نيبال: صفحة من صراع واشنطن ــ بكين في جنوب آسيا

تكملة لما بدأ في سريلانكا وبنغلاديش

دخان ودمار ... من اضطرابات نيبال (إ.ب.أ)
دخان ودمار ... من اضطرابات نيبال (إ.ب.أ)
TT

نيبال: صفحة من صراع واشنطن ــ بكين في جنوب آسيا

دخان ودمار ... من اضطرابات نيبال (إ.ب.أ)
دخان ودمار ... من اضطرابات نيبال (إ.ب.أ)

أصبحت نيبال، الدولة الجبلية الحبيسة في جبال الهيمالايا بين الهند والصين، ثالث دولة في شبه القارة الهندية، منذ عام 2022، تشهد انتفاضة عنيفة أطاحت بحكومتها. rnوكثيراً ما تعقد مقارنات بين اضطرابات نيبال والأخرى التي عصفت خلال السنوات الأخيرة ببنغلاديش (إطاحة الطلاب بالشيخة حسينة واجد عام 2024) وسريلانكا (الاحتجاجات على انهيار الاقتصاد عام 2022)، بما يوحي بوجود نمط من تغييرات الأنظمة التي يقودها الشباب مدفوعين بالأزمات الاقتصادية والفساد في جنوب آسيا.

اندلعت أخيراً في نيبال احتجاجات قادها أبناء الجيل الجديد، المعروف باسم «الجيل زد»، ضد الفساد وفرض الرقابة والركود الاقتصادي، لتتحول إلى فوضى واسعة ضربت جنبات المدن.

وأسفرت الاشتباكات في العاصمة كاتماندو، التي أطلقت عليها وسائل الإعلام المحلية ميمي «حرب اليومين»، عن سقوط عشرات القتلى، وأجبرت رئيس الوزراء كي بي شارما أولي وحكومته بأكملها على الاستقالة. وفيها أضرمت الحشود الغاضبة النار في منازل خمسة رؤساء وزراء سابقين، ومبنى البرلمان، وأجزاء من القصر الرئاسي، بينما تعرضت منازل سياسيين بارزين للنهب... وبدا أن الدولة على شفا الانهيار، دونما قيادة أو بوصلة توجهها.

امرأة لرئاسة الحكومة

اليوم، تتأهب نيبال لتشكيل حكومة مؤقتة برئاسة سوشيلا كاركي، أول امرأة تترأس الحكومة في تاريخ البلاد، وكانت تتولى سابقاً رئاسة المحكمة العليا. وجاء تعيين كاركي (73 سنة) بعد أسبوع من الاضطرابات الدامية، وحظيت بدعم متظاهري «الجيل زد» عبر تصويت على منصة «ديسكورد»، حصلت فيه على أعلى نسبة تأييد. أما مهمتها فتتركز على تشكيل حكومة انتقالية وتنظيم انتخابات عامة بحلول مطلع مارس (آذار) 2026. وفي أول كلمة لها بعد تولي المنصب، قالت كاركي: «فريقي وأنا لسنا هنا للاستمتاع بطعم السلطة. سنستقيل خلال ستة أشهر، ونسلّم المسؤولية للبرلمان الجديد. إننا بحاجة لدعمكم كي ننجح».

اليأس الاقتصادي... وقود الغضب

على الصعيد الاقتصادي، تكابد نيبال أزمة خانقة؛ إذ يُتوقع أن يبلغ نمو الناتج المحلي الإجمالي 3.3 في المائة لعام 2025، ما يعد من بين أدنى المعدلات على مستوى جنوب آسيا، ويجعل نيبال من أفقر دول المنطقة. وتصل نسبة بطالة الشباب إلى 19.2 في المائة. وفي إطار ذلك، تحوّلت الفجوة الصارخة بين حياة السياسيين المترفة وفقر الشعب - التي تجسدت في فضائح انتشرت على نطاق واسع تُظهر أبناء السياسيين، وهم يستعرضون ثراءهم - إلى شعار للاحتجاجات، التي ترى في الفساد والمحسوبية أصل معاناتها.

في هذا الصدد، عبرت سانغيتا ثابليال، أستاذة الدراسات الدولية بجامعة جواهرلال نهرو في العاصمة الهندية دلهي، عن اعتقادها «بوجود تحول جيلي آتٍ، فالشباب يطالبون بالوظائف والتنمية ونوعية حياة أفضل، لكن الطبقة السياسية في نيبال خذلتهم. وتحطم وعد دستور 2008 بإرساء ديمقراطية اتحادية مستقرة، بفعل القلاقل وبطء النمو وتفشي الفساد، وكان هذا الشرخ ما أجّج الاضطرابات».

من الملكية إلى الماوية... إرث من الاضطرابات

في الحقيقة، الاضطرابات ليست بالأمر الجديد على نيبال؛ إذ سقطت الحكومة التي يقودها أولي - الحكومة الـ30 خلال 35 سنة - في خضم موجة من الفوضى والاحتجاجات، ما يبرهن على أن الديمقراطية في إقليم جبال الهيمالايا غالباً ما تلد أخطاء سياسية متكرّرة. وتكشف الأرقام عن أنه منذ عودة التعددية الحزبية عام 1990، تغيّرت الحكومات أكثر من 24 مرة، منها 14 مرة منذ إلغاء الملكية عام 2008. ولم تُكمل أي حكومة فترة ولايتها الكاملة المؤلفة من خمس سنوات، الأمر الذي أدى إلى انهيار تحالفات، وإصابة المشهد السياسي بالشلل، وتوقف عجلة التنمية.

كذلك لا بد من القول إن جذور الأزمة الحالية تضرب في تاريخ نيبال السياسي المضطرب. فطوال تاريخها الحديث، كانت نيبال مملكة - آخر مملكة هندوسية في العالم - حتى قاد الماويون حركة أطاحت بالملك جيانيندرا عام 2008.

الانتقال من الملكية إلى الجمهورية جاء مشّوهاً بالدماء والخيانة، فعام 2001، شهدت البلاد مذبحة العائلة المالكة في حادثة صادمة. ودفعت المأساة نيبال إلى أزمة دستورية، ومهّدت الطريق لاعتلاء الملك جيانيندرا شاه العرش، لكنه أخفق في إخماد التمرد الماوي، الذي حصد أرواح 17 ألف شخص.

وعام 2005، أدى قرار الملك جيانيندرا بحل البرلمان وتولّي زمام السلطة المطلقة، إلى اندلاع احتجاجات واسعة النطاق، انتهت بـ«حركة الشعب» عام 2006، التي أجبرته على التنازل عن الحكم.

بعدها أقر الدستور المؤقت لعام 2007 «علمانية الدولة». ثم جاء المجلس التأسيسي عام 2008، الذي هيمن عليه الحزب الشيوعي النيبالي - الماوي (بحصوله على 220 مقعداً)، ليُعلن إلغاء السلالة الملكية التي استمرت في حكم البلاد طيلة 240 سنة، ويؤسّس الجمهورية. وهكذا أصبح بوشبا كمال داهال، المعروف باسم «براتشاندا» أول رئيس وزراء جمهورية لنيبال، بينما غادر الملك جيانيندرا القصر الملكي.

