الذكاء الاصطناعي ومستقبل المهارات: مبادرات تعليمية لمواكبة التحول في سوق العمل

جامعة «سيرفس ناو» الرقمية المجانية تهدف إلى تمكين الشباب العربي بمهارات المستقبل التقنية تماشياً مع «رؤية السعودية 2030»

«جامعة سيرفس ناو» الرقمية المجانية لتعليم الطلاب الذكاء الاصطناعي لبناء مهارات المستقبل
«جامعة سيرفس ناو» الرقمية المجانية لتعليم الطلاب الذكاء الاصطناعي لبناء مهارات المستقبل
TT

الذكاء الاصطناعي ومستقبل المهارات: مبادرات تعليمية لمواكبة التحول في سوق العمل

«جامعة سيرفس ناو» الرقمية المجانية لتعليم الطلاب الذكاء الاصطناعي لبناء مهارات المستقبل
«جامعة سيرفس ناو» الرقمية المجانية لتعليم الطلاب الذكاء الاصطناعي لبناء مهارات المستقبل

شهدت العقود الماضية تحولات متسارعة في عالم الأعمال، إلا أن وتيرة الابتكار لم تكن أبداً بالسرعة التي نراها اليوم، حيث انتقل الذكاء الاصطناعي من كونه مجرد تقنية مستقبلية إلى جزء لا يتجزأ من النظم التشغيلية للشركات والجهات الحكومية حول العالم. ولم يعد الهدف من تبني التقنية يقتصر على مجرد إيجاد بنية تحتية رقمية مثل قواعد البيانات والأجهزة الخادمة، كما كان الحال قبل خمسة عشر عاماً، بل أصبح التحول الرقمي الحقيقي يرتكز على دمج الذكاء الاصطناعي في العمليات اليومية للشركات والقطاع الحكومي، ووضع استراتيجيات واضحة للاستفادة من قدراته التحليلية وتسريع تدفقات العمل بشكل جذري.

سيف مشاط نائب الرئيس لمنطقة الشرق الأوسط وأفريقيا في شركة «سيرفس ناو»

وتحدثت «الشرق الأوسط» حصرياً مع سيف مشاط، نائب الرئيس لمنطقة الشرق الأوسط وأفريقيا، في «سيرفس ناو» ServiceNow حول آفاق هذه التطورات وكيفية تلبية احتياجات قطاع العمل من خلال تأهيل المهارات اللازمة.

«برج التحكم بالذكاء الاصطناعي»

بدايةً، توفر الشركة منصة متخصصة مبنيّة على الذكاء الاصطناعي لإدارة تدفقات العمل Business Workflow Platform لخدمة المنظومة بالكامل، أي إن عمليات قطاع الأعمال Business Process تُبنى عليها، مثل قسم عمليات والاتصالات والموارد البشرية والمصارف، وغيرها. وتهدف الشركة إلى توحيد آلية التعامل مع مئات من وكلاء الذكاء الاصطناعي المتخصصة في نظام واحد وإضافة طبقة عليا تُسمى «برج التحكم بالذكاء الاصطناعي» Artificial Intelligence Control Tower تضمن تناغم هذه التقنيات وتسهيل إدارتها. وهذه الطبقة الموحدة تُمكّن الأنظمة المختلفة من التفاعل ومشاركة البيانات؛ لتطوير الأداء وتقديم رؤى تحليلية دقيقة، مع التركيز على أخلاقيات استخدام الذكاء الاصطناعي AI Ethics لضمان اتخاذ قرارات عادلة ومنطقية.

الاستثمار في البنية التحتية الرقمية: توافُق مع «رؤية السعودية 2030»

وقال سيف إن وجود الشركة الفعلي في المملكة العربية السعودية ليس مجرد خطوة اعتيادية لتغطية منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا، بل كان استثماراً استراتيجياً متكاملاً يتوافق مع أهداف «رؤية السعودية 2030». ففي عام 2024، أعلنت الشركة خططها لاستثمار 500 مليون دولار أميركي في المملكة لدعم التحول الرقمي، وخلق فرص عمل، وتنمية المهارات الرقمية في المنطقة. ويشمل هذا الالتزام الاستراتيجي إطلاق مركز إقليمي جديد للشركة في الرياض، بالإضافة إلى إنشاء مركزين مخصصين للبيانات داخل المملكة بما يضمن الامتثال لسياسات حماية البيانات.

