واشنطن تختبر ثقتها بالأكراد في استعادة الرقة

في سياق المعركة الموعودة ضد «داعش»

واشنطن تختبر ثقتها بالأكراد في استعادة الرقة
TT

واشنطن تختبر ثقتها بالأكراد في استعادة الرقة

واشنطن تختبر ثقتها بالأكراد في استعادة الرقة

لعبت الميليشيات الكردية بتوجيه من «وحدات حماية الشعب» (YPG) دورا كبيرا في المعارك ضد تنظيم داعش في سوريا. ومع نهاية برنامج التدريب والتجهيز - الذي كان يهدف إلى تدريب المقاتلين العرب السوريين المعتدلين - يبدو أن الولايات المتحدة باتت تعوِّل على الأكراد لدفع التنظيم المتطرف خارج المناطق السورية التي يسيطر عليها. أضف إلى أنه في الشهر الماضي، أعلنت «القوات الديمقراطية السورية»، وهي فصيل كردي - عربي شُكِّل حديثا لمقاتلة «داعش» حصرا، عن بداية هجوم ضد التنظيم في جنوب محافظة الحسكة. وفي الوقت الذي قد يُنتج فيه الرهان الأميركي ثماره في المناطق الحدودية الكردية، يبدو أن تكراره لن يكون سهلا في معظم المناطق العربية، وتحديدا في مدينة الرقة، عاصمة المنظمة الإرهابية المتطرفة داخل أراضي سوريا.
كانت الولايات المتحدة قد أعلنت في أوائل شهر أكتوبر (تشرين الأول) الماضي عن نهاية برنامج التدريب والتجهيز البالغة قيمته 500 مليون دولار أميركي، والمخصّص لقوات «الجيش السوري الحر». وكان المفترض حسب البرنامج أن يتم تدريب نحو خمسة آلاف من المقاتلين، ولكن لم ينجح البرنامج إلا في تخريج حفنة صغيرة، كما أنه فقد مصداقيته بعدما سلم بعض عناصره أسلحتهم إلى «جبهة النصرة»، ذراع تنظيم «القاعدة» في سوريا.
بالتزامن مع ذلك، جرى الإعلان عن إنشاء الفصيل السوري الجديد المعروف بـ«القوات الديمقراطية السورية»، الأمر الذي قد يمهد الطريق لهجوم محتمل هذا الشتاء على مدينة الرقة، وفقا لمصادر عسكرية سورية. وزُعم أن الفصيل الجديد يهدف لإعادة تجميع صفوف المقاتلين الأكراد والعرب العاملين تحت تسمية «التحالف العربي السوري»، وأنه سوف يتلقى دعما عسكريا أميركيا وفق ما ورد على لسان بعض المسؤولين الأميركيين.
ووفقا لموقع «سوريا على طول» (Syria direct)، انضمت إلى «القوات الديمقراطية السورية» مجموعة تتكون من 15 فصيلا عسكريا في محافظتي إدلب وحلب بشمال سوريا في منتصف شهر نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي. وكانت هذه الفصائل، التي ضمت مقاتلين من العرب وكتائب «الجيش السوري الحر» والميليشيا الكردية، قد أعلنت استعدادها الكامل للمحاربة في حلب وإدلب تحت لواء «القوات الديمقراطية السورية».
وتأتي هذه الخطوة في أعقاب إعلان وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) تسليم 50 طنا من الذخيرة لمسلحي المعارضة السورية من العرب الذين يشكلون الفصيل الجديد، والذين يتألفون وفقا لراشد صطوف - وهو عضو سابق في «بركان الفرات» وعضو في «التيار الوطني» (الذي تحدث مع «الشرق الأوسط» من تركيا) - من أعضاء في غرف عمليات «بركان الفرات» (الذي يضم أكرادا وعربا مثل لواء ثوار الرقة)، و«جيش الثوار» (الذي يضم قبائل منطقة تل الأبيض الحدودية بشمال محافظة الرقة)، وقوات «الصناديد» (التي تمثل قبائل شمّر)، وألوية الجزيرة في «الجيش السوري الحر»، فضلا عن عناصر من مختلف المناطق بما في ذلك محافظة دير الزور.

