«المظلّة النووية» الأوروبية... خطوة في مسيرة الألف ميل

صعوبات جدّية أمام استغناء أوروبا عن حماية واشنطن وإيجاد بديل لها

ماكرون وستارمر (أ.ب)
ماكرون وستارمر (أ.ب)
TT

«المظلّة النووية» الأوروبية... خطوة في مسيرة الألف ميل

ماكرون وستارمر (أ.ب)
ماكرون وستارمر (أ.ب)

يُجمع المحلّلون الاستراتيجيون على توصيف المرحلة الراهنة التي تجتازها أوروبا بـ«المفصلية»؛ نظراً للتحديات التي تواجهها، وهي معروفة: حرب أوكرانيا المتواصلة منذ ثلاث سنوات ونصف السنة، وحروب الشرق الأوسط وانعكاساتها على القارة القديمة، وتمرّد «الجنوب الشامل» وسعي قادته لإحداث تغيير في موازين القوى في العالم. غير أن الجانب اللافت أكثر من غيره هو «الضبابية» في العلاقات... أو ما يمكن تسميته «تلاشي اليقين» إزاء السياسة الأميركية منذ عودة الرئيس دونالد ترمب إلى البيت الأبيض في بداية العام الحالي.

ما يثير قلق الأوروبيين راهناً ثلاثة أمور: الأول، تغيّر السياق العسكري في أوروبا وخوف الأوروبيين من روسيا ومن طموحاتها، واعتبارهم أن الرئيس فلاديمير بوتين «لن يكتفي» بما سيحصل عليه من أوكرانيا في نهاية المطاف وأن طموحاته الأوروبية تذهب أبعد من ذلك؛ ولذا عليهم التأهب.

والثاني، تذبذب سياسة الإدارة الأميركية إزاء حرب أوكرانيا، وخوفها من أن تشيح واشنطن نظرها عما يحصل شرق أوروبا؛ كي تركز اهتمامها على الصين التي تعتبرها منافسها الاستراتيجي.

والثالث، أن يقرّر الرئيس الأميركي، في لحظة ما، أن الدفاع عن أوروبا مسؤولية الأوروبيين، وبالتالي... يتخلّى عن حلف شمال الأطلسي (ناتو) ويسحب المظلة النووية الأميركية عنهم، وهي المظلة التي تفيأوا ظلها طيلة عقود طويلة؛ الأمر الذي يجعلهم منكشفين أمام ما يعتبرونه «خطراً روسياً». ومن ثم، فهم الآن يجدّون البحث عن «بديل».

المظلة «البديلة» لا يمكن البحث عنها إلا لدى الدولتين النوويتين في أوروبا، وهما فرنسا وبريطانيا. من هنا، فإن زيارة الدولة التي قام بها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى بريطانيا، والتركيز في جانب منها على التعاون العسكري بين الطرفين، وتحديداً النووي، قد تشكّل انعطافة مهمة وخطوة أولى باتجاه التأسيس لرَدع نووي أوروبي. إلا أن تحقيق مشروع كهذا دونه عقبات كثيرة، أهمها: الانقسامات الأوروبية، وتمسّك دول عديدة في شرق أوروبا وشمالها بالحماية الأميركية التي وفّرت للقارة القديمة، منذ تأسيس «ناتو»، الأمن والسلام.

«إعلان نورثوود» البريطاني - الفرنسي

يمثّل الإعلان المشترك بعنوان «إعلان الجمهورية الفرنسية والمملكة المتحدة لبريطانيا العظمى وآيرلندا الشمالية بشأن السياسة والتعاون في المجال النووي» حجر الأساس لتعزيز العلاقات الدفاعية بين الطرفين. ولقد جاء في فقرته الأولى، أنه «لا يوجد دليل أقوى على متانة وأهمية علاقتنا الثنائية من رغبتنا في التعاون في هذا المجال البالغ الحساسية».

بيد أن الأهم ورد في الفقرتين الثانية والثالثة؛ إذ جاء في الثانية ما يلي: «تهدف أسلحتنا النووية إلى ردع التهديدات القصوى لأمن بلدينا ومصالحنا الحيوية. قواتنا النووية مستقلة، لكنها قابلة للتنسيق، وتُسهم بشكل كبير في الأمن الشامل للتحالف وفي السلام والاستقرار في المنطقة الأوروبية الأطلسية». ونصّت الفقرة الثالثة على أنه «كما نعلن صراحة منذ عام 1995، أننا لا نتصوّر وجود حالة تُهدّد فيها المصالح الحيوية لأحد بلدينا، فرنسا والمملكة المتحدة، من دون أن تكون المصالح الحيوية للآخر مهددة أيضاً. و(اليوم) تتفّق فرنسا والمملكة المتحدة على أنه لا وجود لتهديد خطير ضد أوروبا لا يستدعي استجابة (رداً) من قبل بلدينا معاً».

يتضمّن الإعلان «المبدئي» نقلة نوعية لجهة التهديدات التي تبرّر لجوء البلدين لاستخدام السلاح النووي. فالعقيدة النووية السابقة التي تربط البلدين تعود إلى عام 1995، التي يتضمنها ما يُسمّى «إعلان تشيكرز» الذي يحصر الضغط على الزر النووي بالدفاع المتبادل بين باريس ولندن. ووفق «إعلان نورثوود»، فإن وظيفة نووي البلدين تذهب أبعد من ذلك؛ لأنه يشير إلى إمكانية اللجوء إلى قوة الردع النووية في حال «وجود تهديدات قصوى لأوروبا».

ولأن الطرفين يعتبران أن «الغموض الاستراتيجي» يُعدّ إحدى أوراق الردع، فإنّهما يمتنعان عن تعريف طبيعة «التهديدات القصوى» التي تستدعي ردّاً نووياً. كذلك، لا يفصح «الإعلان» عن هوية الدول المعنية بهذا الرد: فهل تشمل كل الدول المنتمية إلى الاتحاد الأوروبي (ناتو)، أي الدول التي تُعدّ «غربيةّ» بالمفهوم السياسي؟

اما الطريق للعمل بـ«العقيدة» النووية الجديدة فيمر بـ«تعميق التعاون والتنسيق النووي» بين الطرفين من خلال «إنشاء مجموعة توجيه نووية فرنسية - بريطانية لضمان التنسيق السياسي لهذا العمل، وهي ستُدار من قِبل رئاسة الجمهورية الفرنسية ومكتب رئيس الوزراء البريطاني، وستضطلع بدور تنسيقي في المجالات الاستراتيجية والقدراتية والعملياتية».

