ليبيا: تجدد الجدل بشأن نفوذ تركيا بعد وساطتها بين «الوحدة» و«الردع»

البعض يرى أنها أنقذت مستقبل الدبيبة السياسي ومنعت مواجهة دموية

الدبيبة مع وفد تركي في فبراير عام 2024 (الوحدة)
الدبيبة مع وفد تركي في فبراير عام 2024 (الوحدة)
TT

ليبيا: تجدد الجدل بشأن نفوذ تركيا بعد وساطتها بين «الوحدة» و«الردع»

الدبيبة مع وفد تركي في فبراير عام 2024 (الوحدة)
الدبيبة مع وفد تركي في فبراير عام 2024 (الوحدة)

رغم الترحيب باتفاق «التهدئة» الذي شهدته طرابلس، بين قوات حكومة «الوحدة» المؤقتة، و«جهاز الردع»، فإن الاتفاق خلّف حالة من الجدل بشأن «تعاظم الدور التركي في البلاد».

فأنقرة، التي دخلت على خط الأزمة ورعت التفاهم بعد فشل محاولات الوساطة الداخلية لأكثر من ثلاثة أشهر، لم تعد، في نظر كثير من الليبيين، مجرد وسيط يطفئ الحرائق، «بل باتت لاعباً رئيسياً يمسك بخيوط القرارين الأمني والسياسي، ويعيد رسم موازين القوى ويفرض التسويات وفق حساباته الخاصة».

وبينما ترى أطراف سياسية أن ما حدث هو «تأكيد جديد لتنامي النفوذ التركي في المنطقة الغربية والعاصمة خصوصاً»، يعتبر آخرون أن الأمر تجاوز حدود الوساطة ليغدو «وصاية مباشرة تصادر السيادة الوطنية»، مستندين إلى حجم التأثير المباشر الذي تمارسه أنقرة على فرقاء الأزمة في لحظات مفصلية.

مدير صندوق إعمار ليبيا بلقاسم حفتر ورئيس جهاز الاستخبارات التركية إبراهيم كولن خلال لقاء في بنغازي (الصفحة الرسمية للصندوق)

واعتبر عضو «المجلس الأعلى للدولة»، سعد بن شرادة، أن الانتقادات الموجَّهة للوساطة التركية «لا تعكس رفضاً لأنقرة وحدها بقدر ما تعبّر عن رفض أوسع لأي تدخل خارجي في الشأن الليبي، إلى جانب الإحباط من فشل الوسطاء المحليين في التأثير على طرفي النزاع».

وقال بن شرادة لـ«الشرق الأوسط»، إن «أكثر من ثلاثة أشهر من محاولات شخصيات قبلية وجهوية لم تحقق اختراقاً، بينما تمكنت أنقرة خلال أيام معدودة من إقناع الطرفين وحلفائهما بقبول اتفاق التهدئة، ما عمّق الإحساس بالعجز عن حل أزماتنا بأنفسنا، وجعل الحاجة إلى تدخل طرف خارجي أمراً حتمياً».

وأشار إلى أن «انفتاح تركيا مؤخراً على القوى السياسية والعسكرية في شرق ليبيا، بعد سنوات من اقتصار تحالفاتها على طرابلس، عمّق القلق الليبي من تنامي نفوذها، خاصة مع توسع نشاطها الاقتصادي وحضور شركاتها في مختلف أنحاء البلاد»، لافتاً إلى «سياستها المرنة التي مكّنتها من التواصل مع خصوم متنافرين، وبناء شبكة تحالفات متناقضة تخدم مصالحها».

رئيس الأركان التركي خلال زيارته مركز قيادة العمليات التركي - الليبي في طرابلس (أرشيفية - وزارة الدفاع التركية)

أما المحلل السياسي الليبي، محمد محفوظ، فوصف نجاح الوساطة التركية بأنه «تأكيد جديد لتصاعد نفوذها في البلاد»، وتوقّع في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن يسهم اتفاق التهدئة، إذا صمد، في «تسهيل تنفيذ خريطة الطريق الأممية التي تتضمن حسم الخلافات حول القوانين الانتخابية وتشكيل حكومة جديدة موحدة، ما قد يجدد المشهد السياسي الراهن».