ويظهر الأثر الملموس لهذا الوجود من خلال الشراكات التي أُبرمت بالفعل. ففي إطار سعي وزارة العدل السعودية إلى تحقيق أهداف «رؤية 2030»، تم استخدام منصة «سيرفس ناو» لرقمنة 80 في المائة من خدماتها وتبسيط تدفقات العمل المعقدة. وتم دمج أنظمة متعددة كانت تعمل بشكل منفصل في منصة موحدة، مما أدى إلى تطوير الكفاءة والشفافية في تقديم الخدمات للمواطنين. وعلى صعيد القطاع الخاص، تمت أتمتة عمليات شركة الاتصالات السعودية، مما أسهم في رفع مستويات الخدمة المقدمة.

تحديات عالمية وفرص محلية: الشباب ومستقبل المهارات

وأضاف أن سوق العمل العالمية تواجه تحديات هائلة، إذ تُشير التقديرات إلى أن نحو 85 مليون وظيفة حول العالم قد تظل شاغرة بحلول عام 2030 بسبب نقص الكفاءات اللازمة لشغلها. وتُبرز أبحاث مشتركة بين الشركة و«بيرسون» Pearson أن الذكاء الاصطناعي الوكيلي Agentic AI سيُعيد تعريف أكثر من 10.35 مليون وظيفة في الهند وحدها بحلول عام 2030، وهو ما يؤكد حجم التحول الذي تشهده سوق العمل. ويُبرز البحث أن هذا التحول ليس مجرد نقص في المهارات التقنية، بل هو إعادة هيكلة شاملة للوظائف، حيث يتطلب من الموظفين تطوير مهارات بشرية أساسية مثل التفكير النقدي والإبداع.

وفي ظل هذه التحديات العالمية، تبرز المنطقة العربية وأفريقيا مركزاً للفرص الفريدة، فحسب التقرير السنوي الأول لمؤشر نضج الذكاء الاصطناعي الصادر عن الشركة، أوضحت الدراسة أن 56 في المائة من الشركات السعودية أشارت إلى تحقيق نتائج إيجابية لاستثماراتها في الذكاء الاصطناعي مع تحسن واضح في الكفاءة والإنتاجية، بينما ذكرت 42 في المائة منها أن العائد على الاستثمار تجاوز نسبة 51 في المائة، مما يعكس الإمكانات الكبيرة لهذه التقنية في تعزيز الأداء المؤسسي.

ووفقاً لمؤشر نضج الذكاء الاصطناعي لعام 2024 الصادر من الشركة أيضاً، يستضيف 55 في المائة من المشاركين في الاستطلاع بدولة الإمارات فعاليات تعليمية حول الذكاء الاصطناعي لمساعدة الموظفين على استخدامه بفاعلية، مع قيام 45 في المائة بتطوير برامج تدريبية لرفع مهارات الموظفين وإعادة تأهيلهم. ووفقاً لتقرير من «كورسيرا»، ارتفع عدد المسجلين في دورات الذكاء الاصطناعي التوليدي في الإمارات بنسبة 344 في المائة خلال العام الماضي، متجاوزاً بذلك المتوسط العالمي (195 في المائة) ومتوسط منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا (128 في المائة). وتولي 87 في المائة من الشركات في الإمارات حالياً أهمية كبيرة للذكاء الاصطناعي ومحو الأمية في مجال البيانات.

وحسب تقرير للأمم المتحدة، يمثل الشباب ما نسبته 70 في المائة من سكان جنوب الصحراء الأفريقية ممن تقل أعمارهم عن 30 عاماً. وتُشير دراسة من «مكتب مراجع السكان (PRB)» غبر الربحي إلى أن الشباب الأفريقي سيُشكل 42 في المائة من إجمالي شباب العالم بحلول عام 2030، وسيُشكلون 75 في المائة من الفئة العمرية التي تقل عن 35 عاماً في أفريقيا. هذه الإحصاءات لا تُشير فقط إلى فرصة محتملة، بل تُمثل أيضاً مسؤولية ضخمة تتمثل في تسليح هذه الأجيال الشابة بالمهارات اللازمة لقيادة المستقبل الرقمي. ويمكن أن يُحوِّل الفشل في سد الفجوة المعرفية هذه الفرصة إلى تحدٍّ اجتماعي واقتصادي كبير.

بناء القدرات لمستقبل العمل: منصة تعليمية للجميع

ولمواجهة هذا الواقع المتسارع وتطوير المهارات، أعلنت الشركة عن إطلاق «جامعة سيرفس ناو» الرقمية في المملكة العربية السعودية والشرق الأوسط، وهي منصة تعليمية مجانية تهدف إلى تمكين الكفاءات الوطنية وتزويدها بالمهارات المستقبلية. وتُعد هذه الجامعة امتداداً استراتيجياً لبرنامج الشركة العالمي «رايز أب» RiseUp الذي كان يهدف في البداية إلى تدريب مليون شخص على مستوى العالم، ثم ارتفع طموحه ليُصبح 3 ملايين بحلول عام 2027.