في المؤتمر الصحافي المشترك الذي عقده ماكرون مع رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر مساء العاشر من يوليو (تموز)، شدد الأول على أن «الزمن تغيّر» وأن التعاون العسكري بين بريطانيا وفرنسا يجب أن يأخذ بعين الاعتبار «مواجهة نزاع رئيس في أوروبا خلال السنوات القريبة المقبلة تشارك فيه دول متقدمة»، في إشارة لروسيا.

وتميل باريس، كما جاء في وثيقة «التهديدات الاستراتيجية» التي نُشرت يوم 14 يوليو الحالي، إلى اعتبار أن نزاعاً من هذا النوع يمكن أن يحصل قبل بلوغ عام 2030. وخلاصة الرئيس الفرنسي، أنه «في هذا السياق، يتعين على أوروبا أن تعرف أنها تستطيع الاعتماد على قطب استراتيجي نووي يجمع فرنسا والمملكة المتحدة».

ووصف ماكرون القرارات التي اتُخذت بأنها «جوهرية». واللافت، أنه في إشارته إلى «الاستجابة» المشتركة لـ«التهديد الخطير» لأوروبا، لم يستبعد استخدام السلاح النووي بقوله: «أياً كانت طبيعة هذه الاستجابة». ولأنه يعي أن المعارضة في بلاده، يميناً ويساراً؛ يمكن أن تأخذ عليه تفريطه بالسيادة الفرنسية وبقوة الردع التي تمتلكها، حرص كما في كل مرة يثار فيها هذا الموضوع، إلى التأكيد أن فرنسا وبريطانيا «ستبقيان بلدين مستقلين وذوي سيادة».

المنطلق الفرنسي - البريطاني الأول، أن الضغط على الزرّ النووي يجب أن يبقى «سيادياً»، بمعنى أن يبقى بين يدي السلطات المعنية في البلدين. ووصفت هيلوييز فاييه، الباحثة في المعهد الفرنسي للعلاقات الدولية أن ما تحقّق في بريطانيا يُعدّ «خطوة إضافية فعلاً بدرجة غير مسبوقة من التنسيق العسكري والسياسي»، معتبرة أنه «ينسجم مع العقيدة النووية الفرنسية، التي تعتبر أن المصالح الحيوية الفرنسية تتضمن بُعداً أوروبياً».

كذلك، فإنها ترى أنه يتماشى مع العقيدة البريطانية التي «تندرج تقليدياً ضمن إطار الحلف الأطلسي والتعاون مع الولايات المتحدة». وفي أي حال، فإن ماكرون دعا، منذ عام 2020، إلى إطلاق «حوار استراتيجي حول دور الردع النووي الفرنسي في الحفاظ على أمننا الجماعي»، مضيفاً أن «للمصالح الحيوية الفرنسية بعداً أوروبياً». وقبل ماكرون، تطرّق كل الرؤساء الفرنسيين إلى «البعد الأوروبي» للردع النووي الفرنسي.

مظلة واحدة أم مظلتان أميركية وأوروبية؟

من جهة ثانية، في مقال نشرته صحيفة «لوموند» بتاريخ 10 مارس (آذار) الماضي تحت عنوان: «هل حان الوقت لنشر مظلة نووية أوروبية حقيقية فوق أوروبا؟»، ميّز كاتبه الباحث الاستراتيجي الفرنسي برونو لوتيرتريه بين «سيناريوهين»:

السيناريو الأول، سمّاه «الضمانة الإضافية»، التي تفترض بقاء المظلة النووية الأميركية - الأطلسية، وأن يعمد الأوروبيون بالاستناد إلى فرنسا وبريطانيا إلى تطوير مظلة نووية «رديفة»، الغرض منها توفير مزيد من الطمأنة للأوروبيين، ولكن من غير الانقطاع عن الحليف الأميركي ما يمكن أن يعني أيضاً استباق انسحاب أميركي قد يحصل في المستقبل والتأهب لهذا الاحتمال. ومن المعلوم أن الولايات المتحدة تنشر، منذ سنوات، أسلحة نووية في ألمانيا، وبلجيكا، وإيطاليا، وهولندا وتركيا في إطار ما يسمى «تقاسم الأسلحة النووية». إلا أن مفتاح الاستخدام موجود في واشنطن ولا يمكن الوصول إليه إلا بالحصول على ضوء أخضر أميركي.

أما السيناريو الآخر، فسماه تيرتريه «الضمانة الرئيسة». وهو يتعلّق بانحسار المظلة الأميركي، وحاجة الأوروبيين المطلقة إلى التنسيق فيما بينهم للنظر في كيفية الاستفادة من القدرات النووية الفرنسية والبريطانية وتأمين ورقة ردع نووية ذاتية تتمتع بالمصداقية «في نظر موسكو».

حقيقة الأمر، أن «المظلة» الأوروبية لن ترى النور غداً، وما جاء في الإعلان البريطاني - الفرنسي ليس سوى خطوة في مسار الألف ميل. بل، إذا كان صحيحاً أن العقيدة النووية الفرنسية أشارت منذ ما قبل ماكرون إلى «البعد الأوروبي» لقدرات الردع الفرنسية، فإن ذلك بقي مجرد صيغة إنشائية تتردّد في البيانات والخطب، من دون مضمون جدّي.

