سياسات ترمب تربك معادلات أوروبا السياسية والاقتصادية

رئيسة المفوضية «في أزمة»... وأقصى اليمين مرتاح

من لقاء ترمب وفون دير لاين (آ ف ب)
من لقاء ترمب وفون دير لاين (آ ف ب)
TT

سياسات ترمب تربك معادلات أوروبا السياسية والاقتصادية

من لقاء ترمب وفون دير لاين (آ ف ب)
من لقاء ترمب وفون دير لاين (آ ف ب)

في قراءات كثيرين داخل الاتحاد الأوروبي، وبخاصة في العديد من القوى الاقتصادية الوازنة خارج الاتحاد التي كانت تعوّل كثيراً على بروكسل للصمود في وجه واشنطن، أن هذه الاتفاقية ما هي سوى فصل آخر في مسلسل ترسيخ نهج دونالد ترمب؛ أي نهج الدفع باتجاه عالم خارج إطار المواثيق والأعراف الدولية، تسوده القوة والحمائية الاقتصادية التي تقوم عليها وتستمد منها شروطها، والتمييز العرقي المموّه المغلّف بسياسات الهجرة.

معاونو أورسولا فون دير لاين، رئيسة المفوضية الأوروبية، الذين واكبوها في جميع مراحل المفاوضات التجارية الشائكة مع واشنطن، يعترفون بأن الاتفاقية التي كانت جميع حكومات البلدان الأعضاء تتعجّل إبرامها، جاءت دون الحد الأدنى الذي كانت تطمح إليه هذه الحكومات، وأن المفوضية ستجد صعوبة كبيرة في تسويقها خلال القمة الأوروبية الأولى بعد العطلة الصيفية.

حملة شرسة... وانتفاضة واسعة

كان هؤلاء يتوقّعون، في الواقع، الحملة الشرسة التي أطلقتها القوى والأحزاب الشعبوية واليمينية المتطرفة، إلا أنهم لم يتوقعوا «الانتفاضة» التي أثارها الاتفاق في معظم العواصم الأوروبية التي رأت فيه استسلاماً أمام التهديدات الأميركية، ومدخلاً إلى المزيد من التنازلات التي لن تتوقف واشنطن عن المطالبة بها. وهذا بالفعل، ما حصل مطلع هذا الأسبوع عندما هدد ترمب برفع نسبة الرسوم الجمركية على البضائع والسلع الأوروبية إلى 35 في المائة ما لم يقدّم الاتحاد ضمانات باستثمارات في السوق الأميركية لا تقلّ عن 600 مليار دولار، وشراء معدات حربية ومنتجات طاقة بقيمة 750 مليار دولار.

من جهة ثانية، لم يكن مستغرباً أن هذه الانتفاضة الأوروبية التي ترددت أصداؤها من باريس إلى روما، ومن برلين إلى مدريد، بلغت ذروتها ضد رئيسة المفوضية أكثر منها ضد الاتفاقية بذاتها؛ إذ قال فيكتور أوربان، رئيس الوزراء المجري اليميني المتطرف، والخصم اللدود لفون دير لاين، إنها كانت «فريسة سهلة على مائدة الرئيس الأميري دونالد ترمب». وكان هذا الشعور سائداً في عموم الاتحاد بين قوى أقصى اليمين والأحزاب الشعبوية التي وجدت في الاتفاق فرصة جديدة للهجوم على المشروع الأوروبي، وعلى رئيسة المفوضية التي راح بعض خصومها يلمّح إلى المطالبة بتنحيتها أو استقالتها.

أوربان (آ ب)

معسكر فون دير لاين... في أزمة

في المقابل، استغربت الدائرة المحيطة برئيسة المفوضية كيف أن الانتقادات التي تتعرّض لها فون دير لاين هذه المرة لم تعد مقتصرة على قوى اليمين المتطرف، بدليل أن معظم عواصم الاتحاد - ومعها قطاعات سياسية واقتصادية واسعة - لا تخفي استياءها من أسلوبها في التفرّد بالقرار وإحجامها عن الرجوع إلى البلدان الأعضاء في المفاصل الأساسية للمفاوضات.

هذا الاستياء كان قد تنامى في الأسابيع الأخيرة مع اقتراب الموعد الذي حدّده الرئيس ترمب للتوصل إلى اتفاق، بينما كانت جميع الدول الأعضاء تضغط باتجاه موقف أكثر تشدداً إزاء الفريق التفاوضي الأميركي وتهديدات ترمب. ولكن، كما قال المفوض الأوروبي السابق تييري بروتون، «طفح الكيل»، عندما ظهرت فون دير لاين برفقة معاونيها رافعة شارة النصر إلى جانب الرئيس الأميركي، الذي قاطعها عدة مرات حتى عندما كانت تتبنّى مواقفه وتصريحاته.

اليمين المتطرف مرتاح

وحقاً، المشاهد المرافقة لتوقيع الاتفاق - الذي لم ترحّب به أي من عواصم الاتحاد - تهافت اليمين المتطرف على استغلالها وإظهارها كدليل آخر من علامات «الوهن» الأوروبي. والمعروف أنها جاءت بعد ثلاثة أسابيع من الهجوم اللاذع الذي جوبهت به فون دير لاين في جلسة طرح الثقة أمام البرلمان الأوروبي؛ إذ وصفت آليس فايدل، زعيمة حزب «البديل من أجل ألمانيا» المتطرف، الاتفاق بأنه «خدعة قاسية»، فيما قال جوردان بارديلّا رئيس «التجمع الوطني» الفرنسي (الذي تتزعمه مارين لوبن) أن رئيسة المفوضية «وقّعت على وثيقة استسلام أوروبا التجاري». ومن جهته، صرّح زعيم متطرف آخر سانتياغو أباسكال، زعيم حزب «فوكس» الإسباني بأنه «بعد أشهر من الشتائم والعبارات الرنّانة حول القدرة التنافسية والصناعة وفرص العمل، انتهت فون دير لاين بالاستسلام الكامل كي تحافظ على موقعها».