وتتميز هذه الجامعة لا بكونها مجرد نظام تقليدي للتعلم بل بأنها منصة تعليمية ذكية تُعرف باسم «جامعتك» University of You. ويعتمد هذا النظام على تقنيات الذكاء الاصطناعي لإنشاء ملف تعريفي موحد لكل متعلم يربط بين مهاراته وخبراته وأهدافه المهنية. وبناءً على هذه البيانات، تقوم المنصة بتخصيص مسارات ومحتوى تعليمي يتوافق تماماً مع احتياجات المتعلم، مما يُلغي فكرة البرامج التعليمية الموحدة التي لا تتناسب مع الجميع.

كما تُقدم المنصة مسارات وظيفية محددة مثل «مطور تطبيقات» Application Developer، و«مدير مشاريع تقنية» Technical Project Manager، مع إمكانية الاستفادة من مجموعة واسعة من الدورات التدريبية المجانية، في حين تُوجد بعض الدورات الاحترافية المدفوعة التي يقودها مدربون متخصصون في مجالات مثل إدارة خدمات تقنية المعلومات وأمن العمليات.

وأكد سيف أن الجامعة تطمح لإيجاد عدد كبير من الخبراء في الذكاء الاصطناعي (10 آلاف خبير على الأقل خلال 5 أعوام) بجودة نوعية وبخبرات متخصصة في قطاعات يحتاج إليها قطاع العمل، مثل أمن عمليات قطاع الأعمال واستمراريتها، وغيرها.

والتسجيل في الجامعة الرقمية متاح مجاناً لجميع الأفراد في المملكة، الراغبين بتعزيز مساراتهم المهنية والتقنية، وذلك من خلال موقعها الرسمي: www.ServiceNow.com

تعزيز الكفاءات الوطنية عبر الشراكات

وأضاف أن عمل الشركة لا يقتصر على منصتها التعليمية وحدها، بل يمتد ليشمل بناء شبكة من الشراكات الاستراتيجية مع المؤسسات المحلية لتعزيز تأثيرها وتوطين خبراتها. وتُعد هذه الشراكات بمثابة إثبات عملي لالتزام الشركة بتنمية الكفاءات الوطنية بما ينسجم مع أهداف التوطين في المملكة، ومن أبرزها التعاون مع هيئة البيانات والذكاء الاصطناعي «سدايا»، حيث تعاونت الشركة مع الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي Saudi Data & AI Authority SDAIA لإطلاق معسكر تدريبي للمطورين بهدف إعداد فريق من الخبراء القادرين على تلبية احتياجات «سدايا» الخاصة. ويُظهر هذا التعاون أهمية بناء قدرات محلية متخصصة في قطاعات حيوية مثل أمن العمليات واستمراريتها.

وتُشكل هذه الشراكات شبكة متكاملة تستهدف مختلف جوانب منظومة المواهب؛ من تطوير السياسات الحكومية، مروراً بالتعليم الأكاديمي والاحترافي، ووصولاً إلى دعم الابتكار وريادة الأعمال.

حقائق

56 %

من الشركات السعودية أشارت إلى تحقيق نتائج إيجابية لاستثماراتها في الذكاء الاصطناعي مع تحسن واضح في الكفاءة والإنتاجية


مقالات ذات صلة

البحث المدعوم بالذكاء الاصطناعي يعاني … «مشكلة ثقة»

علوم البحث المدعوم بالذكاء الاصطناعي يعاني … «مشكلة ثقة»

البحث المدعوم بالذكاء الاصطناعي يعاني … «مشكلة ثقة»

المنصات الفائزة ستكون تلك التي تربط المستخدمين بسلاسة بتجارب حقيقية من العالم الواقعي مستخدمةً الذكاء الاصطناعي جسراً إلى محتوى بشري موثوق

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد سفينة شحن في ميناء كيلونغ (رويترز)

طلبات التصدير التايوانية تقفز لأسرع وتيرة منذ 16 عاماً بدعم الذكاء الاصطناعي

سجلت طلبات التصدير التايوانية في مارس أسرع وتيرة نمو منذ أكثر من 16 عاماً، لتبلغ مستوى قياسياً جديداً.