إلا أن وصول فريدريتش ميرتس إلى المستشارية في برلين سرّع البحث في هذا المجال. ومنذ ما قبل تسلّمه مهماته رسمياً يوم 6 مايو (أيار) الماضي، طرح ميرتس إشكالية «المظلة» الأوروبية، معرباً عن «انفتاحه» لتوسيع رقعة الحماية النووية الفرنسية - البريطانية. وقال ميرتس في مقابلة صحافية مع إذاعة «دويتشه لاند فونك» يوم 6 مارس الماضي حرفياً: «علينا ببساطة أن نصبح أقوى معاً في مجال الردع النووي في أوروبا؛ إذ إن الوضع العالمي، وخاصة القضايا الأمنية الحالية، يتطلب منّا نحن الأوروبيين أن نناقش هذا الموضوع معاً»، مشدداً على أن النقاشات يجب أن تشمل فرنسا وبريطانيا.

ماكرون يرى أن «الزمن تغيّر» وأن التعاون العسكري بين بريطانيا وفرنسا يجب أن يتحسّب لنزاع كبير في أوروبا خلال سنوات قليلة

ووفق المستشار الألماني الجديد، فإن الغرض من المناقشات هو «معرفة ما إذا كانت ألمانيا قادرة على الاستفادة من المشاركة النووية (مع باريس ولندن) أو على الأقل الحصول على الأمن النووي». بيد أنه حرص على تأكيد أمرين: الأول، أن المظلة الأوروبية «يجب أن تكون مُكملة للمظلة النووية الأميركية التي نرغب بالطبع في الإبقاء عليها». والآخر أن ألمانيا «لن تتمكّن ولن يُسمح لها بامتلاك السلاح النووي». وللتذكير، فإن ألمانيا وقَّعت على معاهدة منع انتشار السلاح النووي. ولكن مع عودة ترمب إلى البيت الأبيض، ثمة أصوات من داخل حزب ميرتس (الاتحاد الديمقراطي المسيحي) ومن اليمين المتطرف (حزب البديل لألمانيا) تدعو بالفعل إلى أن تمتلك ألمانيا سلاحاً نووياً.

المستشار الألماني ميرتس (آ ف ب)

الجدل الألماني

ولكن لا يتوقّف الاهتمام بالمظلّة الأوروبية عند الحدود الألمانية. إذ إن بولندا، بدورها، مهتمة للغاية. وقال رئيسها أندريه دودا، في تصريح لقناة «إل سي آي» الإخبارية الفرنسية، يوم 6 مارس الماضي، إن بلاده «ترحب» بأن تمتد المظلة الفرنسية النووية لتحمي شركاء أوروبيين، مضيفاً أن «المصالح الحيوية الفرنسية تبدأ في بولندا، كما أنها تمتدّ إلى أوكرانيا». وفي نظره، انفتاح باريس، في هذا السياق، «يعكس إحساساً بالمسؤولية» إزاء حماية أوروبا من اعتداء خارجي. بيد أن النقاش حمي وطيسه في ألمانيا مع كلام يانس سباهن، رئيس مجموعة نواب اليمين الديمقراطي المسيحي في «البوندستاغ»، الذي أثار جدلاً واسعاً بقوله لصحيفة «فيلت أم سانتونغ» في أول يوليو: «يجب علينا أن نناقش موضوع إيجاد مظلة نووية أوروبية مستقلة، ولن ينجح ذلك إلا بقيادة ألمانية». وأردف سباهن: «إذا لم نتمكن من توفير رادع نووي، سنتحول بيدقاً في السياسة العالمية». وخلاصته، أن على ألمانيا «مناقشة مشاركتها ومشاركة أوروبا في الترسانة النووية لفرنسا وبريطانيا. ومع أن ذلك سيكون مكلفاًً، لكن لحمايتنا يتوجب علينا تمويله».

وجاء الرد عليه سريعاً من ميرتس، بعد ذلك بقليل؛ إذ قال الأخير خلال مؤتمر صحافي، في برلين، مع لوك فريدن، رئيس وزراء لوكسمبورغ: «يجب بذل كل جهد ممكن للحفاظ على المشاركة النووية للولايات المتحدة في السنوات، بل في العقود المقبلة». ولمزيد من الإيضاح؛ أضاف أن الغرض «ليس الاستعاضة عن الضمانات التي توفرها الولايات المتحدة بضمانات لأوروبا... وليست هناك مبادرات ملموسة، بل جُلّ ما هو متوافر بعض النقاشات مع الجانب الفرنسي».

المتابعون يدركون أن المسألة النووية بالغة الحساسية في ألمانيا التي تخلّت بموجب المعاهدة المسماة «2 زائد 4» الموقّعة في موسكو، في ديسمبر (كانون الأول) 1990 عن إنتاج وامتلاك أو السيطرة على أسلحة نووية أو كيماوية أو بيولوجية. وكانت الدول الموقّعة يومذاك: ألمانيا الغربية والشرقية إضافة إلى الدول الحليفة الأربع بريطانيا، وفرنسا، والولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي (قبل انهياره). وكان ذلك هو الثمن الذي دفعه الألمان لقبول إعادة توحيد بلادهم. لكن اقتراب الخطر الروسي وانعدام الثقة بديمومة الحماية الأميركية يدفعان الألمان إلى إعادة النظر بوضعهم العسكري والاستراتيجي ويجعلهم يبحثون عن «البديل» مع الإعلان عن تمسكهم بالحماية الأميركية. وجوهر ما يقوله ميرتس عن الحاجة إلى بقاء الالتزام الأميركي أوروبياً «لسنوات وعقود» وجود علامات استفهام جدية حول قيام مظلة نووية أوروبية. إذ ثمة أسئلة تُطرح حول كفاية القوة النووية الفرنسية - البريطانية التي لا يتعدى حجمها الـ525 رأساً نووياً لتشكل قوة ردع فاعلة ولحماية أوروبا أو بعض منها.

فضلاً عن ذلك، فإن القوة البريطانية مرتبطة عضوياً وصناعياً بالولايات المتحدة. وبالتالي، لا تمتلك لندن الحرية الكاملة للتصرف بما تملكه. ثم إن تأسيس قوة أوروبية يفترض انطلاق مناقشات معقدة وصعبة مقرونة بانقسامات داخلية أوروبية بين مَن يروّج للاستقلالية الاستراتيجية ومَن يتمسك بالأهداب الأميركية. وعليه، فالسيناريو المرجّح عنوانه البحث عن مظلة نووية فرنسية - بريطانية «مُكملة» لا «بديلة» فعلية للمظلة الأميركية.


