تقرير أوروبي يُحذّر من الوقوع في تبعيّة كاملة أمام ترمب

حذّر من «حرب ثقافية» أطلقها خطاب فانس في ميونيخ

ترمب برفقة قادة أوروبيين لبحث حرب أوكرانيا في البيت الأبيض يوم 18 أغسطس (رويترز)
ترمب برفقة قادة أوروبيين لبحث حرب أوكرانيا في البيت الأبيض يوم 18 أغسطس (رويترز)
TT

تقرير أوروبي يُحذّر من الوقوع في تبعيّة كاملة أمام ترمب

ترمب برفقة قادة أوروبيين لبحث حرب أوكرانيا في البيت الأبيض يوم 18 أغسطس (رويترز)
ترمب برفقة قادة أوروبيين لبحث حرب أوكرانيا في البيت الأبيض يوم 18 أغسطس (رويترز)

عندما فاز دونالد ترمب في خريف العام الماضي بولايته الرئاسية الثانية، كان الأوروبيون يُدركون أن العلاقة مع الشريك الأميركي دخلت مرحلة من الاضطرابات التي كانوا يعتقدون أنهم قد استعدّوا لها، وأن عمق المصالح المشتركة والأبعاد التاريخية والثقافية لهذه العلاقة، ستحول دون انزلاقها إلى متاهات مصيرية تضع المشروع الأوروبي برمّته على المحكّ.

لكن بعد أشهر على عودة ترمب إلى البيت الأبيض، بات الأوروبيون على يقين، لا يفصحون عنه إلا في الغرف المغلقة، بأن التيّار الذي يقوده الرئيس الأميركي قرر «إعلان حرب ثقافية على أوروبا»، كما جاء في تقرير وضعه المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، ورفعه إلى مؤسسات الاتحاد لتعميمه على الدول الأعضاء.

هجوم فانس... نقطة البداية

يُحدّد التقرير موعداً زمنياً لانطلاق هذه الحرب في 14 فبراير (شباط) الماضي، ومكاناً لها في مؤتمر الأمن الذي تستضيفه مدينة ميونيخ الألمانية كل عام. في ذلك اليوم، أشهر نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس كامل ترسانته اليمينية المحافظة وشنّ هجوماً عقائدياً مدويّاً ضد أوروبا، مشككاً في مجموعة القيم والمبادئ الديمقراطية التي يقوم عليها المشروع الأوروبي.

جانب من كلمة نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم 14 فبراير (د.ب.أ)

ويُنبّه التقرير إلى أن دونالد ترمب يعتمد على حلفاء أوروبيين يرددون خطابه بعد تكييفه وفقاً للواقع المحلي، وأبرزهم رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان، ونظيرته الإيطالية جورجيا ميلوني، ورئيس الوزراء السلوفاكي روبرت فيكو، فضلاً عن كوكبة من الأحزاب والقوى اليمينية المتطرفة والشعبوية التي بات بعضها قاب قوسين من الوصول إلى الحكم في عدد من بلدان الاتحاد.

ويُحذّر التقرير من أن الفصول الأخيرة التي شهدتها العلاقات بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، وضعت هذا الأخير على شفا حال من «التبعيّة» أمام الرئيس الأميركي، الذي يستغلّ مواطن الضعف لدى الدول الأعضاء، ولا يفوّت فرصة كي يسعى من خلالها إلى «إذلال» الاتحاد. والأمثلة على ذلك تتراكم يوماً بعد يوم: الضغط على الدول الأعضاء في الحلف لزيادة الإنفاق العسكري إلى نسبة 5 في المائة من إجمالي الناتج القومي، بعد أن كانت 2 في المائة، والاتفاق التجاري غير المتناظر الذي يمنح واشنطن فرض رسوم جمركية على البضائع والسلع الأوروبية من غير مقابل، واستبعاد القادة الأوروبيين من المشاركة في المفاوضات حول الحرب الأوكرانية، ثم مؤخراً المفاخرة بأن الولايات المتحدة تجني أرباحاً طائلة من بيع السلاح للأوروبيين الذين يرسلونه إلى كييف.