القيادة كردية.. مع مكوّن عربي

وفي هذا السياق، يقول فيصل عيتاني، الزميل المقيم في المجلس الأطلسي بالعاصمة الأميركية واشنطن، في مقابلة مع «الشرق الأوسط»، إن استراتيجية الولايات المتحدة تسير في اتجاه تأليف قوة مضادة لـ«داعش» بقيادة كردية مع إدخال مكوّن عربي عليها، والتي ستستهدف أساسا مدينة الرقة وضواحيها الموجودة تحت قبضة «داعش».
وللعلم، تقع المناطق الكردية بشمال سوريا راهنا تحت سلطة حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD)، الذي تأسس في عام 2003، وفق ما ورد في مذكرة صادرة عن «معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى». وتعتبر هذه المجموعة الفرع السوري لحزب العمال الكردستاني التركي (PKK). وفي يونيو (حزيران) 2012، بدأت ميليشيا «وحدات حماية الشعب» (YPG)، وهي مجموعة شبه عسكرية تابعة لحزب الاتحاد الديمقراطي، بالسيطرة على أجزاء من شمال سوريا. وخلال الشهر التالي، سقطت أجزاء كبيرة من بلدات عين العرب (كوباني) وعفرين وعامودا والمالكية في شمال سوريا في تعاقب سريع بيد الأكراد خلال اشتباكات محدودة ضد قوات النظام، وفقا للتقرير نفسه.
ويعتبر فلاديمير فان ولغنبرغ، الخبير في مؤسسة «جيمس تاون»، في مقابلة مع «الشرق الأوسط»، أن الأكراد «ما زالوا يشكلون الغالبية العظمى من (القوات الديمقراطية السورية)»، معلنا بناء على مقابلة أجراها أخيرا مع إدريس نيسان، وهو مسؤول كردي في شمال سوريا، عن وجود نحو 20 ألفا من المقاتلين الأكراد في هذا الفصيل، في حين يتراوح عدد المقاتلين العرب بين 3 و5 آلاف مقاتل.
ويضيف فان ولغنبرغ أنه «لا بد من التفريق بين العرب الملتحقين بحزب الاتحاد الديمقراطي (PYD)، والفصائل العربية المتحالفة مع هذا الأخير داخل (القوات الديمقراطية السورية)، بما أن المجموعة الأولى تخضع لتدريب جيد ومنظم». ويؤيد صطوف هذا الرأي، موضحا أنه من أصل بضعة آلاف من العرب الذين يحاربون خارج حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD) إلى جانب «القوى الديمقراطية السورية»، مئات منهم فقط حصلوا على تدريب وتم تجهيزهم بشكل مواتٍ. ثم إن معظم الأسلحة المتوافرة بين أيدي «القوات الديمقراطية السورية» أسلحة روسية خفيفة قديمة الصنع من نوع «كلاشنيكوف»، بينما تقتصر الأسلحة الأميركية المتطوّرة على مستوى القادة، وهذه الأسلحة الأميركية الصنع إما اشتريت من السوق السوداء العراقية أو جرى الاستيلاء عليها من «داعش»، وفقا لفان ولغنبرغ.
أما الباحث سنان حتاحت، من مركز عمران للدراسات، فاعتبر خلال حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن دور المجموعات الـ15 في محافظتي إدلب وحلب يبقى محدودا، وأعدادها ليست بكبيرة.
من ناحية ثانية، لا بد من الإشارة إلى المحاولات الكردية لتعزيز وجودها العسكري وأيضا إحكام سيطرتها على مناطقها. إذ أعلن الأكراد السوريون خلال أكتوبر الماضي «الحكم المستقل» في بلدة تل أبيض (العربية) الواقعة على الحدود مع تركيا. وأسهمت في تحقيق هذه المكاسب الميدانية الهجمات الكردية الناجحة ضد «داعش» التي أدت إلى دحر التنظيم المتطرف من أجزاء كبيرة من الأراضي.
من ناحية أخرى، وفقا لتقرير «معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى»، يقدِّر قادة حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD) أنهم يسيطرون على نحو 30 ألف كيلومتر مربع من الأراضي، وذلك بعدما تمكن الأكراد من استعادة ما يزيد على 17 ألف ميل مربع من «داعش»، وغالبيتها في أعقاب الغارات الجوية التي قادتها واشنطن. وحقا، يشير كريم بيطار، وهو زميل مقيم في «المعهد الفرنسي للعلاقات الاستراتيجية والدولية» في مقابلة مع «الشرق الأوسط»، إلى أن «الشراكة الكردية الأميركية تعود إلى ما قبل غزو العراق في عام 2003، كما أن قاعدة وكالة الاستخبارات المركزية (سي آي إيه) الموجودة في أربيل (عاصمة كردستان العراق) تجعل التحالف الكردي الأميركي تحالفا صلبا».
لكن، وعلى الرغم من أن الولايات المتحدة تعوِّل على تنسيق عربي - كردي وثيق للسيطرة على الرقة، يعتقد بيطار أن «الولايات المتحدة تميل إلى قراءة الوضع الإقليمي من خلال عدسة الدين والعرق التي قد لا تكون بالضرورة ناجحة في هذه القضية»، حتى في ظل التقدم الكردي الحالي في شمال سوريا.
وفي هذا السياق، يعتبر فان ولغنبرغ، الذي سافر أخيرا إلى المناطق الكردية في شمال سوريا، أن «القوات الديمقراطية السورية» شنت عملياتها الأولى في سوريا في مدينة الهول في 31 أكتوبر الماضي، وكان «الهدف منها استعادة هذه المدينة التي يستخدمها (داعش) كمركز عسكري لعملياته في محافظة الحسكة ضد الأكراد، والتي تعتبر منطقة شديدة الأهمية أيضا نظرا لمواردها النفطية».
بالإضافة إلى ذلك، ونقلا عن وكالة «آرا» للأنباء، استعادت «القوات الديمقراطية السورية» عدة قرى في محافظة الحسكة السورية الشمالية الشرقية بعد اشتباكات مع مقاتلين متشددين من «داعش» لا سيما في الريف الشرقي من المحافظة التي تتاخم العراق وتركيا. ونجحت قوات مشتركة عربية - كردية في استرداد قريتي سلالية ورجم الشرقي بجنوب الحسكة، بعد أن أرغمت عناصر «داعش» على الانسحاب تحت القصف الشديد، وفقا لوكالة «آرا». أما هدف الأكراد فهو «استعادة مدينة الهول وقطع الطريق الدولي بين الرقة والموصل»، كما يقول فان ولغنبرغ.
وفي شهر نوفمبر الماضي، شنت القوات الديمقراطية السورية عملية عسكرية واسعة النطاق في الريف الشرقي لمدينة الحسكة نفسها على مقربة من مدينة الهول الواقعة تحت قبضة «داعش» على الحدود العراقية. وتمكنت القوات من استعادة أكثر من 35 بلدة ومحطات الوقود خلال أسبوع من العمليات. كما صرح الكولونيل طلال علي سلو، الناطق الرسمي باسم «القوات الديمقراطية السورية» وقائد مجموعة «جيش الثوار» في الحسكة، بأن قواته تتعاون مع التحالف الدولي في عملياته العسكرية ضد المجموعة المتطرفة، وفق ما أوردت وكالة «آرا».
ويعتقد فان ولغنبرغ أنه في سوريا يمكن لوحدات حماية الشعب (YPG) تكرار المكاسب القديمة في مناطق تقع خارج حدودها الطبيعية «علما بأن وحدات حماية الشعب (YPG) كانت قد أثبتت فعاليتها خارج المناطق الكردية قبل إنشاء القوى الديمقراطية السورية، فتمكنت من السيطرة على عدة مناطق مثل تل براك وتل أبيض وغيرهما. ولذلك سوف تكون فعالة في العمليات المستقبلية أيضا، خصوصا إذا كانت مدعومة من الضربات الجوية للتحالف».
في المقابل، يبدي صطوف شكوكا في هذا الموضوع، مضيفا أن العديد من العقبات ستقف في وجه التعاون العسكري الكردي العربي، خاصة في المناطق ذات الأغلبية العربية، شارحا أن «الأكراد اتخذوا قرارات أحادية إزاء السيطرة والإمساك بالسلطة في مناطق مثل تل أبيض ذات الغالبية العربية»، ما يعزز انعدام الثقة بين المجموعتين.
وما يجدر ذكره أن «الخصومة» بين العرب والأكراد في هذه المنطقة تعود إلى بداية الثورة السورية. ففي أواخر عام 2012، اصطدمت ميليشيا «وحدات حماية الشعب» مع وحدات من التيار الرئيسي لـ«الجيش السوري الحر»، وكذلك مع جماعة «أحرار الشام» و«جبهة النصرة» التابعة لتنظيم القاعدة، التي رفضت قبول الطموحات الكردية في المنطقة، وفقا لتقرير معهد واشنطن.
وبالإضافة إلى ذلك، أظهر تقرير صدر أخيرا عن منظمة العفو الدولية بعنوان «نحن لم نجد مكانا آخر نذهب إليه»، أن ميليشيا «وحدات حماية الشعب» قد دمرت قرى بكاملها استولت عليها من «داعش» إما انتقاما من «التعاطف المفترض مع المجموعة المتطرفة أو كعقاب على الظلم السابق أو الخلافات (العرقية) القديمة».
غير أن الخلافات العرقية التي غذاها الرئيس السوري السابق حافظ الأسد، ليست سوى سبب واحد من أسباب العداء العربي الكردي. وبين الأسباب الأخرى ما يرتبط بالعداوة السياسية: فـ«الجيش السوري الحر» يطلب من «وحدات حماية الشعب» أن تتخذ موقفا واضحا تجاه النظام، وهي التي رفضت الانضمام إلى المعارضة السياسية السورية، وفق صطوف.
من ناحية أخرى، ينظر الأكراد إلى العرب بكثير من الريبة بسبب تغلغل «داعش» في مناطقهم داخل السكان المحليين. وقد أفاد ناشط محلي تحدث شرط التكتم على هويته بأن «داعش» استخدم النساء والأطفال في عمليات تفجير، أو لجمع المعلومات لصالح المنظمة الإرهابية المتطرفة. ولذا قد يكون غياب بل انعدام الثقة بين العرب والأكراد أحد العوامل التي تعوق أي هجوم عسكري مستقبلي في الرقة.
وهنا يقول فيصل عيتاني شارحا: «إن الأكراد ليسوا متحمسين للبدء في نشاط عسكري صعب ومكلف عليهم قد يطول ضد (داعش) في منطقة غير كردية (مثل الرقة). ولا بد من أن يتولى فريق ما الحكم بعد تحرير الأرض. لذلك يبدو أن الأكراد ليسوا متحمسين لتولي هذا الأمر، الذي قد يظهرهم كأنهم يقمعون السكان المحليين العرب»، وفق عيتاني. ويشاطر عيتاني في هذا الرأي بيطار الذي يرى أن تحرير المناطق التي يسيطر عليها تنظيم داعش غير ممكن إلا من خلال مساعدة المجموعة السنية العربية «الصحوات»، التي عرفت في ما مضى كحركة عراقية مناهضة لـ«القاعدة».
ملاحظة أخيرة لا بد منها هنا.. فحتى لو تحققت السيطرة على مدينة الرقة نتيجة تراجع قوة «داعش»، فهل سيتمكن الأكراد المسيطرون على الأرض من الصمود في وجه هجمات التنظيم المتطرف على المدى الطويل؟ وهل سيتمكنون من سد الثغرة مع السكان المحليين ويحصلون على ثقتهم وقبولهم كقوات أمنية؟
هذا الأمر يصعب جدا أن يتحقق من دون صلات عميقة ونقاط التقاء مصلحية قوية بين العرب والأكراد.



قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
TT

قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)

لم تكن «جولة المباحثات الثلاثية» التي استضافتها وزارة الخارجية الأميركية بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة مجرد لقاء دبلوماسي نادر بين بلدين لا تربطهما علاقات رسمية، بل بدت في القراءة الأميركية اختباراً مركباً لثلاثة أمور دفعة واحدة: قدرة لبنان على التفاوض بصفته دولة ذات قرار، لا ساحة مفتوحة لتوازنات السلاح؛ وقدرة واشنطن على إدارة ملف شديد الحساسية بعيداً من ابتلاع الحرب الأميركية - الإسرائيلية مع إيران له؛ وقدرة إسرائيل على تحويل تفوقها العسكري مكسباً سياسياً وأمنياً دائماً، لا إلى مجرد جولة أخرى من الضغط تعقبها جولة جديدة من النار. لذا؛ لا تُقاس أهمية اللقاء فقط بما صدر بعده من أوصاف عن «أجواء مثمرة» أو «نقاشات مشجعة»، بل بما كشفه من فجوة لا تزال كبيرة بين ما يريده كل طرف: إذ لبنان يريد وقفاً لإطلاق النار يخفّف وطأة الكارثة الإنسانية ويمنع الانهيار الكامل، بينما إسرائيل تريد أن يكون أي تفاوض مدخلاً إلى نزع سلاح «حزب الله»، أما واشنطن فتحاول من جهتها الجمع بين المسارين من دون أن تقع في وهم أن هدنة سريعة تكفي وحدها لإنتاج استقرار مستدام.