تجدد الاحتجاجات

في وقت سابق من هذا العام، اشتعلت احتجاجات جديدة مؤيدة للملكية، مدفوعة بالإحباط من الفساد والمحسوبية. وللعلم، عام 2008، تبين أن الوعود بالاستقرار والتقدم وهمية؛ إذ لم تُكمل أي حكومة ولاية كاملة بسبب انهيار التحالفات السياسية، والصراعات الداخلية، والتحالفات الانتهازية. أما الأزمة الحالية، التي يقودها متظاهرو «الجيل زد»، فقد بدأت مع قرار حكومي بحظر منصات التواصل الاجتماعي مثل «فيسبوك»، و«إكس» (تويتر سابقاً)، و«يوتيوب»، بذريعة كبح جماح المعارضة.

نيبال تُحاكي انتفاضات جنوب آسيا الأخرى

تشبه أزمة نيبال الانتفاضات الأخيرة في جنوب آسيا، التي أطاحت بعدة حكومات جراء التأزم الاقتصادي والسخط الشعبي.

كانت البداية في سريلانكا عام 2022، حين دفع انهيار الاقتصاد المواطنين الغاضبين إلى الشوارع، ليطيحوا بهيمنة عائلة راجاباكسا، التي لطالما بدت عصية على السقوط. وكانت العائلة قد رسّخت قوتها ونفوذها على الانتصارات الحربية (بالذات التمرد التاميلي) و«التحكم العائلي»، لكنها انهارت أمام محطات الوقود الخاوية والتضخم الجامح والمديونية الحادة. وانتهى الأمر باقتحام المباني الحكومية وإسقاط الحكم.

وعام 2024، ثارت بنغلاديش؛ إذ تحولت احتجاجات الطلاب على نظام الحصص المجحف في الوظائف إلى تمرّد واسع ضد رئيسة الوزراء الشيخة حسينة واجد وحزبها «رابطة عوامي». وبعدما ردّت الدولة بالرصاص - تشير التقديرات إلى سقوط نحو ألف قتيل - زاد العنف من غضب الشباب، فتحوّلت الحركة إلى ثورة وطنية أجبرت حسينة على الرحيل. ووقع الاختيار على البروفسور محمد يونس، حامل جائزة «نوبل» لقيادة حكومة مؤقتة، مع لعب الجيش دور الوسيط.

بعكس بنغلاديش، حيث التزم الجيش الحياد، تحرك الجيش النيبالي بحزم، فنظم دوريات في شوارع كاتماندو، وحمى البنية التحتية، وتواصل مع قادة الاحتجاج. ودعا الجنرال أشوك راج سيغديل، قائد الجيش النيبالي، إلى التزام الهدوء في خطاب متلفز.

وهنا يرى بعض المحللين أوجه شبه بين ما يجري في آسيا والربيع العربي الذي بدأ في تونس عام 2010. فكلاهما مدفوع بشباب ساخط على البطالة والفساد والحكم السلطوي، ومستفيد من التقنيات الرقمية لتنظيم المعارضة على نطاق عالمي. ولكن، بخلاف الصراعات الطويلة في ليبيا وسوريا، ركّزت احتجاجات نيبال وبنغلاديش على التعبئة الشعبية والضغط السياسي، ما أدى إلى تغيير الأنظمة أو فرض تنازلات كبيرة.

منذ عودة التعددية الحزبية إلى نيبال عام 1990 تغيّرت الحكومات أكثر من 24 مرة

التأثير على المنطقة رهان الهند الهش

اليوم تراقب القوى المجاورة، بالذات الهند والصين، أزمة نيبال عن قرب، نظراً لموقع نيبال الاستراتيجي وحدودها المفتوحة المشتركة مع الهند. والواضح أن ما يتكشف في كاتماندو ليس مجرد أزمة سياسية أخرى في جنوب آسيا.

ذلك أن علاقة الهند بنيبال فريدة من نوعها، متجذّرة في مزيج من الجغرافيا والثقافة والدين والأمن؛ إذ تشترك الدولتان في حدود مفتوحة بطول 1750 كلم. وتسمح هذه الحدود غير المحكمة بحركة الأشخاص عبرها بلا تأشيرات، حيث يُقدر عدد المواطنين النيباليين المقيمين أو العاملين في الهند بنحو 3.5 مليون نسمة. وبموجب معاهدة السلام والصداقة بين البلدين لعام 1950، يتمتع النيباليون بحقوق شبه متساوية في الهند، ما يجعلهم الأجانب الوحيدين، بجانب البوتانيين، الذين يتمتعون بمثل هذه الامتيازات.

 

الحسابات الصينية... مالياً واقتصادياً

أما فيما يخص الصين، «جارة» نيبال الشمالية، فإن رحيل أولي يعد رحيلاً للصديق الذي وقّع اتفاقيات «مبادرة الحزام والطريق»، واتفاقيات النقل لتقليل اعتماد نيبال على الهند. وتجابه استثمارات الصين ومصالحها الجيوسياسية، خاصة في إطار «مبادرة الحزام والطريق»، مخاطر في ظل غياب الاستقرار السياسي في نيبال، بينما يتابع الجيش الصيني التطورات عبر الحدود الشمالية.

من جهة ثانية، ترى بكين أن واشنطن «تتربّص»، بينما «تحرّض» منظماتها غير الحكومية وصناديقها «الديمقراطية» على الثورة في شوارع نيبال الرقمية، تماماً كما حدث في بنغلاديش وسريلانكا.

واللافت أن ثمة نمطاً مشتركاً في انتفاضات سريلانكا وبنغلاديش ونيبال، يتمثّل بالضائقة الاقتصادية التي غالباً ما تضرب بجذورها في القروض والمشاريع الصينية الضخمة. وأيضاً يكمن أحد العوامل المشتركة امتلاك بكين نفوذاً اقتصادياً كبيراً واستثمارات استراتيجية، مع مشاركة الدول الثلاث في «مبادرة الحزام والطريق».

وفي هذه الدول، قدّمت القروض الصينية مكاسب سياسية سريعة - مشاريع لجذب الناخبين، وتوفير تمويل للمقربين من دوائر السلطة، ونفوذاً دبلوماسياً ضد الهند - بينما تطلبت التغييرات حوكمة بسيطة مقارنة بالمقرضين الغربيين. ولكن، مع ذلك، غالباً ما أجّجت مكاسب النخبة تصورات المواطنين حول الفساد، ما أسهم في تأليب الرأي العام عندما كشفت الأزمات الاقتصادية عن تكاليف هذه الصفقات.

يُذكر أن الصين تسيطر على ما بين 6 في المائة و12 في المائة من هذه الدول. وفي الماضي، خاطر قادة هذه الدول بسيادتهم لتحقيق مكاسب قصيرة الأجل، لكن ردود الفعل الشعبية والديناميكيات الإقليمية تحدّ من نفوذ الصين.

ولقد كشف انهيار نيبال بشكل أكبر عن حجم الإقراض الصيني، الذي حاصر هذه الدول. وأجبر غياب الاستقرار السياسي - الناجم عن حركات الشباب وأجّجه دعم خارجي - بكين على إعادة النظر في حساباتها للمخاطر، ما أتاح فرصاً لقوى أخرى لتقليص نفوذ الصين في جنوب آسيا.