جميع حلفاء الرئيس ترمب في الاتحاد الأوروبي، من أوربان ورئيسة الحكومة الإيطالية جورجيا ميلوني... إلى قادة اليمين المتطرف في ألمانيا وإسبانيا، لا يخفون ارتياحهم راهناً للانتصارات التي يحققها الرئيس الأميركي في حرب الرسوم الجمركية، ذلك أنهم يجدون فيها فرصة لتصعيد خطابهم حول ما يعدّونه «عصر الانحطاط الأوروبي»، وبالتالي، يوجّهون سهامهم إلى النخب الأوروبية الحاكمة، وأيضاً إلى مشاريع التكامل الإقليمي، مثل الاتحاد الأوروبي في المشهد الجيوسياسي الجديد.

ميلوني (آ ف ب)

مراحل ونتائج

للعلم، كان بعض المحللين السياسيين الأوروبيين قد توقعوا، عند عودة دونالد ترمب إلى البيت الأبيض - وفي ضوء البرنامج الذي أعلنه خلال حملته الانتخابية الأخيرة - أن تغيّر ولايته الثانية ليس المشهد الجيوسياسي في الولايات المتحدة فحسب، بل أيضاً في أوروبا. ويقول مارك ليونارد، الباحث في «المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية» إن ولاية ترمب الثانية «بدأت تضع اليمين الأوروبي المتطرف في موقع ريادة مشروع ثوري على امتداد الاتحاد الأوروبي وخارج حدوده، وتحشر الأحزاب التقليدية في زاوية السياديين الأوروبيين».

في المرحلة الأولى، بدت «حرب الرسوم» التي أطلقها ترمب وكأنها تكبح تمدد الذراع الأوروبية للمشروع اليميني المتطرف الواسع؛ إذ شعرت أحزاب أقصى اليمين الأوروبية بالحرج إزاء هذا الهجوم على مصالح بلدانها، وتخوفت من أن يكون اصطفافها بجانب الرئيس الأميركي وبالاً عليها. غير أن الفشل الذريع الذي حصدته فون دير لاين أمام ترمب في اسكوتلندا بقبولها فرض رسوم جمركية إضافية بنسبة 15 في المائة على صادرات السلع الأوروبية إلى السوق الأميركية من دون مقابل أوروبي على السلع الواردة من الولايات المتحدة، أعطى حلفاء ترمب داخل الاتحاد فرصة لتحميل رئيسة المفوضية مسؤولية هذا الفشل، وأيضاً للإشادة بالمهارة التفاوضية المفترضة لترمب. وكمثال، يوم الاثنين الماضي، صرّح وزير الخارجية المجري بيتر زيجارتو قائلاً: «إن الاتفاق التجاري الموقع بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة هو فوز مبين للجانب الأميركي الذي يحقّ له الاعتزاز بالرئيس دونالد ترمب. أما فون دير لاين فقد تحولت إلى مضحكة عالمية بإصرارها على محاولة تسويق الاتفاق الفاشل على أنه نصر للاتحاد الأوروبي».

ولكن بغض النظر عن النتيجة الاقتصادية النهائية للرسوم الجمركية الجديدة، التي يمكن أن تؤتي عكس الثمار المنشودة بالنسبة للولايات المتحدة، فإن ما يقلق الأوروبيين، بصورة خاصة، هو أن الهجوم التجاري الذي شنّه ترمب يسمح له، وأيضاً لأنصاره، بالتأكيد على أن أحادية الطرف والنزعة القومية المفرطة قد حلّت محل القانون الدولي، وأن القيم والمبادئ الأساسية قابلة لإعادة التفسير، أو لتجاوزها من غير رادع أو ضابط.

الرسوم مجرد وسيلة

الواقع هو أن الرسوم الجمركية تكاد تكون مجرد وسيلة يلجأ إليها ترمب ليظهر، أمام مواطنيه والعالم، من ناحية أنه قادر على فرض إرادته على الآخرين، ومن ناحية أخرى أنه جاهز لاستخدام كل وسائل الضغط المتاحة لديه - وهي ليست قليلة - لفرض معادلة جيوسياسية جديدة... يكون الاتحاد الأوروبي ضحيتها الأولى؛ إذ سبق لترمب أن كرّر غير مرة، إبّان ولايته الأولى كما في الثانية، أن الاتحاد الأوروبي «إنما أسس بهدف إزعاج الولايات المتحدة».

ثم إن اللافت في كل ما يجري، هو أن الاتحاد الأوروبي تبنّى جزءاً لا يستهان به من الخطاب «الترمبي» بدلاً من مقارعته ومواجهته بما لديه من مقومات اقتصادية وسياسية؛ إذ هلّل الأوروبيون للضربة الأميركية الأخيرة على إيران، وما زالوا يلتزمون الصمت، أو يمتنعون عن اتخاذ أي تدبير رادع مهما كان صغيراً وحتى رمزياً، ضد إسرائيل إزاء المجزرة التي ترتكبها في فلسطين بالتواطؤ مع الولايات المتحدة ومساعدتها المباشرة والمعلنة.

ويضاف إلى كل ذلك أنهم يتغاضون عن انتهاك إدارة ترمب المتمادي حقوق المهاجرين، وتدخلها في العديد من العمليات الانتخابية والإجراءات القضائية في الاتحاد الأوروبي وخارجه، كما يحدث حالياً في البرازيل حيال محاكمة الرئيس السابق جاير بولسونارو بتهمة التحريض على قلب النظام بالقوة والمشاركة فيه، فضلاً عن الهجوم المستمر على مؤسسات أكاديمية وإعلامية أوروبية لا تتماهى مع سياسة الرئيس الأميركي. كل هذا، مضافاً إلى فرض نسبة عالية من الإنفاق العسكري كشرط للامتناع عن تفكيك منظمة حلف شمال الأطلسي (ناتو) أو الانسحاب منها.

تقاعس يثير تساؤلات

وباستثناء الحالة الإسبانية اللافتة، هذا التقاعس المثير للتساؤلات من جانب المؤسسات الأوروبية وعواصم الاتحاد الكبرى إزاء الحملة العالمية التي تقودها واشنطن ضد ما اعتبره الأوروبيون تقليدياً «نظام القيم والمواثيق الدولية»، راح يعطّل في أوروبا مفاعيل ما أطلق عليه «أثر ترمب». وهو الذي تُعزى إليه ردة فعل الناخبين في بلدان مثل كندا وأستراليا لصالح الأحزاب السياسية التي تعارض السياسات المتشددة التي يتبناها الرئيس الأميركي ويروّج لها.وهنا لا بد من التذكير بأن الاتحاد الأوروبي شهد هو أيضاً مفاعيل عابرة لهذا الأثر «الترمبي» بعيد وصول الرئيس الأميركي الأول إلى البيت الأبيض عام 2017 في خضمّ الأزمة الوجودية للمشروع الأوروبي عندما فاز معسكر الـ«بريكست» في بريطانيا. فيومذاك رصّت دول الاتحاد صفوفها، واستطاع التيّار الأوروبي منع انتصار الأحزاب اليمينية المتطرفة في الانتخابات التي شهدتها دولتان مؤسِّستان مثل فرنسا وهولندا.