«الشرق الأوسط» (تايبيه )
علوم ما السبب الحقيقي لفشل مبادرات الذكاء الاصطناعي في المؤسسات؟

ما السبب الحقيقي لفشل مبادرات الذكاء الاصطناعي في المؤسسات؟

الأدوات الذكية نجحت ببراعتها مع فرد ولم تثبت فاعليتها مع مجموعات العمل

إنريكي دانس
صحتك هناك مخاوف متزايدة من استخدام روبوتات الدردشة المعتمدة على الذكاء الاصطناعي في تقديم استشارات طبية لمرضى السرطان (أ.ف.ب)

دراسة: روبوتات الدردشة تروّج لبدائل خطيرة للعلاج الكيميائي للسرطان

كشفت دراسة حديثة عن مخاوف متزايدة من استخدام روبوتات الدردشة المعتمدة على الذكاء الاصطناعي في تقديم استشارات طبية لمرضى السرطان.

«الشرق الأوسط» (لوس أنجليس)
الاقتصاد شخص يتحدث هاتفياً في أثناء مروره قرب مبنى بورصة نيويورك (إ.ب.أ)

العقود الآجلة للأسهم الأميركية ترتفع بدعم تفاؤل الذكاء الاصطناعي

ارتفعت العقود الآجلة لمؤشرات الأسهم الأميركية يوم الثلاثاء، مدعومة بتجدد التفاؤل حول قطاع الذكاء الاصطناعي، مما ساعد في تعزيز معنويات الأسواق.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)

ابتكار صيني قد يُمهّد لتحليق المسيّرات دون انقطاع

حاملة طائرات صينية مسيّرة قادرة على إطلاق أسراب من الطائرات المسيّرة الأصغر حجماً عُرضت في معرض تشوهاي الجوي 2024
حاملة طائرات صينية مسيّرة قادرة على إطلاق أسراب من الطائرات المسيّرة الأصغر حجماً عُرضت في معرض تشوهاي الجوي 2024
TT

ابتكار صيني قد يُمهّد لتحليق المسيّرات دون انقطاع

حاملة طائرات صينية مسيّرة قادرة على إطلاق أسراب من الطائرات المسيّرة الأصغر حجماً عُرضت في معرض تشوهاي الجوي 2024
حاملة طائرات صينية مسيّرة قادرة على إطلاق أسراب من الطائرات المسيّرة الأصغر حجماً عُرضت في معرض تشوهاي الجوي 2024

في ظل التسارع المتواصل في مجالات الطيران والتقنيات اللاسلكية، يسعى العلماء حول العالم إلى تجاوز أحد أبرز التحديات التي تواجه الطائرات المسيّرة، وهو محدودية زمن التحليق الناتجة عن قيود البطاريات. وفي هذا السياق، برزت خطوة بحثية واعدة من الصين قد تُحدث تحولاً نوعياً في طريقة تشغيل هذه الطائرات، عبر تمكينها من البقاء في الجو لفترات أطول، وربما إلى أجل غير مسمى، دون الحاجة إلى الهبوط لإعادة الشحن.

فقد طوّر علماء صينيون منصةً متخصصة لنقل الطاقة لاسلكياً إلى الطائرات المسيّرة أثناء تحليقها، باستخدام الموجات الدقيقة، في تصميم تجريبي قد يفتح آفاقاً جديدة أمام تشغيل هذا النوع من الطائرات بكفاءة أعلى واستمرارية أطول، وذلك وفقاً لما أوردته صحيفة «إندبندنت».

ويتوقع باحثون من جامعة شيان الصينية أن يجري تطوير هذه المنصة مستقبلاً لتتحول إلى مركبة أرضية قادرة على إطلاق الطائرات المسيّرة وتزويدها بالطاقة أثناء الطيران، بما يسهم في زيادة مداها التشغيلي بشكل ملحوظ.

وأظهرت الاختبارات التي أجراها العلماء أن النظام المثبّت على مركبة أرضية تمكّن من إبقاء طائرات مسيّرة ذات أجنحة ثابتة في الجو لأكثر من ثلاث ساعات، وعلى ارتفاع يصل إلى 15 متراً، وهو ما يُعد مؤشراً أولياً على فعالية الفكرة رغم حداثتها.

ويعتمد نظام نقل الطاقة على باعث للموجات الدقيقة يقوم ببث الطاقة نحو مصفوفة من الهوائيات المثبّتة أسفل الطائرة المسيّرة، وذلك أثناء حركة كل من الطائرة ونظام الشحن على حد سواء، ما يعكس تعقيداً تقنياً يتطلب تنسيقاً دقيقاً بين الطرفين.

ومع ذلك، أشار الباحثون في دراسة نُشرت في مجلة «علوم وتكنولوجيا الطيران» إلى أن الحفاظ على محاذاة دقيقة بين باعث الموجات الدقيقة والطائرة المسيّرة يمثل تحدياً كبيراً، إذ يتطلب الأمر تناغماً عالي الدقة بين أنظمة تحديد المواقع العالمية (GPS) وأنظمة التحكم في الطيران الموجودة على متن الطائرة.