أما الناشط السياسي، حسام القماطي، فأكد أن الانزعاج الليبي من الدور التركي «جاء لإدراك أن أنقرة لم تتدخل إلا بما يخدم مصالحها ويعزز نفوذها السياسي والعسكري، بما يمهد الطريق للحصول على المزيد من العقود والصفقات الاقتصادية».

وذكّر القماطي بمواقف سابقة لأنقرة وصفها بـ«البراغماتية الانتهازية»، بدءاً من «اصطفافها إلى جانب تيار الإسلام السياسي في مواجهة القوى المدنية في السنوات الأولى من العقد الماضي، ثم تدخلها العسكري الذي أوقف تقدم قوات الجيش الوطني بقيادة خليفة حفتر نحو طرابلس في أبريل (نيسان) 2019».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «بعد توقف الحرب في العاصمة بأعوام قليلة، وتحديداً مع بدء عملية الإعمار في الشرق الليبي، نسيت أنقرة عداوتها السابقة لقيادته السياسية والعسكرية، وانفتحت تدريجياً عليه لضمان نصيب شركاتها من مشاريع الإعمار، بالتوازي مع توقيع اتفاقيات اقتصادية مهمة في قطاع النفط مع حكومة الوحدة».

من جانبه، أبدى المحلل السياسي التركي، مهند حافظ أوغلو، تفهّمه لكافة الآراء والانتقادات الموجَّهة لبلاده ودورها، وقال لـ«الشرق الأوسط»: «للأسف، الدور التركي رغم إيجابياته في منع مواجهة دامية يظل - بنظر كثيرين - شكلاً من أشكال التدخل الخارجي المرفوض».

وأشار إلى أن «وجود قواعد عسكرية تركية في الغرب ربما زاد من حساسية الموقف»، لكنه شدد على أن «ديناميكية الدبلوماسية التركية وقدرتها على التواصل مع أطراف متصارعة في الوقت ذاته، جعلتا منها لاعباً محورياً لا يمكن الاستغناء عنه، مقارنة بتأثير دول وأطراف عدة، بما في ذلك البعثة الأممية التي تمتلك تفويضاً دولياً».

رئيس الأركان التركي متين غوراك خلال تفقده السفينة الحربية التركية «تي جي جي كمال رئيس» في مصراتة (أرشيفية - وزارة الدفاع التركية)

ويختلف أوغلو مع طروحات عدة بشأن تدخل بلاده في التوصل إلى التهدئة بين «الردع» و«الوحدة»، موضحاً: «تركيا لم تتدخل لحماية (الردع) لوجود قواتها بقاعدة معيتيقة التي كان الأخير يسيطر عليها كما ردد البعض، أو لمنع الدبيبة من تفجير حرب واسعة لإجهاض أي مساعٍ لتنفيذ الخارطة الأممية».

وأضاف: «هي حاولت إنقاذ مستقبل الدبيبة السياسي، فإشعال حرب بالعاصمة قد يسقط خلالها العديد من الضحايا كفيل بإسقاط حكومته وإنهاء أي دور له في المشهد. وبالطبع، أنقرة تفضّل انتقالاً سلساً للسلطة عبر حزمة جهود وتوافقات دولية بدلاً من الاضطرار إلى تكليف حكومة بديلة على عجل قد لا تراعي المصالح التركية».

وشهدت العاصمة الليبية توتراً عسكرياً كاد ينقلب إلى حرب بين قوات «الوحدة» و«جهاز الردع»، إلا أن أنقرة نجحت في عقد اتفاق بينهما، أعاد الهدوء إلى طرابلس.


