سلام يطوي صفحة التأزم مع بري: لا تراجع عن القرارات

قال إن إقرار «استراتيجية الأمن الوطني» لا يتم عبر الحوارات

رئيس البرلمان اللبناني نبيه بري يستقبل رئيس الحكومة نواف سلام في مقر إقامته (الشرق الأوسط)
رئيس البرلمان اللبناني نبيه بري يستقبل رئيس الحكومة نواف سلام في مقر إقامته (الشرق الأوسط)
TT

سلام يطوي صفحة التأزم مع بري: لا تراجع عن القرارات

رئيس البرلمان اللبناني نبيه بري يستقبل رئيس الحكومة نواف سلام في مقر إقامته (الشرق الأوسط)
رئيس البرلمان اللبناني نبيه بري يستقبل رئيس الحكومة نواف سلام في مقر إقامته (الشرق الأوسط)

وضع رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام آلية للتوصل إلى «استراتيجية للأمن الوطني»، لا تمر عبر الحوارات، وتتخذ قراراتها حصراً في المؤسسات الدستورية، مؤكداً في الوقت نفسه أن «لا تراجع عن القرارات، بل سنتابع تنفيذها».

وجاءت تصريحات سلام بعد لقائه رئيس البرلمان نبيه بري، في زيارة يُنظر إليها على أنها طوت صفحة من التأزم ظهر بعد اتخاذ الحكومة اللبنانية في 5 أغسطس (آب) الماضي، قراراً بتنفيذ «حصرية السلاح». وتم التمهيد لهذه الزيارة، بعد لقاء جمع بري برئيس الجمهورية جوزيف عون، الاثنين، في قصر بعبدا. وساهمت اللقاءات الأخيرة التي تفعلت بعد جلسة مجلس الوزراء الأخيرة، في تبريد الاحتقان السياسي في البلاد، كما تقول مصادر حكومية.

لقاء سلام - بري

نفى سلام وجود «قطيعة مباشرة أو غير مباشرة مع الرئيس بري في أي يوم من الأيام»، وقال بعد لقائهما إنه لم يكن هناك أي قطيعة، موضحاً: «العلاقة دائمة ولها شقان: علاقة مع قائد سياسي ورئيس حركة سياسية كبيرة، وأيضاً كرئيس للسلطة التشريعية»، مؤكداً في الوقت نفسه حرصه على مبدأ فصل السلطات.

وأعرب سلام عن أمنيته بـ«تنفيذ أهداف ورقة الموفد الأميركي توم براك منذ اليوم لأنها تشمل الانسحاب والإفراج وإطلاق سراح الأسرى»، معتبراً أن «منطلق عمل الحكومة هو ​اتفاق الطائف​ الذي تأخر لبنان في تطبيقه، والذي ينص على بسط سلطة الدولة على كامل الأراضي اللبنانية»، مكرراً أن «البيان الوزاري يحدد بوضوح حصرية ​السلاح بيد الدولة​ واستعادة قرار السلم والحرب».

جانب من اللقاء بين بري وسلام (الشرق الأوسط)

ورداً على سؤال حول سلاح «حزب الله»، أكد سلام أن «الحكومة ملتزمة بالبيان الوزاري الذي نالت على أساسه الثقة مرتين ومن ضمنها ثقة (حزب الله)»، مشيراً إلى أنّ «خطة الجيش سيتم متابعتها بشكل شهري، وقد رحبت بها الحكومة وتتعامل معها بإيجابية»، لافتاً إلى أنّه «لا تراجع عن القرارات، بل سنتابع تنفيذها».

وطلبت الحكومة اللبنانية في 5 أغسطس الماضي من الجيش إعداد خطة لتجريد الحزب من سلاحه وتطبيقها بحلول نهاية العام الحالي. وعرض قائد الجيش رودولف هيكل الخطة خلال جلسة لمجلس الوزراء في الخامس من سبتمبر (أيلول)، انسحب منها الوزراء المحسوبون على «حزب الله» وحليفته «حركة أمل»، لكن الخطة لا تتقيد بالمهلة الزمنية التي حدّدتها الحكومة. ويطالب «حزب الله» بإقرار الحكومة اللبنانية استراتيجية دفاعية، ويحاول الدفع باتجاه حوار وطني للتوصل إلى هذه الصيغة.