في سريلانكا، أدت قروض صينية بقيمة 1.4 مليار دولار لميناء هامبانتوتا إلى توقيع عقد إيجار للصين عام 2017 في خضم ضائقة ديون، ما أشعل أزمة عام 2022 التي أطاحت بعائلة راجاباكسا. وفي نيبال، استخدم كيه بي شارما أولي وآخرون المساعدات الصينية لمواجهة نفوذ الهند، لا سيما في قضايا الحدود، ما عزز مصداقيتهم من المنظور الوطني. أما في بنغلاديش، فقد استفادت الشيخة حسينة من قروض «مبادرة الحزام والطريق» بقيمة 26 مليار دولار من عام 2009 إلى عام 2024 لتعزيز البنية التحتية، ما عزز الجاذبية الانتخابية، رغم مزاعم الفساد. وقد تلقى الزعيم المؤقت محمد يونس تعهدات بالمساعدات الاقتصادية الصينية في عام 2025 لتعزيز استقرار نظامه، ومواجهة نفوذ الهند بمزايا مؤسسية.

دخان ودمار ... من اضطرابات نيبال (آ ف ب)

رقعة الشطرنج الجيوسياسية... والحذر الأميركي تجاه نفوذ الصين

 تدور رحى «حرب الظل» على النفوذ في جنوب آسيا حول تطلعات الشباب والفساد المحلي بقدر ما تتعلق بالتنافس العالمي. واللافت أن العامل المحفّز خلف «عاصفة» نيبال بدا سخيفاً من فرط بساطته؛ أمر حكومي بحجب منصات التواصل الاجتماعي الغربية، مع استثناء المنصات الصينية... وفي غضون ساعات، تحوّل الأمر إلى شيء أكبر بكثير. مُعلّقون سياسيون يرون أن جهات فاعلة في «الدولة العميقة» وقوى خارجية - خاصة الولايات المتحدة والشبكات التابعة لها - تعمل بنشاط لتقويض النفوذ الصيني في انتفاضات جنوب آسيا. وتتماشى هذه الجهود مع استراتيجية تقودها واشنطن لاحتواء الصعود الصيني في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، مستغلةً نقاط الضعف المحلية لتسريع التغيير. ولقد رأى الخبير الجيوسياسي الهندي إس إل كانثان أحداث نيبال «ثورة مُهندسة أميركياً بنسبة 100 في المائة»، مضيفاً: «لطالما كانت الولايات المتحدة قلقة إزاء تزايد النفوذ الصيني في منطقة جنوب آسيا». وتابع كانثان مغرّداً: «دليلٌ مألوف شوهد عشرات المرات حول العالم؛ شبابٌ مُغسولو الأدمغة يُحرقون البرلمان ومساكن كبار السياسيين، وقادةٌ يُرجّح فرارهم من البلاد... إلخ. والآن، هنا دمية أميركية تُؤدي اليمين الدستورية باعتباره زعيماً جديداً، تماماً مثلما الحال في بنغلاديش وباكستان». عادةً ما تكون هذه التدخلات سرّية، مستغلة المنظمات غير الحكومية لدعم المجتمع المدني، والمساعدات الاقتصادية، كأدوات لتوجيه السخط ضد الأنظمة التي تُعتبر مقربة للغاية من بكين. في وقتٍ سابق من هذا العام، أعادت إدارة دونالد ترمب من حافة الهاوية «اتفاق تحدي الألفية الخاص بنيبال»، حزمة من مشاريع الطاقة وتطوير الطرق، ستُضخّ واشنطن بموجبه 500 مليون دولار أميركي في صورة مساعدات. ويقف إحياء المشروع هذا في تعارضٍ مباشر مع «مبادرة الحزام والطريق» الصينية. بجانب ذلك، اعتُبرت مشاركة أولى في موكب «يوم النصر» الصيني، بمثابة انحيازٍ راسخٍ من نيبال إلى المعسكر المناهض لواشنطن. وأشار الصحافي الهندي أرجون ف شارما إلى أن «نيبال تتبع سيناريو مشابهاً لما حدث في بنغلاديش، حيث أدت السياسة الداخلية والنفوذ الدولي إلى الإطاحة برئيسة الوزراء حسينة. وحقاً، ثمة خلافات عميقة بين حسينة والإدارة الأميركية، التي اعتبرت إعادة انتخابها في يناير (كانون الثاني) 2024 غير موثوقة وتفتقر إلى الحرية والنزاهة». وبعد إقالتها، اتهمت حسينة واشنطن «بتدبير» إزاحتها من السلطة. وزعمت أن رفضها السماح بإنشاء قاعدة جوية أميركية في جزيرة سانت مارتن (في خليج البنغال) قد أحبط واشنطن، التي يساورها القلق حيال تزايد النفوذ الصيني في المحيط الهندي.



الحرب حوّلت السودان إلى وطن على شاشة هاتف

من مشاهد الحرب السودانية (آ ف ب)
من مشاهد الحرب السودانية (آ ف ب)
TT

الحرب حوّلت السودان إلى وطن على شاشة هاتف

من مشاهد الحرب السودانية (آ ف ب)
من مشاهد الحرب السودانية (آ ف ب)

تبحث أسرة سودانية عن قريب اختفى منذ عدة أشهر عبر إحدى مجموعات تطبيق «واتساب». وفي مجموعة أخرى على التطبيق ذاته يجمع لاجئون سودانيون في أوغندا تكاليف دفن أحد أبناء الجالية الذين توفوا هناك. وعلى صفحة «فيسبوك» محلية تنشر صورة رجل مجهول الهوية، أملاً في أن يتعرّف عليه أحد. وفي مجموعة (غروب) للصحافيين، يتبادل الصحافيون والمراسلون أرقام المسؤولين والمصادر، ويتحقّقون من الأخبار المتداولة عن المعارك في مجموعات أخرى. قد تبدو هذه المشاهد متفرّقة، لكنها في الواقع أجزاء من قصة واحدة، بدأت منذ اندلاع الحرب في السودان يوم 15 أبريل (نيسان) 2023، وتحولت معها المنصات الرقمية من أدوات للتواصل الاجتماعي، إلى فضاء بديل تدار عبره تفاصيل الحياة اليومية.

أعادت الحرب المتطاولة التي دخلت عامها الرابع في السودان، تشكيل «الجغرافيا السودانية» على الأرض. ومثلها أعادت مجموعات على منصّات التواصل، كـ«واتساب» و«فيسبوك» و«تلغرام» وغيرها، تشكيل الطريقة التي يحصل بها الناس على المعلومات، وكيف يتواصلون مع أسرهم، أو يبحثون عن المساعدة، أو حين يتابعون الأخبار، ويواجهون آثار النزوح والغياب والخوف.

أبقت الأسر متصلة

لم تفرّق الحرب السودانيين بين المدن والولايات فحسب، بل وزّعتهم أيضاً على عشرات الدول، واضطرتهم للعيش في بيئات جديدة. وهكذا فقد كثيرون منهم القدرة على اللقاء المباشر، ومن ثمّ، أصبحت المنصات الرقمية الرابط اليومي الذي يحافظ على ما تبقى من الحياة الاجتماعية.