مقالات ذات صلة

الدبيبة يدفع بحراك دبلوماسي ليبي عبر لقاء مع إردوغان ولافروف

شمال افريقيا لقاء الرئيس التركي مع الدبيبة في تركيا السبت (مكتب الدبيبة)

الدبيبة يدفع بحراك دبلوماسي ليبي عبر لقاء مع إردوغان ولافروف

توزعت لقاءات الدبيبة على أطراف رئيسية فاعلة في الأزمة الليبية، أبرزها روسيا وتركيا، بما يعكس محاولة ليبية لإعادة التوازن في العلاقات الخارجية.

خالد محمود (القاهرة )
شمال افريقيا اجتماع محافظ مصرف ليبيا المركزي مع مسؤولين في البنك الدولي... الجمعة (المصرف المركزي الليبي)

ليبيا تكثّف تحركاتها دولياً لمكافحة «غسل الأموال»

كثَّفت ليبيا تحركاتها ونقاشاتها مع مسؤولين بصندوق النقد والبنك الدوليَّين أخيراً بشأن متطلبات «مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب».

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
شمال افريقيا مبعوثة الأمم المتحدة في ليبيا هانا تيتيه خلال إحاطة أمام مجلس الأمن الدولي في فبراير الماضي (البعثة الأممية)

ماذا تحمل إحاطة تيتيه من مقاربات أمام مجلس الأمن لحلحلة الأزمة الليبية؟

تتجه الأنظار لإحاطة المبعوثة الأممية إلى ليبيا هانا تيتيه، أمام مجلس الأمن الدولي في 22 أبريل (نيسان) الجاري، وسط ترقب سياسي لما يمكن أن تحمله من مقاربات جديدة.

علاء حموده (القاهرة)
شمال افريقيا جانب من مصادقة الجانب الليبي على اتفاقية تبادل السجناء مع إيطاليا (وزارة العدل بحكومة الوحدة)

«الوحدة» تترقب ردَّ إيطاليا بشأن نقل سجناء ليبيين

قالت حكومة «الوحدة» المؤقتة في طرابلس إن أزمة اللاعبين الخمسة المسجونين في إيطاليا تنتظر موافقة روما على طلبات نقلهم إلى ليبيا، لاستكمال مدة محكوميتهم.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا اجتماع صدام حفتر وخوري في القيادة العامة للجيش (القيادة العامة)

ترحيب أممي بـ«خطوة مشتركة» نحو توحيد الجيش الليبي

رحبت البعثة الأممية لدى ليبيا بالخطوات المشتركة المتخذة بين شرق البلاد وغربها «لإرساء القواعد اللازمة لتوحيد المؤسسة العسكرية، من بينها تشكيل الغرفة «3+3».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

«الجامعة العربية» قلقة إزاء الأوضاع الكارثية لملايين اللاجئين في المنطقة

أبو الغيط يلتقي المفوض السامي لشؤون اللاجئين (جامعة الدول العربية)
أبو الغيط يلتقي المفوض السامي لشؤون اللاجئين (جامعة الدول العربية)
TT

«الجامعة العربية» قلقة إزاء الأوضاع الكارثية لملايين اللاجئين في المنطقة

أبو الغيط يلتقي المفوض السامي لشؤون اللاجئين (جامعة الدول العربية)
أبو الغيط يلتقي المفوض السامي لشؤون اللاجئين (جامعة الدول العربية)

أعربت جامعة الدول العربية عن قلقها البالغ إزاء الأوضاع الكارثية لملايين اللاجئين في دول المنطقة، وأكد أمينها العام أحمد أبو الغيط، «التنسيق مع الشركاء الدوليين والهيئات الأممية لدعم النازحين وتخفيف معاناتهم».

جاء ذلك خلال لقاء أبو الغيط، مساء السبت، مع المفوض السامي للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، برهم صالح، على هامش مشاركتهما في أعمال «منتدى أنطاليا للدبلوماسية» في تركيا.

