثمارية تعزز أسهم شركات عالمية

تتوقع الأسواق استفادة شركات الرياضة والسياحة والدفع والإعلام من التوسع غير المسبوق لكأس العالم 2026 وزيادة الإنفاق والمشاهدات العالمية.

«الشرق الأوسط» (باريس)
الاقتصاد رجل وامرأة يحتفلان بزواجهما أمام مقر بنك اليابان في وسط العاصمة طوكيو (رويترز)

الشركات اليابانية الصغيرة تعاني ضغوط حرب إيران

أشار استطلاع ياباني إلى أن ارتفاع تكاليف المشتريات يُعدّ أكبر ضغوط حرب الشرق الأوسط على الشركات الصغيرة والمتوسطة.

«الشرق الأوسط» (طوكيو)

سهم «المملكة القابضة» يقفز 4 % في تداولات الأحد

برج المملكة في العاصمة السعودية الرياض (رويترز)
برج المملكة في العاصمة السعودية الرياض (رويترز)
TT

سهم «المملكة القابضة» يقفز 4 % في تداولات الأحد

برج المملكة في العاصمة السعودية الرياض (رويترز)
برج المملكة في العاصمة السعودية الرياض (رويترز)

تفاعل سهم شركة المملكة القابضة الاستثمارية العالمية، يوم الأحد، بشكل إيجابي وقوي في السوق المالية السعودية (تداول)، مسجلاً ارتفاعاً بنسبة 4 في المائة في أولى جلسات الأسبوع. وجاء هذا الصعود الحاد بعد أن افتتح السهم تداولاته عند مستوى 14.99 ريال، مدفوعاً بترحيب استثماري واسع من قبل المتداولين بإعلان الشركة التاريخي بشأن قفزة تقييم أصولها الدولية.

وجاءت هذه المكاسب السوقية الفورية انعكاساً للبيان الجوهري الذي أصدرته الشركة صباح اليوم، والذي كشفت فيه عن نجاح الطرح العام الأولي لشركة تكنولوجيا الفضاء والذكاء الاصطناعي العملاقة (سبايس إكس) وبدء تداول أسهمها في بورصة «ناسداك» الأميركية يوم الجمعة الماضي، وهو ما ترتب عليه طفرة كبرى في القيمة العادلة لحصة «المملكة القابضة».

ووفقاً للبيان الرسمي، تمتلك المملكة القابضة كتلة استثمارية صخمة تبلغ 42408860 سهماً من أسهم الفئة (أ) العادية في «سبايس إكس». وبينما كانت القيمة الدفترية لهذه الحصة مستقرة في دفاتر الشركة كما في 31 مارس (آذار) الماضي عند حدود 4.47 مليار دولار (16.76 مليار ريال)، فإن إغلاق السهم في نيويورك عند 160.95 دولار في أول أيام تداوله قفز بالقيمة العادلة للحصة إلى 6.83 مليار دولار (25.60 مليار ريال).


في أول اجتماع له... كيفين وارش يواجه «شتاء التضخم» وضغوط ترمب

ترمب يلقي كلمةً خلال مراسم أداء اليمين الدستورية لوارش بالبيت الأبيض في واشنطن (رويترز)
ترمب يلقي كلمةً خلال مراسم أداء اليمين الدستورية لوارش بالبيت الأبيض في واشنطن (رويترز)
TT

في أول اجتماع له... كيفين وارش يواجه «شتاء التضخم» وضغوط ترمب

ترمب يلقي كلمةً خلال مراسم أداء اليمين الدستورية لوارش بالبيت الأبيض في واشنطن (رويترز)
ترمب يلقي كلمةً خلال مراسم أداء اليمين الدستورية لوارش بالبيت الأبيض في واشنطن (رويترز)

يواجه رئيس مجلس «الاحتياطي الفيدرالي» الجديد، كيفين وارش، اختباراً ناريّاً، الأسبوع المقبل، في أول اجتماع رسمي للجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة منذ توليه منصبه.

ويجد وارش نفسه في موقف بالغ التعقيد؛ إذ يقع بين مطرقة الضغوط المتواصلة من الرئيس دونالد ترمب لخفض أسعار الفائدة، وسندان طفرة تضخمية بلغت أعلى مستوياتها في 3 سنوات بفعل تداعيات الصراع العسكري الأميركي - الإسرائيلي مع إيران، والتي دفعت بأسعار الطاقة نحو مستويات قياسية أربكت حسابات الأسواق العالمية.

ورغم أنَّ الرئيس ترمب اختار وارش لهذا المنصب لدفعه نحو تيسير السياسة النقدية وخفض تكاليف الاقتراض، فإنَّ لغة الأرقام الحالية على الأرض تعوق هذا التوجه.

وتشير التوقعات على نطاق واسع إلى أنَّ اللجنة المكونة من 12 عضواً ستتجه لتثبيت أسعار الفائدة عند نطاقها الحالي البالغ 3.50 - 2.75 في المائة.