خطر «الخضوع الثقافي»

وإذ يخلص واضعو التقرير إلى أن استيعاب الأوروبيين، قيادات ومواطنين، لهذه المهانات والتكيّف معها، من شأنه أن يؤدي إلى خضوع ثقافي تام أمام الأميركيين. ويشدّدون على أن قادة البلدان الأعضاء يجب أن يتخلّوا نهائياً عن استراتيجية «التملّق، والتهدئة، والتودد» في التعامل مع الرئيس الأميركي، وأن يعتمدوا سياسة الثقة بالنفس والتزام المبادئ والقيم المؤسسة للاتحاد.

ترمب برفقة قادة أوروبيين لبحث حرب أوكرانيا في البيت الأبيض يوم 18 أغسطس (أ.ف.ب)

لكن التقرير يحذّر أيضاً من أن المطلوب ليس خوض معركة ضد دونالد ترمب، وإحراق جسور العلاقة التاريخية مع واشنطن. فالدول الأوروبية، من غير استثناء، تعتمد بنسبة عالية على الولايات المتحدة، خاصة في عدد من المجالات الحساسة مثل الدفاع والتكنولوجيا المتطورة، وليس واضحاً بعد أن المياه بعد ترمب ستعود إلى مجاريها. لا بل إن الوضع قد يتجه نحو الأسوأ في حال وصول فانس إلى البيت الأبيض.

كبار المسؤولين في المؤسسات الأوروبية يشكون، في أحاديثهم الخاصة، من أن القادة الأوروبيين ما زالوا يترددون في الإقدام على تغيير الاستراتيجية، رغم وضوح تشخيص الحال التي وصلت إليها العلاقات مع واشنطن. ومن الأمثلة التي يضربونها على ذلك أن الزعماء الأوروبيين التزموا، بعد مهانة الاتفاق التجاري، زيادة اعتمادهم على الولايات المتحدة بشرائهم المزيد من المحروقات الأميركية.

جانب من لقاء ترمب وماكرون بالبيت الأبيض يوم 24 فبراير (أ.ب)

ويدقّ التقرير ناقوس الخطر منبهاً على أن الرهان يكاد يكون مصيرياً؛ لأنه سيحدد موقع أوروبا في عالم لا يتوقف دونالد ترمب عن تغيير قواعده وفرض نظرته على القريب والبعيد، بغض النظر عن الأواصر والمصالح التاريخية. يُضاف إلى ذلك أن واشنطن تسعى منذ فترة إلى التدخل في الانتخابات الأوروبية، كما تبيّن مؤخراً في ألمانيا ورومانيا وبولندا، وإلى إعادة تشكيل العلاقات الأطلسية بهدف إرسائها على قيم يمينية محافظة، والتذرّع بحرية الرأي لانتقاد الطوق الذي تفرضه القوى الديمقراطية في الاتحاد الأوروبي حول القوى اليمينية المتطرفة لمنع وصولها إلى الحكم.

«مواطن الضعف» الأوروبية

يلاحظ التقرير كيف أن التيّار الترمبي يستغلّ مواطن الضعف في الاتحاد الأوروبي، حيث ينقسم القادة الأوروبيون حول عدد من القضايا الأساسية، فيما تتسع دائرة الأوساط الشعبية الأوروبية المؤيدة لمواقف الرئيس الأميركي. لكن يشدّد واضعو التقرير على أن استطلاعات الرأي تؤكد رسوخ مشاعر الانتماء الأوروبي إلى مشروع واحد، ورؤية مستقبلية وقيم مشتركة، ويحضّون قادة الاتحاد على التجاوب مع هذه المشاعر والاستناد إليها لتغيير المسار، واستعادة مفاهيم السيادة والقومية والوطنية التي يدّعي اليمين المتطرف حصرية الدفاع عنها.

ميلوني أثناء لقائها مع ترمب في البيت الأبيض يوم 17 أبريل (أ.ف.ب)

ويُصنّف التقرير بلدان الاتحاد بين «متواطئة» في هذه الحرب الثقافية، مثل المجر وإيطاليا وسلوفاكيا، وأخرى «مُطبّعة» مثل النمسا وبلجيكا وتشيكيا وفنلندا واليونان وآيرلندا وهولندا والبرتغال ورومانيا، وتلك التي بوسعها أن تغيّر مجرى الأمور مثل فرنسا وألمانيا وبولندا التي تواجه جميعها ظروفاً داخلية صعبة وصعوداً قوياً لليمين المتطرف.