وقال المتحدث باسم الأمين العام للجامعة جمال رشدي، في إفادة رسمية، الأحد، إن اللقاء «تناول تفاقم أزمات اللجوء والنزوح في المنطقة العربية، وفي مقدمتها الأزمة الإنسانية المتصاعدة في السودان جراء استمرار النزاع المسلح، وما خلفه من موجات نزوح ولجوء تعتبر الأضخم على مستوى العالم في الوقت الراهن».

لاجئون سودانيون في تشاد (رويترز - أرشيفية)

وأعرب أبو الغيط عن «قلقه البالغ إزاء الأوضاع الإنسانية الكارثية التي يعيشها ملايين اللاجئين والنازحين في عدد من الدول العربية»، مؤكداً أن «جامعة الدول العربية تولي ملف اللجوء أهمية كبيرة». وقال: «نعمل بالتنسيق مع المفوضية السامية والشركاء الدوليين، من أجل تخفيف معاناة المتضررين وتهيئة الظروف المواتية لعودتهم الآمنة والطوعية إلى ديارهم»، حسب الإفادة.

ووفقاً لموقع المفوضية السامية لشؤون اللاجئين فإن «منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تواجه مستويات واسعة من النزوح، حيث «تستضيف المنطقة العربية وحدها 53 في المائة من اللاجئين من جميع أنحاء العالم و67 في المائة من إجمالي النازحين قسراً من جميع أنحاء العالم».

وتعمل المفوضية السامية لشؤون اللاجئين «بشكل وثيق» مع جامعة الدول العربية لتعزيز مساحة الحماية للاجئين، في إطار مذكرة تفاهم تركز على «الدعوة للوصول إلى الأمان والحماية من الإعادة القسرية، وتعزيز التسجيل وتحديد وضع اللاجئ، وتعزيز الأطر التشريعية، ومعالجة مخاطر انعدام الجنسية وضمان الأمن من العنف والاستغلال، والعمل على إيجاد حلول دائمة، بما في ذلك زيادة جهود إعادة التوطين»، حسب موقع «المفوضية».

خبير السكان ودراسات الهجرة، الدكتور أيمن زهري يشير إلى أن «مشكلات الهجرة والنزوح في المنطقة العربية لها جذور تاريخيّة تمتد إلى الفترات التي تلت حركات الاستقلال عن الاستعمار»، وقال لـ«الشرق الأوسط»، إن «المنطقة شهدت صراعات داخلية ونزاعات طوال السنوات الماضية تفاقمت مع أحداث (الربيع العربي) وما تلاها من نزاعات داخلية وحروب أدت إلى مزيد من موجات الهجرة والنزوح».

فلسطينيون نازحون يتجمعون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)

وأضاف أن «المنطقة تعاني من تصاعد موجات النزوح الداخلي والهجرة، لا سيما مع استمرار النزاع في السودان، والحرب على لبنان»، مشيراً إلى أنه «من الصعب إيجاد حل لمشكلات اللاجئين في المنطقة العربية لا سيما مع طول مدد اللجوء باستثناء محاولات رمزية ومساعدات مالية قد تسهم في تخفيف معاناتهم الإنسانية في منطقة متفجرة بالصراعات».

وتعاني المنطقة العربية من «نزوح داخلي كبير، حيث بلغ عدد النازحين داخلياً 28 مليون نازح في عام 2023»، وفق تقرير منظمة «الإسكوا» عن حالة الهجرة الدولية في المنطقة العربية لعام 2025»، الذي أشار إلى أن «المنطقة العربية أصبحت في عام 2024 موطناً لنحو 44.5 مليون مهاجر ولاجئ، في حين بلغ عدد المهاجرين واللاجئين من الدول العربية نحو 37.2 مليون شخص».

وسبق أن أعربت جامعة الدول العربية مراراً عن خطورة الوضع الإنساني في السودان، وعقدت لقاءات عدة لحل الأزمة في ضوء مبادرة أطلقها أبو الغيط في يونيو (حزيران) 2024 تستهدف تنسيق الجهود المختلفة فيما بين المنظمات والدول الساعية لتحقيق السلام في السودان.