بالنسبة للعديد من الأسر، يبدأ اليوم وينتهي على شاشة الهاتف...

صباح أحمد، مثلاً، وهي نازحة من ولاية الجزيرة، تقول لـ«الشرق الأوسط» إن أول ما تفعله عند الاستيقاظ من النوم، هو تفقّد هاتفها للتأكد من عدم وجود مكالمات فائتة من أفراد أسرتها، لأن الحرب - كما تصفها - جعلت الناس يتوقعون الأخبار السيئة في كل لحظة، وأصبح الاطمئنان على الأقارب جزءاً من الروتين اليومي.

ولكن لا يقتصر هذا الاعتماد المتزايد على المنصات الرقمية على تبادل الأخبار العائلية. بل بالنسبة للاجئين السودانيين في الخارج، تحوّلت مجموعات الـ«واتساب» وصفحات الـ«فيسبوك» إلى نافذة يومية يطلون من خلالها على ما يجري داخل البلاد. وهنا يقول سيبويه يوسف، اللاجئ السوداني في أوغندا، إن هذه المجموعات أصبحت «الوسيلة الرئيسة لمعرفة أحوال الأهل والأصدقاء، وتحولت أيضاً إلى مساحة لتقديم الدعم للمحتاجين والمرضى والمشاركة في الأفراح والأتراح».

أما الدكتور عبد الناصر الفكي، أستاذ علم الاجتماع السياسي في الجامعات السودانية، فيرى في لقاء مع «الشرق الأوسط» أن الحرب أفرزت ما يشبه «الأسرة الإلكترونية»، حيث «بات أفراد العائلة الممتدة يتواصلون باستمرار رغم تفرقهم بين السودان ودول اللجوء... هذه المنصات لم تعد وسيلة للتواصل فقط، بل أصبحت أيضاً، أداة للدعم النفسي وتبادل المعلومات الصحية والتعليمية، ومشاركة الخبرات المتعلقة بالحياة في ظروف الحرب والنزوح».

قرارات مصيرية عن بعد

أكثر من هذا، في ظروف الحرب لا تقتصر أهمية المعلومات على معرفة ما يجري، بل تمتد أحياناً إلى اتخاذ قرارات تتعلق بالحياة والموت، فعندما بدأت المخاوف تتزايد في ولاية الجزيرة، لم تعتمد بعض الأسر على البيانات الرسمية أو الأخبار العامة وحدها، بل لجأت إلى شبكاتها الاجتماعية للحصول على تقديرات مباشرة من الأصدقاء والمعارف الموجودين في مناطق مختلفة.

وبحسب صباح أحمد فإن أسرتها شعرت بخطر متزايد يهدد سلامتها في مدينة الحصاحيصا، بولاية الجزيرة، في أثناء سيطرة «قوات الدعم السريع» عليها. وبناء عليه بدأت التشاور مع أصدقاء وزملاء للحصول على صورة أوضح للأوضاع، مضيفة: «بعد سلسلة من الاتصالات والنقاشات، اتخذت الأسرة قرار المغادرة إلى القضارف ثم إلى ولاية نهر النيل»، وهو قرار تعدّه اليوم خطوة أسهمت في تجنيبها مخاطر كبيرة.

وتعكس هذه التجربة واقعاً أوسع، إذ تحولت المنصات الرقمية إلى شبكة إنذار غير رسمية يعتمد عليها كثرة من السودانيين في تقييم المخاطر واتخاذ قرارات النزوح أو البقاء أو التنقل بين المناطق.

شبكات استجابة وتكافل

في الواقع، لم تنتظر المجتمعات المحلية وصول المنظمات الدولية حتى تبدأ الاستجابة لآثار الحرب. ففي الأشهر الأولى، اعتمدت جهود المساعدة على شبكات اجتماعية قائمة أصلاً على روابط الأسرة والجيرة والانتماء المناطقي. وظهرت ما عرفت بـ«التكايا»، وهي مجموعات أهلية ميدانية تقدم للناس الطعام الجاهز والشراب وأحياناً الدواء، معتمدة على ما يتيسر تجميعه وإيصاله من أموال عبر هذه الوسائط.

ويرى مدني عباس، خبير العمل الإنساني ووزير التجارة السابق، أن «مجموعات الواتساب لعبت دور الحلقة التي ربطت بين المحتاجين والداعمين، وساعدت في تحديد الاحتياجات وتنسيق الاستجابة داخل المجتمعات المحلية. ومع مرور الوقت، أصبحت هذه المنصات أيضاً مساحة للتنسيق بين المجموعات القاعدية والمنظمات الوطنية العاملة في المجال الإنساني».

وأردف عباس لـ«الشرق الأوسط» شارحاً: «مثلما أسهمت صفحات فيسبوك ووسائل التواصل الأخرى في توثيق الأوضاع الإنسانية ونقل احتياجات المجتمعات المحلية، فإنها ساعدت في حشد الدعم لمشاريع مرتبطة بالأمن الغذائي والصحة والتعليم والطاقة الشمسية، بل وحتى في توفير التمويل لبعض أنشطة الاستجابة الإنسانية».

بل في المنافي والملاجئ أخذ هذا التكافل أشكالاً أكثر تنظيماً، ففي العاصمة الأوغندية كمبالا، مثلاً، توجد مجموعة «واتساب» أخذت اسم «وفيات كمبالا»، تضم أكثر من ألف لاجئ سوداني يتعاونون ويتشاركون الفقر في جمع المال لتغطية تكاليف دفن الموتى ومساندة أسرهم. إذ يجمع الأعضاء المساهمات المالية عبر المجموعة، ويتولى متطوّعون منهم متابعة ترتيبات التجهيز والدفن والتشييع، في نموذج يعكس كيف تحولت المنصات الرقمية إلى أداة لإدارة التضامن الاجتماعي في ظروف استثنائية.

سيدة سودانية تتلقى آخر الأخبار عبر وسائل التواصل (رويترز)

في أثر الغائبين

ولكن، لعل من أكثر الاستخدامات الإنسانية تأثيراً للمنصات الرقمية خلال الحرب، تحوّلها إلى وسيلة للبحث عن المفقودين والمختفين، ففي مجموعات الـ«واتساب» وصفحات الـ«فيسبوك»، تتكرّر يومياً منشورات تبدأ بكلمة «مفقود» وتنتهي بمناشدات لإعادة النشر على أوسع نطاق. وفي كثير من الأحيان تتضمّن هذه المنشورات صور الأشخاص المفقودين ومعلومات عن آخر مكان شوهدوا فيه، أملاً في أن تقودها المصادفة إلى شاهد أو معلومة أو خيط جديد.

هذه المناشدات ما عادت تقتصر على الأشخاص الذين تبحث عنهم أسرهم، بل امتدت أيضاً إلى مجهولي الهوية والأشخاص الذين يعثر عليهم في ظروف إنسانية صعبة. وفي إحدى الحالات المتداولة، نشر مواطنون صورة رجل عثر عليه في إحدى المدن السودانية وهو عاجز عن التعريف بنفسه، دعوا المتابعين والأعضاء إلى مشاركة المنشور حتى يتم التعرف عليه والوصول إلى أسرته.