 «حرب الرسوم» وسيلة يلجأ إليها ترمب لفرض إرادته على الآخرين

«الترمبية»... والأرض الأوروبية الخصبة

> تزامنت عودة دونالد ترمب إلى البيت الأبيض، وما رافقها من رياح شعبوية تعصف من بريطانيا إلى اليابان، ومن الأرجنتين إلى كوريا الجنوبية... مع وجود أرض أوروبية خصبة لاستقبال ما يسمّيه المنظّرون العقائديون لترمب بـ«الثورة الأميركية الثانية». ويستفاد من التقرير الذي وضعه مركز «إيبسوس» (IPSOS) الرائد في مجال البحوث الاجتماعية والسياسية للتيارات الشعبوية في 31 دولة، أن 77 في المائة من الألمان يعتبرون أن مجتمعهم في حال من الانكسار، وأن 75 في المائة من الفرنسيين يعتقدون أن بلدهم إلى انهيار، وأن ما يزيد على 50 في المائة من الإيطاليين والفرنسيين والبولنديين والهولنديين والبلجيكيين، يؤيدون ظهور «زعيم قوي يرغب في الخروج عن القواعد السائدة». ومن ثم، كثيرون يؤمنون بأن رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين تجسّد، باسم أوروبا، «الإذعان» لهذا المنحى الأميركي القوي، و«الانحناء» أمام العاصفة على أمل إبعادها عن الاتحاد... بانتظار أيام أفضل. إلا أن هؤلاء، في المقابل، يحذّرون من خطورة مثل هذا الرهان؛ لأن كل خضوع أمام المشيئة «الترمبية» قد يكون يؤدي إلى تسجيل المزيد من النقاط لصالح الرئيس الأميركي ولـ«بيادقه» داخل الاتحاد، وترسيخ لوصفاته التي كانت من «المحرّمات» في المشروع الأوروبي، مثل حملات الطرد الواسعة للمهاجرين، والتشكيك في حسنات النظام الديمقراطي، أو الفصل بين السلطات. ومن جهة ثانية، ينبّه آخرون إلى أن الاتحاد الأوروبي، في حال الإبقاء على نهجه المتسامح إزاء طروحات الرئيس الأميركي، سيجد صعوبة كبيرة في محاولة «تأديب» الدول الأعضاء التي تقرر الانضمام إلى الركب «الترمبي» مثل المجر حالياً، أو فرنسا في حال وصول مارين لوبن إلى قصر الإليزيه الرئاسي.


مقالات ذات صلة

الاتحاد الأوروبي يبدأ محادثات العضوية مع أوكرانيا ومولدوفا

أوروبا مقر الاتحاد الأوروبي في العاصمة البلجيكية بروكسل (د.ب.أ)

الاتحاد الأوروبي يبدأ محادثات العضوية مع أوكرانيا ومولدوفا

يبدأ الاتحاد الأوروبي مفاوضات الانضمام الرسمية مع أوكرانيا ومولدوفا، الاثنين، بعدما تخلت المجر عن اعتراضاتها.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)
حصاد الأسبوع في أبريل 2026 أصبح أرتان أول حكم كرة قدم صومالي يُسمى للتحكيم في نهائيات كأس العالم

عمر أرتان... موهبة صومالية أفقدتها حسابات السياسة صافرة «المونديال»

في أحد أحياء العاصمة الصومالية مقديشو ووسط أجواء حرب أهلية، أبصر عمر أرتان النور يوم يونيو (حزيران) 1992، ليشق طريقه وسط ظروف قاسية نحو عالم كرة القدم.

محمد الريس (القاهرة)
أوروبا أعلام الاتحاد الأوروبي ترفرف خارج مقر المفوضية في بروكسل (رويترز)

الاتحاد الأوروبي يرى الحوار مع طالبان سبيلاً وحيداً بشأن طالبي اللجوء الأفغان

أكّد مسؤول في الاتحاد الأوروبي الخميس أن لا خيار أمام التكتل سوى الحوار مع حكومة طالبان بشأن إعادة الأفغان الذين رفضت طلبات لجوئهم.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)
أوروبا أعلن للمرة الأولى عن توقيع اتفاقية نشر جنود فرنسيين في قبرص خلال لقاء الرئيس إيمانويل ماكرون ونظيره القبرصي نيكوس خريستودوليدس خلال زيارته لنيقوسيا في أبريل الماضي (أ.ف.ب)

تركيا ترفض اتفاقاً لنشر قوات فرنسية في قبرص وتحذر من تداعيات خطيرة

أعلنت تركيا رفضها اتفاقاً بين فرنسا وقبرص لاستضافة قوات فرنسية على الأراضي القبرصية ووصفته بأنه يخالف القانون الدولي

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
الاقتصاد مديرة صندوق النقد الدولي كريستالينا غورغييفا تتحدث إلى مراسلين اقتصاديين في بروكسل حول آفاق منطقة اليورو (إكس)

صندوق النقد يخفّض توقعات نمو منطقة اليورو مجدداً ويرفع تقديرات التضخم

حذر صندوق النقد الدولي من أن صدمة أسعار الطاقة الناجمة عن حرب إيران ستؤدي إلى سحب نمو منطقة اليورو نحو مستويات أدنى مما كان متوقعاً سابقاً.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)

واشنطن ترسم بـ«القنابل» حدود التفاوض مع طهران

مروحيات "أباتشي" فوق مياه مضيق هرمز (آ ف ب/سنتكوم)
مروحيات "أباتشي" فوق مياه مضيق هرمز (آ ف ب/سنتكوم)
TT

واشنطن ترسم بـ«القنابل» حدود التفاوض مع طهران

مروحيات "أباتشي" فوق مياه مضيق هرمز (آ ف ب/سنتكوم)
مروحيات "أباتشي" فوق مياه مضيق هرمز (آ ف ب/سنتكوم)