بعد توقُّف 3 سنوات... مصير مجهول يُغلِّف الصحافة الورقية بالسودان

صحف ورقية كانت تصدر بالسودان قبل اندلاع الحرب (أرشيفية - وكالة السودان للأنباء)
صحف ورقية كانت تصدر بالسودان قبل اندلاع الحرب (أرشيفية - وكالة السودان للأنباء)
TT

بعد توقُّف 3 سنوات... مصير مجهول يُغلِّف الصحافة الورقية بالسودان

صحف ورقية كانت تصدر بالسودان قبل اندلاع الحرب (أرشيفية - وكالة السودان للأنباء)
صحف ورقية كانت تصدر بالسودان قبل اندلاع الحرب (أرشيفية - وكالة السودان للأنباء)

في صبيحة 15 أبريل (نيسان) 2023، كانت سيارات النقل المحمَّلة بالصحف تغادر المطابع في طريقها إلى مراكز التوزيع والمكتبات؛ ومع سماع دوي الرصاص في العاصمة الخرطوم عادت أدراجها، ومن حينها لم تلمس أيدي القراء صحيفة ورقية.

ورغم مرور عام على عودة الحياة «شبه طبيعية» في الخرطوم، فإن الصحف الورقية لا تزال في احتجاب كامل، دون أفق أو مؤشرات على عودتها في القريب العاجل.

عَودٌ منشود

ويأمل الصحافي عثمان ميرغني، مالك صحيفة «التيار» التي كانت تصدر يومياً حتى ساعة اندلاع الحرب، في إطلاق نسخة ورقية من صحيفته في المستقبل القريب، وقال: «سنعود قريباً إلى طباعة النسخة الورقية لتصدر من الخرطوم وتوزَّع إلى جميع الولايات».

واستطرد ميرغني، وهو رئيس تحرير الصحيفة، قائلاً لــ«الشرق الأوسط» إن الصحافة المطبوعة «لا غنى عنها»، وتوقَّع أن تلعب دوراً محورياً بعد انتهاء الحرب.

سيدة ترفع لافتة خلال فعالية في نيروبي بكينيا بمناسبة دخول الحرب بالسودان عامها الرابع يوم 15 أبريل 2026 (أ.ب)

وقال صاحب إحدى دور النشر والتوزيع، طالباً عدم ذكر اسمه، إن الصحافة الورقية قبل الحرب «كانت تلفظ أنفاسها»، إذ تدنى التوزيع والانتشار إلى درجة «غير مسبوقة»، عازياً ذلك إلى تدهور الأوضاع الاقتصادية الذي انعكس في ارتفاع أسعار منتجات الطباعة من ورق وأحبار يجري استيرادها من الخارج.

واستدرك قائلاً إنه في السنوات الأخيرة لنظام الرئيس المعزول عمر البشير، تقلَّصت طباعة الصحف الورقية إلى أكثر من النصف، وتوقفت العشرات من الصحف عن الصدور بسبب الأوضاع، مما دفع أصحاب الصحف للاستغناء عن أعداد كبيرة من الصحافيين.

وقبيل اندلاع الحرب بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع» في أبريل 2023، كانت تصدر في البلاد نحو 20 صحيفة سياسية ورياضية بشكل غير منتظم، بعدما توقف الكثير منها نظراً لارتفاع تكاليف الإنتاج.

الصحافة الإلكترونية

ويرى نقيب الصحافيين السودانيين، عبد المنعم أبو إدريس، أن من الصعب عودة الصحافة الورقية إلى سابق عهدها لأسباب عديدة منها الوضع الاقتصادي، مشيراً إلى متغيرات من أبرزها تحوُّل الجمهور إلى تلقي المعلومات من الصحافة الإلكترونية ومنصات التواصل الاجتماعي التي انتشرت بكثافة في السنوات الأخيرة.