وفي حالة أخرى، ساعد انتشار المناشدات عبر «واتساب» و«فيسبوك» في الوصول إلى معلومات عن رجل اختفى لأكثر من سنة بعد تعرضه للخطف. ويقول الرجل، الذي طلب إغفال اسمه خشية الانتقام والرمز إليه بـ«م. ن»، إن أسرته لجأت إلى نشر بياناته وصوره على نطاق واسع بعد فقدان الأمل في العثور عليه عبر الوسائل التقليدية، قبل أن تصل إليها معلومات ساعدت في معرفة مصيره.

وإلى جانب الأشخاص، ظهرت مجموعات وصفحات متخصّصة في تتبّع السيارات المفقودة أو المنهوبة، إذ ينشر أصحابها الصور وأرقام اللوحات ومعلومات الفقدان أملاً في العثور عليها عبر الشبكات الاجتماعية.

في ظروف الحرب لا تقتصر أهمية المعلومات

على معرفة ما يجري بل تمتد أحياناً إلى اتخاذ

قرارات تتعلق بالحياة والموت

إعلام موازٍ

من ناحية ثانية، في بلد تعطلت فيه مؤسسات إعلامية كثيرة، وجدت الأخبار طريقها إلى الجمهور عبر المجموعات (الغروبات) والصفحات والقنوات الرقمية، ويرى الصحافي والباحث في الإعلام الرقمي، محمد عبد العزيز، أن خروج معظم المؤسسات الإعلامية من الخدمة في الأيام الأولى للحرب خلق فراغاً معلوماتياً واسعاً، سرعان ما ملأته المنصات الرقمية، وعلى رأسها تطبيق «واتساب». وساعدت عدة عوامل في ذلك، من بينها قدرة التطبيق على العمل في بيئات الاتصالات الضعيفة، واعتماده على الرسائل الصوتية، وسهولة استخدامه، وانتشاره الواسع بين مختلف الفئات الاجتماعية.

وهنا يذكر الدكتور عصام عباس، خبير تقنية المعلومات، خلال حوار مع «الشرق الأوسط» أن «هذه الخصائص جعلت واتساب منصة مثالية للعمل في بيئة مضطربة مثل السودان». وبالفعل، تجلت أهمية التطبيق أكثر عندما توقفت خدمة المكالمات الصوتية عبر «واتساب» داخل السودان إبان الحرب. وبينما لم تقدم تفسيرات رسمية مفصلة للقرار، رجّح مراقبون ارتباطه باعتبارات أمنية واستخدام التطبيق في الاتصالات بين أطراف النزاع، ما أدى إلى انتقال أعداد كبيرة من المستخدمين إلى الرسائل الصوتية والمكتوبة، التي غدت وسيلة رئيسية للتواصل اليومي.

وفي الوقت نفسه، نشأت مجموعات مهنية متخصصة للصحافيين، أبرزها مجموعة «ممكن رقم»، الذي يستخدم للحصول على أرقام المسؤولين والخبراء والمصادر المختلفة. وظهرت مجموعات أخرى لتبادل الأخبار ومتابعة تطورات الحرب والتحقق من المعلومات المتداولة.

مع هذا، لا يتعامل الصحافيون المحترفون مع هذه المنصات بوصفها مصدراً نهائياً للمعلومات. وهذا ما يقوله عبد المنعم أبو إدريس، مراسل «وكالة الصحافة الفرنسية» (AFP) ونقيب الصحافيين السودانيين لـ«الشرق الأوسط» بأن ما يرد في المجموعات الرقمية «قد يشكل خيطاً أولياً أو يقود إلى مصدر محتمل، لكنه يحتاج دائماً إلى التحقق والتأكيد عبر مصادر مستقلة».

في مرمى الحرب

لكن البيئة الرقمية التي ساعدت الناس على التواصل والتنظيم وتبادل المعلومات، وفرت أيضاً مساحة واسعة للتضليل. فبجانب المجموعات الشعبية والمهنية، ظهرت إبان الحرب مجموعات وقنوات رسمية تنشر بيانات المؤسسات الحكومية والتغطيات الرئاسية، كما أنشأت أطراف الصراع قنواتها الخاصة لنشر رواياتها للأحداث، من بينها قنوات مرتبطة بـ«قوات الدعم السريع» على تطبيق «تلغرام».

وتعكس هذه المنصات في الغالب وجهة نظر الجهة التي تديرها، ما يجعلها جزءاً من معركة السرديات المصاحبة للحرب. ويرى محمد عبد العزيز أن «طبيعة الشبكات المغلقة وصعوبة معرفة المصدر الأول للمعلومة سهلتا انتشار الأخبار المفبركة والمقاطع المجتزأة والتسجيلات المضللة». بينما يشير الدكتور عصام عباس إلى أن «غياب آليات فعالة لضبط المحتوى داخل المجموعات المغلقة، وسهولة إعادة توجيه الرسائل والمقاطع الصوتية والصور، ساعدا في انتشار خطاب الكراهية والمحتوى التحريضي، وبذا تحوّلت المنصات إلى ساحة تتداخل فيها الأخبار الصحيحة مع الإشاعات، والمعلومات الموثقة مع الروايات الموجّهة».

خارج الصفوف والعيادات

من جهة ثانية، لم تتوقف آثار التحول الرقمي عند حدود الأخبار والتواصل والإغاثة، فمع تراجع الخدمات الصحية وصعوبة الوصول إلى الأطباء والمشافي في بعض المناطق، انتقلت استشارات طبية كثيرة إلى الفضاء الرقمي. وصار من المألوف أن يتلقى الأطباء صوراً للتحاليل أو الأعراض عبر الهاتف، ثم يرسلون الإرشادات العلاجية عن بعد.

وهنا يقول الدكتور بدر الدين أجبر، أستاذ كلية الطب بجامعة كردفان والمدير العام السابق لوزارة الصحة بالولاية، لـ«الشرق الأوسط» إن هذا النوع من المتابعة «لم يعد يقتصر على الحالات البسيطة، بل شمل مرضى الأمراض المزمنة أيضاً، في ظل الصعوبات التي تواجه الوصول إلى الخدمات الصحية في بعض المناطق».

وفي قطاع التعليم، لعبت المنصات الرقمية دوراً مماثلاً. فبعد توقف الدراسة الحضورية في كثير من الجامعات والمدارس، لجأت مؤسسات التعليم العام والعالي إلى تطبيقات مثل «تلغرام» لنشر المحاضرات والمواد التعليمية والتواصل مع الطلاب. وتقول جهاد عباس، الطالبة المتخرجة في «جامعة بحري» في أثناء الحرب، إن هذه التجربة مكنتها من استكمال دراستها الجامعية رغم ظروف الحرب، وإن المجموعات التي أنشأها الطلاب فيما بينهم لتبادل المعلومات والإجابة عن الاستفسارات الأكاديمية، عوّضت جزءاً من غياب الحياة الجامعية التقليدية.

