«الفن كفكرة»... تأملات ساخرة تمزج بين الفن والواقع

معرض لندني لـ8 فنانين يجمع ما بين اللوحات والتصوير

«ثمن الموز» للفنان برين هاورث (الشرق الأوسط)
«ثمن الموز» للفنان برين هاورث (الشرق الأوسط)
TT

«الفن كفكرة»... تأملات ساخرة تمزج بين الفن والواقع

«ثمن الموز» للفنان برين هاورث (الشرق الأوسط)
«ثمن الموز» للفنان برين هاورث (الشرق الأوسط)

في منطقة بريك لين بشرق لندن تنتشر روح إبداعية شقية تعبر عن نفسها برسومات الغرافيتي على أي حائط وباب ونافذة، تختلط الكلمات والشعارات بالرسوم الخيالية أو الواقعية حتى. هنا الإبداع ينبض بالحياة، ولا حدود له، وهو ما يجعل المنطقة جاذبة للشباب والكبار، الشوارع مزدحمة، ومحال شطائر البيغل التي تشتهر بها المنطقة تجذب المارة، وتمنح زوار المعارض الفنية المتناثرة مكاناً لالتهام الشطائر والحديث.

في وسط هذا الزخم يقام حالياً معرض جماعي في «بريك لين غاليري» يضم مجموعة من الفنانين غير المعروفين، تنقصهم الشهرة، ولكنهم يعوضونها بالموهبة والإبداع. المعرض يقدم أعمال ثمانية فنانين تتنوع أعمالهم ما بين رسم المناظر الطبيعية وبين التصوير واللوحات. بعض الأعمال تبدو بمستوى الهواة، ولكن البعض الآخر ينضح بمواهب فنية قوية وأساليب مميزة. بالنسبة إلى الغاليري فالعرض يستكشف الطرق المختلفة التي يعبر بها الفنانون عن رؤى تختلط فيها الطبيعة المجردة والمناظر الطبيعية والخيالات التي تشبه الأحلام، كل ذلك عبر أساليب فنية متنوعة تجرب الانفلات من الواقع نحو عوالم أخرى.

«منجذب للضوء» للفنانة شيلي هورديوك (الشرق الأوسط)

نمر بأعمال الفنانة شيلي هورديوك التي اختارت أن تعرض لوحاتها القماشية من دون وضعها في إطارات لتطارد فكرة التحرر من القيود، تحمل لوحاتها عنوان «منجذب للضوء»، وتصور عالم من الأشجار والأغصان، تختار أن تصور أشجارها بمنظور الشخص الواقف أسفل شبكة الأغصان والأوراق، وتختار خلفية لونية موحدة لكل لوحة، فهنا لوحة بخلفية خضراء تبدو فيها الأشجار شبه مجردة من الأوراق ثم لوحة بأرضية صفراء مختلطة ببقع لونية بتدرجات اللون البني تعكس إحساساً أكثر دفئاً. تقول عن لوحاتها: «أشعر بحب تجاه الشجرة المستحيل وجودها أو السماء الملونة بألوان غير واقعية. أحب أيضاً أن أبالغ في الألوان والخطوط لآخذ الأشكال من واقعها، وأحولها بالتدريج إلى لوحة تجريدية».

من أعمال الفنان برين هاورث (الشرق الأوسط)

على جدار منفصل تتابع لوحات الفنان البريطاني برين هاورث مميزة بريشة هادئة وواثقة وألوان تجذب زوار العرض للوقوف أمامها والحديث مع الفنان أو حتى مع بعضهم حول الموضوعات التي تطرحها. يقول أحد الواقفين مشيراً للوحات: «أرى نزعة ساخرة في اللوحات، تبدو جادة وتقليدية، ولكن الفنان لديه حس فكاهة يميزها، ويثير النقاش حول ما يصوره».

