فيصل الأحمر: غياب المنابر المختصة أزمة الأدب الجزائري

وضع ماركس في إطار تخييلي وجعله بطلاً لأحدث رواياته

 الشاعر والروائي الجزائري فيصل الأحمر
الشاعر والروائي الجزائري فيصل الأحمر
TT

فيصل الأحمر: غياب المنابر المختصة أزمة الأدب الجزائري

 الشاعر والروائي الجزائري فيصل الأحمر
الشاعر والروائي الجزائري فيصل الأحمر

شاعر وروائي وباحث فلسفي وأكاديمي، هذه الوجوه الأربعة، برغم ما بينها من تباين، وقعت اتفاقية «تعايش سلمي» داخل تجربة فيصل الأحمر؛ الذي يعد أحد أبرز الأصوات في المشهد الجزائري الأدبي الراهن، محققاً انتشاراً لافتاً عبر بوابة الرواية، وأعمال سردية مميزة تتنوع ما بين الرواية التاريخية وأدب الخيال العلمي والأدب النفسي.

من أبرز أعماله «مدينة القديس أوغسطين»، و«أمين العلواني»، و«ضمير المتكلم»، وأخيراً «العشاء الأخير لكارل ماركس».

هنا حوار معه، حول هذه الوجوه الأربعة، وروايته الأحدث.

> ترتكز روايتك الأخيرة «العشاء الأخير لكارل ماركس» على واقعة تاريخية تتمثل في زيارة المفكر الألماني الشهير إلى الجزائر في أيامه الأخيرة عام 1882... ما الذي أثار حماسك في تلك الواقعة حتى تحولها إلى نقطة انطلاق لعمل إبداعي؟

- الرواية كلها ترتكز على ما يمكن أن يُدعى بـ«التفكير بالمنطق الافتراضي» أو «المنطق المعكوس»، إذ يضع الرياضيون فرضية قد تكون خاطئة عن قصد من أجل البرهنة على سلامة نمط معين في التحليل. لقد وقفت على رحلة ماركس إلى الجزائر من خلال رسائله وبعض التعليقات والأخبار المتفرقة، ولاحظت فقر تلك الرحلة بسبب المرض الشديد الذي ألَمَّ به، التهابات حادة في المسالك التنفسية، ثم وقفت جيداً عند ملاحظاته الهامة وإن قلّت حول الجزائريين من الأهالي؛ على اعتبار أنه قد كان هنالك جزائريون فرنسيو الأصل ساعتها.

أحاطت الرواية ماركس بإطار تخييلي مزج بين شخصيات واقعية حقيقية في مجملها وأخرى متخيلة أو مقتبسة من ملامح شخصيات وجدت حقاً، لكن بمعزل عن زيارة ماركس. وكان الجهد الأكبر هو محاولة بث الروح في زمن ولَّى ومضى، كل ذلك بهدف التأمل فيما نعيشه الآن في أيامنا من بقايا الاستعمار ورواسبه وتجلياته الجديدة.

> إلى أي حد تعكس تلك الرواية ولعك، على المستوى الشخصي، بالفلسفة وشراهتك في قراءة التاريخ؟

- أعتقد أنها رواية تشبهني كما قد عبّر مبكراً ثلاثة من أهم النقاد هم الجزائريان لونيس بن علي وطارق بوحالة والعراقي حسين القاصد. والواقع أن اشتغالي بالفلسفة من سنين طويلة ترك بصمة واضحة على الرواية التي بطلها مفكر كبير مستلقٍ على فراش المرض، هو شخصية ستكون كل مغامراتها الممكنة مغامرات داخلية بالضرورة. شخصية ماركس وهو شيخ داخل أيّة رواية ستكون متماشية مع نمط الحوار والتفكير، لا مع أحداث سريعة متسارعة ومغامرات صاخبة.

والواقع أنني كتبت رواية بطلها مفكر فيلسوف معروف، ولكنني ركزت على الحكايات الصغيرة الكثيرة التي أحاطت برحلته، وذلك ما بدا أنه قد راق للمتابعين والقراء والنقاد. نحن نمارس تفكيراً عميقاً من خلال الحكايات التي قد تبدو بسيطة وعادية أحياناً فيما هي تترجم تركيبات عقلية معقدة.