لم تعد المواجهة الأميركية - الإيرانية تدور عند هامش الهدنة، أو في منطقة الالتباس بين الحرب والتفاوض؛ فمع الضربات الجوية الأميركية، دخلت الأزمة طور «التفاوض تحت النار»؛ إذ نفّذ الرئيس الأميركي دونالد ترمب تهديداته بعدما اتهم طهران بالمماطلة و«اللعب على الوقت»، وأمر بموجة ضربات على أهداف في جنوب إيران، شملت، بحسب مسؤولين أميركيين، منظومات دفاع جوي ورادارات ووحدات قيادة وسيطرة للطائرات المسيّرة. كذلك، لم تعد واشنطن تعرض القوة باعتبارها رداً محدوداً على إسقاط مروحية «أباتشي» أميركية قرب مضيق هرمز فحسب، بل كأداة ضغط لإجبار إيران على القبول باتفاق بشروط أميركية. وبهذا المعنى، انتقلت إدارة ترمب من الردع الدفاعي إلى «الدبلوماسية القسرية» المكشوفة. وتصريحات وزير الدفاع بيت هيغسيث، بأن واشنطن «ستفاوض بالقنابل إذا لزم الأمر»، أوضحت الهدف السياسي من الضربات. لكن المفارقة الخطرة أن استخدام القوة لتقصير طريق الاتفاق قد يدفع طهران إلى رد يوسّع الاشتباك، ويفتح الباب أمام حرب تقول واشنطن إنها لا تريدها.

بدأ التصعيد الأخير في «الحرب الإيرانية - الأميركية - الإسرائيلية» بردّ أميركي على إسقاط مروحية من نوع «أباتشي» في منطقة مضيق هرمز. وفي حينه بدت الضربات الأولى محسوبة: استهداف رادارات ومنظومات دفاعية ومواقع تحكّم، مع الحرص على تجنب سقوط قتلى إيرانيين يفرضون على طهران ردّاً أكبر. إلا أن موجة الأربعاء غيّرت المعنى السياسي والعسكري للعملية. ذلك أن الضربة الثانية لم تُقدَّم فقط بوصفها انتقاماً من حادث بعينه، بل كجزء من قرار أميركي بزيادة الكلفة على إيران كلما تأخرت في توقيع اتفاق.

أكبر من رسالة وأقل من حرب

هذا التدرّج يشرح حسابات ترمب، أي: ضربات كبيرة بما يكفي لإيصال رسالة، ومحدودة بما يكفي لتجنب حرب شاملة.

إنه يريد إثبات أن تهديداته ليست كلاماً انتخابياً، مع إبقاء الباب مفتوحاً أمام صفقة. غير أن المعادلة باتت أكثر هشاشة، بعدما تحوّلت التهديدات إلى ضربات مباشرة داخل أراضٍ إيرانية حساسة بجنوب البلاد وقرب مضيق هرمز.

فرزين نديمي، الباحث المتخصص في شؤون الأمن والدفاع في إيران ومنطقة الخليج في «معهد واشنطن لشؤون الشرق الأدنى»، رأى في لقاء مع «الشرق الأوسط»، أن الطرفين يحاولان في هذه المرحلة «فرض إرادتيهما ووضع القواعد». وهنا لا يستبعد نديمي كلياً أن يكون اصطدام المسيّرة الإيرانية بالمروحية الأميركية حادثاً غير مقصود، لكنه يقرأ السلوك الإيراني في سياقه الأوسع، أي أنه محاولة لإظهار مَن يملك اليد العليا في المضيق، والتدخل في العمليات الأميركية، واختبار حدود الردع الأميركي. ولذا، في رأيه، جاء رد ترمب السريع على أهداف عسكرية داخل إيران لإفهام طهران أن العبث بحرية الحركة الأميركية في الخليج لن يبقى بلا ثمن.

في المقابل، تدرك واشنطن أن مقتل جنود أميركيين أو إصابة منشآت خليجية كبرى قد يخرج الأزمة من دائرة «الضغط من أجل الاتفاق» إلى دائرة الحرب. ولهذا فإن عبارة «الضرب من أجل التفاوض» لا تلغي خطر الانزلاق، بل تكشف عنه. فالقوة هنا محاولة لإعادة ترتيب الطاولة قبل الجلوس إليها، لكن الطرف الآخر قد يردّ على الطاولة نفسها بالقوة أيضاً.

ربط الساحات

في خلفية التصعيد، تواصل إيران العمل بمنطق «ربط الساحات». وهي اليوم لا تتعامل مع مضيق هرمز، والملف النووي، ولبنان، وإسرائيل، والقواعد الأميركية كملفات منفصلة، بل تحاول تحويلها إلى أوراق داخل مساومة واحدة مع واشنطن: فإذا ضُغط عليها نووياً، لوّحت بالملاحة؛ وإذا استُنزف «حزب الله» في لبنان، أمكنها التصعيد ضد إسرائيل أو في الخليج؛ وإذا طُلبت منها تنازلات قاسية، حضرت ورقة القواعد الأميركية والسفن ومنشآت النفط.

نديمي، بالتالي، يضع المسألة في إطارها السياسي الأوضح. فهو يقول إن النظام الإيراني يريد إدخال لبنان، أو على الأقل بيروت وضواحيها، في أي «صفقة» مع الولايات المتحدة، لكنه يستبعد قبول إسرائيل بذلك. وبحسب هذه القراءة، لا يقتصر «ربط الساحات» على تحريك حلفاء أو إطلاق صواريخ، بل يشمل أيضاً استخدام خطر اشتعال الجبهة الإيرانية - الإسرائيلية، وتهديد المضيق والقواعد الأميركية، من أجل منع إسرائيل من استكمال تقويض «حزب الله» في لبنان، ومنع الدولة اللبنانية من احتكار القرارين الأمني والعسكري.

لكن هذه الاستراتيجية تعكس القدرة على التعطيل أكثر مما تعكس قدرة على فرض تسوية مستقرة؛ فإيران تستطيع إرباك الملاحة، لكنها لا تتحمل إغلاقاً طويلاً للمضيق من دون رد عسكري واقتصادي واسع. وهي تستطيع أيضاً استخدام «حزب الله» كورقة ردع، لكنها لا تستطيع بسهولة إعادة بناء موقعه السابق بعد الحرب والضربات الإسرائيلية والضغط الأميركي. ثم إن تفوّق الولايات المتحدة وإسرائيل الجوي والاستخباراتي يجعل كلفة المواجهة المفتوحة باهظة.