في مقدمته لأعماله يتحدث هاورث عن لوحتين بعنوان «ليزا النادمة» و«شيء متعفن»؛ الأولى تأخذ من ليوناردو دافنشي السيدة المبتسمة موناليزا لينزع ابتسامتها، ويحولها لسيدة ممتعضة بشفتين ملويتين، وخلفها بدلاً من المنظر الطبيعي لمنطقة توسكاني، يختار أن يصور واقعاً تعيشه بريطانيا بعد انفصالها عن الاتحاد الأوروبي «بريكسيت». فخلف الموناليزا نرى نفق قطار يورو ستار، وقد أغلق مدخلها، ونرى مرتفعات مدينة دوفر مكتوب عليها «غودباي» (الوداع) وهو إشارة إلى غلاف من صحيفة «ذا صن» الداعمة للبريكست. اللوحة تجمع ما بين الجدية والسخرية المرة. يشير إلى أن اللوحة قدمت في معرض بباريس يعبر عن موقف الفنانين البريطانيين من «بريكسيت». يضيف أنه حرص على أن تحمل الموناليزا شبهاً من رئيس الوزراء السابق ديفيد كاميرون الذي يلومه كثيرون على إجراء الاستفتاء على خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.

«ليزا النادمة» للفنان برين هاورث (الشرق الأوسط)

البعد السياسي يمتد للوحة أخرى مستوحاة من لوحة الفنان الفرنسي شاردان «راي»، وفيها تظهر سمكة من فصيلة «راي» معلقة أعلى مائدة مطبخ، غير أنها تبدو رمادية اللون، وكأن العفن قد بدأ يغزوها، استخدم الفنان ملامح رئيس الوزراء السابق بوريس جونسون ليعبر عن حالة التخبط التي ميزت فترة حكمه خلال جائحة كورونا. اللوحتان بداية لمشروع فني يعمل عليه الفنان، وهي تخيل لمعرض صور بديلة لرؤساء الوزراء في بريطانيا لوضعها على جانب الدرج في 10 داونينغ ستريت.

من دافنشي وشاردان يأخذنا العمل الثالث لفنان عصر النهضة ساندرو بوتتشيلي وعمله الأيقوني «مولد فينوس» التي خرجت من عمق البحر تزهو بجمال أخاذ واقفة على صدفة، بينما تتطاير خصل شعرها. هنا نرى فينوس كما تخيلها هاورث تجلس على محارتها، وتعطينا ظهرها بينما تتابع مشهداً يحدث بالقرب من متحف يوفيزي حيث تقطن. تراقب فينوس هنا مشهداً من تاريخ إيطاليا لمحاكمة القس المتشدد سافونارولا. من موقعها في أعلى اللوحة تبدو فينوس كشاهد على نهاية مرحلة من التطرف الديني وقع ضحيته ساندرو بوتتشيلي نفسه لدرجة أنه أحرق عدداً من لوحاته.

أما لوحته المعنونة «ثمن الموز» فتعد تعليقاً ساخراً على السوق الفنية وأسعارها المبالغ فيها أحياناً، وعلى بيع عمل الموزة المعلقة أو «كوميدي» للفنان الإيطالي ماوريتسيو كاتيلان بأكثر من 6 ملايين دولار في المزاد. هنا نرى استعارة من الفنان آندي وارهول في تصويره لأربع ثمرات موز على خلفيات ملونة، ولكن هاورث يختار أن يضع أسفل كل موزة السعر الحقيقي للموز في مراكز البيع المختلفة من السوبر ماركت والسوق الأسبوعية، وفي بقال الحي وأخيراً في السوق الفنية، العمل جذب الزوار بلمحة السخرية، وأيضاً ببراعته اللونية.