استراتيجية الأمن الوطني

عن النقاش الدائر حول «الاستراتيجية الدفاعية»، أوضح سلام أنّ «الحكومة لم تتحدث يوماً عن استراتيجية دفاعية، بل عن استراتيجية للأمن الوطني تشمل جوانب متعددة، وهي التزام مدرج في البيان الوزاري ستعمل الحكومة على إعداده»، مشدداً على أنّ «القرارات تتخذ حصراً في المؤسسات الدستورية وليس عبر الحوارات الجانبية». وتابع: «الحكومة تعهدت بالبيان الوزاري بها ونلتزم بإعدادها ولا أحد يأخذنا إلى مكان آخر عبر حوارات، والقرارات تتخذ في المؤسسات الدستورية».

وحول المؤسسة العسكرية، اعتبر سلام أنّ «الجيش بحاجة إلى مساعدات إضافية نظراً للمهام الكثيرة الملقاة على عاتقه»، مشدداً على «ضرورة تعزيز العتاد وتوفير دعم مادي أكبر لرفع رواتب العسكريين». وأعرب عن تطلع الحكومة إلى مؤتمر جديد لدعم الجيش على غرار مؤتمر روما السابق، كما كان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون قد وعد، في إشارة إلى مؤتمر لدعم الجيش يعمل ماكرون على التحضير له.

سحب السلاح خلال 3 أشهر

إلى ذلك، أعلن وزير الخارجية اللبناني يوسف رجي، الثلاثاء، أن الخطة التي وضعها الجيش لنزع سلاح «حزب الله» تنص على إنجاز ذلك في المنطقة الحدودية مع إسرائيل في غضون ثلاثة أشهر، تطبيقاً لقرار الحكومة بهذا الشأن. وقال رجي في مقابلة مع «وكالة الصحافة الفرنسية» إن الخطة التي عرضها الجيش تتألف من خمس مراحل لحصر السلاح بيد الأجهزة الرسمية، تمتدّ الأولى منها على «ثلاثة أشهر (...) وينتهي حصر السلاح نهائياً خلالها في منطقة جنوب الليطاني بالكامل».

وزير الخارجية اللبناني يوسف رجي (أ.ف.ب)

وأوضح رجي أن هذه المرحلة ينبغي أن تطبّق بحلول نهاية نوفمبر (تشرين الثاني) 2025 لـ«ينتهي حصر السلاح نهائياً، لا مخازن ولا سلاح ولا تنقّل للسلاح ولا مقاتلين، ولا مظاهر مسلحة» في المنطقة الواقعة جنوب نهر الليطاني أي على بعد نحو 30 كلم من الحدود مع إسرائيل. وأضاف أنه بالتوازي مع تطبيق المرحلة الأولى، تقضي خطة الجيش بأن تطبّق في جميع الأراضي «إجراءات أمنية» يقوم بموجبها الجيش «بتشديد الحواجز وتكثيفها، ومنع تنقل السلاح وحمل السلاح... لكن دون إجراء مداهمات وتوقيف أشخاص ودون مصادرة سلاح في المخازن، لكن على الأقل يصبح تنقّل السلاح من منطقة إلى منطقة غير مسموح».

وأوضح رجي أن المراحل الأربع التالية سوف تشمل المناطق اللبنانية الأخرى وصولاً إلى بيروت والبقاع «لكن دون مهل زمنية».