مقالات ذات صلة

واشنطن ترسم بـ«القنابل» حدود التفاوض مع طهران

حصاد الأسبوع مروحيات "أباتشي" فوق مياه مضيق هرمز (آ ف ب/سنتكوم)

واشنطن ترسم بـ«القنابل» حدود التفاوض مع طهران

لم تعد المواجهة الأميركية - الإيرانية تدور عند هامش الهدنة، أو في منطقة الالتباس بين الحرب والتفاوض؛ فمع الضربات الجوية الأميركية، دخلت الأزمة طور

إيلي يوسف ( واشنطن)
حصاد الأسبوع صورة أقمار اصطناعية تُظهِر منشأة «نطنز» النووية بمحافظة أصفهان وسط إيران 7 مارس 2026 (أ.ف.ب)

أربع قضايا نووية تركز عليها أميركا وإيران في المباحثات

على الرغم من حدة الاشتباكات الميدانية، فقد كشفت التقارير الدبلوماسية عن أن خلف الكواليس تستمر مفاوضات صاغ فيها مساعدو الرئيس ترمب مع وزير الخارجية الإيراني

حصاد الأسبوع في أبريل 2026 أصبح أرتان أول حكم كرة قدم صومالي يُسمى للتحكيم في نهائيات كأس العالم

عمر أرتان... موهبة صومالية أفقدتها حسابات السياسة صافرة «المونديال»

في أحد أحياء العاصمة الصومالية مقديشو ووسط أجواء حرب أهلية، أبصر عمر أرتان النور يوم يونيو (حزيران) 1992، ليشق طريقه وسط ظروف قاسية نحو عالم كرة القدم.

محمد الريس (القاهرة)
حصاد الأسبوع غرب العراق... في صميم أخبار الحرب الإقليمية الحالية (آ ف ب)

هل تكون صحراء العراق الغربية قنبلة مؤجلة بين إيران وإسرائيل؟

على الرغم من الإجراءات التي بدأتها الحكومة العراقية الجديدة برئاسة علي الزيدي لجهة «حصر السلاح بيد الدولة»، يظل باب المفاجآت مفتوحاً. للعلم بند «حصر السلاح»

حمزة مصطفى (بغداد)
حصاد الأسبوع اللواء مقداد ميري (واع)

قصة «القواعد الإسرائيلية» تقابل بنفي وارتباك عراقيين

نفت كل من وزارتي الداخلية والدفاع العراقيتين التقارير الصحافية الأميركية عن وجود قواعد إسرائيلية داخل الأراضي العراقية، لكن الأمر يبقى لغزاً من الألغاز.


واشنطن ترسم بـ«القنابل» حدود التفاوض مع طهران

مروحيات "أباتشي" فوق مياه مضيق هرمز (آ ف ب/سنتكوم)
مروحيات "أباتشي" فوق مياه مضيق هرمز (آ ف ب/سنتكوم)
TT

واشنطن ترسم بـ«القنابل» حدود التفاوض مع طهران

مروحيات "أباتشي" فوق مياه مضيق هرمز (آ ف ب/سنتكوم)
مروحيات "أباتشي" فوق مياه مضيق هرمز (آ ف ب/سنتكوم)

لم تعد المواجهة الأميركية - الإيرانية تدور عند هامش الهدنة، أو في منطقة الالتباس بين الحرب والتفاوض؛ فمع الضربات الجوية الأميركية، دخلت الأزمة طور «التفاوض تحت النار»؛ إذ نفّذ الرئيس الأميركي دونالد ترمب تهديداته بعدما اتهم طهران بالمماطلة و«اللعب على الوقت»، وأمر بموجة ضربات على أهداف في جنوب إيران، شملت، بحسب مسؤولين أميركيين، منظومات دفاع جوي ورادارات ووحدات قيادة وسيطرة للطائرات المسيّرة. كذلك، لم تعد واشنطن تعرض القوة باعتبارها رداً محدوداً على إسقاط مروحية «أباتشي» أميركية قرب مضيق هرمز فحسب، بل كأداة ضغط لإجبار إيران على القبول باتفاق بشروط أميركية. وبهذا المعنى، انتقلت إدارة ترمب من الردع الدفاعي إلى «الدبلوماسية القسرية» المكشوفة. وتصريحات وزير الدفاع بيت هيغسيث، بأن واشنطن «ستفاوض بالقنابل إذا لزم الأمر»، أوضحت الهدف السياسي من الضربات. لكن المفارقة الخطرة أن استخدام القوة لتقصير طريق الاتفاق قد يدفع طهران إلى رد يوسّع الاشتباك، ويفتح الباب أمام حرب تقول واشنطن إنها لا تريدها.

بدأ التصعيد الأخير في «الحرب الإيرانية - الأميركية - الإسرائيلية» بردّ أميركي على إسقاط مروحية من نوع «أباتشي» في منطقة مضيق هرمز. وفي حينه بدت الضربات الأولى محسوبة: استهداف رادارات ومنظومات دفاعية ومواقع تحكّم، مع الحرص على تجنب سقوط قتلى إيرانيين يفرضون على طهران ردّاً أكبر. إلا أن موجة الأربعاء غيّرت المعنى السياسي والعسكري للعملية. ذلك أن الضربة الثانية لم تُقدَّم فقط بوصفها انتقاماً من حادث بعينه، بل كجزء من قرار أميركي بزيادة الكلفة على إيران كلما تأخرت في توقيع اتفاق.

أكبر من رسالة وأقل من حرب

هذا التدرّج يشرح حسابات ترمب، أي: ضربات كبيرة بما يكفي لإيصال رسالة، ومحدودة بما يكفي لتجنب حرب شاملة.

إنه يريد إثبات أن تهديداته ليست كلاماً انتخابياً، مع إبقاء الباب مفتوحاً أمام صفقة. غير أن المعادلة باتت أكثر هشاشة، بعدما تحوّلت التهديدات إلى ضربات مباشرة داخل أراضٍ إيرانية حساسة بجنوب البلاد وقرب مضيق هرمز.