من أعمال المصور دانيال بيوكوتسون (الشرق الأوسط)

في ركن مجاور يعرض المصور الروسي من أصل تركي دانيال بيوكوتسون عدداً من الصور الفوتوغرافية بعنوان «طبقات الشارع»، وهي سلسلة بالأبيض والأسود يجرب من خلالها المصور تجربة وضع طبقات مختلفة من المشاهد فوق بعضها من دون اللجوء لتقنية الديجيتال، يرتب لقطات مشاهد مختلفة من شوارع لندن فوق بعضها؛ حيث نرى منظراً لشارع يتبين في أعلاه منظر لعربات من شارع مختلف، وهكذا. في الصور يرتب المصور البنايات والمارة والعربات داخل إطار واحد، وهو ما يمنح الصور طابعاً تجريبياً، ولكنه أيضاً يمثل تسجيلاً مفعماً بالمشاعر لشوارع العاصمة. يشير إلى أنه عمد إلى خلق تتابع معين للقطات، ولكن في صور أخرى كانت ترتيب الطبقات بالمصادفة، ويقول: «هدفي ليس تسجيل حياة المدينة كما هي، ولكن استكشاف كيف يمكن أن تشعر بالحياة داخل تلك الطبقات».

 

 

• معرض «الفن كفكرة» في بريك لين غاليري بلندن يستمر حتى 25 أغسطس


مقالات ذات صلة

«جوهرة الحِداد» تفكّ شفرة لوحة غامضة بعد 400 عام

يوميات الشرق قلادة تحمل ثقل قرن من الفقدان (معرض مانشستر للفنون)

«جوهرة الحِداد» تفكّ شفرة لوحة غامضة بعد 400 عام

أُعيد اكتشاف «جوهرة حداد» تعود إلى عصر «هامنيت» (نجل شكسبير)، بعد مرور 4 قرون على تخليدها في إحدى أكثر اللوحات العائلية غموضاً وشهرة في بريطانيا...

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة جانب من المعرض الاستعادي (فيرساتشي)

جياني فيرساتشي... رحلة في إرثه الجريء والمُبتكر

في عالم الموضة اليوم، يمدّ الحاضر يده للأمس. من أزياء وإكسسوارات مستلهمة من التسعينيات والخمسينيات وغيرها من الحقب السابقة، إلى تنظيم معارض تُسلِط الأضواء على…

جميلة حلفيشي (لندن)
يوميات الشرق مشاهد متفرقة وقصص إنسانية سجَّلتها «جدارية غزة» (الشرق الأوسط)

«جدارية غزة» في معرض قاهري يجسّد معاناة الناجين من الحرب

«جدارية غزة» هو اسم العمل الرئيسي الذي يمتدُّ لنحو 30 متراً، للفنان التشكيلي المصري عبد الرازق عكاشة، ضمن معرضه الأحدث.

محمد الكفراوي (القاهرة )
يوميات الشرق لوحات الفنانة تحمل زخماً في الألوان والشخوص والرموز (الشرق الأوسط)

«إلى أين؟»... معرض فني يحتفي بسحر النوبة والهوية

بألوان تشع بهجة ولوحات تحمل أبعاداً أسطورية عن النيل والروح المصرية الأصيلة، تحتفي الفنانة رندا إسماعيل بسحر النوبة والهوية المصرية عبر معرضها الأحدث.

محمد الكفراوي (القاهرة )
لمسات الموضة لم تعد السوق السعودية تكتفي بدور المستهلك والمتفرج بل دخلت إلى العالمية على يد مؤسسات لعلامات تجميل مهمة (أستيري)

سوق الجمال في الشرق الأوسط... تبتسم في وجه التحديات الاقتصادية والسياسية

اختُتمت فعاليات معرض كوزموبروف وورلدوايد بولونيا 2026، مؤكدة أن صناعة الجمال ستظل صامدة ومُشرقة حتى في أكلح أيام الركود. فالحاجة إلى طمأنة النفس والرفع من…

«الشرق الأوسط» (لندن)

رحيل حياة الفهد سيدة الشاشة الخليجية

تدهورت الحالة الصحية للفهد في الفترة الأخيرة بشكل كبير (مؤسسة الفهد للإنتاج الفني)
تدهورت الحالة الصحية للفهد في الفترة الأخيرة بشكل كبير (مؤسسة الفهد للإنتاج الفني)
TT