> انتقد البعض عبارة «العشاء الأخير» في العنوان باعتبارها «نمطية» و«مستهلكة»... كيف ترى الأمر؟

- ليس انتقاداً بقدر ما كان تساؤلاً يحمل استغراباً عميقاً حول فكرة الربط بين تيمة «العشاء الأخير» ذات الظلال الدينية وبين شخصية ماركس التي اشتهرت بالتحرك بين الإلحاد و«اللاأدرية». ومفتاح الحكاية هو أن ماركس كان يُكنى في بيته ومن قبل أقرب إنسان له في العالم؛ أقصد زوجته عالمة الاجتماع التي لا يشق لها غبار جيني فيستفالن، بكنية «رسولي الصغير» في إشارة ثلاثية إلى قصر قامته، وحمله لرسالة جديدة للإنسانية، وكذلك لحيته الكثة التي تميز الرسل كما يوصفون في الكتب المقدسة. أيضاً الرواية تنتهي بلقطة طويلة جداً هي وجبة عشاء صاخبة مثيرة لن يطيل ماركس المكوث في البلاد بعدها، فهو فعلاً عشاء أخير على عدة أصعدة.

> تنتمي الرواية إلى ما بات يطلق عليه «الرواية التاريخية» والتي تكاد تشكل التيار الأكبر في السرد العربي حالياً، لكن كثيرين يتهمون أدباء هذا اللون الإبداعي بـ«الاستسهال» و«الهروب من الواقع بحثاً عن وقائع جاهزة ومكتملة دون مجازفة إبداعية»... كيف ترد على ذاك؟

في كل مدارج الأدب وأنواع النصوص وفي كل العائلات الفنية أو الموضوعاتية يوجد الجيد والرديء، يوجد النقي والمشوب، يوجد ما يعمل عليه صاحبه كأنه ينحت حجراً، ويوجد كذلك ما يطويه صاحبه كشربة ماء من نهر جارٍ.

العبرة ليست بالاعتقاد بأن رواية من الخيال العلمي صعبة في حين أن رواية واقعية ستكون أسهل بالضرورة. هذا كلام لا يقنعني أبداً. أعتقد أن الرواية التاريخية صعبة جداً جداً وليست «حمار الروائيين» كما سماها أحدهم تأسياً بالتعبير التراثي الجميل «حمار الشعراء».

> ما سر شغفك بأدب الخيال العلمي الذي أنتجت فيه ثلاثة أعمال روائية؟

- الخيال العلمي يمنحك رئة خاصة جداً تتنفس بواسطتها هواءً نقياً جداً ومتميزاً جداً. هنا الكلمة المفتاحية هي الفكرة التي تنبني عليها الفلسفة: وضع فرضية مستقبلية لبعض إمكانات الواقع ثم دراستها بطريقة ملء الفراغات؛ إنه تمرين عقلي جميل، وكثيراً ما يمنحنا لذتين أكيدتين، الأولى هي تحقق بعض نبوءاتنا، وهذا لذيذ جداً ويدعو للفخر بشكل معين، والثانية هي الغرق في بناء عالم على الطريقة التي يقوم بها الأطفال وهم يبنون قصور رمال على الشاطئ؛ في تجربة يراها الكبار فارغة من المعنى فيما يتلذذ بها الصغار.

هذا الأمر يعبر عنه الفلاسفة تأسياً بمارتن هايديغر بشكل عميق حينما يرون أن سبب الحزن الملازم لإنسان الزمن الصناعي - المعاصر - الحداثي هو ذهاب البراءة المرتبطة بهامش المجهول الذي كان لدى إنسان الأزمنة القديمة، أو ما يسمونه «فقدان القدرة على الانبهار». الخيال العلمي كثيراً ما يلعب في هذه الزاوية وينجح في إعادة تأثيث عوالم عجيبة تدهشنا رغم كوننا مدججين بعدم الاستعداد للدهشة.

> هل يستطيع الخيال العلمي مواجهة «طوفان أدب الجريمة والرعب» الذي يجتاح الرواية حالياً على مستوى العالم؟

- لكل نوع مساراته. لو عدنا إلى السينما أو الأدب في الستينات والسبعينات شرقاً وغرباً وقلنا لأحدهم إن الإعلام الآلي سيتطور حتى يظهر الواقع الافتراضي ثم الذكاء الاصطناعي، وإن الفانتازيات والعجائبيات وأدب الجان والشياطين ساعتها ستكون هي الأوسع انتشاراً بين القراء، فلن يصدقنا.

أعتقد أن الفانتازيا وأدبيات الرعب والعالم الآخر ليست ظواهر أدبية بالمعنى العميق الجاد للكلمة، أعتقد أنها ظواهر تخص دور النشر أكثر مما تلمس الذوق الأدبي. هي كُتُب تولد مثل الفطريات وتذهب ليأتي غيرها مثل الفطريات. ذاكرة هذا النوع من الكتب قصيرة جداً. في حين أننا إلى غاية اليوم نقرأ «اللاز» للطاهر وطار، و«المتشائل» لإميل حبيبي، أو «مائة عام من العزلة» لماركيز و«عالم جديد فاضل» لألدوس هكسلي، و«ثرثرة فوق النيل» لنجيب محفوظ. هذه ظواهر أدبية، أما الرعبيات والعوالم المظلمة فهي ذوق عابر بلا أثر على أديم الزمن فيما أرى.