نواب يحيّون رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز بعد كلمته في البرلمان... ويبدو أسفل الصورة زعيم حزب «فوكس» اليميني المتطرّف سانتياغو أباسكال يوم 9 يوليو (أ.ف.ب)

ويتوقف التقرير عند الحالة الإسبانية، حيث لا يتردد رئيس الوزراء بيدرو سانشيز في الحديث بوضوح عن التدخلات الأميركية في السياسة الأوروبية، وأيضاً في أميركا اللاتينية. وكان سانشيز رفض رفع سقف الإنفاق العسكري إلى 5 في المائة من إجمالي الناتج القومي، وأعرب عن استعداده لفرض رسوم مقابلة للرسوم الأميركية، وقاد حملة الدفاع عن القضية الفلسطينية. لكن يشكك التقرير في حجم تأثير الحالة الإسبانية في المحيط الأوروبي، خاصة أن العواصم الأخرى تدرك مدى ضعف سانشيز في الداخل وهشاشة ائتلافه الحاكم.

ويخلص التقرير إلى القول إن «صيف الذّل الأوروبي ليست ديمومته قدراً محتوماً»، وإن هامش التفاؤل ما زال كافياً إذا تحركت القيادات الأوروبية وتصرّفت بحزم «لوقف هذا العذاب الذي يعانيه الاتحاد في عالم يختلّ توازنه تحت وقع الخطوات الترمبية».


مقالات ذات صلة

الأمم المتحدة: 8 آلاف مهاجر لقوا حتفهم أو فُقدوا في عام 2025

العالم مهاجرون على متن قارب ينتظرون المساعدة من قارب إنقاذ في البحر المتوسط 24 يوليو 2025 (رويترز)

الأمم المتحدة: 8 آلاف مهاجر لقوا حتفهم أو فُقدوا في عام 2025

قالت المنظمة الدولية للهجرة التابعة للأمم المتحدة، اليوم (الثلاثاء)، إن نحو 8 آلاف شخص لقوا حتفهم أو فُقدوا أثناء محاولتهم الهجرة العام الماضي.

«الشرق الأوسط» (جنيف)
المشرق العربي المبعوث الأممي الخاص إلى اليمن هانس غروندبرغ أثناء وصوله عدن مطلع أبريل الحالي (مكتب المبعوث)

جهود أممية لاستئناف صادرات النفط والغاز اليمنية

تعتقد الأمم المتحدة أن استئناف صادرات النفط والغاز في اليمن يُعد أمراً أساسياً لتعافي الاقتصاد ومفتاحاً لتحقيق مكاسب سلام مهمة لليمنيين 

عبد الهادي حبتور
المشرق العربي رئيس «الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية» مع الأهالي في دير الزور بعد تسلم المبنى الخاص (حساب الهيئة)

سوريا تشهد تسريعاً في مسار عملية «العدالة الانتقالية»

بهدف وضع منهجية متكاملة لإعداد قوائم بالأشخاص المرتبطين بالنظام البائد وبحث آليات حصر الأسماء وتدقيقها وفق معايير قانونية دقيقة تضمن موثوقية المعلومات وقابليتها

سعاد جرَوس (دمشق)
الولايات المتحدة​  الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش (د.ب.أ)

مرشحون لخلافة غوتيريش يعرضون برامجهم أمام الأمم المتحدة هذا الأسبوع

يَمْثل المرشحون الأربعة لخلافة الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش هذا الأسبوع، أمام ممثلي الدول الأعضاء في الأمم المتحدة للردّ على أسئلتهم وعرض برامجهم.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
تحليل إخباري الأمم المتحدة تحتاج إلى إصلاح هيكليّ (رويترز)

تحليل إخباري متى يصبح السلام هو القاعدة لا الاستثناء؟

دخلنا نظاماً عالمياً جديداً، حلّ فيه منطق «حق القوة» بدل «قوة الحق» وأفل نجم النظام الدولي القديم القائم على القواعد الراسخة.