الدخان يتصاعد من داخل مطار الخرطوم خلال اشتباكات سابقة بين «قوات الدعم السريع» والجيش السوداني (أرشيفية - رويترز)

وقال لـ«الشرق الأوسط» إن غياب الصحافة الورقية أسهم إسهاماً مباشراً في تراجع التغطية المهنية المتوارثة عبر أجيال من الكفاءات في هذا المجال.

وتابع: «هذا الغياب أفقد أعداداً كبيرة من الصحافيين والصحافيات وظائفهم، والظروف المعيشية الصعبة أجبرتهم على البحث عن مهن بديلة».

وفي هذا الصدد، أشار إلى أنه مع غياب الكفاءات، واعتماد الجمهور على مواقع التواصل الاجتماعي في استقاء المعلومات، انفتح الباب أمام انتشار الشائعات والأخبار الزائفة والمضللة.

ورغم ظهور العديد من المواقع الصحافية الإلكترونية في الآونة الأخيرة، فإنها لم تستوعب المئات من الصحافيين الذين أقعدهم إغلاق الصحف الورقية عن العمل.

رجل يقف الجمعة الماضي على سطح مسجد تضرر جرَّاء الحرب في أم درمان بالسودان (أ.ب)

غير أن المشرف العام على أعمال «المجلس القومي للصحافة والمطبوعات الصحافية» بالإنابة، عمر طيفور، صرَّح بأن عدداً من مُلَّاك وناشري الصحف تواصلوا معه معبِّرين عن رغبتهم في العودة إلى النسخة الورقية في وقت قريب.

وأضاف أنه في حال عودة الصحف للصدور مرة أخرى، فإنها قد لا تستوعب إلا عدداً قليلاً من الصحافيين نظراً للظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد.

واستطرد قائلاً لـ«الشرق الأوسط» إنه قبل اندلاع الحرب، كانت لوائح «مجلس الصحافة» تشترط التعاقد مع 18 صحافياً على الأقل لإصدار تصريح عمل لصحيفة يومية. وتابع: «قطعنا شوطاً كبيراً بشأن إعداد قانون شامل للإعلام سيصدر قريباً».

صعوبة المنافسة

الأمين العام السابق لــ«مجلس الصحافة»، عبد العظيم عوض، يرى أن الظروف الراهنة لا تتيح إمكانية عودة الصحف الورقية إلى سابق عهدها، عازياً ذلك إلى ما تسببت فيه الحرب من دمار وخراب في كل المجالات، بما في ذلك قطاع الصحافة والنشر.

وقال: «لا أعتقد في ظل الوضع القائم أن تعود الصحافة المطبوعة في المنظور القريب»، مشيراً إلى عدم قدرتها على منافسة التطور الكبير واللافت في الصحافة الإلكترونية والرقمية وسهولة تعامل الجمهور معها عبر الأجهزة الذكية.

واستدرك: «صحيح لا تزال الصحف الورقية تصدر في كثير من دول العالم، وتصارع من أجل الصمود لفترة أطول، لكنها ستواجه إشكالات بتكاليف الإنتاج والتوزيع وقلة العائد».

وأوضح أن صناعة الصحافة المطبوعة ورقياً مكلفة، مقارنة بالصحافة الرقمية والمنصات الإخبارية المنتشرة في الفضاء الإلكتروني.

اقتراح الدمج

ولتجاوز الأوضاع التي يمكن أن تقف حائلاً أمام عودة الصحافة المطبوعة، اقترح الأمين العام السابق لــ«مجلس الصحافة» دمج الصحف التي كانت تصدر قبل اندلاع الحرب، في صحيفتين أو أكثر، إلى جانب تدخل الدولة ودعم ما سماه بــ«الصحافة القومية» التي تنافس صحف القطاع الخاص.

فتى يقف يوم الجمعة الماضي خلف حطام سيارة دمرتها الحرب في أم درمان (أ.ب)

وقال عوض إنه مهما تطورت الصحافة الإلكترونية، ستظل للصحافة الورقية أهمية وأدوار مؤثرة في المجتمعات.