> لك أكثر من ديوان شعري منها «الرغبات المتقاطعة» و«مجنون وسيلة»، لكنك متهم بكونك أحد «خونة الشعر» الذين تركوا القصيدة وارتموا في أحضان الرواية بحثا عن الشهرة والأضواء والجوائز؟

- إذا دخلت صفحتي على «فيسبوك» مثلاً؛ وهي صفحة ذات انتشار محترم وذات جمهور يعول عليه، ستجدين أهم ما ينشر فيها هو نصوص شعرية؛ مع ميل هذا العام صوب الكتابة الشعرية حول غزة وفلسطين والوجع العربي العميق، وكذلك انتشار مشهود لنصوص شعرية ذات اتجاه صوفي. أنا لم ولن أخون الشعر أبداً، وقلت سابقاً في أحد الحوارات: أنا إذا نمت حلمت بنفسي شاعراً قبل أي شيء آخر.

هذا لا ينفي أن الرواية تجد ردود فعل لدى القراء والنقاد والإعلاميين والجامعيين عشرات المرات أكثر مما يحظى به الشعر. وهذا واقع زمننا ولا مهرب لنا منه. ودعيني سيدتي الكريمة أقول لك إن الأمر جيد هكذا ولا حرج فيه. الشعر رفيق الصمت والهامش والانسحاب والليل، هو مثل الأجنة يحتاج العزلة والهدوء لكي ينمو نمواً جيداً.

> ألا يحد الناقد الأكاديمي من انطلاق المبدع بداخلك أحياناً... كيف تتعايش مع تلك الثنائية؟

- يُطرح عليّ هذا السؤال منذ ربع قرن من الزمن، ولعلي اليوم سأقول جديداً: أعتقد أن التفسير الأقرب إلى الحقيقة هو أنني شخص «شيزوفريني»، انفصامي، هنالك في داخلي تعايش سلمي غريب بين الشاعر والروائي والأكاديمي. يبدو أنه لا أحد يزعج الآخر. معاهدات السلام الدائم التي ظل الساسة يحلمون بها من أقدم الأزمنة تحققت بداخلي بين الأجناس الكتابية المختلفة.

> أخيراً، كيف ترى المشهد الروائي الجزائري حالياً... ما أبرز الإيجابيات والسلبيات التي ترد فوراً إلى ذهنك؟

- الوضع في الجزائر كحاله في غيرها، نصوص كثيرة جميلة تصدر، بعضها لا يحظى بالعرفان الواجب بسبب الكثرة والتسرع والميل غير الصحي لبعض القراء أو النقاد أو بسبب شخصيات بعض الكتاب.

الجوائز الأدبية فرضت إيقاعاً خاصاً؛ بما لها من إيجابيات وسلبيات، جو من التنافس الإيجابي جداً والذي يميل أحياناً صوب الجانب السلبي أو التجليات المرضية المختلة. وقد أدى كل ذلك وطمعاً في الاعتراف الجماهيري الواسع أو طمعاً في المكافآت المالية المجزية إلى تكاثر النصوص وثراء التجارب.

ولكن هنالك ظاهرة سلبية عندنا في الجزائر أكثر مما هي الحال عليه في بلدان عربية أخرى: هي غياب منابر مختصة كبيرة، وكذلك انسحاب المنابر النقدية الموجودة سواء في أجهزة الإعلام أو في الجامعات والمؤسسات الثقافية من أداء دورها الهام في الغربلة، في منح نصوص معينة شارة الجودة، ومنع الشارة عن النصوص الأمشاج التي لم يتم نموها أو التي كُتبت بتساهل معين.

ثمة ملاحظة أخرى ذات طابع إيجابي، إنه الدخول الكمي والنوعي للمرأة إلى عوالم الكتابة الروائية. هنالك عدد معتبر من الكاتبات الشابات يصدرن رواياتهن الأوائل. وهذا مما يجدر بنا أن نعلي من شأنه في رأيي لأنه يحيل لخطوة ضرورية في النمو الحضاري يبدو أن مجتمعاتنا تقوم بها بسلامة وشجاعة. ولعله مما يبشر بغد جميل.