مجتمع يعيد تنظيم نفسه

وهكذا، بعد أكثر من سنتين من الحرب، ما عادت المنصات الرقمية مجرد وسائل للتواصل، بل تحولت إلى مساحات للبحث عن المفقودين، ومنصات للإغاثة والعمل الإنساني، وشبكة للتكافل الاجتماعي، ووسيلة للتعليم والعلاج، ومصدر للأخبار، وساحة للصراع على الروايات.

ولم تكن هذه التحولات نتاج خطة مسبقة، بل استجابة طبيعية لواقع فرضته الحرب، نتجت إثر تعثر مؤسسات كثيرة، أو تراجع قدرتها على أداء أدوارها التقليدية، فاندفع السودانيون لإعادة تنظيم جوانب من حياتهم اليومية عبر الشبكات الرقمية، مستفيدين من قدرتها على تجاوز الحدود والمسافات والعوائق.

وطوال سنوات الحرب الأربع، لم تعد المنصات الرقمية مجرد وسائط لنقل الرسائل بين الناس، بل صارت جزءاً من البنية الاجتماعية التي يعتمد عليها السودانيون في التواصل والتعلم والعلاج وتنظيم المساعدات والبحث عن المفقودين ومتابعة الأخبار.

بل، ومع أن السودانيين قد يختلفون حول أثرها وما تتيحه من فرص أو ما تحمله من مخاطر، يبقى أمرٌ واحدٌ محل اتفاق هو «أن جانباً مهماً من الحياة السودانية انتقل خلال الحرب إلى الفضاء الرقمي، وأعاد الناس بناء شبكاتهم الاجتماعية والمهنية والإنسانية على الشاشات الصغيرة التي حملوها معهم في رحلة النزوح واللجوء والبقاء».


ميشال عيسى... سفير أميركي بنكهة لبنانية وتوقعات كثيرة

إبان جلسة تثبيته في مجلس الشيوخ الأميركي رسم ملامح سياسته فوضع مجموعة من العناوين التي تحوّلت لاحقاً إلى ملامح أساسية في أدائه
إبان جلسة تثبيته في مجلس الشيوخ الأميركي رسم ملامح سياسته فوضع مجموعة من العناوين التي تحوّلت لاحقاً إلى ملامح أساسية في أدائه
TT

ميشال عيسى... سفير أميركي بنكهة لبنانية وتوقعات كثيرة

إبان جلسة تثبيته في مجلس الشيوخ الأميركي رسم ملامح سياسته فوضع مجموعة من العناوين التي تحوّلت لاحقاً إلى ملامح أساسية في أدائه
إبان جلسة تثبيته في مجلس الشيوخ الأميركي رسم ملامح سياسته فوضع مجموعة من العناوين التي تحوّلت لاحقاً إلى ملامح أساسية في أدائه

لم يحتج السفير الأميركي الجديد لدى لبنان عندما حلَّ في بيروت إلى «فترة تعليمية»، ولا إلى دورات خاصة في وزارة الخارجية قبل وصوله إلى محطته الأولى في العمل الدبلوماسي الذي جاءه من تقاعد قصير من عالم الأعمال والسيارات. إذ إنَّ السفير ميشال عيسى يعرف بيروت، وبقية مناطق لبنان، أكثر مما يعرف أروقة وزارة الخارجية التي لم تكن له بها أي علاقة قبل تعيينه من قبل الرئيس الأميركي دونالد ترمب. لقد كان عيسى يعود إلى المدينة التي وُلد فيها، وإلى بلد حمله معه في رحلة امتدت من لبنان إلى فرنسا، ثم الولايات المتحدة، قبل أن يعود إليه ممثِّلاً للدولة الأقوى في العالم خلال واحدة من أكثر المراحل حساسية في تاريخ العلاقات اللبنانية - الأميركية.

منذ اللحظة الأولى لتعيين ميشال عيسى سفيراً للولايات المتحدة لدى لبنان، بدا واضحاً أنَّ اختيار عيسى لم يكن قراراً روتينياً داخل الإدارة الأميركية. فواشنطن لم ترسل إلى بيروت دبلوماسياً مهنياً تقليدياً أو مسؤولاً أمنياً سابقاً، بل اختارت رجل أعمال ومصرفيّاً مخضرماً يحمل جذوراً لبنانية عميقة، ويتمتع في الوقت نفسه بعلاقة مباشرة بالرئيس الأميركي دونالد ترمب.

لكن الأهم، أن تعيين عيسى جاء إبّان مرور لبنان بمنعطف تاريخي. فالبلاد كانت تحاول الخروج من أسوأ أزمة اقتصادية ومالية في تاريخها الحديث، بينما كانت تداعيات الحرب على الجبهة الجنوبية، ومستقبل العلاقة بين الدولة اللبنانية و«حزب الله»، تتصدَّر أجندة النقاشات الدولية والإقليمية.

أكثر من رسالة

وحقاً، رأى كثيرون أن اختيار عيسى يحمل أكثر من رسالة. إذ يقول صديقه النائب اللبناني فؤاد مخزومي: «من جهة أرادت واشنطن إرسال شخصية تعرف لبنان من الداخل وتفهم تركيبته المعقّدة، ومن جهة أخرى أرادت الاعتماد على رجل يتمتّع بثقة الرئيس الأميركي شخصياً ويستطيع نقل توجّهات البيت الأبيض مباشرة إلى واحدة من أكثر الساحات تعقيداً في الشرق الأوسط».

ولقد كانت من بين الخطوات اللافتة التي رافقت انتقاله إلى العمل الدبلوماسي، تخلّيه عن الجنسية اللبنانية قبل تسلّمه مهامه سفيراً للولايات المتحدة، في خطوة هدفت إلى إزالة أي التباس قانوني أو سياسي محتمل يتعلّق بازدواجية الانتماء.

من بسوس إلى «وول ستريت»

وُلد ميشال عيسى عام 1955 في العاصمة اللبنانية، بيروت، إلا أنه يتحدّر من بلدة بسوس في قضاء عاليه بمحافظة جبل لبنان.

عيسى نشأ في لبنان خلال فترة كانت البلاد فيها لا تزال تعيش سنوات الاستقرار النسبي التي سبقت الحرب الأهلية، وتلقَّى تعليمه المدرسي في بيروت قبل أن تغادر عائلته لبنان في إطار موجة الهجرة اللبنانية التي شهدتها سبعينات القرن الماضي.

فرنسا كانت محطته الأولى. وهناك تابع دراسته في الاقتصاد والمالية، وبدأت تتشكَّل شخصيته المهنية. إذ حصل على شهادة دبلوم الدراسات الجامعية العامة (DEUG) في الاقتصاد من جامعة باريس العاشرة - نانتير. وكذلك درس في كلية الدراسات العليا للبنوك في باريس. وفي أواخر السبعينات انتقل إلى الولايات المتحدة، البلد الذي سيبني فيه مستقبله المهني ويحقق فيه نجاحاته الكبرى.