عناصر من الجيش اللبناني ينتشرون على مدخل مخيم برج البراجنة جنوب بيروت (الشرق الأوسط)

واعتبرت الحكومة في بيانها، الجمعة، أن «الطرف الإسرائيلي لم يُبدِ حتى الآن أي التزام» بمضمون الورقة الأميركية «ولم يتخذ خطوات مقابلة»، مقابل التزام لبنان. ورهنت أي تقدّم في تنفيذ ما ورد فيها «بالتزام الأطراف الأخرى وفي مقدمتها إسرائيل». وقال رجي إن ذلك لا يعني أن لبنان لم يعد ملزماً بحصرية السلاح، موضحاً أن «حصرية السلاح غير مرتبطة بورقة براك بل مرتبطة بالدستور وباتفاق الطائف وبخطاب قسم (رئيس الجمهورية) وبالبيان الوزاري وبكل مواقف الحكومة».

وقال رجي إن لبنان يطالب بأن «تتوقف الاعتداءات ويتم الانسحاب الإسرائيلي» من الجنوب، مضيفاً أن الدولة اللبنانية تمارس «ضغطاً دبلوماسياً» من أجل دفع إسرائيل لتحقيق ذلك.


مقالات ذات صلة

ماكرون: فرنسا ملتزمة بدعم وقف النار في لبنان

المشرق العربي الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يلقي خطاباً في قصر الإليزيه في باريس 21 أبريل 2026 (أ.ب)

ماكرون: فرنسا ملتزمة بدعم وقف النار في لبنان

أعلن مكتب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أنه سيجدد خلال لقائه رئيس الحكومة اللبنانية، تأكيد التزام فرنسا الكامل بوقف إطلاق النار في لبنان.

«الشرق الأوسط» (باريس)
المشرق العربي طفلة أمام مبنى تعرَّض لغارات إسرائيلية في الضاحية الجنوبية لبيروت (أ.ب)

سكان جنوب لبنان وضاحية بيروت يترددون في العودة بظلّ هدنة هشّة

تفرض الهدنة المؤقتة في لبنان واقعاً ضاغطاً على السكان؛ إذ تدفعهم إلى العودة الخاطفة من دون أن تمنحهم شعوراً فعلياً بالأمان أو الاستقرار.

صبحي أمهز (بيروت)
المشرق العربي طفل يرتدي البزة العسكرية خلال تشييع مقاتل من «حزب الله» بالضاحية الجنوبية لبيروت في أثناء فترة الهدنة مع إسرائيل (رويترز)

«حزب الله» يهدّد بإسقاط المفاوضات مع إسرائيل باستعادة سيناريو 1983

يواصل «حزب الله» هجومه على السلطة في لبنان اعتراضاً على قرار خوضها مفاوضات مباشرة مع إسرائيل ويصر على وجوب تراجعها عن هذا المسار

بولا أسطيح (بيروت)
المشرق العربي ماكرون وسلام على مدخل قصر الإليزيه في باريس يوم 23 يناير 2026 (أ.ف.ب)

حرص فرنسي على مواكبة المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية المرتقبة

حرص فرنسي على مواكبة المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية المرتقبة ورهان لبناني على الدور الأميركي، لكنه يحتاج لمساندة عربية - أوروبية حتى لا يكون وحيداً.

ميشال أبونجم (باريس)
المشرق العربي طائرة مسيّرة تحلّق فوق إسرائيل بالقرب من الحدود مع لبنان 17 أبريل 2026 (رويترز)

مسيّرة إسرائيلية تهاجم محيط مجرى الليطاني في جنوب لبنان

شنّت إسرائيل، الاثنين، هجوماً بمسيّرة في جنوب لبنان، على الرغم من وقف إطلاق النار المعلن لمدة عشرة أيام بين الدولة العبرية و«حزب الله».

«الشرق الأوسط» (بيروت)

ماكرون: فرنسا ملتزمة بدعم وقف النار في لبنان

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يلقي خطاباً في قصر الإليزيه في باريس 21 أبريل 2026 (أ.ب)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يلقي خطاباً في قصر الإليزيه في باريس 21 أبريل 2026 (أ.ب)
TT

ماكرون: فرنسا ملتزمة بدعم وقف النار في لبنان

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يلقي خطاباً في قصر الإليزيه في باريس 21 أبريل 2026 (أ.ب)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يلقي خطاباً في قصر الإليزيه في باريس 21 أبريل 2026 (أ.ب)

أعلن مكتب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أنه سيجدد، خلال لقائه اليوم الثلاثاء، في العاصمة باريس مع رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام، تأكيد التزام فرنسا الكامل بوقف إطلاق النار في لبنان ودعمها لسيادته ووحدة أراضيه، وفق وكالة «أسوشييتد برس».