مقالات ذات صلة

الخيام... مدينة الشعراء وقصيدة الجنوب الكبرى

ثقافة وفنون حسن عبد الله

الخيام... مدينة الشعراء وقصيدة الجنوب الكبرى

إذا كان التضافر الخلّاق للتاريخ والجغرافيا مع المعاناة القاسية والهوية القلقة، قد جعل من الجنوب اللبناني خزاناً للشعر يتعذر نضوبه،

شوقي بزيع
ثقافة وفنون واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية

واجهة قصر الحير الغربي

تُزيّن مدخل متحف دمشق الدولي منذ منتصف خمسينات القرن الماضي واجهة معمارية ضخمة يحدّها برجان، وتكسوها شبكات من النقوش الزخرفية المتقنة،

محمود الزيباوي
ثقافة وفنون رحلة شعرية إلى بغداد

رحلة شعرية إلى بغداد

صدر أخيراً عن دار «أكورا» المغربية كتاب «سنة أخرى من الاشتياق» للشاعر والناقد الفني فاروق يوسف.

«الشرق الأوسط» (لندن)
ثقافة وفنون روائي شهير يعود إلى شخصيته البديلة

روائي شهير يعود إلى شخصيته البديلة

كان لدى الروائي البريطاني مارتن أميس نظرية حول سبب شهرة الروائيين في الثمانينات والتسعينات. وأعتقد أن السبب هو أن الصحف، غير مدركة بعد لأبعاد اقتراب الإنترنت

دوايت غارنر
ثقافة وفنون «تدجين الفكر المتوحش» بالعربية

«تدجين الفكر المتوحش» بالعربية

صدر حديثاً عن دار «الحوار للنشر والتوزيع» كتاب «تدجين الفكر المتوحش» لباحث الأنثربولوجيا الإنجليزي جاك غودي بترجمة عربية أنجزها حميد جسوس.

«الشرق الأوسط» (دمشق)

الخيام... مدينة الشعراء وقصيدة الجنوب الكبرى

حسن عبد الله
حسن عبد الله
TT

الخيام... مدينة الشعراء وقصيدة الجنوب الكبرى

حسن عبد الله
حسن عبد الله

إذا كان التضافر الخلّاق للتاريخ والجغرافيا مع المعاناة القاسية والهوية القلقة، قد جعل من الجنوب اللبناني خزاناً للشعر يتعذر نضوبه، فإن ثمة بين جنباته حواضر ومدناً وبلدات بدت أكثر من سواها قادرة على رفد هذا الخزان بالقدر الأكبر من الشعراء والكتاب والمبدعين، كما هو حال النبطية ومرجعيون وبنت جبيل وصور وعيناتا وشقراء والخيام، على سبيل المثال لا الحصر. ومع أن كل حاضرة من الحواضر التي ذكرت، تستحق الاحتفاء بكتابها وشعرائها ومبدعيها؛ كل على حدة، فإن اختيار «الخيام» محوراً لهذه المقالة، لم يكن سببه التقليل من شأن المدن والحواضر الأخرى، بل لأنها بحكم موقعها الحساس، تتحمل مع كل حرب تقع، أكثر أشكال المواجهة مع الغزاة قسوةً وعنفاً، ولأنها تشكل على الدوام رأس حربة الدفاع عن الجذور وحراسة الهوية.

ولعل ما ينطبق على لبنان وجنوبه، بشأن التضاد المتعلق بنعمة الجغرافيا ونقمتها، إنما يجد في بلدة الخيام برهانه النموذجي وشاهده الأمثل. ذلك أن الثراء المشهديّ الذي أتاح للبلدة أن تطل على قمم جبل الشيخ ومنحدراته، كما على الجليل الفلسطيني، وعلى السهل الفسيح المسمى باسمها، وعلى جهات مرجعيون وقلعة الشقيف وبلدات الحدود، فضلاً عن وقوعها على هضبة عالية تشبه ظهر الفرَس، هو ما أمدّها بعدد غير قليل من المبدعين، وغذَّى نصوص شعرائها بكل أشكال الاستعارات وضروب التخييل.

حبيب صادق

وإذا كان محرك البحث «ويكيبيديا»، قد عرّف الخيام بأنها البلدة التي «اشتهرت بسهلها وشعرائها ومعتقلها»، فإن أكثر ما يلفت في هذا التعريف، هو تمكّنه عبر مفردات ثلاث من العثور على هوية للبلدة، تجمع بين جماليات المكان، وجمالية التعبير عنه، وتكلفة جماله الباهظة. واللافت أن عدد الشعراء والمبدعين الذين تبرعمت مواهبهم فوق أرض الخيام، لا يقل أبداً عن عدد الينابيع التي تفتحت في كنف سهلها الفسيح، وبين هؤلاء عبد الحسين صادق وعبد الحسين عبد الله وسكنة العبد الله وحبيب صادق وكامل العبد الله ومحمد العبد الله وعصام العبد الله وحسن عبد الله، وكثر غيرهم.