لا تتعامل واشنطن مع هرمز والنووي ولبنان وإسرائيل والقواعد الأميركية كملفات منفصلة

مضيق هرمز: ورقة الضغط الأخطر

يبقى مضيق هرمز قلب الأزمة. فإسقاط المروحية الأميركية، والحديث عن مضايقة السفن، والضربات على الرادارات والدفاعات الجوية في الجنوب الإيراني، عناصر تؤكد أن الصراع على المضيق صار أحد مفاتيح التفاوض.

واشنطن تريد تثبيت أن المرور في هذا الشريان العالمي لن يخضع لإذن إيراني، وأن أي محاولة لفرض «رسوم سياسية» أو أمنية على الملاحة ستواجه بالقوة. أما إيران فتريد إثبات أن أي اتفاق يتجاهل قدرتها على التأثير في المضيق سيكون اتفاقاً ناقصاً.

وتنسجم هذه القراءة مع ما يقوله نديمي عن أن طهران لا تختبر فقط قدرة واشنطن على الرد، بل تختبر أيضاً مدى استعدادها لفرض قواعد اشتباك جديدة في الممر البحري الأكثر حساسية في العالم. وهي مع محاولة إظهار اليد العليا في المضيق لا تهدف فقط إلى إحراج الجيش الأميركي، بل إلى تثبيت فكرة أن أي تفاهم حول النووي أو العقوبات أو خفض التصعيد لا يمكن أن يتجاهل موقع إيران الجغرافي وقدرتها على تهديد خطوط الطاقة.

هذه النقطة تكتسب أهمية أكبر بعد كشف ترمب عن عمليات أميركية لمرافقة سفن تجارية عبر المضيق، وكلامه عن استمرار تدفق كميات كبيرة من النفط على الرغم من التهديدات الإيرانية. وحتى لو بالغ في تصوير العملية باعتبارها «سرية»، تظل الرسالة السياسية واضحة وهي واشنطن تريد كسر الانطباع بأن إيران تستطيع خنق السوق النفطية العالمية متى شاءت. فاضطراب التأمين والشحن يمنح طهران ورقة ضغط، بينما نجاح واشنطن في تأمين المرور يضعفها.

... لبنان داخل «الصفقة الكبرى»

وسط هذه المواجهة، لا يغيب لبنان عن الحسابات الإيرانية والأميركية والإسرائيلية. فإيران تنظر إلى «حزب الله» باعتباره آخر أوراق نفوذها الكبرى في المشرق، وأي تسوية لا تحمي موقعه أو تمنع استكمال إضعافه ستُقرأ في طهران كهزيمة استراتيجية. لذا تحاول إيران، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، إدخال لبنان في أي تفاهم مع واشنطن، أو على الأقل منع إسرائيل من استثمار اللحظة لإعادة رسم ميزان القوى جنوب لبنان.

في المقابل، لا تريد واشنطن أن تتحوّل المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية إلى رهينة إيرانية. ويشرح ديفيد شينكر، نائب وزير الخارجية الأميركي الأسبق لشؤون الشرق الأدنى، أن إدارة ترمب تدرك مخاوف الحكومة اللبنانية من مواجهة مباشرة مع «حزب الله»، لذلك تدفع بخطة تقلل احتمالات الصدام تتضمن نشر وحدات الجيش اللبناني في مناطق تكون إسرائيل قد أخلتها من عناصر الحزب ومخازنه، ثم تتولى منع عودة المقاتلين والسلاح إليها. ويضيف شينكر أن عودة السكان، وبالذات الشيعة، قد تمنح الحكومة رصيداً إذا نجحت في تأمين المناطق. لكنه يحذّر من أن «حزب الله» سيختبر الجيش ويحاول إعادة بناء حضوره، وأن الخطة ستفشل ما لم يتخذ الجيش خطوات فعلية لمنع ذلك.

هنا تدخل العقوبات الأميركية كأداة ضغط موازية للضغط العسكري في الخليج. وبحسب شينكر، فإن صدور عقوبات جديدة مسألة «شبه مضمونة»، وأن استهداف معاوني رئيس مجلس النواب نبيه برّي الأمنيين «كان رسالة بأنه نفسه سيحاسَب إذا عرقل المسارين السياسي والعسكري بين لبنان وإسرائيل». أما العقوبات على ضباط في الأمن العام واستخبارات الجيش، فهي في رأيه أهم؛ لأنها تستهدف نمطاً قديماً من التنسيق والتسريب والتعايش بين مؤسسات أمنية لبنانية و«حزب الله». وبالتالي، فالرسالة الأميركية ليست موجهة إلى الحزب وحده، بل أيضاً إلى بنية الدولة التي سمحت له بالبقاء داخل القرار الأمني.

عقدة «النووي» والصفقة الناقصة

في سياق متصل، في قلب التصعيد كله، تبقى المفاوضات النووية. فواشنطن لا تريد تهدئة عسكرية فقط، بل «اتفاقاً ذا معنى»، كما قال ترمب، يقيّد البرنامج النووي الإيراني لسنوات.

الملفات المطروحة معقدة: تعليق التخصيب، التعامل مع مخزون اليورانيوم المخصب، تعطيل أو تفكيك منشآت رئيسية، وقبول تفتيش مفاجئ. وهذه ليست تنازلات تقنية بسيطة، بل تمسّ ما تعدّه إيران سيادة وطنية ورمزاً لقدرتها على تحدي الضغوط الغربية.

لذلك، تبدو طهران مترددة. فهي تريد تخفيف العقوبات والإفراج عن الأموال المجمّدة والاعتراف بدورها الإقليمي، لكنها لا تريد الظهور كأنها وقّعت تحت القصف.

ثم إنها تخشى من أن يؤدي اتفاق نووي صارم إلى تقليص أوراق قوتها من دون ضمانات لبقاء نفوذها الإقليمي. لكن مغادرة الوفد القطري المفاوض للعاصمة طهران، مساء الأربعاء، من دون تحقيق أي خرق دبلوماسي، أكدت أن الفجوة لا تزال عميقة. وفي المقابل، يعتقد ترمب أن الوقت الذي منحته واشنطن لإيران استُهلك بلا نتيجة، وأن الضربات قد تكسر المراوحة وتدفع طهران إلى قرار سريع.