رحيل حياة الفهد سيدة الشاشة الخليجية

تدهورت الحالة الصحية للفهد في الفترة الأخيرة بشكل كبير (مؤسسة الفهد للإنتاج الفني)
تدهورت الحالة الصحية للفهد في الفترة الأخيرة بشكل كبير (مؤسسة الفهد للإنتاج الفني)

غيّب الموت سيدة الشاشة الخليجية، الفنانة الكويتية حياة الفهد، عن عمر ناهز الـ78 عاماً.

عاشت الراحلة منذ بداياتها الأولى في ستينات القرن الماضي حتى رحيلها أمس، عبر الشاشة في بيوت الخليجيين، وتركت خلفها تاريخاً فنياً عصياً على النسيان.

بدأت الفهد رحلتها الفنية في وقت كان فيه حضور المرأة الخليجية في مجال التمثيل محدوداً ومحاطاً بحساسيات اجتماعية، ورغم ذلك دخلت المجال بخطوات مترددة لكنها حاسمة، وشقّت طريقها في بيئة لم تكن مهيأةً بالكامل لتقبّل هذا الحضور النسائي، وهو ما جعل تجربتها الأولى تتجاوز فكرة «الدور» إلى معنى أوسع في كسر الحاجز، وفتح الباب.


مركبة متنقلة لـ«ناسا» تكتشف المزيد من لبنات الحياة على المريخ

صورة ذاتية من زاوية منخفضة لمركبة «كيريوسيتي» التابعة لـ«ناسا» والمخصصة لاستكشاف المريخ (أ.ف.ب)
صورة ذاتية من زاوية منخفضة لمركبة «كيريوسيتي» التابعة لـ«ناسا» والمخصصة لاستكشاف المريخ (أ.ف.ب)
TT

مركبة متنقلة لـ«ناسا» تكتشف المزيد من لبنات الحياة على المريخ

صورة ذاتية من زاوية منخفضة لمركبة «كيريوسيتي» التابعة لـ«ناسا» والمخصصة لاستكشاف المريخ (أ.ف.ب)
صورة ذاتية من زاوية منخفضة لمركبة «كيريوسيتي» التابعة لـ«ناسا» والمخصصة لاستكشاف المريخ (أ.ف.ب)

أعلن علماء، الثلاثاء، أن مركبة «كيوريوسيتي» المتنقلة التابعة لوكالة «ناسا» اكتشفت المزيد من «لبنات الحياة» على سطح المريخ، وذلك بعد إجراء تجربة كيميائية لم يسبق لها مثيل على أي كوكب آخر، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وأكد الفريق الذي تقوده وكالة «ناسا» أن الجزيئات العضوية ليست دليلاً قاطعاً على وجود حياة سابقة؛ إذ يحتمل أنها تشكلت على سطح المريخ أو سقطت نتيجة اصطدامها بالنيازك.

إلا أنها تكشف عن أن هذه المؤشرات حفظت في الصخور لأكثر من ثلاثة مليارات عام، عندما كان يعتقد أن الكوكب يضم مياهاً سائلة، وفق ما نشرت مجلة «نيتشر كوميونيكيشنز».

وحملت «كيوريوسيتي»، وهي بحجم سيارة، أنبوبين من مادة كيميائية تسمى TMAH وتستخدم لتحليل المواد العضوية ومعرفة مكوناتها.

وقالت عالمة الأحياء الفلكية العاملة في مهمة «كيوريوسيتي» إيمي ويليامز لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن «هذه التجربة لم تجرَ من قبل على كوكب آخر».

وأكدت ويليامز، وهي المؤلفة الرئيسية لدراسة تصف النتائج، أن الفريق «يرى لبنات الحياة، كيمياء ما قبل حيوية على المريخ، محفوظة في هذه الصخور منذ مليارات السنين».