وحيث يجدر التنويه بأن المكان والنشأة المتقاسمين بين الشعراء المذكورين، لم يجعلا منهم نسخاً مكررة، ومتماثلة الأسلوب والرؤية إلى العالم. إلا أن ما جمعهم، على تفاوت المواهب والمستويات، هو وفاؤهم للمكان الأصلي الذي انبثقوا عنه. حتى إذا جذبهم بسحره المغوي بريق المدن، أو أجبرتهم الحروب المتعاقبة على النزوح باتجاه بيروت، ظلوا كما فعل الشريف الرضي، يتلفتون بالقلب نحو مساقط الحياة الأم، ويلأمون بالشعر والحنين المسافة الفاصلة بين مواطئ الجسد ومواطن الروح.

ومع أن التجارب الشعرية، المتباينة لغةً وأسلوباً، لكل من حسن ومحمد وعصام العبد الله، قد شكلت الأضلاع الثلاثة الأكثر تميزاً لمثلث الشعر «الخيامي»، إلا أن مقتضيات الوفاء والإنصاف، توجب التنويه بالتجربة الشعرية المبكرة لحبيب صادق، الذي حالت التزاماته النضالية والاجتماعية والثقافية المتنوعة دون متابعتها إلى نهاية الشوط. وإذا كان صادق قد استعاض عن كتابة الشعر بتأسيس «المجلس الثقافي للبنان الجنوبي»، وتعهُّد الشعراء والكتاب الجنوبيين بالرعاية والحدب والاهتمام، فإن ذلك لم يمنعه من إصدار عديد من المجموعات، التي حرص فيها على المزاوجة بين النسقين الخليلي والتفعيلي، وعلى حقن النصوص «الملتزمة» بشحنات متفاوتة من الغنائية الرومانسية والشجن العاطفي. وهو ما يبدو واضحاً في أبياته المغنّاة:

شدَي عليكِ الجرح وانتصبي عبر الدجى رمحاً من اللهبِ

يا ساحة الأنواء كم عصفتْ فيها خيول الهول والرعُبِ

أهلوكِ لا سورٌ من الكذِبِ أهلوكِ لا قنّاصةُ الرتبِ

صدّوا الرياح السودَ يحْفزهم جرح التراب وأنةُ العشُبِ

أما حسن عبد الله فقد بدت تجربته الشعرية مدينة لموهبة شديدة التوقد، كما لإصغاء عميق إلى كل ما ينمّ عنه تراب الخيام من عبق الروائح وهسيس الأصوات، وتنقّل الكائنات الحية بين باطن الأرض وغلافها الخارجي. لا بل إن ما منح صاحب «أذكر أنني أحببت» مكانته الإبداعية المرموقة، لم تكن ثقافته العالية وسعة اطّلاعه فحسب، بل إمعانه الدؤوب في التنقيب عن مناجم طفولته الغنية، التي أمدَّته بقدر غير قليل من البساطة واالصفاء التعبيري والتبصر الدائم في كنه الأشياء. وإضافة إلى ذكائه الحاد وسخريته اللماحة، امتلك حُسن القدرة على تسييل الحواس الخمس، عبر نصوص رشيقة الجرْس وغنية بالصور والاستعارات والمفارقات المباغتة.

ورغم أن تجربة حسن عبد الله قد ذهبت بعيداً في تنوع أسئلتها وموضوعاتها، فإن معاناة الجنوب اللبناني، والخيام على وجه الخصوص، ظلت شغله الشاغل وحجر الزاوية في عديد من قصائده. وإذا كانت قصيدته «الدردارة»، التي أخذت اسمها من حوضٍ مائي مترع بالخضرة عند أطراف بلدته، قد بدت درة أعماله، فلأنه استطاع أن يحوِّلها إلى معلَّقة حديثة، يختلط فيها الحنين مع الرغبات الأولية، والماضي مع الحاضر، والفراديس الوارفة للماضي مع جهنمات الحاضر وكوابيسه المتجددة. والخيام التي نبت فيها حسن مع أعراس العصافير، وصباحات التين، وزمن الهناءة اللازوردي، هي نفسها التي حوَّلتها الطائرات المعادية ذات الاجتياح الغادر، إلى أثر بعد عين، ليقول في ذلك:

تأتي الطائرات وأرحلُ

الطائراتُ، ويثبتُ الولد اليتيمُ

وطابتي في الجوّ،

إني مائلٌ شرقاً

وقد أخذ الجنوب يصير مقبرةً بعيده

وحين كان حسن عبد الله يغادر بلدته الخيام ليحط رحاله في صيدا، عاصمة الجنوب اللبناني، كان محمد العبد الله، ذو القامة الباسقة والمنكبين العريضين والصوت الأجش، يواصل رحلته باتجاه بيروت، شأنه في ذلك شأن أقرانه الكثر من شعراء الجنوب وكتابه وفنانيه، الذين رأوا في «لؤلؤة المتوسط» كل ما يحلمون بتحقيقه من آمال، وما يجيش في دواخلهم من رغبات. وحيث بدا اصطدام ذلك الجيل الأعزل، إلا من براءته الريفية وطموحه الرومانسي، بإسمنت المدينة الأصم وأبراجها الشاهقة، أمراً لا بد من حدوثه، فقد استطاع محمد العبد الله، بما يملكه من موهبة فطرية وتحصيل ثقافي مبكر، أن يعبّر في قصيدته الفريدة «بيروت» عن مكابدات ذلك الجيل وهواجسه وأسئلته المؤرقة.