في الواقع، لا تبدو مفاوضات واشنطن بالأمس بين إسرائيل ولبنان مدخلاً سريعاً إلى تسوية، بقدر ما تبدو اختباراً لما إذا كانت اللحظة الإقليمية الراهنة، مع تراجع القدرة الإيرانية على فرض إيقاعها السابق، يمكن أن تمنح لبنان فرصة نادرة لاستعادة بعض قراره السيادي.

غير أن هذا الاحتمال يصطدم بحقيقة يعرفها الأميركيون جيداً، هي أن المشكلة اللبنانية لا تكمن فقط في حجم الدمار أو في وطأة الانهيار الاقتصادي، بل أيضاً في أن الدولة نفسها لم تتمكن حتى الآن من تحويل خطاب السيادة سياسةً تنفيذيةً قادرة على احتكار السلاح والقرار.

ندى حمادة معوّض، سفيرة لبنان لدى واشنطن، التي مثلت بلادها في المباحثات (ا ف ب)

بين الرمزية والسيادة

من زاوية أميركية، تكمن أهمية الجولة، أولاً، في كونها كسرت محرّماً سياسياً لبنانياً أكثر ممّا حقّقت اختراقاً تفاوضياً فورياً. فلقد وصفها وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو بأنها «عملية لا حدث»، بينما شددت الخارجية الأميركية على أنها أول انخراط رفيع بهذا الحجم منذ 1993، مع توافق على إطلاق مفاوضات مباشرة في وقت ومكان يُتفق عليهما.

هذا بحد ذاته يعني أن واشنطن لا تنظر إلى اللقاء كترتيب أمني عابر، بل كبداية مسار طويل عنوانه إعادة تعريف العلاقة بين الدولة اللبنانية، وإسرائيل، وملف «حزب الله» معاً. وهنا تبرز أهمية ما قاله ديفيد شينكر، نائب مساعد وزير الخارجية الأسبق لشؤون الشرق الأدنى، في لقاء مع «الشرق الأوسط». فهو يرى أن أهمية اللقاء لا تكمن فيما سينجزه سريعاً، بل في أنه «مثّل ربما أول فعل سيادي ملموس من الحكومة اللبنانية منذ وقت طويل».

وحسب شينكر، فإن الحكومة اللبنانية اتخذت خلال الأشهر الماضية قرارات كبيرة، من نزع سلاح «حزب الله» جنوب الليطاني، إلى طرد السفير الإيراني، إلى حظر «الحرس الثوري»، إلا أن هذه القرارات لم تُنفّذ بسبب ضغط الحزب وإيران. ولذلك؛ فإن إرسال السفيرة اللبنانية للقاء نظيرها الإسرائيلي، رغم اعتراض «حزب الله» وطهران، هو في حد ذاته «تمرين سيادي» ينبغي البناء عليه لا التقليل من شأنه.

لكن هذه الرمزية لا تلغي حدودها، خاصةً أن التقارير الأميركية نفسها أظهرت أن أهداف الطرفين ليست واحدة. فلبنان ذهب عملياً طلباً لوقف إطلاق النار، وإعادة النازحين، وتخفيف الكارثة الإنسانية، في حين تطرّق الإسرائيليون إلى «رؤية بعيدة المدى» تتصل بترسيم واضح للحدود، ونزع سلاح «حزب الله»، وربما التمهيد لترتيبات أوسع لاحقاً. وبين هذين الموقفين مساحة شاسعة: بيروت تريد وقف النار قبل السياسة، وإسرائيل تريد السياسة الأمنية أولاً ثم تبحث في التهدئة. وعليه، تبدو الجولة مهمة لأنها كشفت عن الفجوة بوضوح، لا لأنها حلتها.

الخارجية الأميركية لمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني

وفق شينكر: العقدة إسرائيل و«حزب الله»

السؤال الأكثر إلحاحاً هو ما إذا كان ممكناً التوصل إلى وقف لإطلاق النار شبيه بالترتيب الهشّ بين واشنطن وطهران، بما يسمح بفتح الباب أمام نتائج سياسية إيجابية. الجواب الأميركي الغالب، كما تعكسه تصريحات شينكر وديفيد داوود، الباحث في «مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات»، هو أن ذلك ممكن شكلياً وصعب جوهرياً. نعم، قد تنجح واشنطن في إنتاج تهدئة جديدة، لكن المشكلة أن كل تجربة تهدئة سابقة تحوّلت استراحةً أعادت فيها الأطراف التموضع من دون معالجة أصل النزاع: وجود قوة مسلحة خارج الدولة.

شينكر يذكّر بأن وقفاً للنار كان قائماً منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، لكن «حزب الله» كسره يوم 1 مارس (آذار) 2026. ويضيف أن الحكومة اللبنانية التزمت يومها بنزع سلاح الحزب في كل البلاد، وأن الحزب سلّم بعض السلاح جنوب الليطاني، لكن أداء الجيش اللبناني «لم يكن بالمستوى المأمول» عملياً، ولم يُستكمل العمل شمال الليطاني من دون موافقة الحزب. وخلاصة شينكر، أن إسرائيل قد تخفّف وتيرة عملياتها، وقد «تزيد الحرص على تجنّب الخسائر المدنية»، لكنها لن تسمح بعودة الوضع الذي تلى وقف النار السابق، ولن تنهي وجودها في جنوب لبنان ما لم تر خطوات فعلية نحو حل مشكلة السلاح.