بدوره، توقَّع الصحافي، خالد سعد، عودةً محدودةً للصحف الورقية بعد الحرب، لافتاً إلى أن الأوضاع الاقتصادية ستحول دون رجوعها إلى ما كانت عليه من قبل.

وتحدَّث سعد عن التغيرات الهائلة التي حدثت في البيئة السياسية والإعلامية، وتأثير الوسائط الرقمية على الجمهور. وقال: «أعتقد أن التغير الديمغرافي سيكون من العوامل المؤثرة مستقبلاً»، لافتاً إلى أن طبيعة الجيل الحالي لا تفضل الصحافة الورقية بقدر اهتمامها بالصحافة الإلكترونية.


معارك كرّ وفرّ في كردفان وهجمات خاطفة ورويات متباينة في محيط الأُبيّض

عناصر من الجيش السوداني (أرشيفية - رويترز)
عناصر من الجيش السوداني (أرشيفية - رويترز)
TT

معارك كرّ وفرّ في كردفان وهجمات خاطفة ورويات متباينة في محيط الأُبيّض

عناصر من الجيش السوداني (أرشيفية - رويترز)
عناصر من الجيش السوداني (أرشيفية - رويترز)

تجددت المواجهات البرية بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع» في إقليم كردفان، بعد هدوء نسبي استمر لأسابيع، وذلك إثر هجمات مباغتة نفذتها قوات من الجيش مدعومة بـ«القوة المشتركة» المتحالفة معه، استهدفت مواقع تمركز وانتشار «الدعم السريع» في عدد من البلدات الواقعة جنوب مدينة الأبيض، عاصمة ولاية شمال كردفان.

وتباينت الروايات حول مجريات المعارك ونتائجها؛ إذ تحدث ناشطون مؤيدون للجيش عن استعادة السيطرة على مواقع استراتيجية، في حين أكد أنصار «قوات الدعم السريع» تمكنهم من صد الهجوم وإلحاق خسائر كبيرة بالقوة المهاجمة. وبين هاتين الروايتين، أفادت مصادر مستقلة بأن القوات المهاجمة انسحبت بعد تنفيذ أهداف تكتيكية هدفت إلى استنزاف قدرات «الدعم السريع».

وبحسب تلك المصادر، فإن القوة المهاجمة، التي شكلت «القوة المشتركة» عمودها الفقري، نجحت في مرحلتها الأولى في دفع «قوات الدعم السريع» إلى الانسحاب من بلدات الرياش وكازقيل والحمادي، وصولاً إلى تخوم مدينة الدبيبات بولاية جنوب كردفان. غير أن «قوات الدعم السريع» سرعان ما أعادت تنظيم صفوفها، وشنّت هجوماً مضاداً تمكنت خلاله من استعادة زمام المبادرة، ودحر القوة المهاجمة وملاحقتها حتى مشارف مدينة الأبيض، كما استهدفت قوة تابعة لها بلدة علوة جنوب المدينة.ولاحقا أعلنت القوات المسلحة السودانية مواصلة عملياتها الميدانية في محور شمال كردفان، مؤكدة تنفيذ عمليات تمشيط واسعة شملت مناطق كازقيل وشواية والحمادي والدبيبات. وقالت، في بيان منسوب إلى الناطق الرسمي، إن العمليات أسفرت عن "تكبيد قوات الدعم السريع خسائر كبيرة في الأرواح والعتاد"، إلى جانب تدمير عدد من الآليات القتالية، مشيرة إلى ما وصفته بـ"انهيار وتشتت" عناصرها وفرار من تبقى منها تحت ضغط العمليات العسكرية.

وأكد البيان مضي القوات المسلحة، مدعومة بالقوات المساندة، في عملياتها "حتى استعادة السيطرة على كامل التراب الوطني"، مجدداً التعهد بمواصلة القتال.