لكن سوء التفاهم المرير الذي حكم العلاقة بين المدينة ومثقفي الأطراف، سرعان ما أخلى مكانه لعلاقة أقل توتراً، زادها وثوقاً شغف الوافدين بالمغامرة ورغبتهم في تحقيق الذات. على أن الانغماس في العالم الجديد، قد ولّد لدى الشعراء الهابطين من القرى، شعوراً بالذنب منبعه الخشية من تحول الجنوب إلى أضغاث مبهمة ومشرفة على التلاشي. ومرة أخرى كان صاحب «مصرع دون كيشوت» يؤرّخ لغروب العالم الريفي، ويهتف بحرقة بالغة:

الدم الزراعي ينزف عشباً أخيراً

الدم الزراعي ماتْ

انتهى زمن الذكرياتْ

رأيت دماءً بفصلين:

فصل تراجع نحو الحكايه

وفصل يصير إلى لا نهايه

وإذ يصعب أخيراً تناول شعراء الخيام الكثر، كلٍّ على حدة، إلا أنه من غير الجائز إسقاط تجربة عصام العبد الله من المشهد الشعري الخيامي. صحيح أن ما كتبه الشاعر من قصائد ومقطوعات، قد اقتصر على مجموعات ثلاث مكتوبة بالمحكية اللبنانية، إلا أن الشاعر القادم من الفصحى، استطاع بتمكّن لافت، أن يدمغ ببصمته الخاصة وأسلوبه الطريف، مجمل النصوص التي كتبها.

ومع أن صاحب «سطر النمل» كان عاشقاً لبيروت، بشوارعها ومكتباتها وبحرها ومقاهي رصيفها، إلا أنه ظل ملفوحاً كأترابه الكثر، بكل ما تحمله إليه رياح الجنوب من مسرَّات الطفولة، وقلامات الألم، وأزمنة الوداعة المنقضية، حتى إذا التفت كغيره باتجاه الجنوب المثقل بالمكابدات، والذي حوّله النأي والصمود الدامي إلى ما يشبه الأسطورة، كتب عصام عبد الله قائلاً:

كانْ في جبلْ إسمو جبلْ عاملْ

وكانِ الوقتْ قبلِ العصرْ بِشوَيْ

بكّيرْ تيْصلّي

تْمَدّدْ عَ كرسي إسْمها الخْيامْ

كتْفو الشْمالِ ارتاحْ عَ الجولانْ

كتْفو اليمين ارتاحْ عَا نيسانْ

إسْمو جبلْ عاملْ التجارب الشعرية لكل من حسن ومحمد وعصام العبد الله شكَّلت الأضلاع الثلاثة الأكثر تميزاً لمثلث الشعر الخيامي


واجهة قصر الحير الغربي

واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
TT

واجهة قصر الحير الغربي

واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية

تُزيّن مدخل متحف دمشق الدولي منذ منتصف خمسينات القرن الماضي واجهة معمارية ضخمة يحدّها برجان، وتكسوها شبكات من النقوش الزخرفية المتقنة، تتوزّع على مساحات سطحها، وتبلغ قمّة برجيها. يبلغ طول هذه الواجهة نحو 15 متراً، وتعود إلى الحقبة الأموية، ومصدرها قصر يُعرف باسم قصر الحير الغربي، كشفت عنه بعثة فرنسية قادها عالم الآثار دانيال شلومبرجير بين عام 1936 وعام 1938.

مثل العديد من القصور الأموية التي أنشئت في وسط صحاري بلاد الشام الواسعة، كان قصر الحير الغربي خربة منسية ترتفع أطلالها على تخوم البادية السورية، بين مدينة تدمر ومدينة القريتين، غير أن الجزء الأكبر منه كان مطموراً تحت التراب. مرّ بهذه الخربة عدد من الرحّالة والبحّاثة، وتوقّفوا أمام ما ظهر من أسسها، وبدا لهم أنها تعود إلى الحقبة الرومانية. قصد العالم الألماني ثيودور ويغاند تدمر مراراً لدراسة آثارها بين عام 1902 وعام 1917، وقدّم وصفاً عاماً لهذه الخربة في بحث صدر في 1932. كذلك، جاء الكاهن الفرنسي رافاييل سافينياك برفقة زميله أنطونين جوسين من «مدرسة الكتاب المقدس» في القدس، وتوجّه إلى تدمر لدراسة نقوشها الكتابية في صيف 1914، وتوقّف أمام هذا الموقع، وذكره في دراسة عرض فيها نتائج هذه الرحلة الاستكشافية، نُشرت في مطلع عام 1920.