وفي هذا الصدد، علّق دان نورث، كبير الاقتصاديين في «أليانز تريد»، على هذا المأزق قائلاً: «لقد تمَّ تعيينه بوصفه خياراً لترمب، لأنَّ ترمب كان يحاول على الأرجح التأثير عليه لخفض أسعار الفائدة. لكني لا أراه قادراً على فعل ذلك الآن، خصوصاً مع بيانات التضخم ونمو الوظائف، وما قاله أعضاء اللجنة في الاجتماع الماضي عبر انشقاقاتهم».

وتكمن الصعوبة في أنَّ وارش يرث بيئةً معقدةً داخلياً؛ حيث شهد الاجتماع الماضي في أبريل (نيسان) انشقاق 4 أصوات معارضة طالبت بوقف التوجُّه نحو خفض الفائدة، وهو أكبر عدد للانشقاقات داخل اللجنة منذ عام 1992. وحول طبيعة هذه البيئة، أضاف نورث محذراً: «إنه يخطو نحو بيئة فوضوية بالفعل، ولا أعتقد أن هذا هو نوع (الشجار العائلي) الذي كان يتحدث عنه وارش»، في إشارة إلى تصريح وارش السابق بأنَّه يفضِّل الاجتماعات الأكثر حدة ونقاشاً.

انقلاب في بوصلة «وول ستريت»

قبل اندلاع المواجهة العسكرية الأخيرة في الشرق الأوسط، كانت الأسواق المالية قد استعدَّت تماماً لخفض أسعار الفائدة لمرة واحدة على الأقل قبل نهاية عام 2026. لكن المشهد المالي انقلب رأساً على عقب؛ فمع اشتعال أسعار الطاقة وتحرُّك التضخم بعيداً عن مستهدف «الاحتياطي الفيدرالي»، تشير أداة «فيد ووتش» التابعة لمجموعة «سي إم إي» إلى أنَّ الخطوة المقبل للبنك بحلول ديسمبر (كانون الأول) قد تكون رفعاً لأسعار الفائدة وليس خفضها.

وحول خطورة الوضع الحالي، حذَّرت ديان سوانك، كبيرة الاقتصاديين في «كي بي إم جي»، قائلة: «إن تأجيل رفع أسعار الفائدة اليوم ينطوي على مخاطر أكبر مما كان عليه الوضع عندما كان الاقتصاد يخرج من الجائحة». وأضافت بلهجة حاسمة: «إن استمرار التضخم هو اليد (الورقة) التي جرى التعامل بها مع وارش؛ ولا يوجد شيء يمكنه أن يتمنى زوالها» دون سياسات نقدية صارمة.

وفيما يتعلق بمدى قدرة وارش على مقاومة ضغوط البيت الأبيض الحالية، أشار غريغ داكو، كبير الاقتصاديين في «إي واي-بارثينون»، إلى أن هذا الأمر لا يزال قيد الاختبار، مؤكداً: «لا أعتقد أننا نعرف الإجابة، لكي نكون صادقين، في هذه المرحلة».

ترمب مصافحاً وارش خلال مراسم أداء اليمين في القاعة الشرقية بالبيت الأبيض يوم 22 مايو الماضي (أ.ف.ب)

ثورة الصمت الاستراتيجي

أبعد من قرار الفائدة الفوري، يتطلع كيفين وارش إلى إحداث تغيير جذري في طريقة تواصل «الاحتياطي الفيدرالي» مع الأسواق؛ إذ يعتقد أنَّ كثرة الحديث والتقارير الاستشرافية الصادرة عن البنك تلوّث الإشارات الحقيقية للسوق، وتدفع بالبنك للوقوع في أخطاء تكتيكية.

ويسعى وارش إلى تقليص حجم البيانات المنشورة، والتخلي عن «التوجيهات المستقبلية» المسبقة، بل وإعادة النظر في آلية «مخطط النقاط (Dot Plot)»، متبنيّاً مبدأ أنَّ البحث عن الحقيقة الاقتصادية داخل الاجتماع أهم من التكرار الإعلامي.

لكن المحللين يتوقعون أن يمرَّ هذا التحوُّل بتدرج كبير؛ حيث يرى غريغ داكو أنَّ وارش لن يحاول إجراء تغييرات شاملة في هذا الاجتماع الأول، بل ستكون فرصته الأولى للجلوس مع اللجنة و«مشاركة رؤيته حول المشهد الاقتصادي». وتوقَّع داكو لهذا الاجتماع الأول «تخميني هو أنَّه سيحجب توقعاته الخاصة، ولكن ليس بالضرورة تغيير الطريقة التي تُنشر بها التوقعات الإجمالية للجنة»؛ منعاً لحدوث تقلبات عنيفة مفاجئة في الأسواق.


إدراج «سبايس إكس» يقفز بمحفظة «المملكة القابضة» إلى 6.8 مليار دولار

مبنى «المملكة القابضة» في الرياض (واس)
مبنى «المملكة القابضة» في الرياض (واس)
TT

إدراج «سبايس إكس» يقفز بمحفظة «المملكة القابضة» إلى 6.8 مليار دولار

مبنى «المملكة القابضة» في الرياض (واس)
مبنى «المملكة القابضة» في الرياض (واس)

أعلنت شركة «المملكة القابضة»، يوم الأحد، آخر التطورات الجوهرية الخاصة باستثمارها الاستراتيجي في شركة تكنولوجيا الفضاء والذكاء الاصطناعي العملاقة «سبايس إكس».