الدبلوماسي الأميركي المخضرم دينيس روس رأى في مقالة رأي أن لجوء ترمب لسياسات الضغط القصوى دفع القادة الإيرانيين إلى الشعور بأنه ليس لديهم ما يخسرونه، فاستخدموا أوراقاً قصوى كتعطيل الملاحة. لكن روس يشدد على أن الاقتصاد الإيراني بات على حافة الانهيار، وأن تدمير الرادارات والدفاعات الجوية وشبكات المياه - كما حدث في مقاطعة سيريك الإيرانية - يعمّق أزمات النظام الداخلية.

ويضيف روس أن «الخطر الأكبر ليس في انهيار المفاوضات فقط، بل في التوصل إلى صفقة ناقصة». فقد ينجح الطرفان في وقف الضربات وفتح المضيق وتجميد بعض عناصر البرنامج النووي، لكن من دون معالجة آليات التصعيد الأخرى، مثل: المضايقات البحرية، ونشاط «حزب الله» في لبنان، وحرية إسرائيل في تنفيذ ضربات ضد أهداف إيرانية أو حليفة لإيران. عندها لن تنتهي الحرب، بل سيعاد تنظيمها في اشتباكات محسوبة قابلة للانفجار في أي لحظة.

أيضاً فإن تخفيفاً اقتصادياً واسعاً وغير مشروط للعقوبات قد يمنح النظام الإيراني فرصة لإعادة ترميم قدراته وشبكاته الإقليمية، بينما قد يدفعه الضغط بلا أفق سياسي إلى تصعيد أوسع. لذلك تبدو واشنطن أمام توازن بالغ الدقة: أن تقدم لإيران مخرجاً لا يبدو إنقاذاً مجانياً، وأن تفرض قيوداً لا تجعل التوقيع مستحيلاً، وأن تردع من دون أن تنزلق إلى حرب لا تريدها.


أربع قضايا نووية تركز عليها أميركا وإيران في المباحثات

صورة أقمار اصطناعية تُظهِر منشأة «نطنز» النووية بمحافظة أصفهان وسط إيران 7 مارس 2026 (أ.ف.ب)
صورة أقمار اصطناعية تُظهِر منشأة «نطنز» النووية بمحافظة أصفهان وسط إيران 7 مارس 2026 (أ.ف.ب)
TT

أربع قضايا نووية تركز عليها أميركا وإيران في المباحثات

صورة أقمار اصطناعية تُظهِر منشأة «نطنز» النووية بمحافظة أصفهان وسط إيران 7 مارس 2026 (أ.ف.ب)
صورة أقمار اصطناعية تُظهِر منشأة «نطنز» النووية بمحافظة أصفهان وسط إيران 7 مارس 2026 (أ.ف.ب)

على الرغم من حدة الاشتباكات الميدانية، فقد كشفت التقارير الدبلوماسية عن أن خلف الكواليس تستمر مفاوضات صاغ فيها مساعدو الرئيس ترمب مع وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي الخطوط العريضة لاتفاق نووي محتمل مدته 15 سنة، يتجاوز مجرد تأمين حرية الملاحة في مضيق هرمز المغلق منذ ما يزيد على 100 يوم. وبحسب صحيفة الـ«نيويورك تايمز»، الخلاصات الأساسية لهذه المفاوضات المعقدة، تتمحور حول أربعة ملفات شائكة:

- مدة تعليق التخصيب: تطالب واشنطن بوقف كامل لتخصيب اليورانيوم لمدة لا تقل عن 20 عاماً، في حين تصر طهران على 10 سنوات، مع وجود مؤشرات على إمكانية التسوية عند 15 عاماً.

- مصير المخزون المخصب: تسعى الولايات المتحدة بالتعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية لـ«تخفيف» كامل المخزون الإيراني البالغ 11 طناً (بما في ذلك الوقود القريب من درجة إنتاج الأسلحة)، وسط خلاف حول ما إذا كان التدمير سيجري محلياً أم بنقله خارج البلاد.

- تفكيك المنشآت الحصينة: تصرّ واشنطن على التفكيك التام لمواقع نطنز وفوردو وأصفهان، التي تضررت سابقاً في ضربات «مطرقة منتصف الليل»، بينما ترفض إيران التخلي عما تسميه «حق التخصيب» وتطالب بالإبقاء على منشأة واحدة مفتوحة.

- التفتيش الفجائي والصارم: يطالب الجانب الأميركي بمنح المفتشين الدوليين صلاحية الدخول «في أي وقت وإلى أي مكان»، وهو ما يواجه ممانعة إيرانية شديدة؛ نظراً لوجود العديد من المواقع المشتبه بها داخل القواعد العسكرية المغلقة التابعة لـ«الحرس الثوري».

وتُظهر الخلاصات أن أي اتفاق نووي مستقبلي - رغم أفضليته الفنية مقارنة باتفاق عام 2015 - سيبقى رهينة لمدى التزام النظام الإيراني على أرض الواقع، وقدرته على كبح جماح التيار المتشدد داخل «الحرس الثوري»، الذي يرى في هذه الشروط استسلاماً كاملاً. وهو ما يفسر لجوء طهران لرفع وتيرة التصعيد العسكري كأداة لتحسين شروط التفاوض هرباً من تقديم تنازلات استراتيجية تمس جوهر بقاء النظام ونفوذه الإقليمي.