ولفت العلماء إلى أن هذه التقنية لا تزال في مراحلها المبكرة، حيث لم تستقبل الطائرة المسيّرة سوى نسبة تتراوح بين 3 و5 في المائة من إجمالي الطاقة المُرسلة، في حين يُهدر الجزء الأكبر من طاقة الموجات الدقيقة. كما أن الطاقة المستقبَلة تتعرض لتذبذبات نتيجة تأثير الرياح وأخطاء تحديد الموقع.

وفي سياق أوسع، شهدت السنوات الأخيرة تطوراً ملحوظاً في مفهوم تحويل الطاقة الكهرومغناطيسية، سواء المحيطة أو الموجّهة، إلى طاقة كهربائية قابلة للاستخدام المباشر، حيث انتقل هذا المفهوم من كونه نموذجاً بحثياً أولياً إلى تقنية تقترب من مرحلة التوحيد القياسي.

وفي العام الماضي، سجّلت وكالة مشاريع البحوث الدفاعية المتقدمة في أميركا إنجازاً لافتاً في هذا المجال، إذ نجحت في نقل طاقة بقدرة 800 واط باستخدام شعاع ليزر لمسافة بلغت 8.6 كيلومتر، ولمدة تزيد على 30 ثانية.


«أبل» تغيّر القيادة... تيرنوس يخلف كوك في مرحلة اختبار جديدة

«أبل» أعلنت انتقال القيادة من تيم كوك إلى جون تيرنوس ضمن خطة تعاقب طويلة الأمد (أبل)
«أبل» أعلنت انتقال القيادة من تيم كوك إلى جون تيرنوس ضمن خطة تعاقب طويلة الأمد (أبل)
TT

«أبل» تغيّر القيادة... تيرنوس يخلف كوك في مرحلة اختبار جديدة

«أبل» أعلنت انتقال القيادة من تيم كوك إلى جون تيرنوس ضمن خطة تعاقب طويلة الأمد (أبل)
«أبل» أعلنت انتقال القيادة من تيم كوك إلى جون تيرنوس ضمن خطة تعاقب طويلة الأمد (أبل)

تدخل «أبل» واحدة من أكثر مراحل الانتقال القيادي أهمية في تاريخها الحديث، لكن دلالة هذه الخطوة تتجاوز مجرد تبديل في المناصب. فقد أعلنت الشركة أن تيم كوك سيتولى منصب الرئيس التنفيذي لمجلس الإدارة ابتداءً من الأول من سبتمبر (أيلول) 2026، فيما سيتولى جون تيرنوس، الذي يشغل حالياً منصب النائب الأول لرئيس هندسة الأجهزة، منصب الرئيس التنفيذي للشركة. وسيبقى كوك في منصبه حتى نهاية الصيف للإشراف على عملية التسليم، فيما قالت «أبل» إن القرار يأتي ضمن خطة تعاقب طويلة الأمد أقرها مجلس الإدارة بالإجماع.

بالنسبة إلى «أبل»، يطوي هذا الإعلان صفحة، ويفتح أخرى في توقيت حساس. فقد قاد كوك الشركة منذ عام 2011، وأشرف خلال هذه الفترة على نمو قيمتها السوقية من نحو 350 مليار دولار إلى 4 تريليونات دولار، فيما ارتفعت الإيرادات السنوية من 108 مليارات دولار في السنة المالية 2011 إلى أكثر من 416 مليار دولار في السنة المالية 2025، وفق أرقام الشركة. وخلال ولايته، وسّعت «أبل» أعمالها في الخدمات، وعززت حضورها في قطاع التجزئة عالمياً، وتقدمت أكثر في الأجهزة القابلة للارتداء، كما أنجزت انتقالها إلى الشرائح المصممة داخلياً.

التحدي الأساسي أمام الرئيس التنفيذي الجديد يتمثل في تحويل الذكاء الاصطناعي إلى قيمة عملية داخل منتجات الشركة (أبل)

تحدي المرحلة المقبلة

لكن المرحلة المقبلة التي تنتظر تيرنوس تختلف عن تلك التي ورثها كوك. فقد أشارت «رويترز» إلى أن «أبل» تُجري هذا التغيير في وقت أعاد فيه الذكاء الاصطناعي رسم المشهد التنافسي، وأثار تساؤلات جديدة لدى المستثمرين بشأن ما إذا كانت الشركة قد تحركت بالسرعة الكافية.