وأفادت الشركة، في بيان رسمي للسوق المالية السعودية (تداول)، بأن «سبايس إكس» أتمَّت بنجاح طرحها العام الأولي، وبدأ تداول أسهمها رسمياً في بورصة «ناسداك» الأميركية، يوم الجمعة الماضي.

وشهد اليوم الأول لتداول السهم قفزةً سعريةً قياسية؛ حيث حُدِّد سعر الطرح الأولي عند 135 دولاراً للسهم الواحد، لينهي السهم رحلته في الجلسة الافتتاحية الأولى عند مستوى إغلاق بلغ 160.95 دولار، مُسجِّلاً مكاسب فورية في السوق النشطة.

طفرة عادلة بأكثر من 8.8 مليار ريال

وتملك «المملكة القابضة» حالياً كتلةً استثماريةً ضخمة قوامها 42408860 سهماً من أسهم الفئة (أ) العادية في شركة «سبايس إكس». ووفقاً للقوائم المالية الأخيرة للشركة اللصيقة بـ31 مارس (آذار) 2026، كانت القيمة الدفترية لهذه الحصة مستقرة عند حدود 4.47 مليار دولار (ما يعادل 16.76 مليار ريال).

ومع الإغلاق التاريخي للسهم في بورصة «ناسداك» عند 160.95 دولار قفزت القيمة العادلة لحصة «المملكة القابضة» لتصل إلى نحو 6.83 مليار دولار (ما يعادل 25.60 مليار ريال). وتعكس هذه القفزة تحقيق مكاسب تقييمية غير مُحقَّقة تتجاوز 8.84 مليار ريال مقارنة بالقيمة الدفترية السابقة، مما يرسِّخ الكفاءة الاستثمارية الاستباقية لمحفظة الشركة الدولية.

قواعد حظر التجول المحاسبي

بموجب شروط الطرح العام الأولي الصارمة في الأسواق الأميركية، أوضح البيان أنَّ الأسهم التي تمتلكها «المملكة القابضة» في «سبايس إكس» ستخضع لفترة حظر تداول (Lock-up Period) تصل إلى 180 يوماً من تاريخ الإدراج الرسمي.

ومع ذلك، أشار البيان إلى وجود أحكام تعاقدية معينة تسمح بـ«الرفع المبكر» لهذا الحظر، وذلك رهناً بتحقيق شروط محددة تتعلق بمواعيد إعلانات النتائج المالية الدورية لشركة «سبايس إكس» ومدى استيفاء سعر السهم لمستويات أداء سوقية معينة يجري رصدها لاحقاً.

وأكدت «المملكة القابضة» أنَّها تتحرَّك في هذا الأصل بوصفها «مستثمراً استراتيجياً طويل الأجل»، ملمحة إلى الجذور التاريخية لهذا الاستثمار التي بدأت منذ دخولها الاستثماري المبكر في شركة «تويتر» (حالياً منصة إكس) في عام 2011، إلى جانب استثمارها اللاحق في شركة الذكاء الاصطناعي «إكس إيه آي» التي قامت بضم شركة «إكس» ثم اندمجت في وقت لاحق بالكامل مع شركة «سبايس إكس».

وشدَّدت الشركة على ثقتها العميقة بالمستقبل الواعد لشركة «سبايس إكس» على المدى الطويل، مؤكدة عدم وجود أي تكاليف مالية مرتبطة بهذا الحدث الجوهري.

الانتقال إلى «المستوى الأول» للقيمة العادلة

من الناحية المحاسبية والفنية، حمل البيان تحولاً جوهرياً سيعيد صياغة الميزانية العمومية لـ«المملكة القابضة»؛ حيث يُصنَّف هذا الاستثمار حالياً ضمن الأصول غير المتداولة بوصفه استثماراً بالقيمة العادلة من خلال الدخل الشامل الآخر.

ونتيجة لتحوُّل السهم إلى سوق نشطة ومنظمة، أكدت الشركة أنَّ هذا الإدراج سيؤدي إلى إعادة تصنيف استثمارها في «سبايس إكس» من «المستوى 3» (الذي يعتمد على مدخلات وتقييمات غير ملحوظة للشركات الخاصة) إلى «المستوى 1» (الأعلى جودة والمستند إلى أسعار السوق الفورية المباشرة)، وذلك وفقاً للمعيار الدولي لإعداد التقارير المالية رقم 13.

هذا التحوُّل يعني أنَّ الاستثمار سيتم تقييمه مستقبلاً بشكل شفاف وديناميكي بالقيمة العادلة استناداً إلى سعر إغلاق السهم السائد في نيويورك عند نهاية كل فترة تقرير مالي، مما يمنح ميزانية الشركة مرونةً، وسيولةً تقييميةً مطلقةً.