فرزين نديمي، الباحث المتخصص في شؤون الأمن والدفاع في إيران ومنطقة الخليج في «معهد واشنطن لشؤون الشرق الأدنى»، رأى في لقاء مع «الشرق الأوسط»، أن الطرفين يحاولان في هذه المرحلة «فرض إرادتيهما ووضع القواعد». وهنا لا يستبعد نديمي كلياً أن يكون اصطدام المسيّرة الإيرانية بالمروحية الأميركية حادثاً غير مقصود، لكنه يقرأ السلوك الإيراني في سياقه الأوسع، أي أنه محاولة لإظهار مَن يملك اليد العليا في المضيق، والتدخل في العمليات الأميركية، واختبار حدود الردع الأميركي. ولذا، في رأيه، جاء رد ترمب السريع على أهداف عسكرية داخل إيران لإفهام طهران أن العبث بحرية الحركة الأميركية في الخليج لن يبقى بلا ثمن.

في المقابل، تدرك واشنطن أن مقتل جنود أميركيين أو إصابة منشآت خليجية كبرى قد يخرج الأزمة من دائرة «الضغط من أجل الاتفاق» إلى دائرة الحرب. ولهذا فإن عبارة «الضرب من أجل التفاوض» لا تلغي خطر الانزلاق، بل تكشف عنه. فالقوة هنا محاولة لإعادة ترتيب الطاولة قبل الجلوس إليها، لكن الطرف الآخر قد يردّ على الطاولة نفسها بالقوة أيضاً.

ربط الساحات

في خلفية التصعيد، تواصل إيران العمل بمنطق «ربط الساحات». وهي اليوم لا تتعامل مع مضيق هرمز، والملف النووي، ولبنان، وإسرائيل، والقواعد الأميركية كملفات منفصلة، بل تحاول تحويلها إلى أوراق داخل مساومة واحدة مع واشنطن: فإذا ضُغط عليها نووياً، لوّحت بالملاحة؛ وإذا استُنزف «حزب الله» في لبنان، أمكنها التصعيد ضد إسرائيل أو في الخليج؛ وإذا طُلبت منها تنازلات قاسية، حضرت ورقة القواعد الأميركية والسفن ومنشآت النفط.

نديمي، بالتالي، يضع المسألة في إطارها السياسي الأوضح. فهو يقول إن النظام الإيراني يريد إدخال لبنان، أو على الأقل بيروت وضواحيها، في أي «صفقة» مع الولايات المتحدة، لكنه يستبعد قبول إسرائيل بذلك. وبحسب هذه القراءة، لا يقتصر «ربط الساحات» على تحريك حلفاء أو إطلاق صواريخ، بل يشمل أيضاً استخدام خطر اشتعال الجبهة الإيرانية - الإسرائيلية، وتهديد المضيق والقواعد الأميركية، من أجل منع إسرائيل من استكمال تقويض «حزب الله» في لبنان، ومنع الدولة اللبنانية من احتكار القرارين الأمني والعسكري.

لكن هذه الاستراتيجية تعكس القدرة على التعطيل أكثر مما تعكس قدرة على فرض تسوية مستقرة؛ فإيران تستطيع إرباك الملاحة، لكنها لا تتحمل إغلاقاً طويلاً للمضيق من دون رد عسكري واقتصادي واسع. وهي تستطيع أيضاً استخدام «حزب الله» كورقة ردع، لكنها لا تستطيع بسهولة إعادة بناء موقعه السابق بعد الحرب والضربات الإسرائيلية والضغط الأميركي. ثم إن تفوّق الولايات المتحدة وإسرائيل الجوي والاستخباراتي يجعل كلفة المواجهة المفتوحة باهظة.

لا تتعامل واشنطن مع هرمز والنووي ولبنان وإسرائيل والقواعد الأميركية كملفات منفصلة

مضيق هرمز: ورقة الضغط الأخطر

يبقى مضيق هرمز قلب الأزمة. فإسقاط المروحية الأميركية، والحديث عن مضايقة السفن، والضربات على الرادارات والدفاعات الجوية في الجنوب الإيراني، عناصر تؤكد أن الصراع على المضيق صار أحد مفاتيح التفاوض.

واشنطن تريد تثبيت أن المرور في هذا الشريان العالمي لن يخضع لإذن إيراني، وأن أي محاولة لفرض «رسوم سياسية» أو أمنية على الملاحة ستواجه بالقوة. أما إيران فتريد إثبات أن أي اتفاق يتجاهل قدرتها على التأثير في المضيق سيكون اتفاقاً ناقصاً.

وتنسجم هذه القراءة مع ما يقوله نديمي عن أن طهران لا تختبر فقط قدرة واشنطن على الرد، بل تختبر أيضاً مدى استعدادها لفرض قواعد اشتباك جديدة في الممر البحري الأكثر حساسية في العالم. وهي مع محاولة إظهار اليد العليا في المضيق لا تهدف فقط إلى إحراج الجيش الأميركي، بل إلى تثبيت فكرة أن أي تفاهم حول النووي أو العقوبات أو خفض التصعيد لا يمكن أن يتجاهل موقع إيران الجغرافي وقدرتها على تهديد خطوط الطاقة.

هذه النقطة تكتسب أهمية أكبر بعد كشف ترمب عن عمليات أميركية لمرافقة سفن تجارية عبر المضيق، وكلامه عن استمرار تدفق كميات كبيرة من النفط على الرغم من التهديدات الإيرانية. وحتى لو بالغ في تصوير العملية باعتبارها «سرية»، تظل الرسالة السياسية واضحة وهي واشنطن تريد كسر الانطباع بأن إيران تستطيع خنق السوق النفطية العالمية متى شاءت. فاضطراب التأمين والشحن يمنح طهران ورقة ضغط، بينما نجاح واشنطن في تأمين المرور يضعفها.

... لبنان داخل «الصفقة الكبرى»

وسط هذه المواجهة، لا يغيب لبنان عن الحسابات الإيرانية والأميركية والإسرائيلية. فإيران تنظر إلى «حزب الله» باعتباره آخر أوراق نفوذها الكبرى في المشرق، وأي تسوية لا تحمي موقعه أو تمنع استكمال إضعافه ستُقرأ في طهران كهزيمة استراتيجية. لذا تحاول إيران، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، إدخال لبنان في أي تفاهم مع واشنطن، أو على الأقل منع إسرائيل من استثمار اللحظة لإعادة رسم ميزان القوى جنوب لبنان.