صحيح أن «أبل» كانت من أوائل من رسّخوا التفاعل الاستهلاكي المدعوم بالذكاء الاصطناعي عبر «سيري»، لكنها لم تقدم حتى الآن نجاحاً حاسماً في عصر الذكاء الاصطناعي، سواء على مستوى الأجهزة، أو البرمجيات، بحجم ما تسعى إليه شركات منافسة، وأخرى ناشئة. كما لفتت «رويترز» إلى اتفاق الشركة في يناير (كانون الثاني) مع «غوغل» لاستخدام «جيمناي» لتحسين «سيري»، في إشارة إلى أن «أبل» لا تزال تحسم كيف ستوازن بين قدراتها الداخلية وشراكاتها الخارجية في رسم مستقبلها في هذا المجال.

وهنا تتضح أسباب اختيار «أبل» قائداً قادماً من هندسة الأجهزة، بدلاً من اللجوء إلى شخصية خارجية أو تنفيذية ذات خلفية مالية. فقد انضم تيرنوس إلى فريق تصميم المنتجات في «أبل» عام 2001، وأصبح نائباً لرئيس هندسة الأجهزة في 2013، ثم انضم إلى الفريق التنفيذي في 2021. وخلال هذه المسيرة تولى مسؤوليات مباشرة مرتبطة بتطوير «آيفون»، و«آيباد»، و«ماك»، و«أبل ووتش»، و«إيربودز»، فيما يوصف دوره بأنه كان محورياً في استعادة زخم «ماك»، ورفع حضوره العلني داخل الشركة في السنوات الأخيرة. ويبلغ تيرنوس من العمر 50 عاماً، وهو العمر نفسه تقريباً الذي كان عليه كوك عندما خلف ستيف جوبز عام 2011.

إعادة توزيع المناصب الهندسية داخل «أبل» تعكس استعدادها لمرحلة تتطلب أكثر من قوة الأجهزة وحدها (إ.ب.أ)

الهندسة في الواجهة

يشير هذا الاختيار أيضاً إلى أن «أبل» لا تزال ترى في تنفيذ المنتج بوابتها الأوضح لعبور تحديات المرحلة المقبلة. فالمسألة لا تتعلق فقط بالذكاء الاصطناعي بوصفه توجهاً عاماً، بل بكيفية تحويله إلى قيمة عملية داخل أجهزة الشركة الأساسية من دون الإخلال بالنهج الذي بنت عليه «أبل» هويتها، والقائم على التكامل، والخصوصية، والتحكم الدقيق في التصميم. ويرى مراقبون أن إدماج الذكاء الاصطناعي داخل «آيفون» قد يكون أصعب اختبار يواجهه تيرنوس. وفي الوقت نفسه، سيجد نفسه أمام منافسين يتحركون بقوة في فئات متجاورة، من النظارات الذكية لدى «ميتا»، إلى طموحات «إنفيديا» في الحوسبة الشخصية.

وجاء توقيت إعلان ثانٍ من «أبل» في اليوم نفسه ليؤكد أن الأمر لا يتعلق بخلافة رمزية فقط.

فقد أعلنت الشركة أيضاً تعيين جوني سروجي في منصب كبير مسؤولي الأجهزة، في خطوة تعكس تشديد الهيكل الإداري حول منظمة الهندسة مع انتقال تيرنوس إلى قمة الهرم التنفيذي. ويعطي القراران معاً انطباعاً بأن «أبل» تحاول الحفاظ على الاستمرارية الداخلية، وفي الوقت نفسه تهيئة نفسها لمرحلة تنافسية أشد صعوبة، قد لا تكفي فيها وحدها قوة الأجهزة للحفاظ على التفوق.

لهذا تبدو هذه الخطوة أكبر من مجرد إعادة ترتيب إداري تقليدية. فبعد أن قاد كوك الشركة في مرحلة اتسمت بالاتساع، والانضباط التشغيلي، والنمو المالي، يرث تيرنوس «أبل» وهي لا تزال واحدة من أقوى شركات التكنولوجيا في العالم، لكنها مطالبة الآن بإثبات قدرتها على صياغة دورة الحوسبة المقبلة، لا الاكتفاء بالدفاع عن موقعها داخلها. وما إذا كان الفصل الجديد سيُقرأ لاحقاً بوصفه امتداداً منظماً لمسار الشركة، أم بداية إعادة تموضع أكثر صعوبة، فسيتوقف إلى حد بعيد على قدرة الرئيس التنفيذي الجديد على تحويل قوة الهندسة إلى استراتيجية أكثر وضوحاً في الذكاء الاصطناعي.