عائلات سودانية نازحة في مدينة الأبيض بولاية شمال كردفان (رويترز)

وأفاد شهود عيان بأن القوات المسلحة السودانية، اخترقت في بداية الأمر دفاعات «الدعم السريع»، وأوقعت خسائر في صفوفها واستولت على آليات قتالية، إلى جانب أسر عدد من عناصرها. إلا أن الهجوم المضاد لـ«قوات الدعم السريع» أجبرها على التراجع، مع تكبيدها خسائر بشرية ومادية، لتعود الأوضاع الميدانية إلى ما كانت عليه قبل اندلاع الهجوم.

معركة وجود

في السياق، وصف قائد حركة تحرير السودان، مني أركو مناوي، المعارك الجارية بأنها «معركة وجود»، متعهداً بمواصلتها حتى عودة النازحين واللاجئين إلى ديارهم. كما هنأ، في منشور عبر حسابه على «فيسبوك»، ما سمّاهم «أبطال» قواته في محوري شمال وجنوب كردفان، مشيداً بما عدّها «انتصارات عظيمة» تقربهم من تحقيق «النصر الحاسم».

من جهته، قال الناشط إدريس محمد سعدان، في مقطع فيديو متداول، إن «قوات الدعم السريع» تمكنت من صد هجوم «القوة المشتركة»، التي – بحسب قوله – اندفعت نحو المنطقة على أساس أن غالبية «قوات الدعم السريع» قد انسحبت أو سلمت مواقعها للجيش. وأضاف أن القوة المهاجمة فوجئت بوجود كثيف لـ«قوات الدعم السريع»، التي كبدتها «هزيمة قاسية»، مشيراً إلى سقوط أعداد كبيرة من القتلى في صفوفها، إلى جانب أسر آخرين والاستيلاء على مركبات وتجهيزات قتالية، قبل مطاردتهم حتى مشارف مدينة الأبيض.

وفي ظل غياب أي تعليق رسمي من «قوات الدعم السريع» بشأن تطورات القتال في ولايتي شمال وجنوب كردفان، نشطت المنصات المؤيدة له في تداول مقاطع فيديو وصور تؤكد تحقيق تقدم ميداني وإلحاق خسائر بالخصم، بما في ذلك عرض أسرى وآليات عسكرية. ويأتي ذلك في وقت تغيب فيه مصادر مستقلة موثوقة يمكنها التحقق من صحة هذه المزاعم.

طفل وسيدة أصيبا من جرّاء هجوم بطائرة مسيّرة في الأبيض بشمال كردفان 12 يناير (رويترز)

وبثت حسابات موالية لـ«قوات الدعم السريع» تسجيلات مصورة قالت إنها تُظهر أسرى من القوات المهاجمة، إلى جانب مركبات قتالية وأسلحة تم الاستيلاء عليها، في حين نشرت منصات داعمة لـ«القوة المشتركة» مقاطع لآليات عسكرية تتحرك في مناطق مفتوحة، إضافة إلى صور لقتلى قيل إنهم من عناصر «الدعم السريع».

في المقابل، التزمت المنصات الرسمية لكل من الجيش وحلفائه، وكذلك لـ«قوات الدعم السريع» وحلفائها، الصمت حيال المعارك التي دارت غرب وجنوب مدينة الأبيض، في اتجاه مدينة الدبيبات، عاصمة محلية القوز بولاية جنوب كردفان، على الطريق الحيوي الرابط بين الأبيض والدلنج وكادوقلي، وهي من أبرز مدن الولاية، التي تسعى «قوات الدعم السريع» إلى توسيع نطاق سيطرتها نحوها. ميدانياً، تتركز الاشتباكات في محاور كازقيل والحمادي وعلوبة جنوب غربي الأبيض، وتمتد لتقترب من مدينة الدبيبات بولاية جنوب كردفان، كما تشمل مناطق أم صميمة ومدينة الخوي بولاية غرب كردفان. وتقع هذه المناطق ضمن نطاق جغرافي لا يتجاوز في أقصاه نحو 50 كيلومتراً من مدينة الأبيض، وتخضع في معظمها لسيطرة «قوات الدعم السريع».