قطاعا المال والمصارف

على مدى عقود، عمل ميشال عيسى في القطاعين المالي والمصرفي، متنقلاً بين مؤسسات دولية بارزة. فشغل مناصب تنفيذية في مصارف وشركات استثمارية معروفة، واكتسب خبرةً واسعةً في إدارة الديون وإعادة هيكلة الشركات والاستثمارات والأسواق المالية.

وفي عالم المال الأميركي، بنى سمعته كرجل يتمتّع بقدرة على معالجة الملفات المعقّدة، وإدارة المخاطر، وإيجاد الحلول للأزمات المالية. ومع مرور السنوات أصبح اسمه معروفاً في الأوساط الاقتصادية والاستثمارية، خصوصاً في نيويورك، حيث استقرَّ وأسَّس شبكةً واسعةً من العلاقات المهنية.

دخول دائرة ترمب

من جهة ثانية، لعل الجانب الأكثر إثارة للاهتمام في سيرة ميشال عيسى هو علاقته بالرئيس الأميركي دونالد ترمب. فالرجل لم يكن مجرّد داعم سياسي للرئيس الأميركي، بل تصفه تقارير إعلامية أميركية بأنه من المقرّبين إليه، ومن شركائه في لعبة الغولف. وتعود العلاقة بينهما إلى سنوات سبقت دخولهما معاً دائرة العمل السياسي المباشر.

وعندما أعلن ترمب ترشيحه لمنصب سفير الولايات المتحدة لدى لبنان، اختار كلمات لافتة في وصفه، مشيداً بخبرته المالية الواسعة، ومسيرته في الأعمال والتجارة الدولية.

وفي بيروت، كما واشنطن، لا يُنظَر إلى هذه العلاقة على أنها تفصيل ثانوي. وهنا يقول مخزومي: «إن السفير الذي يتمتع بقناة مباشرة إلى البيت الأبيض يمتلك هامش حركة أوسع من ذلك الذي يتوافر عادة للدبلوماسيين التقليديين. ولهذا السبب اكتسب تعيين عيسى أهمية إضافية في بيروت»، معتبراً أن الرجل «لا يمثل الخارجية الأميركية فحسب، بل يحمل أيضاً ثقة الرئيس الأميركي نفسه».

وبالنسبة إلى لبنان، فإنَّ هذه العلاقة تمنح منصبه بُعداً مختلفاً. إذ إن كل رسالة ينقلها أو موقف يعلنه يُنظَر إليه بوصفه أقرب إلى «المزاج السياسي» للبيت الأبيض من كونه مجرّد رأي دبلوماسي تقليدي.

سفير تحت المجهر

منذ أسابيعه الأولى في لبنان، وجد عيسى نفسه منخرطاً في ملفات تتجاوز الدبلوماسية التقليدية. إذ شارك في لقاءات تناولت مستقبل الدعم الأميركي للجيش اللبناني، وملفات الإصلاح الاقتصادي، والجهود الدولية الرامية إلى تثبيت الاستقرار على الحدود الجنوبية.

وخلال جلسة تثبيته في مجلس الشيوخ الأميركي، رسم عيسى ملامح سياسته، فوضع مجموعة من العناوين التي تحوَّلت لاحقاً إلى ملامح أساسية في أدائه. فلقد تكلَّم عن أهمية دعم المؤسسات «الشرعية» اللبنانية، وتعزيز الإصلاحات الاقتصادية، و«تمكين الدولة من بسط سلطتها» على كامل أراضيها. وطبعاً، لاقت هذه المواقف ترحيباً لدى بعض القوى اللبنانية، في حين أثارت تحفّظات وانتقادات لدى أطراف أخرى رأت فيها امتداداً للمقاربة الأميركية التقليدية تجاه لبنان.

لكن ما جعلت حضوره مختلفاً عن كثير من أسلافه هي خلفيته اللبنانية.

فالرجل يتكلّم العربية بطلاقة، ويفهم تفاصيل الحياة السياسية اللبنانية، ويعرف الفوارق الدقيقة بين القوى والأحزاب والطوائف، وهذه عناصر تمنحه قدرة أكبر على فهم المشهد المحلي.

ولكن في المقابل، جعلته هذه الخلفية أيضاً عُرضةً لتدقيق أكبر. فكل تصريح يصدر عنه يُقرَأ أحياناً من زاويتين: زاوية السفير الأميركي، وزاوية اللبناني الذي يعرف تفاصيل البلد الذي يعمل فيه.

حياة خاصة... جداً

بعيداً عن السياسة والدبلوماسية، تبدو شخصية ميشال عيسى مختلفة عن الصورة النمطية لكثيرين من رجال المال. فالرياضة تُشكِّل جزءاً مهماً من سيرته الشخصية. وتشير المعلومات الرسمية إلى أنه كان منافساً دولياً في ألعاب القوى خلال شبابه، قبل أن يتحوَّل اهتمامه لاحقاً إلى رياضات أخرى أبرزها كرة المضرب والغولف.

أيضاً، تكشف هذه الخلفية الرياضية جانباً مهماً من شخصيته. فالانضباط والمنافسة والسعي إلى تحقيق النتائج هي صفات يربطها كثيرون بمسيرته المهنية الطويلة في القطاع المالي. ثم إن رياضة الغولف لعبت دوراً يتجاوز الهواية الشخصية، إذ تحوَّلت إلى أحد «الجسور» التي جمعته بالرئيس ترمب، المعروف بشغفه بهذه الرياضة.

أما عائلياً، فعلى عكس كثير من الشخصيات العامة، يحرص عيسى على إبقاء حياته العائلية بعيداً عن الأضواء. والمعلومات المتوافرة عن زوجته وولديه محدودة للغاية، الأمر الذي يعكس رغبةً واضحةً في الفصل بين حياته الخاصة وعمله العام.

بين الجذور اللبنانية والمصالح الأميركية

في الواقع، يقف ميشال عيسى عند تقاطع مسارين متوازيين. الأول شخصي بدأ في أحياء بيروت وبلدة بسوس قبل أكثر من نصف قرن، والثاني سياسي ومهني قاده إلى قلب الإدارة الأميركية. وربما تكمن فرادة تجربته في الجمع بين هذين المسارين. فهو يعرف لبنان بعيون ابن البلد، لكنه يتحرَّك فيه بصفته ممثلاً للمصالح الأميركية. يفهم تعقيدات النظام اللبناني، لكنه مُكلَّف بتنفيذ سياسات تحددها واشنطن، لا بيروت.

وهنا يقول فؤاد مخزومي إن الرجل «واضح وجريء وشفاف. هو يريد لبنان، ونحن نراهن على أصوله اللبنانية وعلى ما يحاول أن يقوم به لأنَّه يؤدي بنا إلى لبنان أفضل. هو يبني علاقات جيدة مع الجميع، وهذا هو السبب في قوة السفير».

ويضيف: «لبنان موجود في مناطق توجد فيها إسرائيل من جهة وسوريا من جهة أخرى، ولديه الملف الفلسطيني. وهنا الوجود المسيحي المميز في المنطقة. هذه كلها تُشكِّل حالةً فريدةً، لكن إذا لم يكن هناك شخص ينقل الصورة إلى البيت الأبيض كما هو السفير عيسى فلن يتحقَّق ذلك. السفير عيسى يستطيع أن يتحدث مباشرة مع مَن يتخذون القرار في الولايات المتحدة، وهذا يعطينا نقطة قوة. ونستطيع أن نبني عليه من أجل الحصول على فهم أفضل في الولايات المتحدة للموقف اللبناني».