عمر أرتان... موهبة صومالية أفقدتها حسابات السياسة صافرة «المونديال»

في أبريل 2026 أصبح أرتان أول حكم كرة قدم صومالي يُسمى للتحكيم في نهائيات كأس العالم
في أبريل 2026 أصبح أرتان أول حكم كرة قدم صومالي يُسمى للتحكيم في نهائيات كأس العالم
TT

عمر أرتان... موهبة صومالية أفقدتها حسابات السياسة صافرة «المونديال»

في أبريل 2026 أصبح أرتان أول حكم كرة قدم صومالي يُسمى للتحكيم في نهائيات كأس العالم
في أبريل 2026 أصبح أرتان أول حكم كرة قدم صومالي يُسمى للتحكيم في نهائيات كأس العالم

في أحد أحياء العاصمة الصومالية مقديشو ووسط أجواء حرب أهلية، أبصر عمر أرتان النور يوم يونيو (حزيران) 1992، ليشق طريقه وسط ظروف قاسية نحو عالم كرة القدم. لم يكن نجماً يطارد الأهداف؛ بل كان حكماً حمل الصافرة ليصبح وجهاً صومالياً بارزاً في الملاعب الأفريقية. وبعد 34 سنة وبالشهر ذاته، يونيو 2026، كاد أرتان يولد من جديد ويدخل منصة الكبار عبر حلم «المونديال» بالمشاركة في نهائيات كأس العالم التي انطلقت الخميس، لولا «كارت أحمر» أصدرته واشنطن ضده في مطار ميامي الأميركي، بزعم «تطبيق قانون يمنع دخول جنسيات من بينها الصومال». وهكذا تحوّل عمر إلى «أيقونة عالمية»، وتصدّر اسمه النشرات الإخبارية وسط مواقف دعم من مختلف البلدان، واستقبلته بلاده استقبال الملوك في احتفال غير مسبوق، وتقدّم المستقبلين الرئيس حسن شيخ محمود.

في مسيرة الـ34 سنة، نجاحات عديدة خطّها عمر عبد القادر أرتان، الحاصل على بكالوريوس في التنمية. وفي دولة أنهكتها الحرب الأهلية، يواجه كثيرون تحدّيات جمة في رسم مستقبل ناجح، ولكن كان لأرتان رأي آخر تكشفه الأرقام؛ إذ سرعان ما حصل على الشارة الدولية في عام 2018، وأدرج رسمياً في قائمة حكام «الفيفا» (الاتحاد الدولي لكرة القدم) الدوليين بعد سنتين فقط من حصوله على فرصة التحكيم في دوري الدرجة الأولى الصومالي عام 2016، و4 سنوات من ولوجه تدريبات التحكيم الرياضي عام 2014، وبدء إدارة الدرجة الثالثة بالدوري الصومالي.

اعتماده حكماً دولياً

كانت أول مباراة تولّى أرتان تحكيمها خارج النطاق المحلي، بعد اعتماده حكماً دولياً، مباراة أجريت في كينيا بين فريقي ناديين من كينيا ومدغشقر. وبعدها شارك أرتان حكماً في دورة اتحاد شمال أفريقيا تحت 20 سنة في عام 2022، وفي كأس الأمم الأفريقية تحت 23 سنة في عام 2023.

ثم، في يناير (كانون الثاني) 2024، أصبح أول صومالي يدير مباراة في كأس الأمم الأفريقية بكوت ديفوار، لدى إشرافه على لقاء تونس وناميبيا ضمن دور المجموعات، وقد وصفت وكالة الأنباء الصومالية (صونا) تلك المباراة يومذاك، بـ«المباراة الصعبة».

هذا السجل المشرّف لم يتوقف؛ إذ صار أرتان أول صومالي يحكم مباراة نهائي أفريقيا، حين أدار مباراة الإياب بين بيراميدز المصري وماميلودي صنداونز الجنوب أفريقي في القاهرة، وكانت تلك الخطوة المتفردة في شهر يونيو (حزيران) في عام 2025.

وفي يوليو (تموز) 2025، اختير الحكم الصومالي الموهوب ضمن قائمة «الفيفا» التي يدير حكامها مباريات كأس العالم للشباب تحت 20 سنة، التي نظمت في تشيلي. وبعدها، في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025، عرف أرتان نجاحاً جديداً وكبيراً عندما توّج بجائزة «أفضل حكم في أفريقيا» لعام 2025، خلال حفل جوائز الاتحاد الأفريقي لكرة القدم (الكاف) الذي استضافته العاصمة المغربية الرباط، وكان هذا الإنجاز وفق وكالة الأنباء الصومالية «الأكبر في تاريخ التحكيم الصومالي».

حكم أفريقيا البارز

جاء اختيار أرتان، في حينه، بعد منافسة قوية مع حكمين من جنوب أفريقيا وموريشيوس. وأعلنت لجنة الجوائز في «الكاف» فوزه تقديراً لأدائه الاستثنائي خلال العام الحالي، وإدارته عدداً من أهم المباريات القارية والدولية، وعلى رأسها نهائي دوري أبطال أفريقيا، ومباريات كأس العالم تحت 20 سنة التي تُوِّج بها المنتخب المغربي.

وحقاً، يُعدّ هذا التتويج محطة بارزة في مسيرة أرتان، الذي لمع اسمه خلال السنوات الأخيرة بفضل انضباطه، وحرفيته، وقراراته الدقيقة داخل الملعب، ما جعله - بحسب وكالة الأنباء الصومالية - واحداً من أبرز حكام القارة.

ومن ثم، دفع هذا التتويج رئيس الصومال، حسن شيخ محمود، للقاء أرتان والإشادة به، واعتبار نجاحه «إنجازاً تاريخياً يعكس صورة مشرقة للشباب الصومالي وقدرته على التنافس في الميادين الدولية». وأردف أنه «يمثل نموذجاً للإصرار والتميز... وفوزه يشرف الصومال وشعبها».

في مصاف «الكبار»... وصدمة مؤلمة

في أبريل (نيسان) 2026، دخل عمر أرتان مكانة الكبار في كرة القدم باختياره للمشاركة في نهائيات كأس العالم لكرة القدم، ليصبح بذلك أول حكم صومالي يبلغ هذا الإنجاز التاريخي في مسيرة الرياضة الوطنية. وهذه المحطة دفعت رئيس البلاد لتهنئته للمرة الثانية، واعتباره «نموذجاً مُلهماً ومصدر فخر للأجيال الصاعدة من الشباب الطامح إلى التميز».

غير أن فرحة مقديشو وعمر أرتان لم تدُم سوى شهرين؛ إذ صدمه قرار رسمي أميركي من واشنطن منعه في يونيو الحالي من دخول البلاد.