أنطوان الحاج

الاتحاد الأوروبي يقرر توسيع عقوبات إيران لتشمل مسؤولي إغلاق «هرمز»

الممثلة العليا للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية كايا كالاس ووزير الخارجية الهولندي توم بيريندسن خلال اجتماع مجلس الشؤون الخارجية في مدينة لوكسمبورغ... 21 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
الممثلة العليا للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية كايا كالاس ووزير الخارجية الهولندي توم بيريندسن خلال اجتماع مجلس الشؤون الخارجية في مدينة لوكسمبورغ... 21 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
TT

الاتحاد الأوروبي يقرر توسيع عقوبات إيران لتشمل مسؤولي إغلاق «هرمز»

الممثلة العليا للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية كايا كالاس ووزير الخارجية الهولندي توم بيريندسن خلال اجتماع مجلس الشؤون الخارجية في مدينة لوكسمبورغ... 21 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
الممثلة العليا للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية كايا كالاس ووزير الخارجية الهولندي توم بيريندسن خلال اجتماع مجلس الشؤون الخارجية في مدينة لوكسمبورغ... 21 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

قالت كايا كالاس مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، اليوم (الثلاثاء)، إن دول التكتل اتفقت على توسيع نطاق العقوبات المفروضة على إيران لتشمل المسؤولين عن إغلاق مضيق هرمز، وفق وكالة «رويترز» للأنباء.

وأضافت كالاس أنها طلبت من وزراء الخارجية خلال اجتماعهم في لوكسمبورغ تعزيز البعثة البحرية للاتحاد الأوروبي في الشرق الأوسط التي تعمل حالياً على حماية السفن من هجمات جماعة الحوثي اليمنية في البحر الأحمر.


ألمانيا وإيطاليا ترفضان تعليق اتفاق التعاون بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل

وزير الخارجية الإيطالي أنطونيو تاياني (يسار) ووزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول في لوكسمبورغ (إ.ب.أ)
وزير الخارجية الإيطالي أنطونيو تاياني (يسار) ووزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول في لوكسمبورغ (إ.ب.أ)
TT

ألمانيا وإيطاليا ترفضان تعليق اتفاق التعاون بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل

وزير الخارجية الإيطالي أنطونيو تاياني (يسار) ووزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول في لوكسمبورغ (إ.ب.أ)
وزير الخارجية الإيطالي أنطونيو تاياني (يسار) ووزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول في لوكسمبورغ (إ.ب.أ)

رفضت ألمانيا وإيطاليا، اليوم الثلاثاء، الدعوات لتعليق اتفاق للتعاون مع إسرائيل رغم تصاعد الغضب حيال الحرب في لبنان والوضع في الضفة الغربية المحتلة.

واقترحت إسبانيا وآيرلندا مجدداً تعليق العمل بالاتفاق المبرم في يونيو (حزيران) 2000 أثناء اجتماع لوزراء خارجية الاتحاد الأوروبي في لوكسمبورغ.

ووصف وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول المقترح بأنه «غير مناسب». وقال في مستهل الاجتماع: «علينا التحدّث مع إسرائيل عن القضايا المهمة»، مضيفاً أن الأمر يجب أن يتم عبر «حوار بنّاء مع إسرائيل».

وأكد وزير الخارجية الإيطالي أنطونيو تاياني أنه «لن يتم اتّخاذ قرار اليوم» في هذا الشأن.

وبعدما نددت بممارسات إسرائيل خلال حرب غزّة، اتّخذت بلدان في الاتحاد الأوروبي مواقف أكثر تشدداً إزاء الدولة العبرية بعد عملياتها العسكرية في لبنان، وإقرارها قانوناً يجيز فرض عقوبة الإعدام في الضفة الغربية المحتلة ويطبقها بشكل فعلي بحق الفلسطينيين.

وقالت وزيرة الخارجية الآيرلندية هيلين ماكينتي: «علينا التحرّك. علينا ضمان حماية قيمنا الأساسية».

وزيرة الخارجية الآيرلندية هيلين ماكينتي في لوكسمبورغ (أ.ب)

وطرح الاتحاد الأوروبي العام الماضي سلسلة إجراءات محتملة لمعاقبة إسرائيل على خلفية حصيلة الضحايا المدنيين لحرب غزة، شملت قطع العلاقات التجارية معها وفرض عقوبات على وزراء الحكومة. لكن أياً من الخطوات التي طرحتها بروكسل لم تحصل بعد على دعم الدول الأعضاء ليتم تطبيقها.

ويتطلب تعليق اتفاق التعاون مع الاتحاد الأوروبي إجماع الدول الأعضاء الـ27 في التكتل، وهو أمر يرجّح بأن يعرقله حلفاء إسرائيل.

وقد يكون تعليق الجزء من الاتفاق الذي يسهّل تعزيز العلاقات التجارية أمراً قابلاً أكثر للتطبيق، إذ إن هذا الإجراء لا يتطلب سوى دعم أغلبية مرجِّحة من دول الاتحاد الأوروبي. إلا أنه سيتطلب تبديل مواقف القوى المؤثّرة في التكتل مثل ألمانيا أو إيطاليا.