في المقابل، لا تريد واشنطن أن تتحوّل المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية إلى رهينة إيرانية. ويشرح ديفيد شينكر، نائب وزير الخارجية الأميركي الأسبق لشؤون الشرق الأدنى، أن إدارة ترمب تدرك مخاوف الحكومة اللبنانية من مواجهة مباشرة مع «حزب الله»، لذلك تدفع بخطة تقلل احتمالات الصدام تتضمن نشر وحدات الجيش اللبناني في مناطق تكون إسرائيل قد أخلتها من عناصر الحزب ومخازنه، ثم تتولى منع عودة المقاتلين والسلاح إليها. ويضيف شينكر أن عودة السكان، وبالذات الشيعة، قد تمنح الحكومة رصيداً إذا نجحت في تأمين المناطق. لكنه يحذّر من أن «حزب الله» سيختبر الجيش ويحاول إعادة بناء حضوره، وأن الخطة ستفشل ما لم يتخذ الجيش خطوات فعلية لمنع ذلك.

هنا تدخل العقوبات الأميركية كأداة ضغط موازية للضغط العسكري في الخليج. وبحسب شينكر، فإن صدور عقوبات جديدة مسألة «شبه مضمونة»، وأن استهداف معاوني رئيس مجلس النواب نبيه برّي الأمنيين «كان رسالة بأنه نفسه سيحاسَب إذا عرقل المسارين السياسي والعسكري بين لبنان وإسرائيل». أما العقوبات على ضباط في الأمن العام واستخبارات الجيش، فهي في رأيه أهم؛ لأنها تستهدف نمطاً قديماً من التنسيق والتسريب والتعايش بين مؤسسات أمنية لبنانية و«حزب الله». وبالتالي، فالرسالة الأميركية ليست موجهة إلى الحزب وحده، بل أيضاً إلى بنية الدولة التي سمحت له بالبقاء داخل القرار الأمني.

عقدة «النووي» والصفقة الناقصة

في سياق متصل، في قلب التصعيد كله، تبقى المفاوضات النووية. فواشنطن لا تريد تهدئة عسكرية فقط، بل «اتفاقاً ذا معنى»، كما قال ترمب، يقيّد البرنامج النووي الإيراني لسنوات.

الملفات المطروحة معقدة: تعليق التخصيب، التعامل مع مخزون اليورانيوم المخصب، تعطيل أو تفكيك منشآت رئيسية، وقبول تفتيش مفاجئ. وهذه ليست تنازلات تقنية بسيطة، بل تمسّ ما تعدّه إيران سيادة وطنية ورمزاً لقدرتها على تحدي الضغوط الغربية.

لذلك، تبدو طهران مترددة. فهي تريد تخفيف العقوبات والإفراج عن الأموال المجمّدة والاعتراف بدورها الإقليمي، لكنها لا تريد الظهور كأنها وقّعت تحت القصف.

ثم إنها تخشى من أن يؤدي اتفاق نووي صارم إلى تقليص أوراق قوتها من دون ضمانات لبقاء نفوذها الإقليمي. لكن مغادرة الوفد القطري المفاوض للعاصمة طهران، مساء الأربعاء، من دون تحقيق أي خرق دبلوماسي، أكدت أن الفجوة لا تزال عميقة. وفي المقابل، يعتقد ترمب أن الوقت الذي منحته واشنطن لإيران استُهلك بلا نتيجة، وأن الضربات قد تكسر المراوحة وتدفع طهران إلى قرار سريع.

الدبلوماسي الأميركي المخضرم دينيس روس رأى في مقالة رأي أن لجوء ترمب لسياسات الضغط القصوى دفع القادة الإيرانيين إلى الشعور بأنه ليس لديهم ما يخسرونه، فاستخدموا أوراقاً قصوى كتعطيل الملاحة. لكن روس يشدد على أن الاقتصاد الإيراني بات على حافة الانهيار، وأن تدمير الرادارات والدفاعات الجوية وشبكات المياه - كما حدث في مقاطعة سيريك الإيرانية - يعمّق أزمات النظام الداخلية.

ويضيف روس أن «الخطر الأكبر ليس في انهيار المفاوضات فقط، بل في التوصل إلى صفقة ناقصة». فقد ينجح الطرفان في وقف الضربات وفتح المضيق وتجميد بعض عناصر البرنامج النووي، لكن من دون معالجة آليات التصعيد الأخرى، مثل: المضايقات البحرية، ونشاط «حزب الله» في لبنان، وحرية إسرائيل في تنفيذ ضربات ضد أهداف إيرانية أو حليفة لإيران. عندها لن تنتهي الحرب، بل سيعاد تنظيمها في اشتباكات محسوبة قابلة للانفجار في أي لحظة.

أيضاً فإن تخفيفاً اقتصادياً واسعاً وغير مشروط للعقوبات قد يمنح النظام الإيراني فرصة لإعادة ترميم قدراته وشبكاته الإقليمية، بينما قد يدفعه الضغط بلا أفق سياسي إلى تصعيد أوسع. لذلك تبدو واشنطن أمام توازن بالغ الدقة: أن تقدم لإيران مخرجاً لا يبدو إنقاذاً مجانياً، وأن تفرض قيوداً لا تجعل التوقيع مستحيلاً، وأن تردع من دون أن تنزلق إلى حرب لا تريدها.