المكتب المتنقل... التقنية تحوّل سيارتك إلى مركز إنتاجية ذكي

يمكن معاينة الاجتماعات وجدول المواعيد بكل سهولة في السيارات الذكية الجديدة
يمكن معاينة الاجتماعات وجدول المواعيد بكل سهولة في السيارات الذكية الجديدة
TT

المكتب المتنقل... التقنية تحوّل سيارتك إلى مركز إنتاجية ذكي

يمكن معاينة الاجتماعات وجدول المواعيد بكل سهولة في السيارات الذكية الجديدة
يمكن معاينة الاجتماعات وجدول المواعيد بكل سهولة في السيارات الذكية الجديدة

لم يعد مفهوم العمل عن بُعد محصوراً في زوايا المنزل أو المقاهي الهادئة، بل انطلق ليعيد صياغة المقصورة الداخلية للسيارة كمساحة احترافية متكاملة. ومع تسارع وتيرة الحياة المهنية، تكيفت تقنيات السيارات الحديثة لتوفر حلولاً ذكية تكسر حواجز المكان والزمان؛ فلم تعد الرحلات اليومية أو الوقوف في الازدحام المروري عائقاً أمام الإنتاجية، بل تحولت إلى فرصة ذهبية لإنجاز المهام. ويمنح هذا العصر الجديد الموظف والقيادي مرونة فائقة، حيث تندمج أدوات التواصل الرقمي بسلاسة مع أنظمة القيادة، مما يمهد الطريق لمستقبل تصبح فيه سيارتك هي عنوان مكتبك المفضل والمزود بأحدث سبل الراحة والتقنية.

أصبحت السيارة مكتبا متنقلا بسبب تكامل العديد من التقنيات لخدمة المستخدم

بداية جديدة للعمل المتنقل

هذا التحول الجذري مدفوع بتكامل أنظمة التشغيل المتطورة في السيارات الذكية (مثل «آندرويد أوتو» Android Auto و«أبل كار بلاي» Apple CarPlay) مع أحدث تقنيات الذكاء الاصطناعي ووسائل الاتصال المرئي، مما يجعل المكتب المتنقل واقعاً لا مجرد خيال علمي. ونذكر فيما يلي أبرز ما يمكن القيام به من داخل السيارة:

> قاعة الاجتماعات على لوحة القيادة: في قلب هذا التحول، يأتي إدماج تطبيقات الاجتماعات الافتراضية مثل «اجتماعات غوغل» Google Meet و«زووم» Zoom مباشرة في واجهة الشاشة الكبيرة للسيارة، حيث أصبح بإمكان السائقين الآن الانضمام إلى الاجتماعات المرئية أو المكالمات الصوتية بضغطة زر واحدة على شاشة السيارة. ولا تقتصر هذه المزايا على الصوت فقط، بل بدأت الشركات تحسين تجربة العرض لتسمح للمستخدم متابعة شرائح العروض التقديمية وجداول الأعمال بوضوح تام، مع مراعاة معايير السلامة التي تضمن عدم تشتت الانتباه أثناء القيادة.

• مساعدك الذكي خلف المقود: لا يتوقف الأمر عند حدود الاجتماعات، بل دخل الذكاء الاصطناعي التوليدي كعنصر أساسي في هذه التجربة. فمع التحديثات المرتقبة لأنظمة «أبل كار بلاي»، يُتوقع أن يصبح المساعد الصوتي قادراً على صياغة رسائل البريد الإلكتروني المعقدة وتلخيص الوثائق الطويلة وحتى تقديم أفكار إبداعية للمشاريع بينما تكون يدا المستخدم على عجلة القيادة. ويعني هذا التكامل أن الساعات التي يقضيها الموظف في الزحام المروري لم تعد وقتاً ضائعاً، بل أصبحت من أكثر الساعات إنتاجية في اليوم. كما تستطيع المساعدات الرقمية الحديثة تنظيم جداول المواعيد والتذكير بالمهام العاجلة وحتى طلب القهوة المفضلة وتنسيق الدفع دون أن يترك المستخدم مهام عمله.

• هندسة المقصورة كبيئة مكتبية: من الناحية اللوجيستية، صُممت مقصورات السيارات الحديثة لتكون بيئة مريحة للعمل الطويل، ذلك أن المقاعد التي كانت مخصصة للراحة أثناء السفر أصبحت الآن تدعم وضعيات جلوس صحية للعمل المطول، مع توفر طاولات قابلة للطي ومخارج طاقة متعددة لشحن الأجهزة. كما يمكن تعديل الإضاءة المحيطة داخل السيارة لتناسب وضع التركيز، مع ضمان نظام العزل الصوتي الفائق أن تظل ضوضاء الشارع بعيدة عن مسمع أطراف الاجتماع أو المكالمة، مما يوفر هدوءاً يضاهي مكاتب مراكز الأعمال.