هبطت مركبة «كيوريوسيتي» التابعة لـ«ناسا» في قاع بحيرة سابقة تسمى فوهة غيل عام 2012، ومنذ ذلك الحين وهي تبحث عن دلائل على وجود حياة سابقة محتملة.

وخلال تجربة أجريت عام 2020 باستخدام مادة TMAH، تم رصد أكثر من 20 جزيئاً عضوياً، بينها مركب «بنزوثيوفين» الموجود أيضاً في النيازك والكويكبات.

وقالت ويليامز إن «المواد نفسها التي هطلت على المريخ من النيازك هي نفسها التي هطلت على الأرض، وربما وفرت اللبنات الأساسية للحياة كما نعرفها على كوكبنا».

وأشارت دراسة جديدة نشرت في مجلة «نيتشر كوميونيكيشنز» إلى أن المهمات المستقبلية قد تستفيد من تجربة «كيوريوسيتي» التي أثبتت نجاح التجارب التي تستخدم مادة TMAH على عوالم أخرى.

وستحمل مركبة «روزاليند فرانكلين» التابعة لوكالة الفضاء الأوروبية، والتي تتميز بحفارة أطول بكثير من «كيوريوسيتي»، هذه المادة الكيميائية إلى المريخ.

وأعلنت «ناسا»، الأسبوع الماضي، أن مركبة الفضاء التابعة لوكالة الفضاء الأوروبية ستنطلق الآن نحو المريخ في أواخر عام 2028. وستكون المادة الكيميائية أيضاً على متن مركبة «دراغون» الدوارة، المقرر إطلاقها عام 2028 في مهمة لاستكشاف قمر تيتان التابع لكوكب زحل.


أسعار المساكن الفاخرة تعمّق «الهوة الطبقية» في مصر

جزء من تصميم مشروع «ذا سباين» لشركة هشام طلعت مصطفى (موقع الشركة)
جزء من تصميم مشروع «ذا سباين» لشركة هشام طلعت مصطفى (موقع الشركة)
TT

أسعار المساكن الفاخرة تعمّق «الهوة الطبقية» في مصر

جزء من تصميم مشروع «ذا سباين» لشركة هشام طلعت مصطفى (موقع الشركة)
جزء من تصميم مشروع «ذا سباين» لشركة هشام طلعت مصطفى (موقع الشركة)

يقطع المهندس المعماري محمد رجب يومياً أكثر من 30 كيلومتراً للذهاب إلى موقع عمله في الامتداد الصحراوي لمحافظة الجيزة (غرب القاهرة) حيث يشارك في بناء «كمبوند سكني فاخر»، وهو على يقين من أنه لا يمكنه أن يسكن فيه أو أي أحد من أولاده يوماً ما: «نبني لطبقات غنية. أما نحن فنسكن في إحدى المناطق الشعبية في الجيزة».

ويذكر أن شعور رجب بالتفاوت الطبقي الكبير يتزايد كلما سمع عن الأرقام التي تباع بها الوحدات التي يشارك في بنائها، ويقارنها براتبه هو وأصدقائه حيث «الفيلا الواحدة تباع بـ50 مليون جنيه» (الدولار الأميركي يعادل نحو 52 جنيهاً)، «وهو مبلغ لن أتحصل عليه طوال حياتي المهنية داخل مصر».

ووفق خبراء إسكان وعلم اجتماع، فإن بعض المشروعات السكنية في مصر اعتمدت خلال العقود الماضية على تغذية «مشاعر الفصل الطبقي»، بأسلوب المساحات المعزولة والمغلقة. يقول رجب بنبرة يملؤها الشجن: «بعد الانتهاء من عملي، لن يسمح لي الأمن بدخول المكان الذي شاركت في بنائه».