وفي وقت تتأهب فيه باكستان لاستضافة جولة جديدة من المحادثات بين واشنطن وطهران مع اقتراب موعد انتهاء الهدنة غد الأربعاء، ينتظر أن يعقد لبنان وإسرائيل اجتماعاً جديداً في واشنطن خلال الأسبوع الجاري.

وأوضح المكتب الرئاسي الفرنسي أن «ماكرون وسلام سيبحثان أيضاً الدعم الإنساني للنازحين، ومواصلة الإصلاحات الاقتصادية والمالية الضرورية لتعزيز سيادة لبنان، وإعادة إعماره، واستعادة ازدهاره».

ويأتي اللقاء الذي سيعقد في قصر الإليزيه، بعد أيام من استهداف قوة الأمم المتحدة المؤقتة في جنوب لبنان «يونيفيل»، بنيران أسلحة خفيفة، السبت الماضي، ما أدى إلى مقتل جندي فرنسي من القوة الدولية وإصابة ثلاثة آخرين، اثنان منهم بجروح خطيرة.

واتهم كل من ماكرون و«يونيفيل»، «حزب الله» اللبناني في الهجوم، لكن الحزب نفى أي علاقة له به.

وكان سلام توقف صباح اليوم الثلاثاء، في لوكسمبورغ لحضور اجتماع وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي المخصص لبحث الأوضاع في الشرق الأوسط.


سكان جنوب لبنان وضاحية بيروت يترددون في العودة بظلّ هدنة هشّة

طفلة أمام مبنى تعرَّض لغارات إسرائيلية في الضاحية الجنوبية لبيروت (أ.ب)
طفلة أمام مبنى تعرَّض لغارات إسرائيلية في الضاحية الجنوبية لبيروت (أ.ب)
TT

سكان جنوب لبنان وضاحية بيروت يترددون في العودة بظلّ هدنة هشّة

طفلة أمام مبنى تعرَّض لغارات إسرائيلية في الضاحية الجنوبية لبيروت (أ.ب)
طفلة أمام مبنى تعرَّض لغارات إسرائيلية في الضاحية الجنوبية لبيروت (أ.ب)

يدخل العائدون إلى منازلهم في جنوب لبنان والضاحية الجنوبية لبيروت، بحذر. يرمّمون الحدّ الأدنى من تفاصيل يحتاجون إليها لاستئناف حياتهم، لكنهم يبقون على استعداد دائم للمغادرة. في هذه المساحة، تتحوّل الهدنة عامل ضغط نفسي، لا فسحة أمان، حيث يتقدّم الخوف من انهيارها على أي محاولة لإعادة ترتيب الحياة.

طفلان على متن حافلة في رحلة العودة إلى بلدتهم بجنوب لبنان (رويترز)

في بلدة أنصار الجنوبية، يعبّر أديب عن هذا الواقع بوضوح، قائلاً في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: إنّ الهدنة «لم تُشعِر الناس بأي راحة حقيقية، بل زادت منسوب القلق»، موضحاً أنّ «المشكلة ليست في مدّتها، بل في غياب أي ضمانة لاستمرارها؛ إذ يعيش الجميع على وقع احتمال انهيارها في أي لحظة».

خوف من الحرب... وعجز عن استئناف الحياة

يُنتج هذا الواقع، حسب أديب، ضغطاً نفسياً. ويقول: «الضغط النفسي يتولّد من جهتين: الأولى الخوف الدائم من عودة الحرب فجأة، والأخرى العجز عن ترتيب الحياة خلال فترة الهدنة»، مشيراً إلى أنّ «أي محاولة لإصلاح المنازل المتضرّرة تبقى محفوفة بالمخاطر؛ لأنّ احتمال تجدّد القصف يعني خسارة كل ما يُعاد ترميمه».