فلقد أوقف أرتان في مطار ميامي ومنع من دخول الولايات المتحدة، ونقلت وكالة «رويترز» الأربعاء، عن إدارة الجمارك وحماية الحدود الأميركية في بيان، أن مواطناً صومالياً، دون ذكر اسمه، وصل إلى مطار ميامي الدولي آتياً من إسطنبول يوم السبت الماضي، واعتُبر غير مسموح له بالدخول بسبب مخاوف تتعلق بالتحريات الأمنية. وجاء القرار بعد أشهر من فرض واشنطن حظراً شاملاً على سفر مواطني 12 دولة منها الصومال في عام 2025.

الاتحاد الدولي (الفيفا) أكد الاثنين الماضي، أن أرتان لن يتمكن من التدريب والتحكيم في نهائيات كأس العالم، التي انطلقت الخميس في كل من الولايات المتحدة وكندا والمكسيك. ولم يجد الرئيس الأميركي دونالد ترمب، تبريراً في مواجهة انتقاد رياضي بدأ يتزايد إلى أن يخرج الأربعاء، مدّعياً أن الولايات المتحدة منعت دخول الحكم الصومالي بسبب صلته بأفراد «يشتبه في انتمائهم إلى منظمات إرهابية»، من دون أن يقدم دليلاً على ذلك.

غير أن اتهام ترمب كان بلا صدى؛ إذ كان ضجيج الاحتفالات والتضامن مع الحكم الصومالي الأعلى أصداءً. وأفادت وكالة الأنباء الصومالية الأربعاء، بأن «أرتان وصل إلى العاصمة مقديشو وسط استقبال حافل في مطار آدم عبد الله الدولي، تقدمه وزراء ونواب في البرلمان الفيدرالي، وممثلون عن الاتحاد الوطني لكرة القدم، بالإضافة إلى مسؤولين آخرين وشرائح المجتمع المدني المختلفة، بخلاف دعم دولي».

وبحسب الصورة التي نشرتها الوكالة، كانت ملامح وجه أرتان تشع بالفرحة وسط زحام كبير، عزّزته لغة صمود بدت في تصريحاته، وقال أثناء تلويح مئات الجماهير بعلم الصومال: «أعدكم، بمشيئة الله، أنني سأحضر البطولة التالية. أريد أن يطمئنّ الشعب الصومالي إلى هذا، وأن يظل واثقاً».

أما «وكالة الصحافة الفرنسية» (أ.ف.ب) فنقلت عن أرتان قوله: «على الرغم من الظروف التي أمرّ بها، فإنني في مزاج إيجابي وأركّز على التحدّيات المقبلة في مسيرتي التحكيمية». وتابع: «أود أن أشكر عائلة كرة القدم على رسائلها، وأتمنى لزملائي كل التوفيق والنجاح خلال كأس العالم، وأتطلع إلى الانضمام إليهم مجدّداً في مسابقات مستقبلية».

تعليقات صومالية

سعاد جالو، الرئيسة بالإنابة للجنة الأولمبية الوطنية الصومالية، قالت لـ«الشرق الأوسط» معلّقة، إنها «حزينة لما يحدث... وإذا كانت هناك اعتبارات أمنية، فلماذا مُنحت له التأشيرة أصلاً؟»، قبل أن تجيب: «عندما تغيب الشفافية عن الإجراءات، تتراجع الثقة في النظام بأكمله وتمسّ مصداقية (الفيفا)، وتتناقض مع الإرث الطويل من الانفتاح والاستضافة للولايات المتحدة».

أما المحلل السياسي الصومالي حسن نور، فقد اعتبر أن «الصومال ربح أكثر من مرة من هذا الحكم الصومالي المتميز»، وأضاف لـ«الشرق الأوسط»، أن أرتان «رمز رياضي كبير استطاع أن يجمع الشعب الصومالي حكومة ومعارضة عليه، رغم خلافاتهما التي تجاوزت أكثر من سنة، والجميع توحّد خلف دعمه، في موقف غير مسبوق».

من جهة أخرى، رأى نور أن كأس العالم خسرت حكماً متميزاً، «وعرف العالم أن الصومال يضم نجوماً كباراً، فضلاً عن الاحتفاء الواسع والتضامن الكبير الذي لاقاه أرتان عقب عودته إلى بلاده، بخلاف دعم غير منقطع النظير من السلطات الحكومية».

بدوره، أعرب الاتحاد الصومالي لكرة القدم في بيان، عن «حزنه إزاء ما حدث»، واصفاً تعيين أرتان لإدارة مباريات كأس العالم بأنه إنجاز تاريخي للبلاد نتج عن سنوات من التفاني والمهنية والنزاهة. وتابع أنه «رغم أن نهائيات كأس العالم انطلقت الخميس بمشاركة 48 منتخباً، بحثاً عن تتويج وفوز عالمي يوم الختام 19 يوليو، فإن الحكم الصومالي المبعد عمر أرتان كان أول الفائزين باحتفاء عالمي غير مسبوق، كان ربما لا يصل إليه حال استمر بالبطولة، وكأنه ينطبق عليه عبارة (من رحم المعاناة يولد الأمل)».

على الصعيد الرسمي

أما على الصعيد الرسمي، فقد أعربت وزارة الخارجية الصومالية في بيان الأربعاء، عن أسفها الشديد إزاء قرار السلطات الأميركية منع دخول الحكم الدولي الصومالي، مشددة على أن أرتان «أحد أبرز الرموز الرياضية في الصومال، ومصدر فخر واعتزاز وطني لإسهاماته الكبيرة وإنجازاته التي ألهمت الشباب الصومالي».وقالت الوزارة إن الحكومة الفيدرالية بذلت جهوداً دبلوماسية مكثفة مع الجهات المعنية لتسهيل سفر أرتان، إلا أن تلك المساعي لم تفضِ إلى النتيجة المرجوة. وبالتالي، عاد الحكم إلى مقديشو وسيواصل أداء مهامه ومسؤولياته الوطنية والقارية بالمستوى نفسه من التفاني والمهنية العالية التي عُرف بها طوال مسيرته الرياضية. ووجّهت «الخارجية» الصومالية خالص شكرها وتقديرها لجميع الدول الشقيقة، والأفراد، والهيئات والمؤسسات الرياضية التي عبّرت عن تضامنها ودعمها خلال هذه الفترة. وشدد البيان على أن «الخارجية» ستواصل اتصالاتها مع الشركاء المعنيين للحصول على إيضاحات إضافية بشأن هذه المسألة، مؤكدةً التزامها الثابت بصون كرامة مواطنيها وحماية حقوقهم في الخارج.