• ثورة الاتصال والواقع المعزز: شهدت تقنية الاتصال كذلك ثورة، حيث أصبحت السيارات الحديثة تعمل كأبراج بث مصغرة بفضل تقنيات شبكات الجيل الخامس 5G المدمجة، ما يوفر سرعات إنترنت تضمن عدم انقطاع البث أثناء المؤتمرات المرئية. وهذه الاستقلالية تجعل السيارة مكاناً مثالياً للعمل في أي موقع، سواء كانت في موقف هادئ أو داخل المدينة. وللواقع المعزز Augmented Reality AR دور حيوي أيضاً؛ فالزجاج الأمامي للسيارة لم يعد مجرد نافذة للخارج، بل يمكن استخدامه شاشة عرض ضخمة للمسودات والرسومات البيانية عند التوقف عن القيادة. هذا النوع من التقنية يمنح المستخدم مساحة عمل بصرية تتجاوز حدود شاشات الكمبيوتر المحمول التقليدية.

يمكن بث محتوى الاجتماعات وعرض المسودات والرسومات البيانية على زجاج السيارة دون الحاجة لإزاحة النظر عن الطريق

الخصوصية والأمان

> الخصوصية والأمان: عند الحديث عن الخصوصية، توفر السيارة بيئة عمل منعزلة تماماً، وهو أمر يصعب تحقيقه في المكاتب المفتوحة. ويمكن للمستخدم إجراء مكالماته المهمة دون خوف من المتنصتين، كما أن الأنظمة الصوتية تستخدم تقنية إلغاء الضوضاء لتنقية صوت المستخدم وجعله يبدو وكأنه يتحدث من مكتبه الشخصي.

> القيادة الذاتية ومستقبل التعاون المشترك: مع تطور أنظمة القيادة الذاتية، تزداد إمكانات المكتب المتنقل؛ ففي اللحظة التي تتولى فيها السيارة مهام القيادة، يمكن للموظف تحويل مقعده لمواجهة شاشة عرض خلفية أو استخدام لوحة مفاتيح لاسلكية مدمجة. وتتوقف السيارة هنا عن كونها أداة تنقل لتصبح غرفة اجتماعات متحركة. ولا يقتصر الأمر على العمل الفردي، بل يمكن للسيارة أن تصبح مساحة للتعاون المشترك؛ فبفضل نظم مشاركة الشاشات، يمكن لشخصين داخل السيارة العمل على الملف نفسه في آن واحد، مما يعزز مفهوم العمل المرن ويقلل الحاجة للمساحات المكتبية الضخمة.

> رفع مستويات الأمان أثناء القيادة: حالياً، تقدم وظائف العمل المكتبي والذكاء الاصطناعي القدرة على التواصل مع الآخرين، ولكن مع إيقاف بعض المزايا التي تتطلب تفاعل المستخدم مع الآخرين، وذلك بهدف سلامة السائق. وتشمل المزايا عدم القدرة على صُنع اجتماع جديد وتحديد الأطراف المشاركة والتوقيت، وكذلك عدم القدرة على الضغط على زر رفع اليد للتحدث في الاجتماع وعدم توفير القدرة على المشاركة في الاستبيانات، إلى جانب عدم القدرة على قراءة إجابات «تشات جي بي تي» والاستعاضة عنها بنطق النتيجة.

> جودة الحياة والاستدامة المهنية: يسمح المكتب المتنقل للموظف باختيار إطلالة مكتبه يومياً، مما يقلل من ضغوط العمل الروتينية. وتعرف السيارة بفضل نظمها الذكية متى يحتاج المستخدم إلى استراحة، لتقوم بتعديل الأجواء والحرارة، ما يحافظ على الصحة البدنية والنفسية للموظف. الأمر المثير للاهتمام هو أن جميع تطبيقات السيارة والكمبيوتر المحمول تعتمد على إضافة المزيد من المزايا والخصائص بشكل مستمر، مما يضمن أن المكتب المتنقل سيتطور باستمرار. وما دمج تطبيقات «اجتماعات غوغل» وقدرات الذكاء الاصطناعي التوليدي إلا الخطوة الأولى نحو مستقبل يصبح فيه مصطلح الذهاب إلى المكتب يعني ببساطة الجلوس في كرسي السائق ومباشرة الإنتاجية المهنية.

ويمكن استخدام مزايا المكتب المتنقل بشكل أكثر فاعلية في حال قيادة شخص آخر للسيارة، حيث يمكن الجلوس في الكرسي الخلفي والحصول على مساحة أكبر لراحة الأقدام وقراءة الأوراق والتفاعل مع الآخرين بتركيز كامل. ويمكن لهذه التقنيات المساعدة لدى السفر بين المدن بالسيارة أو الذهاب إلى المطار أو مكان بعيد نسبياً، دون حدوث أي توقف لسير الأعمال المهمة.