أما ديفيد داوود، فيذهب أبعد في تشخيص المأزق. ففي حديثه لـ«الشرق الأوسط»، يميز بين ثلاثة أنواع من «النتائج الإيجابية»: وقف قتال مؤقت يسمح لـ«حزب الله» بإعادة بناء نفسه؛ أو إعادة إنتاج دينامية ما بعد 27 نوفمبر 2024؛ أو خلق شروط هدوء دائم يمكن أن يقود يوماً إلى سلام.

وفي رأيه، لا يمكن اعتبار النتيجتين الأوليين إيجابيتين فعلاً، لأنهما تؤجلان الحرب التالية فقط. فالمشكلة، كما يقول، ليست مجرد ضعف الدولة اللبنانية، بل «انعدام رغبتها» كذلك في الذهاب إلى مواجهة حاسمة مع الحزب، ما دام أن الأخير لا يزال يحتفظ بقوة عسكرية كافية لردع أي محاولة داخلية لنزع سلاحه، ويحظى بدعم واسع داخل بيئته الشيعية يتيح له التلويح الدائم بخطر الحرب الأهلية.

هذا يعني - وفق داوود - أن عقدة التفاوض ليست فقط رفض إسرائيل وقف النار من دون ضمانات، بل أيضاً في امتناع لبنان عن التفاوض من موقع حسم داخلي. وهنا يصبح وقف النار، إذا حصل، أقرب إلى «تجميد للنزاع» منه إلى تسوية.

وهنا يحذّر داوود من أن عاملَي «إعطاء الوقت» و«التوافق الوطني» اللذين يكرّرهما الخطاب اللبناني الرسمي تحوّلا خلال السنوات الماضية «شيفرةً سياسية للّاعمل»، بما يمنح «حزب الله» الوقت والمساحة لاستعادة قوته كلّما ابتعد شبح الحرب المباشرة.

ماذا تستطيع واشنطن فعله؟

من جانب آخر، إذا كانت واشنطن تدرك أن نزع سلاح «حزب الله» بالقوة ليس أمراً مضموناً حتى لإسرائيل، فماذا تستطيع أن تقدم للبنان؟

الجواب، كما توحي القراءة الأميركية، مزيج من ثلاثة مسارات متوازية:

- دعم الجيش اللبناني

- إدارة السقف الإسرائيلي

- وربط إعادة الإعمار والإنقاذ المالي بمسار سيادي لبناني واضح.

الخارجية الأميركية ألمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني، بينما أكدت تقارير صحافية أن بيروت طلبت دعماً أميركياً لقواتها المسلحة كي تتولى مهمة حساسة وشديدة الخطورة.

هنا يضع شينكر شرطاً أساسياً: لا واشنطن ولا عواصم الخليج سترصد أموالاً كبيرة للبنان ما دام «حزب الله» محتفظاً بسلاحه ومهيمناً على الدولة. وبرأيه، لم يعد ممكناً العودة إلى «الوضع السابق» كخيار واقعي. فلبنان يواجه شللاً اقتصادياً، وتراجعاً حاداً في الإيرادات، واحتياطيات قد لا تكفي إلا لأشهر معدودة لتغطية رواتب القطاع العام، ويقترب الوضع الإنساني من مستوى الأزمة الحادة. وعليه، فأي خطة دعم غربية أو عربية «لن تكون إنقاذاً مجانياً»، بل ستكون بهدف تحويل التفاوض مساراً لاستعادة القرار السيادي واحتكار السلاح، وقد تصبح الجولة، فعلاً، لحظة تأسيسية تخرج البلاد من زمن الوصايات المتعاقبة إلى زمن الدولة.

حتى الآن، لا تزال الحقيقة القاسية هي نفسها: المشكلة ليست في غياب الأفكار، بل في تكلفة تنفيذها داخل نظام يعرف الجميع أعطاله، لكن قلائل فقط مستعدون لدفع ثمن إصلاحه.

حقائق

أبرز محطات المفاوضات التي جرت بين لبنان وإسرائيل

> شهدت المفاوضات بين لبنان وإسرائيل محطات متقطعة، غالباً تحت ضغط الحروب أو الترتيبات الأمنية، لا في سياق سلام شامل، هي:

- اتفاق 17 مايو (أيار) 1983، بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982. شكّل هذا الاتفاق أول محاولة لصوغ ترتيبات سياسية وأمنية مباشرة بين الطرفين برعاية أميركية، لكنه سقط سريعاً تحت ضغط الانقسام الداخلي اللبناني والرفض السوري.

-= تفاهم أبريل (نيسان) 1996، الذي جاء بعد عملية «عناقيد الغضب». لم يكن اتفاق سلام، بل كان تفاهماً غير مباشرٍ رعته الولايات المتحدة وفرنسا، هدفه ضبط قواعد الاشتباك، وخصوصاً تحييد المدنيين نسبياً عن القصف المتبادل. وقد مثّل نموذجاً للتفاوض الأمني غير المباشر أكثر من كونه تسوية سياسية.

- حرب يوليو (تموز) 2006، حين أصبح القرار 1701 الإطار الرئيس لأي تفاوض أو ترتيبات لاحقة، انصبّ الجهد على تثبيت وقف الأعمال العدائية، وانتشار الجيش اللبناني جنوب الليطاني بالتعاون مع «يونيفيل»، مع بقاء القضايا الجوهرية، مثل سلاح «حزب الله» والحدود، معلقة.

- مفاوضات ترسيم الحدود البحرية بين 2020 و2022. كانت أبرز اختراق تفاوضي عملي في العقود الأخيرة. وجرت بوساطة أميركية وبشكل غير مباشر في الناقورة، وانتهت إلى اتفاق لترسيم الحدود البحرية أتاح للطرفين المضي في استثمار الموارد البحرية من دون أن يعني ذلك تطبيعاً سياسياً.



بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
TT

بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار

بعد 16 سنة متصلة من الحكم، انتهى عهد رئيس وزراء المجر اليميني المتطرف فيكتور أوربان، الذي تحوّل خلال تلك السنوات إلى صداع مؤرق لكل المؤمنين بفكرة «الوحدة الأوروبية». وجاءت هزيمته على يد بيتر ماجار، السياسي الشاب الآتي من داخل حزبه «فيديز»، قبل أن يتمرّد وينشقّ، ثم يبدأ صعوداً صاروخياً... أوصله إلى قمة السلطة خلال سنتين فقط. لقد شكّل فوز ماجار عامل ارتياح كبيراً للقارة الأوروبية ككل التي احتفلت ربما أكثر من المجر نفسها بهزيمة أوربان. وكان دونالد تاسك، رئيس وزراء بولندا المعتدل، من أوائل مهنئي الزعيم الجديد. وشارك على وسائل الاجتماعي شريط فيديو يظهر اتصاله بماجار لتهنئته، وهو يقول له: «أعتقد أني أكثر سعادة منك!». وكتب قبل ذلك مرحِّباً بـ«عودة المجر إلى أوروبا»، وهذه عبارة كرّرها المسؤولون الأوروبيون في تهانيهم. بل، ذهب المستشار الألماني فريدريش ميرتس أبعد ليعلن فرحه بنهاية «نظام أوربان»، وتفاؤله بأن فوز ماجار أظهر «أنه يمكن هزيمة الأحزاب الشعبوية واليمينية المتطرفة في أوروبا»، وهو يشير ضمناً إلى الوضع في بلاده، حيث يزداد نفوذ حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف.

الأوروبيون ينتظرون الآن فعلاً عودة المجر إلى أحضان بروكسل بعد سنوات من المواجهة مع حكم فيكتور أوربان؛ بسبب قضايا فساد وخطوات معادية للديمقراطية اتخذتها حكومته، وواجهتها بروكسل بعقوبات وتجميد أموال.

ومنذ الحرب في أوكرانيا عام 2022، تفاقمت الخلافات بسبب قرب أوربان من موسكو ومعارضته لدعم كييف، وشلت هذه الخلافات في كثير من الأحيان قدرة بروكسل على دعم الأوكرانيين في تصديهم للقوات الروسية.

من هو ماجار؟

أوجه الشبه بين فيكتور أوربان وبيتر ماجار كثيرة، ومع هذا فإن التناقض لا يخفى.

من أوجه الشبه مثلاً أن الرجلين يمينيان محافظان يحملان أفكاراً معادية للهجرة، فهما انتميا لفترة طويلة لحزب «فيديز» نفسه، وكانا لفترة يتشاركان الكثير من الأفكار. إلا أن التناقض بينهما أكثر وضوحاً: فأوربان الذي يبلغ من العمر 63 سنة، بات يحمل عبئاً ثقيلاً من الحكم الطويل المصحوب بالفساد. أما ماجار ابن الـ45 من العمر، فنشيط ويتمتع بحسّ للموضة جعلت الشبان يقلدونه في ملابسه، فيرتدون القميص الأبيض وسروال الجينز والحذاء الرياضي الأبيض، وهو يتكلّم عن محاربة الفساد من الداخل.

ثم إن انتماء ماجار إلى حزب أوربان لسنوات، حوّله إلى شخص أكثر مصداقية لدى الناخبين عند كلامه عن الفساد. فهو كان يتكلم من موقع «العارف» بما كان يحصل داخل الحزب، وهذا ما أهّله لكسب الكثير من أصوات «فيديز» وتحويلهم لصالح حزبه «تيسا» الذي أسسه عام 2024.

وحقاً استغل ماجار، الذي كان لسنوات شخصية غير مغمورة داخل حزبه، فضيحة تورّطت بها حكومة أوربان ليبدأ صعوده السياسي. ففي أبريل (نيسان) 2023، منحت الرئيسة المجرية عفواً رئاسياً عن شخص متهم بالتستر على فضيحة تحرش جنسي بالأطفال في دار رعاية حكومي. ووقّعت العفو الرئيسة كاتالين نوفاك ووزيرة العدل (آنذاك) جوديت فارغا، التي كانت زوجة ماجار وتطلّقت منه قبل أشهر من الفضيحة.

هذا القصة أثارت استياءً شعبياً كبيراً، خاصة لدى قاعدة أوربان المحافظة التي كانت تؤيده بسبب سياساته المدافعة عن الأسرة التقليدية والأطفال. ودفعت إلى استقالة الرئيسة ووزيرة العدل التي كانت تعد من نجوم الحزب ومن الصاعدين فيه، بخلاف زوجها السابق.

الفضيحة... وتداعياتها

استغل ماجار الفضيحة ليهاجم حزب «فيديز»، وأدلى بمقابلة لقناة معارضة على «يوتيوب»، وجّه فيها انتقادات غير مسبوقة لحزبه، متكلماً عن فساد من الداخل وحاجة للتغيير، ومعلناً انفصاله عن الحزب.

ثم كتب لاحقاً على صفحته على «فيسبوك» - التي تحولت إلى منصة ترويج رئيسة له: «لا أريد أن أكون جزءاً من نظام يختبئ فيه الأشخاص الحقيقيون في السلطة خلف تنانير النساء»، مشيراً إلى استقالة سيدتين (الرئيسة ووزيرة العدل) عوضاً عمن يفترض به أن المسؤول الأول... أي أوربان. وكما سبق، كان ماجار آنذاك قد تطلق من زوجته، وزيرة العدل المستقيلة، ما فتح الباب أمامه لتحقيق طموحه السياسي.