سفراء الولايات المتحدة لدى لبنان: دبلوماسيو المهمات الصعبة

ديفيد ساترفيلد (آ ب)
ديفيد ساترفيلد (آ ب)
TT

سفراء الولايات المتحدة لدى لبنان: دبلوماسيو المهمات الصعبة

ديفيد ساترفيلد (آ ب)
ديفيد ساترفيلد (آ ب)

راهنت الولايات المتحدة على لبنان نموذجاً ليبرالياً في ظل المد الشيوعي منذ الخمسينات. ولعب سفراؤها في بيروت أدواراً رئيسية في محطات بارزة من تاريخ لبنان الذي عاش الاضطراب كما الرخاء والاستقرار، وعاش الصراعات الخارجية على أرضه، ما اضطر الولايات المتحدة لإعادة التوازن في الاصطفافات الإقليمية التي كانت تفرض إيقاعها على الداخل.

العديد من السفراء تركوا بصمة واضحة في لبنان، بدءاً من مرحلة بعد الاستقلال، إثر انتصار الحلفاء في الحرب العالمية الثانية، وحتى اليوم. وهنا نستعرض بعض السفراء في مراحل حساسة:

1- جورج وادسوورث

يُعد من أوائل رؤساء البعثة الأميركية في لبنان إبّان مرحلة الاستقلال، وكان شاهداً على ولادة العلاقات الدبلوماسية بين واشنطن ولبنان المستقل.

2- روبرت ماكلينتوك

وصل إلى بيروت في أعقاب «أزمة 1958» وإنزال قوات «المارينز» الأميركية في لبنان لدعم عهد الرئيس كميل شمعون. وهو يُعتبر من أبرز السفراء خلال مرحلة الحرب الباردة.

3- آرمن ماير

كان من أكثر السفراء الأميركيين نفوذاً خلال الستينات، وارتبط اسمه بعلاقات وثيقة مع الرئيس فؤاد شهاب إبّان مرحلة بناء مؤسسات الدولة اللبنانية.

4- فرانسيس إدوارد ميلوي

عُيّن سفيراً للولايات المتحدة في لبنان في مايو (أيار) 1976، وأثناء توجهه في موكب غير محمي أمنياً لمقابلة الرئيس اللبناني المنتخب إلياس سركيس وتقديم أوراق الاعتماد له، تعرّض موكبه للاختطاف في منطقة «الخط الأخضر» في بيروت. وعُثر على جثته مقتولاً بالرصاص مع المستشار الاقتصادي في السفارة روبرت وورينغ وسائقهما اللبناني في منطقة الرملة البيضاء. واتهمت «الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين» بالضلوع في اغتيالهم.

5- جون غنتر دين

شغل موقعه في الفترة بين عامي «1978 - 1981» في أخطر المراحل من الحرب الأهلية. وفي أغسطس (آب) 1980 نجا السفير دين من محاولة اغتيال في الحازمية (إحدى ضواحي بيروت). وسعى لفتح قنوات اتصال مع «منظمة التحرير الفلسطينية»، تمهيداً لإنهاء أزمة لبنان قبل الغزو الإسرائيلي في عام 1982.

6- روبرت ديلون

تولّى منصب سفير الولايات المتحدة لدى لبنان في الفترة ما بين 1981 و1983، وذلك في حقبة «التغييرات»، إذ شهدت حقبته الغزو الإسرائيلي وصولاً إلى بيروت، وإبعاد «منظمة التحرير الفلسطينية» من لبنان إلى تونس، وانتخاب الرئيس بشير الجميل ثم اغتياله، وتوقيع «اتفاقية 17 أيار» بين لبنان وإسرائيل. في تلك الحقبة، لعبت واشنطن دور الوسيط لإخراج «منظمة التحرير»، وأرسلت قوات «المارينز» ضمن قوة متعددة الجنسيات. لكن عام 1983 كان مفصلياً، فيوم 18 أبريل (نيسان) فجّر انتحاري شاحنة مفخّخة في مقر السفارة الأميركية بحي عين المريسة في بيروت، فقتل 63 شخصاً بينهم 17 أميركياً. وبعدها في أكتوبر (تشرين الأول) قتل 241 جندياً أميركياً في تفجير ثكنة «المارينز» قرب مطار بيروت، واتهم «حزب الله» و«الحرس الثوري الإيراني» بالضلوع في التفجيرين.

7- جون توماس ماكارثي

تولّى مهامه في واحدة من أخطر مراحل الحرب الأهلية اللبنانية خلال الصراع بين حكومتي العماد ميشال عون العسكرية، ورئيس الحكومة في بيروت الغربية سليم الحص. وكان من أبرز الوجوه الأميركية في مرحلة «اتفاق الطائف».

في عهده، غادر وطاقمه بيروت، ولم يستأنف العمل إلا يوم 29 نوفمبر (تشرين الثاني) 1990، عندما قدّم السفير رايان كروكر أوراق اعتماده، إيذاناً بمرحلة إعادة بناء العلاقة بعد «اتفاق الطائف» الذي أوقف الحرب اللبنانية.

8- ديفيد ساترفيلد

لعب دوراً بارزاً في ملفات الجنوب اللبناني والعلاقة الأميركية - السورية في نهاية عهد الرئيس السوري حافظ الأسد، وفي عهده انسحب الجيش الإسرائيلي من جنوب لبنان عام 2000.

جيفري فيلتمان (آ ف ب)

9- جيفري فيلتمان

ربما يكون فيلتمان الأكثر شهرة في الذاكرة السياسية اللبنانية الحديثة. تولّى منصبه خلال اغتيال رئيس الوزراء السابق رفيق الحريري، واندلاع «انتفاضة 14 آذار»، وخروج الجيش السوري من لبنان، و«حرب يوليو (تموز)» 2006. كان لاعباً أساسياً في السياسة الأميركية تجاه لبنان، ثم أصبح مساعداً لوزير الخارجية الأميركي لشؤون الشرق الأدنى.

10- ميشيل سيسون

تابعت مرحلة ما بعد «اتفاق الدوحة» وصعود الانقسام السياسي بين فريقي «8 و14 آذار»، وتميّزت بعلاقات واسعة مع مختلف القوى اللبنانية.

11- مورا كونيللي

وصلت مع اندلاع الحرب السورية وتزايد انعكاساتها على لبنان، وشهدت بدايات الانخراط الأميركي المكثّف في دعم الجيش اللبناني.

12- دوروثي شيا

أصبحت من أكثر السفراء الأميركيين حضوراً في الإعلام اللبناني خلال مرحلة الانهيار المالي وانفجار مرفأ بيروت والصراع السياسي الداخلي.

13- ليزا جونسون

أدارت مرحلة الحرب بين إسرائيل و«حزب الله» بعد أحداث 2023، وكانت من أبرز الوجوه الأميركية في جهود التهدئة والاتصالات السياسية والعسكرية.