ويستند هذا القلق إلى تجربة شخصية مباشرة؛ إذ تعرّض منزله في حرب عام 2024 لضربة كبيرة أدّت إلى تدمير كل محتوياته، من الأثاث إلى الزجاج والألمنيوم، لافتاً إلى أنّه «عمل على إعادة تأهيله بالكامل بعد ذلك، لكنّه اليوم عاجز عن القيام بأي إصلاح جديد خوفاً من تكرار السيناريو نفسه».

حقائب جاهزة

تنعكس هذه الهشاشة في سلوك السكان اليومي. يقول أديب: «نعيش من دون أي إحساس بالاستقرار. حقائبنا جاهزة دائماً، وكأننا على أهبة نزوح جديد في أي لحظة»، مضيفاً أنّ «هذا الشعور ليس فردياً، بل يعمّ معظم أبناء البلدة، حيث عمد كثيرون إلى سحب أغراضهم أو الاكتفاء بالحدّ الأدنى من العودة؛ تحسّباً لأي طارئ».

ويشير إلى أنّ «الحركة في البلدة تعكس هذا التردّد، فهناك من عاد فعلاً، لكن في المقابل لا يزال عدد كبير من السكان، خصوصاً المستأجرين، خارجها بعدما فضّلوا عدم المجازفة»، مؤكداً أنّ «العودة حتى الآن تبقى جزئية، خاطفة وهشّة».

رجل نازح يقيم في خيمة بالعاصمة بيروت (أ.ب)

وفيما يتعلّق بواقع المنازل، يقول أديب إنّ «الأهالي لجأوا إلى حلول مؤقتة، كتركيب أغطية بلاستيكية أو شبك بدل الأبواب والنوافذ»، موضحاً أنّ «لا أحد مستعداً للاستثمار في ترميم كامل في ظل هذا الغموض، في حين بقيت بعض الأضرار من دون أي معالجة». ويضيف: «كل ما قمنا به هو تنظيف منازلنا وترتيب الحدّ الأدنى من أمورنا، مع إبقاء خيار الرحيل جاهزاً في أي لحظة، كأننا نعيش هدنة معلّقة بين إقامة مؤقتة ونزوح مؤجّل».

البقاع: إقامة مؤقتة

في بعلبك – الهرمل، يتخذ الضغط النفسي شكلاً أكثر هدوءاً، لكنه لا يقل حدّة. تصف فاطمة عودتها مع عائلتها إلى منزلها بأنها «لا تُشبه العودة بقدر ما تُشبه المرور المؤقت تحت سقف الخوف»، موضحة أنّ «الهدنة لم تعنِ استقراراً، بل مجرّد فسحة قصيرة بين موجتَي قلق».

وتقول لـ«الشرق الأوسط»: «جئنا إلى البيت ونحن نعرف أنّنا لن نبقى. هذه ليست إقامة، بل زيارة مشروطة بوقت محدّد سلفاً»، مشيرة إلى أنّ العائلة «قرّرت المغادرة صباح الأحد إلى منزل نزوحها في جبل لبنان، قبل ساعات من انتهاء الهدنة منتصف الليل؛ تفادياً لأي مفاجأة قد تعيدنا إلى نقطة الصفر».

وتتابع: «لم نفتح الحقائب بالكامل، ولم نُعد ترتيب المنزل. كل شيء بقي كما هو، كأننا نرفض أن نعطي هذه العودة أي معنى نهائي»، لافتة إلى أنّ «الإحساس العام هو أننا نقيم في مكان مؤقت، حتى لو كان منزلنا».

تضيف فاطمة: «الهدنة، بالنسبة لنا، ليست سوى استراحة مؤقتة لجهازنا العصبي من سماع أصوات القصف»، مضيفة: «توقُّف الصوت لا يعني انتهاء الخوف، بل يترك مساحة أوسع للانتظار».

سيارات تقلّ نازحين من جنوب لبنان باتجاه بيروت الأحد (أ.ف.ب)

تعيش فاطمة حالة ترقّب دائمة، «كأننا ننتظر شيئاً لا نعرف متى سيحدث». فالهدنة لا تعني أنّ القتال انتهى. كل دقيقة تمرّ «نشعر أنها مؤقتة، وأنّ أي صوت قد يعود في أي لحظة».