بعد أشهر قليلة، في مارس (آذار) 2024، أعلن ماجار عن تشكيل حزب سياسي جديد، واضعاً في أولويات حملته محاربة الفساد وكشف تورط كامل الحكومة ورئيسها بقضايا فساد. ولقد نجح حقاً بحصد 30 في المائة من الأصوات في الانتخابات الأوروبية، وفي وقت لاحق من العام.

ومن ثم، واصل تركيزه في مكافحة الفساد، ونشر محادثة مسجلة سراً بينه وبين زوجته السابقة جوديت فارغا - حين كانت وزيرة للعدل - تكلّمت فيها عن تورّط أشخاص كبار في قضايا فساد. وعلى الأثر انتقدت فارغا تسريبه الشريط، واتهتمه بأنه كان يعنّفها ويسيء معاملتها إبّان زواجهما.

ومع أن ماجار نفى الاتهامات، مدّعياً أنها ملفّقة وسياسية هدفها وقف تقدّمه، طاردته تلك الاتهامات طوال حملته الانتخابية. واستغلها حزب أوربان لقلب الناخبين ضده، وسلّطت وسائل الإعلام، المقرّبة بمعظمها من أوربان، الضوء على تلك الاتهامات. أيضاً، نشرت فارغا محضراً للشرطة يظهر أن الشرطة استدعيت إلى منزل ماجار لحل خلاف بين الزوجين والتعامل مع اتهاماتها له بتعنيفها. وكذلك ظهرت بعد ذلك قصص أخرى من صديقة سابقة له اتهمته أيضاً بالعنف.

الواقع أن معارف ماجار يقرّون بأنه حاد الطبع وقليل الصبر، إلا أن كثيرين يقولون أيضاً إنه أيضاً سريع الاعتذار بعد الغضب. وبالفعل، على الرغم من الاتهامات حصل ماجار وحزبه على نسبة تأييد كبيرة وفاز بـ137 مقعداً مقابل 55 مقعداً فقط لحزب أوربان، وسط نسبة تصويت مرتفعة بلغت 79 في المائة من المسجلين.

هذا، ويبدو أن كثيرين من الناخبين صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار، خاصة المنتمين لليسار وغير المقتنعين بسياسات ماجار المحافظة. وهو ما يعني أنهم اختاروا التصويت «التكتيكي» لإخراج أوربان من الحكم.

القضايا الداخلية

وفق مراقبين للانتخابات في المجر، فإن حملة ماجار إنما نجحت في جذب الناخبين لتركيزها على القضايا الداخلية، وسط استياء شعبي من استشراء الفساد وتفاقم الغلاء وتدهور الخدمات العامة.

ففي أثناء الحملة الانتخابية، تكلّم ماجار قليلاً عن السياسة الخارجية، وكثيراً عن القضايا الداخلية، بخلاف أوربان الذي ركّز حملته على السياسة الخارجية، محاولاً الاستفادة من الدعم الذي تلقاه من الإدارة الأميركية التي أوفدت نائب الرئيس جي دي فانس ليظهر إلى جانبه في تجمع انتخابي في بودابست.

من جهة ثانية، حاول أوربان تصوير غريمه الشاب كـ«عميل لبروكسل ولكييف»، لكن ماجار لم ينجر إلى السياسة الخارجية، وظل مركّزاً على الرسالة نفسها تحت شعار «التغيير... الآن أو أبداً».

هذا، وبسبب تركيز بيتر ماجار على السياسات الداخلية يمكن القول إن جزءاً كبيراً من سياساته الخارجية ما زال غامضاً. مع هذا، فإن الرجل مؤيد للاتحاد الأوروبي، بعكس أوربان الذي بنى سياساته في السنوات الماضية على المواجهات مع بروكسل، دفعت بالأخيرة لتجميد أموال مرصودة للمساعدات. وبحسب الزعيم الجديد، فإن صرف هذه الأموال أولوية بالنسبة له، وإنه سيعمل على ترميم علاقة المجر بالاتحاد الأوروبي.

أما عن العلاقة مع روسيا التي كانت حليفاً لأوربان، فإن ماجار يتخذ موقفاً فاتراً لكن ليس معادياً كذلك. فقد قال بعد انتخابه إنه لن يتصل بالرئيس الروسي بنفسه أو يكون «أداة لروسيا»، لكنه أيضاً لن يقطع العلاقات مع موسكو. وأضاف أنه إذا اتصل به الرئيس الروسي فسيقول له: «من الجيد وقف القتل بعد 4 سنوات وإنهاء الحرب»، ثم أردف بأن المحادثة «ستكون قصيرة على الأرجح، ولن تنتهي بإنهاء بوتين الحرب بناءً على نصيحتي».

الغاز الروسي

من جانب آخر، كان الاتحاد الأوروبي قد منح المجر إعفاءات للاستمرار باستيراد الغاز الروسي لاعتمادها الكبير عليه، وهذا وسط العقوبات التي فرضتها على استيراده منذ الحرب مع أوكرانيا. ويبدو أن ماجار يريد مواصلة استيراد الغاز الروسي، لكنه قد يعمل على تقليل الاعتماد عليه.

ويُذكر أنه جمّد بالفعل «فيتو» استخدمه أوربان داخل الاتحاد الأوروبي على إعطاء قرض لأوكرانيا بقيمة 90 مليار يورو، بسبب اعتراضه على ما يقول إنه «تلكؤ» كييف بإصلاح خط أنابيب دروجبا الذي يصل الغاز الروسي إلى المجر عبر أوكرانيا. ولكن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أعلن قبل أيام أنه سيصار إلى إصلاح الخط بشكل كافٍ؛ كي يستطيع نقل الغاز من جديد. ودفع هذا بماجار إلى دعوة أوربان لرفع الفيتو عن القرض لأوكرانيا قبل مغادرته منصبه رسمياً منتصف مايو (أيار) المقبل، بعد تعهد زيلينسكي بإصلاح الخط.