وأطلقت شركة هشام طلعت مصطفى العقارية أخيراً أحدث مشروعاتها العقارية شرق القاهرة «The Spine»، بأسعار مرتفعة جداً، وهو ما عزاه أحد مندوبي المبيعات بالشركة إلى أنها «أول مدينة ذكية استثمارية تقوم بالكامل على الذكاء الاصطناعي في العالم»، وفق ما ذكره لـ«الشرق الأوسط» عند الاستفسار هاتفياً عن طبيعة وأسعار الوحدات بالمشروع.

أحد المشاريع في العاصمة الجديدة (إدارة العاصمة الجديدة)

وكان رئيس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي وعدد من الوزراء قد شاركوا في مؤتمر صحافي للإعلان عن المشروع الضخم، السبت. وأثنى مدبولي عليه قائلاً إن «استثماراته تتجاوز 1.4 تريليون جنيه، ويوفر أكثر من 155 ألف فرصة عمل مباشرة وغير مباشرة كما يحقق عوائد ضريبية تتجاوز 800 مليار جنيه».

ويصل سعر الوحدة الكبرى (3 غرف نوم) في مشروع «The Spine» بمساحة 116 متراً، 50 مليون جنيه، ويضم المشروع 165 برجاً، داخل «مدينتي» المشروع السابق للشركة، على مساحة 5 كيلومترات. بينما تُطرح نفس مساحة الوحدة في مشاريع أخرى لـ«طلعت مصطفى» بـ10 ملايين جنيه.

ويُرجع موظف قسم المبيعات ارتفاع سعر الوحدات في المشروع إلى «المزايا الكبيرة والمختلفة فيه، منها شبكة المواصلات الضخمة تحت الأرض، ما يضع أماناً إضافياً إذا ما رغب السكان في التجول، ويحافظ على البيئة. كما أن ساكنه لن يحتاج إلى إطلاق الأوامر حتى تشتغل الإضاءة أو التكييف أو غيرهما من المهام في المشاريع الذكية، يكفي أن يُدخل البيانات لأول مرة، ليعرف الذكاء الاصطناعي تفضيلاته، ويعمل كل شيء نيابة عنه، يفتح المصعد، وباب الوحدة، ويضبط التكييف والإضاءة، حتى قبل أن تصل إلى شقتك».

أما سعر الوحدة ذات غرفة النوم الواحدة، بمساحة 77 متراً، فتصل إلى 20 مليون جنيه. وتقدم الوحدات بنظام تقسيط، أقل مقدم حجز فيها 160 ألف جنيه للمكتب الإداري، و250 ألف جنيه للوحدة السكنية، مع قسط نحو 50 ألف جنيه شهرياً، إلى جانب دفعات سنوية بمتوسط نصف مليون جنيه.

ووُصفت هذه الأسعار عبر مستخدمي مواقع التواصل بـ«المبالغ فيها وغير المنطقية»، وسط انتقاد الاهتمام اللافت بالمشروعات العقارية والإسكان الفاخر وعدم التركيز على توطين الصناعة والتكنولوجيا.

دار الأوبرا داخل مدينة الفنون في العاصمة الجديدة (إدارة العاصمة الجديدة)

وتتعزز هذه الانتقادات في وقت وصل فيه التضخم في مصر إلى 15.2 في المائة على أساس سنوي في مارس (آذار) الماضي، مرتفعاً نحو 2 في المائة عن فبراير (شباط) الماضي. بالإضافة إلى ارتفاع نسب الفقر إلى 32.5 في المائة، وفق تقرير للبنك الدولي عن مستوى الفقر في مصر عام 2022. مقارنة بـ29.7 في المائة في العام المالي 2019-2020.

وخلال السنوات الخمس الماضية، تراجعت قيمة الجنيه أمام الدولار بشكل حادّ، وارتفعت معدلات التضخم لمستويات غير مسبوقة، إذ انخفضت قيمة الجنيه من 15.5 جنيه في 2020 إلى 50 جنيهاً في 2025، ما ترتب عليه انخفاض القوة الشرائية للمواطنين، ما دفع الحكومة المصرية إلى رفع الحد الأدنى للأجور للعاملين في القطاع العام ليصبح 8 آلاف جنيه مصري شهرياً اعتباراً من يوليو (تموز) المقبل.