ولمّحت روما إلى أنها قد تكون منفتحة على تشديد موقفها حيال إسرائيل بعدما علّقت اتفاقاً دفاعياً.

لكنّ مسؤولين ودبلوماسيين في الاتحاد الأوروبي قالوا إن الدول تبدو مترددة في اتخاذ خطوة من هذا النوع، خصوصاً بعد التوصل إلى وقف لإطلاق النار في لبنان.

في الأثناء، كانت هناك جهود لفرض تدابير أصغر بدلاً من ذلك. وجدّدت فرنسا والسويد دعوة سابقة من بعض دول الاتحاد الأوروبي للتكتل للنظر في وقف استيراد السلع من المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية المحتلة، التي تُعد غير قانونية بموجب القانون الدولي.

وعرقلت المجر مقترحاً منفصلاً لفرض عقوبات على مستوطنين إسرائيليين «متطرفين» في الضفة الغربية لعدة أشهر.

لكن الإطاحة مؤخرا برئيس الوزراء المجري الداعم بشدّة لإسرائيل فيكتور أوربان في الانتخابات المجرية عزّزت آمال بلدان أخرى في الاتحاد الأوروبي حيال إمكان تطبيقها قريباً.


الخلافات تطغى على أداء الحكومة الائتلافية الألمانية

المستشار الألماني فريدريش ميرتس ونائبه لارس كلينغبايل في برلين (إ.ب.أ)
المستشار الألماني فريدريش ميرتس ونائبه لارس كلينغبايل في برلين (إ.ب.أ)
TT

الخلافات تطغى على أداء الحكومة الائتلافية الألمانية

المستشار الألماني فريدريش ميرتس ونائبه لارس كلينغبايل في برلين (إ.ب.أ)
المستشار الألماني فريدريش ميرتس ونائبه لارس كلينغبايل في برلين (إ.ب.أ)

لم يمض عام بعدُ على تشكيل حكومة المستشار الألماني، فريدريش ميرتس، والخلافات بين الحزبين في الائتلاف الحاكم تزداد؛ مما بدأ يطرح تساؤلات بشأن مدى قدرة الحكومة على العمل في ظل أزمات متتالية تواجهها ألمانيا. ويواجه الحزبان تحديات في إقناع الألمان بقدرتهما على قيادة البلاد وإدخال إصلاحات ضرورية وانتزاع الاقتصاد مع السقوط.

وكان استطلاع للرأي، نشر قبل أيام، أظهر أن شعبية ميرتس في الحضيض، وأنه يحظى بتأييد لا يزيد على 19 في المائة مقابل 76 في المائة من غير الراضين عن أدائه؛ مما وضعه على رأس لائحة لأقل قادة العالم شعبية، وفق استطلاع أجراه معهد «مورنينغ كونسالت» الأميركي. وتتطابق نتائج الاستطلاع هذا مع استطلاعات أخرى أجرتها معاهد محلية، كان آخرها من معهد «فورسا» في نهاية مارس (آذار) الماضي أظهر أن نسبة غير الراضين عن أداء المستشار بلغت 78 في المائة. وحتى قبل وصوله إلى السلطة، لم يكن ميرتس، زعيمُ الحزب «المسيحي الديمقراطي» الذي قادته أنجيلا ميركل 20 عاماً، ذا شعبية كبيرة، على النقيض من ميركل التي تقاعدت وهي تحظى بشعبية مرتفعة.

وفي المقابل، يبدو شريكه في الائتلاف الحكومي في مأزق أيضاً؛ فقد مُني «الحزب الاشتراكي» بزعامة نائب المستشار وزير المالية، لارس كلينغبايل، بخسائر تاريخية في انتخابات محلية بولايتين الشهر الماضي... ففي ولاية بادن فرتمبيرغ، خسر مطلع مارس الماضي نصف الأصوات ولم يحصل على أكثر من 5.5 في المائة ليحقق أسوأ نتائج منذ عام 1945. وفي ولاية راينلاند بالاتينات التي كان يحكمها قبل الانتخابات، خسر نحو 10 نقاط وانخفض تمثيله إلى 26 في المائة.