بدوره، قام الكاهن اليسوعي أنطوان بوادوبار في مطلع الثلاثينات برحلة جوية فوق البادية السورية بحث خلالها عن آثار روما، وشملت هذه الرحلة خربة قصر الحير الغربي، وكشفت لأوّل مرة عن امتداد مساحتها المطمورة تحت الرمال. جاء هذا الكشف ضمن كتاب نشره بوادوبار في 1934، وتضمّن صوراً جويّة ورسماً تخطيطياً لهذا الموقع شكّلت أساساً للحملة الفرنسية التي انطلقت في عام 1936 تحت قيادة دانيال شلومبرجير، وامتدّت على مدى سنتين. خرجت هذه الحملة بمجموعة هائلة من اللقى تجاوز عددها 50 ألفاً، يعود القسم الأكبر منها إلى حلل زينية ثرية متعدّدة الأنواع والأشكال تعود إلى العصر الأموي، وتمثّل زينة هذا القصر الاستثنائي. نُشر التقرير المطوّل الخاص بهذه الحملة في عام 1939، وجاء في حلقتين مفصّلتين، استعرض فيهما شلومبرجير حصيلة عمله المتأنّي.

تبيّن أنّ الأطلال التي مرّ بها الرحالة خلال العقود الأولى من القرن الماضي تعود فعلاً إلى ما قبل العصر الإسلامي، وأبرزها برج بيزنطي أُعيد استخدامه في بناء قصر أموي الطابع، حيث ثُبّت في الزاوية الشمالية الغربية من هذا القصر. شُيّد هذا البناء على أنقاض دير بناه في القرن السادس للميلاد الحارث بن جبلة، سادس ملوك الغساسنة، واستمدّ حاجته من المياه عن طريق قناة تربطه بخزان يتغذّى من سد أُقيم قبل الإسلام، يُعرف باسم سد خريقة. وكان لهذا السد ثلاث فتحات، منها تجري المياه وتتفرّع إلى القصر والمنشآت المجاورة له، وهي الحمّام الملاصق له في الركن الجنوبي الغربي، والبستان الذي أضحى تراباً في الصحراء، والقصير الذي يبعد عنه مسافة 10 كيلومترات، وقد بقيت منه بوابته الحجرية التي تحمل كتابة بالخط الكوفي جاء فيها: «بسم الله الرحمن الرحيم لا إله إلا الله وحده لا شريك له أمر بصنعة هذا العمل عبد الله هشام أمير المؤمنين أوجب الله أجره عمل على يدي ثابت بن أبي ثابت في رجب سنة تسع ومائة».

اتّضح أن هشام بن عبد الملك أمر ببناء هذا القصر في عام 727، وتأكّدت هذه النسبة حين نجح العلماء في فك جزء من كتابة ثانية نُقشت على حجر رخامي مهشّم رمّمه أهل الاختصاص، وفيه: «بسم الله/ من هشام أمير المؤمنين إلى/ الوليد أبي العباس/ أحمد الله إليك». اشتهر هذا القصر الذي يقع جنوب غرب تدمر باسم قصر الحير، وهو الاسم الذي اشتهر به قصر أموي آخر يتميّز بضخامته، ويقع شمال شرق تدمر. ولهذا، سُمّي الأول باسم قصر الحير الغربي، وسُمّي الآخر باسم قصر الحير الشرقي.

انكبّ شلومبرجير بمعاونة فريقه العلمي على دراسة هذا الموقع، وأنجز دراسة توثيقية معمّقة شملت أصغر تفاصيله، فتمكّن من إعداد خريطة هندسية مفصّلة لبناء القصر ومحيطه. شُيّد أساس القصر على شكل مربّع طول كل ضلع من ضلوعه 70 متراً، وتمّ دعم جدرانه الخارجية بأبراج مستديرة، منها البرج البيزنطي في الزاوية الشمالية الغربية. تميّز الجدار الشرقي ببوابة عظيمة، تنفتح على دهليز يقود إلى فناء يتوسّطه حوض صغير. يحيط بهذه البوابة من كل طرف برج نصف دائري زيّن بالزخارف، أما الجدران الثلاثة الأخرى، فكان كل منها مدعوماً ببرج نصف دائري أقيم في وسطه. شكّلت قاعات القصر 6 بيوت مستقلة، واختلف عدد الحجرات في هذه البيوت من 8 إلى 13.