في أي حال، يعد موقف ماجار من أوكرانيا قريباً بعض الشيء من موقف أوربان الذي عرقل مراراً المساعدات الأوروبية لكييف، ولكن ليس بالحدة نفسها؛ إذ يرفض الزعيم الجديد إرسال مساعدات عسكرية لأوكرانيا، بيد أنه لا يعارض منحها قروضاً من «الاتحاد الأوروبي». ثم إنه يعارض كذلك ضم أوكرانيا لـ«الاتحاد الأوروبي» بصورة سريعة، ويرى أنه لا يجوز ضم دولة إلى «الاتحاد» وهي في حالة حرب، وأن كل الدول يجب أن تعامل بشكل متساوٍ.

الموقف الأوكراني

أوكرانيا في كل الأحوال، التي كانت علاقتها صعبة مع المجر إبان عهد أوربان، تأمل بأن تفتح صحفة جديدة من العلاقة مع القيادة الجديدة في بودابست.

هذه التحديات الخارجية، يضاف إليها تحدّيات داخلية تتمثل بمواجهة الفساد وتفكيك نظام المحسوبية الذي بناه أوبان طوال سنوات حكمه، تعني أن المهمة أمام الفائز الشاب لن تكون سهلة.ولكن اهتمام ماجار وانخراطه بالسياسة منذ فترة طويلة، سيساعدانه في مهمته المقبلة. كيف لا وهو الآتي من عائلة مهتمة بالسياسة، و«راعيه» هو فيريك مادل الذي كان رئيساً للمجر بين عامي 2000 و2005؟ وهو نفسه درس المحاماة قبل انضمامه لحزب «فيديز»، حيث شغل عدة مناصب منها أحدها في وزارة الخارجية عام 2010، ثم في بعثة بلاده لدى الاتحاد الأوروبي في بروكسل.


تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)
TT

تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)

يعدّ رئيس وزراء المجر فيكتور أوربان، بعد خسارته المريرة في الانتخابات الأخيرة، لتسليم الحكم إلى غريمه الفائز بيتر ماجار مطلع أو منتصف مايو (أيار) المقبل. حزب أوربان «فيديز» خسر الانتخابات التي أجريت، الأحد الماضي، بعد 16 سنة متصلة من الحكم، أمام ماجار المنشق عن «فيديز»، الذي أسس حزباً له قبل سنتين فقط.

وفق القانون المجري، على البرلمان المنتخب جديداً أن يعقد جلسة لانتخاب رئيس وزراء جديد في فترة أقصاها 12 مايو. ولقد التقى ماجار رئيس البلاد تاماس سوليوك الذي يتوجّب عليه دعوة البرلمان للانعقاد، وطلب منه تسريع العملية الانتقالية. في حين دعا ماجار رئيس البلاد للاستقالة، مع أن ولايته لا تنتهي قبل عام 2029.

الزعيم الجديد الشاب قال إن الرئيس أبلغه بأنه «سيفكر» في مطالبته إياه بالاستقالة بعد انعقاد البرلمان لانتخاب رئيس وزراء جديد.

وواضح أن ماجار يسعى إلى تفكيك البينة التي بناها أوربان طوال سنوات حكمه. وأفاد بالفعل بأنه كرر للرئيس بأنه «في نظري، وفي نظر الشعب فهو لا يستحق تمثيل وحدة الأمة، وهو عاجز عن ضمان احترام القانون... والشعب صوّت لتغيير النظام».

عددياً، يتمتع «تيسا»، حزب ماجار، بثلثي مقاعد البرلمان، ما سيمكّنه من إدخال كل التعديلات الدستورية التي يريدها. وكان الزعيم الجديد قد قال إنه يريد كذلك أن يوقف التغطية الإعلامية لوسائل الإعلام الحكومية فور تولي حكومته منصبها.

أيضاً أدلى ماجار بمقابلة متوترة مع قناة رسمية كانت الأولى له، أعلن فيها عن عزمة إغلاق المحطات الحكومية، التي اتهمها بالعمل لحزب أوربان، ونشر سياسة الخوف والتفرقة بين المواطنين.

أيضاً وصف ماجار المحطات الحكومية بأنها أداة «بروباغاندا»، وقارنها بالقنوات في كوريا الشمالية وفي ألمانيا النازية، مضيفاً: «كل مواطن في المجر يستحق قناة حكومية تبث الحقيقة».

هذا، ولطالما وجهت منظمة «مراسلون بلا حدود» انتقادات متكررة للإعلام المجري، مؤداها أن مناصري أوربان يسيطرون على قرابة 80 في المائة من المشهد الإعلامي هناك، وأن أوربان يستخدم تلك القنوات بوصفها أداة حكومية.

ومن جهته، كتب ماجار على «فيسبوك» قائلاً: «نحن الآن نشهد الأيام الأخيرة لأداة البروباغاندا... بعد تشكيل حكومة (تيسا) سنعلّق العمل بوسائل الإعلام العامة حتى تستعيد طابعها العام».

أيضاً، تعهد بيتر ماجار بالانضمام إلى مكتب المدعي العام الأوروبي، وهذه خطوة تمهد الطريق أمام التدقيق في قضايا فساد إبان عهد أوربان، خاصةً لجهة اتهامات للدائرة المحيطة برئيس الحكومة الخاسر، بإساءة استخدام أموال الاتحاد الأوروبي.

وللعلم، يحقق مكتب المدعي العام الأوروبي، الذي رفضت المجر الانضمام إليه حتى الآن، في الجرائم التي تمسّ ميزانية الاتحاد الأوروبي، بما في ذلك الاحتيال والفساد. ولقد وصف ماجار هذه الخطوة بأنها جزء من حملة واسعة لمكافحة الفساد.