ويرى الكاتب الاقتصادي والخبير في أسواق المال، محمد مهدي عبد النبي، أن «المشروع الأحدث يعكس توجهاً من الدولة لفتح سوق عقارات دولي في مصر، لجذب عملة صعبة تساعد على تحسين أزمة العملة الأجنبية في مصر، ما سيؤثر إيجابياً على الاقتصاد الكلي، لكن في الوقت نفسه سينعكس سلباً على أسعار العقارات التي تستطيع شراءها الطبقة الوسطى، وسيزيد نسب التضخم في المجال العقاري».

ويتوقع عبد النبي، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «أن يكون الأجانب، وبعض المواطنين العرب وبعض المصريين في الخارج الذين راكموا ثروات كبيرة، هم القادرين وحدهم على الشراء في مشروعات الإسكان الفاخر بمصر، أي أنه يستهدف ذوي الملاءة المالية الواسعة».

جزء من تصميم مشروع «ذا سباين» لشركة هشام طلعت مصطفى (موقع الشركة)

وهو ما أكّده موظف المبيعات في مجموعة «طلعت مصطفى»: «نستهدف بشكل أساسي الأجانب والعرب، لشراء الوحدات التي سيتم تسليم أول دفعة فيها بعد 5 سنوات».

الباحثة الثلاثينية منى محمد، تابعت الإعلانات التي تروج لمشروعات الإسكان الفاخر بالآونة الأخيرة، وقالت: «عانيت قبل عامين خلال رحلة بحثي عن شراء شقة بمنطقة حدائق الأهرام (غرب القاهرة)، ولأن المبلغ المطلوب كان (مليون جنيه) أكبر من إمكاناتي المادية أنا وزوجي، اضطررت لبيع مصوغاتي الذهبية والاقتراض حتى نتمكن من دفع ثمنها».

وتعلق منى على مشروعات الإسكان الفاخر، وتقول لـ«الشرق الأوسط» إن «هذا النوع من المشاريع يستفز مشاعر أبناء الطبقات الوسطى والدُنيا حتى الطبقة الغنية، التي ستجد نفسها جارة لطبقات أكثر رفاهية، وتتمتع بمزايا ليست لديها، وغالباً سيكونون من غير المصريين».

واعتبر رئيس الوزراء المصري مشروع «The Spine»: «عالمياً بكل المقاييس، ويحقق نقلة حقيقية في شكل التنمية العمرانية والنمو الاقتصادي للدولة المصرية».

ويرى الباحث في الإنثروبولوجيا، وليد محمود، أن «الكومباوندات السكنية أصبحت جزءاً بارزاً من المشهد العمراني في مصر، تعكس طموحاً نحو حياة أكثر تنظيماً ورفاهية، معتمدة على الخصوصية، والخدمات المتكاملة، والمساحات الخضراء، ما يجذب شريحة واسعة من الطبقة المتوسطة العليا والطبقة الميسورة للإقامة فيها».

خبراء يرون أن المساكن المرفهة تعمّق الهوة الاجتماعية في مصر (شركة طلعت مصطفى)

وأضاف محمود لـ«الشرق الأوسط» أنه «بعيداً عن الصورة المثالية التي تروج لها الحملات الإعلانية، يبرز تساؤل مشروع حول التأثيرات الاجتماعية لهذه الظاهرة، التي تعزز فكرة الانفصال الطبقي، وتخلق تصوراً بأن الحياة الأفضل لا تتحقق إلا داخل هذه الأسوار»، مشدداً على أن «الأزمة لا تقتصر على مفهوم الكمبوندات، بل في اتساع الفجوة بين أنماط السكن المختلفة، وما يصاحبها من شعور متزايد بعدم التكافؤ». على حدّ تعبيره.