أربع قضايا نووية تركز عليها أميركا وإيران في المباحثات

صورة أقمار اصطناعية تُظهِر منشأة «نطنز» النووية بمحافظة أصفهان وسط إيران 7 مارس 2026 (أ.ف.ب)
صورة أقمار اصطناعية تُظهِر منشأة «نطنز» النووية بمحافظة أصفهان وسط إيران 7 مارس 2026 (أ.ف.ب)
TT

أربع قضايا نووية تركز عليها أميركا وإيران في المباحثات

صورة أقمار اصطناعية تُظهِر منشأة «نطنز» النووية بمحافظة أصفهان وسط إيران 7 مارس 2026 (أ.ف.ب)
صورة أقمار اصطناعية تُظهِر منشأة «نطنز» النووية بمحافظة أصفهان وسط إيران 7 مارس 2026 (أ.ف.ب)

على الرغم من حدة الاشتباكات الميدانية، فقد كشفت التقارير الدبلوماسية عن أن خلف الكواليس تستمر مفاوضات صاغ فيها مساعدو الرئيس ترمب مع وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي الخطوط العريضة لاتفاق نووي محتمل مدته 15 سنة، يتجاوز مجرد تأمين حرية الملاحة في مضيق هرمز المغلق منذ ما يزيد على 100 يوم. وبحسب صحيفة الـ«نيويورك تايمز»، الخلاصات الأساسية لهذه المفاوضات المعقدة، تتمحور حول أربعة ملفات شائكة:

- مدة تعليق التخصيب: تطالب واشنطن بوقف كامل لتخصيب اليورانيوم لمدة لا تقل عن 20 عاماً، في حين تصر طهران على 10 سنوات، مع وجود مؤشرات على إمكانية التسوية عند 15 عاماً.

- مصير المخزون المخصب: تسعى الولايات المتحدة بالتعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية لـ«تخفيف» كامل المخزون الإيراني البالغ 11 طناً (بما في ذلك الوقود القريب من درجة إنتاج الأسلحة)، وسط خلاف حول ما إذا كان التدمير سيجري محلياً أم بنقله خارج البلاد.

- تفكيك المنشآت الحصينة: تصرّ واشنطن على التفكيك التام لمواقع نطنز وفوردو وأصفهان، التي تضررت سابقاً في ضربات «مطرقة منتصف الليل»، بينما ترفض إيران التخلي عما تسميه «حق التخصيب» وتطالب بالإبقاء على منشأة واحدة مفتوحة.

- التفتيش الفجائي والصارم: يطالب الجانب الأميركي بمنح المفتشين الدوليين صلاحية الدخول «في أي وقت وإلى أي مكان»، وهو ما يواجه ممانعة إيرانية شديدة؛ نظراً لوجود العديد من المواقع المشتبه بها داخل القواعد العسكرية المغلقة التابعة لـ«الحرس الثوري».

وتُظهر الخلاصات أن أي اتفاق نووي مستقبلي - رغم أفضليته الفنية مقارنة باتفاق عام 2015 - سيبقى رهينة لمدى التزام النظام الإيراني على أرض الواقع، وقدرته على كبح جماح التيار المتشدد داخل «الحرس الثوري»، الذي يرى في هذه الشروط استسلاماً كاملاً. وهو ما يفسر لجوء طهران لرفع وتيرة التصعيد العسكري كأداة لتحسين شروط التفاوض هرباً من تقديم تنازلات استراتيجية تمس جوهر بقاء النظام ونفوذه الإقليمي.


عمر أرتان... موهبة صومالية أفقدتها حسابات السياسة صافرة «المونديال»

في أبريل 2026 أصبح أرتان أول حكم كرة قدم صومالي يُسمى للتحكيم في نهائيات كأس العالم
في أبريل 2026 أصبح أرتان أول حكم كرة قدم صومالي يُسمى للتحكيم في نهائيات كأس العالم
TT

عمر أرتان... موهبة صومالية أفقدتها حسابات السياسة صافرة «المونديال»

في أبريل 2026 أصبح أرتان أول حكم كرة قدم صومالي يُسمى للتحكيم في نهائيات كأس العالم
في أبريل 2026 أصبح أرتان أول حكم كرة قدم صومالي يُسمى للتحكيم في نهائيات كأس العالم

في أحد أحياء العاصمة الصومالية مقديشو ووسط أجواء حرب أهلية، أبصر عمر أرتان النور يوم يونيو (حزيران) 1992، ليشق طريقه وسط ظروف قاسية نحو عالم كرة القدم. لم يكن نجماً يطارد الأهداف؛ بل كان حكماً حمل الصافرة ليصبح وجهاً صومالياً بارزاً في الملاعب الأفريقية. وبعد 34 سنة وبالشهر ذاته، يونيو 2026، كاد أرتان يولد من جديد ويدخل منصة الكبار عبر حلم «المونديال» بالمشاركة في نهائيات كأس العالم التي انطلقت الخميس، لولا «كارت أحمر» أصدرته واشنطن ضده في مطار ميامي الأميركي، بزعم «تطبيق قانون يمنع دخول جنسيات من بينها الصومال». وهكذا تحوّل عمر إلى «أيقونة عالمية»، وتصدّر اسمه النشرات الإخبارية وسط مواقف دعم من مختلف البلدان، واستقبلته بلاده استقبال الملوك في احتفال غير مسبوق، وتقدّم المستقبلين الرئيس حسن شيخ محمود.

في مسيرة الـ34 سنة، نجاحات عديدة خطّها عمر عبد القادر أرتان، الحاصل على بكالوريوس في التنمية. وفي دولة أنهكتها الحرب الأهلية، يواجه كثيرون تحدّيات جمة في رسم مستقبل ناجح، ولكن كان لأرتان رأي آخر تكشفه الأرقام؛ إذ سرعان ما حصل على الشارة الدولية في عام 2018، وأدرج رسمياً في قائمة حكام «الفيفا» (الاتحاد الدولي لكرة القدم) الدوليين بعد سنتين فقط من حصوله على فرصة التحكيم في دوري الدرجة الأولى الصومالي عام 2016، و4 سنوات من ولوجه تدريبات التحكيم الرياضي عام 2014، وبدء إدارة الدرجة الثالثة بالدوري الصومالي.

اعتماده حكماً دولياً

كانت أول مباراة تولّى أرتان تحكيمها خارج النطاق المحلي، بعد اعتماده حكماً دولياً، مباراة أجريت في كينيا بين فريقي ناديين من كينيا ومدغشقر. وبعدها شارك أرتان حكماً في دورة اتحاد شمال أفريقيا تحت 20 سنة في عام 2022، وفي كأس الأمم الأفريقية تحت 23 سنة في عام 2023.