ارتفعت واجهة مدخل القصر وبلغت نحو 15 متراً، وكانت هذه الواجهة أنقاضاً حين تعرّف إليها فريق التنقيب الفرنسي في مكانها الأصلي، فجمع قطعها المبعثرة، وأعاد تركيبها بجهد جهيد. في منتصف الخمسينات، اختيرت هذه الواجهة لتكون مدخلاً لمتحف دمشق الدولي، فباتت منذ ذلك التاريخ معلماً من أشهر معالمه. تغطّي هذه الواجهة مجموعة متناغمة من الزخارف المنجزة بتقنية الجص المنقوش، تجمع بين الأشكال الهندسية التجريدية والأشكال التصويرية المحوّرة، في تناسق مثالي يشهد لرهافة التزيين المعماري الأموي المدني. تمثل هذه الأشكال منجماً مفتوحاً يصعب تحديد عناصره بشكل كامل، وتحوي نقوشاً تصويرية تقارب في نتوئها البارز النحت الثلاثي الأبعاد، منها منحوتات آدمية وحيوانية، تتجلّى قيمتها الفنية من خلال قراءة تحليلية متأنية لها.

ضمّ القصر كذلك واجهة داخلية زيّنت الجدار الداخلي الذي يقع خلف الرواق الشرقي، وبقيت منها أنقاض تمّ جمعها ونقلها إلى المتحف، حيث أعيد تركيبها على هيكل من الأسمنت المسلّح طوله 16 متراً. تشكّل هذه الزينة الداخلية امتداداً للزينة الخارجية، وتشهد لحرفية عالية تجمع بين الحجر والطوب والآجر، إضافة إلى العوارض الخشبية. تتبنّى هذه الزينة تقليداً فنياً محلياً اتُّبع في زمن الأمويين، ذلك أننا نجد رديفاً لها في مواقع أخرى، أهمّها موقع قريب من مدينة أريحا في فلسطين، يُعرف بخربة المجفر، وفيه قصر آخر أنشأه كذلك هشام بن عبد الملك، عاشر خلفاء بني أمية.


رحلة شعرية إلى بغداد

رحلة شعرية إلى بغداد
TT

رحلة شعرية إلى بغداد

رحلة شعرية إلى بغداد

صدر أخيراً عن دار «أكورا» المغربية كتاب «سنة أخرى من الاشتياق» للشاعر والناقد الفني فاروق يوسف.

وهو عبارة عن رحلة شعرية إلى بغداد، المدينة التي لم يرها الشاعر منذ نحو ثلاثين سنة.

يبدأ الكتاب بمفتتح:

«سنة واحدة وأعود» قلت لأمي. بعد عشرين سنة قالت لي من خلال الهاتف «ألم تنتهِ تلك السنة؟» صمتُ. كنت خجلاً لأني أخلفت وعدي. سمعتها تقول «لا بأس سأضيف عليها سنة أخرى، ربما تساعدني الملائكة على تحملها»، لا تدري أمي أنها وضعت في رقبتي جرساً فيما ذهبت بالبقرة إلى مكان خفي».

ومن الكتاب: «يوم كانت بغداد هي المدينة كنت أنعم برؤية مدن العالم. أما حين اختفت بغداد وانفصلت عن جنتها، فلم أعد أثق بالمدن. صرت أمرّ بالمدن كما لو أنها هي التي تمرّ بي. القطار السريع الذي يقلني يحملها هي الأخرى. سنضحك ونبكي حين نلتقي في محطات مهجورة، ولكن أصابعي لا تزال ممسكة بأزقة ضيقة على الخريطة، التي فرشتها على الطاولة. لن أسمح لمطابخ العالم بأن تزيح المطبخ العباسي من البيت. ذلك ما قررته وأنا أعرف أن لا بيت لي. فأنا في الطريق. تلك طريق تقيم على جانبيها مدن تيرنر، وإليوت، وفرجينيا وولف، وجيمس جويس، وكلود مونيه، وشارل بودلير وبروست، وروفائيل، وباخ، وغوته، وفيلاسكز وفليني، ولكن رائحة الباقلاء بالدهن تشد أعصابي. ما أزال طفلاً. المراهق يلعب بأصابعي والشاب هو الذي يعنى بخزانة ثيابي. المشرد الذي صرته لا يزال يقوى على أن يقف في منتصف الطريقة ويعود أدراجه. هناك مسافة للركض في الغابة لن يتمكن الكلب فيها من اللحاق بي ونحن نلعب. لا رغبة لديّ في العودة إلى حطام البيت لأتناول فطوري مثل طفل صحا من النوم، ليكتشف أن الطائرات أبقته حياً من أجل أن يغطي بكاؤه على ضجيجها. لقد سلمت حياتي للفوضى. وحياتي لا ثمن لها».