وتختم بالقول: «نغادر قبل أن تنتهي الهدنة؛ لأننا لا نثق بما سيأتي بعدها. نختار الرحيل بإرادتنا، بدل أن يُفرض علينا مرة جديدة تحت ضغط الخوف».

الضاحية... هدنة قلقة

في الضاحية الجنوبية لبيروت، تظهر صورة أكثر هشاشة للهدنة حين تُروى بلسان زهراء، ذات الخمسة عشر عاماً. تقول لـ«الشرق الأوسط»: إنّ «فرحتنا بالعودة، هي معلّقة بين الخوف والترقّب؛ لأن أحداً منا لم يتمكن فعلياً من العودة إلى منزله»، مضيفة: «كنا نعتقد أنّ إعلان الهدنة يعني نهاية الحرب وعودة الحياة كما كانت، لكن ما نعيشه اليوم هو شيء مختلف تماماً».

وتوضح أنّ «الأيام الأولى حملت مشاعر متناقضة، بين أمل وخوف أكبر، قبل أن تتبدد هذه المشاعر تدريجياً مع رؤية حجم الدمار»، مشيرة إلى أنّ «النزول إلى المناطق المتضررة كان صادماً، خصوصاً مع مشاهد البيوت المهدّمة والناس الذين خسروا كل شيء».

وتضيف: «حتى الآن، لا نزال أنا وعائلتي في منزل خالي في بيروت، حيث نزحنا منذ بداية الحرب؛ لأننا لا نملك أي ضمانة بأن العودة ممكنة أو آمنة»، لافتة إلى أنّ «الهدنة بالنسبة لنا لم تعد تعني الأمان، بل أصبحت مرتبطة بالخوف من أن تنتهي في أي لحظة وتعود الحرب بشكل مفاجئ». وتضيف: «أطلب من أهلي أحياناً أن يأخذوني إلى منزلنا في الضاحية لدقائق فقط؛ لأراه، أخاف ألا أتمكن من رؤيته مجدداً، وكأنني أودّع كل شيء فيه».


غزو القوارض والحشرات يفاقم معاناة النازحين في غزة

طفل يسير في مقبرة خان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)
طفل يسير في مقبرة خان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)
TT

غزو القوارض والحشرات يفاقم معاناة النازحين في غزة

طفل يسير في مقبرة خان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)
طفل يسير في مقبرة خان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

بعد أكثر من ستة أشهر على دخول وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ بين حركة «حماس» وإسرائيل في قطاع غزة، يواجه النازحون في المخيمات المكتظة الكثير من المشاكل والتحديات، قد يتمثل أكثرها إلحاحاً في غزو القوارض والحشرات لخيامهم الرثة.

وتتفاقم هذه المعاناة في ظل ارتفاع درجات الحرارة مع اقتراب فصل الصيف، وما يوفّره ذلك من بيئة مواتية لانتشار الحشرات في ظروف بيئية وصحية كارثية في المخيمات.

يحمل محمد الرقب طفله البالغ من العمر ثلاثة أعوام، والذي عضّه جرذ وهو نائم في خيمة العائلة في مدينة خان يونس في جنوب القطاع.

ويقول بينما يعمل على تثبيت مصيدة للفئران في الخيمة: «العرسة (الجرذ) عضّت ابني في أنفه وهو نائم. لا أستطيع النوم طوال الليل لأنني مضطر لمراقبة أطفالي باستمرار».

ويضيف: «العرس والفئران تهاجمنا كلّ يوم، لقد أتلفت الخيمة وأغراضنا».

أطفال يسيرون وسط ملاجئ مؤقتة للنازحين الفلسطينيين في خان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

وفقاً للأمم المتحدة، لا يزال نحو 1.7 مليون شخص من أصل 2.2 مليون نسمة يعيشون في مخيمات نزوح، في ظل الدمار الذي لحق بمنازلهم أو نظراً إلى أنّ حوالى نصف مساحة القطاع ما زال تحت السيطرة العسكرية الإسرائيلية، بموجب اتفاق وقف إطلاق النار الذي دخل حيّز التنفيذ في أكتوبر (تشرين الأول) 2025.