وتأتي هذه النتائج في وقت تزداد فيه شعبية حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف الذي وضعته أحدث استطلاعات الرأي في الطليعة بنسبة تأييد تصل إلى 26 في المائة، أي لو أُجريت انتخابات في ألمانيا اليوم فسيفوز بها الحزب المتطرف.

المستشار الألماني فريدريش ميرتس خلال مؤتمر صحافي في هوسوم بألمانيا يوم 3 نوفمبر 2025 (د.ب.أ)

وتواجه حكومة ميرتس أزمات متتالية منذ تشكيلها العام الماضي وسط تحديات انتشال الاقتصاد الألماني الذي يواجه كثيراً من العقبات، وغير القادر على تحقيق نمو كاف. ومؤخراً زادت آثار حرب إيران وارتفاع أسعار البنزين والتأثير المباشر على المواطنين من النقمة الشعبية على الحكومة.

وتحاول الحكومة إدخال تعديلات على قوانين «الضرائب» و«النظام الاجتماعي»، وهما موضوعان يشكلان مادة جدل رئيسية بين الحزبين في الائتلاف الحكومي. ويسعى الحزب «المسيحي»، المنتمي إلى يمين الوسط بزعامة ميرتس، إلى إدخال تعديلات على نظام الضرائب تهدف إلى تقليل الضرائب على الشركات؛ بهدف جعل مناخ العمل في ألمانيا أكبر جاذبية؛ وهو ما يعارضه الحزب «الاشتراكي» الذي يريد تخفيف الأعباء عن الطبقةِ المنخفضة؛ قاعدتِه الأساسية، بمنحها إعفاءات ضريبية مقابل رفع الضرائب على ذوي الدخل الأعلى. ولكن حزب ميرتس يعارض رفع الضرائب ويقترح تخفيض الخدمات الاجتماعية وهو أيضاً ما يعارضه «الاشتراكيون».

وقد أمضى الحزبان في عطلة نهاية الأسبوع ما قبل الماضية يومين كاملين يجريان مشاورات سرية بشأن كيفية تخفيف الأعباء عن المواطنين بسبب ارتفاع أسعار الوقود إثر إغلاق مضيق هرمز. وكادت الخلافات بينهما بشأن المقاربة تتسبب في انهيار الحكومة، ولكن في النهاية اتفقا على تخفيض بعض الضرائب على الطاقة من دون فرض ضرائب أرباح على شركات الطاقة، وهو ما أراده «الاشتراكيون».

شعار حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف الذي بات الحزب الثاني في ألمانيا (د.ب.أ)

والآن تلوح في الأفق خلافات جديدة مع إعلان المستشار الحاجة إلى إدخال إصلاحات على نظام التقاعد، وتحويل مرتب التقاعد إلى «مرتب أساسي»، أي تخفيضه؛ بسبب ارتفاع عدد المتقاعدين بشكل لا يتساوى مع دخول أعداد مناسبة سوقَ العمل. وقال ميرتس أمام مجموعة من الشركات المالية إنه سيتعين على الأفراد الاستثمار في معاشات تقاعد، خصوصاً أن الحكومة ستعمل على تشجيع ذلك عبر إقرار قوانين جديدة. واعترف ميرتس بأن هذه الاصلاحات ستُدخل حكومته مواجهةً جديدة، لكنه قال: «سيتعين فتح حوار جدي مع الحزب (الاشتراكي)» بشأن إصلاحات قانون التقاعد. وبالنسبة إلى «الاشتراكيين»، فإن قانون التقاعد يمس بقاعدتهم الأساسية، والموافقة على تخفيض المعاش التقاعدي ستؤثر من دون شك على شعبيتهم.

وقبل أن تبدأ المشاورات الحكومية بشأن إصلاح القانون، بدأت الخلافات على الإصلاحات، ورد النائب ديرك فيزه، من الحزب «الاشتراكي» بالقول: «يجب على الأشخاص أن يكونوا قادرين على الاعتماد على المعاش التقاعدي. كثيرون دفعوا لسنوات في التأمين التقاعدي مما جنوه من عملهم المضني، ولا يمكن لهذا أن يتحول فقط إلى معاش أساسي»، أي يغطي فقط الأساسيات. لكن السياسي الاشتراكي أبدى انفتاحاً على إصلاح قانون التقاعد، داعياً إلى توسيع قاعدة من يدفعون في التأمين التقاعدي، مقترحاً أن تطول النواب المُعفَين من ذلك حالياً.