وبحسب مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا)، فإنّ الظروف المعيشية في هذه المخيمات «تتسم بانتشار القوارض والطفيليات»، وذلك استناداً إلى زيارات ميدانية لطواقمه في مارس (آذار).

تتفقد غالية أبو سلمى النازحة إلى غرب مدينة خان يونس ملابس مليئة بالثقوب داخل حقائب قماشية، وتقول لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «أُتلفت ملابس ابنتي العروس بسبب الجرذان والفئران، بعدما قضينا أربعة أشهر نستعدّ» لهذه المناسبة.

وبينما تشير إلى حفر كبيرة تتسلل منها القوارض في أرض خيمتها، تضيف: «كلّ شيء أصبح ملوثاً وينقل الأمراض. القوارض أضرّت الجميع، حتى الأثاث والملابس تضرّر، والبراغيث تسبّبت بحساسية جلدية للكبار والصغار».

ومنذ بدأت درجات الحرارة في الارتفاع «ظهرت القوارض والبراغيث بشكل غير مسبوق»، وفق غالية أبو سلمى، التي تؤكد أنّ «هذه ليست مشكلة فردية، بل يعاني منها جميع النازحين».

كلب ينظر من خلال غطاء قماش مشمع لمأوى مؤقت مهجور في خان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

«نقص الأدوية والعلاجات»

تمتد غالبية المخيمات على طول غرب الشريط الساحلي المطل على البحر الأبيض المتوسط، بينما تتكدس ملايين الأطنان من الركام والنفايات.

وبينما لا تزال إسرائيل تسيطر على المعابر التي تربط القطاع بالخارج، فإنّ جميع البضائع تخضع للتفتيش وغالباً ما تُردّ الشاحنات، بحسب منظمات غير حكومية والأمم المتحدة.

من جانبها، تشير بلدية غزة إلى تكدّس النفايات في قلب المدينة والدمار الكبير في البنية التحتية والمنشآت وأزمة النزوح، إضافة إلى تردّي أماكن العيش والخيام، وتسرّب المياه العادمة في الشوارع.

وتقول صابرين أبو طيبة لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «نعيش في خيام ومدارس تغمرها مياه الصرف الصحي. ابني يعاني من طفح جلدي في كل جسمه، لا نستطيع النوم، أخذته إلى الأطباء من دون جدوى».

فلسطيني يمرّ بجوار نقالة ملطخة بالدماء بعد غارة جوية إسرائيلية أسفرت عن مقتل عدد من الأشخاص في مستشفى ناصر بمدينة خان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

وبحسب رئيس قسم الأطفال في مستشفى «شهداء الأقصى»، الطبيب هاني الفليت، «هناك زيادة كبيرة في الأمراض الجلدية بين الأطفال، مع ارتفاع درجات الحرارة، خصوصاً في مخيمات النزوح التي تفتقر إلى أبسط مقومات النظافة والمياه».

ويقول: «نستقبل يومياً إصابات بجرب والتهابات جلدية فيروسية وبكتيرية، في ظل نقص الأدوية والعلاجات».

ومنذ دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ، تتبادل «حماس» وإسرائيل الاتهامات بخرق الهدنة، بينما قُتل 777 فلسطينياً على الأقل منذ سريانها، بحسب وزارة الصحة التابعة لحركة «حماس» في القطاع.

واندلعت الحرب في غزة إثر هجوم غير مسبوق شنته «حماس» على جنوب إسرائيل في السابع من أكتوبر 2023، وأسفر عن مقتل 1221 شخصاً، وفق حصيلة تستند إلى أرقام إسرائيلية رسمية.

وردّت إسرائيل بشن حرب هي الأعنف منذ عقود، أسفرت عن مقتل أكثر من 72 ألفاً و553 شخصاً في القطاع.