ثم، في يناير (كانون الثاني) 2024، أصبح أول صومالي يدير مباراة في كأس الأمم الأفريقية بكوت ديفوار، لدى إشرافه على لقاء تونس وناميبيا ضمن دور المجموعات، وقد وصفت وكالة الأنباء الصومالية (صونا) تلك المباراة يومذاك، بـ«المباراة الصعبة».

هذا السجل المشرّف لم يتوقف؛ إذ صار أرتان أول صومالي يحكم مباراة نهائي أفريقيا، حين أدار مباراة الإياب بين بيراميدز المصري وماميلودي صنداونز الجنوب أفريقي في القاهرة، وكانت تلك الخطوة المتفردة في شهر يونيو (حزيران) في عام 2025.

وفي يوليو (تموز) 2025، اختير الحكم الصومالي الموهوب ضمن قائمة «الفيفا» التي يدير حكامها مباريات كأس العالم للشباب تحت 20 سنة، التي نظمت في تشيلي. وبعدها، في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025، عرف أرتان نجاحاً جديداً وكبيراً عندما توّج بجائزة «أفضل حكم في أفريقيا» لعام 2025، خلال حفل جوائز الاتحاد الأفريقي لكرة القدم (الكاف) الذي استضافته العاصمة المغربية الرباط، وكان هذا الإنجاز وفق وكالة الأنباء الصومالية «الأكبر في تاريخ التحكيم الصومالي».

حكم أفريقيا البارز

جاء اختيار أرتان، في حينه، بعد منافسة قوية مع حكمين من جنوب أفريقيا وموريشيوس. وأعلنت لجنة الجوائز في «الكاف» فوزه تقديراً لأدائه الاستثنائي خلال العام الحالي، وإدارته عدداً من أهم المباريات القارية والدولية، وعلى رأسها نهائي دوري أبطال أفريقيا، ومباريات كأس العالم تحت 20 سنة التي تُوِّج بها المنتخب المغربي.

وحقاً، يُعدّ هذا التتويج محطة بارزة في مسيرة أرتان، الذي لمع اسمه خلال السنوات الأخيرة بفضل انضباطه، وحرفيته، وقراراته الدقيقة داخل الملعب، ما جعله - بحسب وكالة الأنباء الصومالية - واحداً من أبرز حكام القارة.

ومن ثم، دفع هذا التتويج رئيس الصومال، حسن شيخ محمود، للقاء أرتان والإشادة به، واعتبار نجاحه «إنجازاً تاريخياً يعكس صورة مشرقة للشباب الصومالي وقدرته على التنافس في الميادين الدولية». وأردف أنه «يمثل نموذجاً للإصرار والتميز... وفوزه يشرف الصومال وشعبها».

في مصاف «الكبار»... وصدمة مؤلمة

في أبريل (نيسان) 2026، دخل عمر أرتان مكانة الكبار في كرة القدم باختياره للمشاركة في نهائيات كأس العالم لكرة القدم، ليصبح بذلك أول حكم صومالي يبلغ هذا الإنجاز التاريخي في مسيرة الرياضة الوطنية. وهذه المحطة دفعت رئيس البلاد لتهنئته للمرة الثانية، واعتباره «نموذجاً مُلهماً ومصدر فخر للأجيال الصاعدة من الشباب الطامح إلى التميز».

غير أن فرحة مقديشو وعمر أرتان لم تدُم سوى شهرين؛ إذ صدمه قرار رسمي أميركي من واشنطن منعه في يونيو الحالي من دخول البلاد.

فلقد أوقف أرتان في مطار ميامي ومنع من دخول الولايات المتحدة، ونقلت وكالة «رويترز» الأربعاء، عن إدارة الجمارك وحماية الحدود الأميركية في بيان، أن مواطناً صومالياً، دون ذكر اسمه، وصل إلى مطار ميامي الدولي آتياً من إسطنبول يوم السبت الماضي، واعتُبر غير مسموح له بالدخول بسبب مخاوف تتعلق بالتحريات الأمنية. وجاء القرار بعد أشهر من فرض واشنطن حظراً شاملاً على سفر مواطني 12 دولة منها الصومال في عام 2025.

الاتحاد الدولي (الفيفا) أكد الاثنين الماضي، أن أرتان لن يتمكن من التدريب والتحكيم في نهائيات كأس العالم، التي انطلقت الخميس في كل من الولايات المتحدة وكندا والمكسيك. ولم يجد الرئيس الأميركي دونالد ترمب، تبريراً في مواجهة انتقاد رياضي بدأ يتزايد إلى أن يخرج الأربعاء، مدّعياً أن الولايات المتحدة منعت دخول الحكم الصومالي بسبب صلته بأفراد «يشتبه في انتمائهم إلى منظمات إرهابية»، من دون أن يقدم دليلاً على ذلك.

غير أن اتهام ترمب كان بلا صدى؛ إذ كان ضجيج الاحتفالات والتضامن مع الحكم الصومالي الأعلى أصداءً. وأفادت وكالة الأنباء الصومالية الأربعاء، بأن «أرتان وصل إلى العاصمة مقديشو وسط استقبال حافل في مطار آدم عبد الله الدولي، تقدمه وزراء ونواب في البرلمان الفيدرالي، وممثلون عن الاتحاد الوطني لكرة القدم، بالإضافة إلى مسؤولين آخرين وشرائح المجتمع المدني المختلفة، بخلاف دعم دولي».

وبحسب الصورة التي نشرتها الوكالة، كانت ملامح وجه أرتان تشع بالفرحة وسط زحام كبير، عزّزته لغة صمود بدت في تصريحاته، وقال أثناء تلويح مئات الجماهير بعلم الصومال: «أعدكم، بمشيئة الله، أنني سأحضر البطولة التالية. أريد أن يطمئنّ الشعب الصومالي إلى هذا، وأن يظل واثقاً».

أما «وكالة الصحافة الفرنسية» (أ.ف.ب) فنقلت عن أرتان قوله: «على الرغم من الظروف التي أمرّ بها، فإنني في مزاج إيجابي وأركّز على التحدّيات المقبلة في مسيرتي التحكيمية». وتابع: «أود أن أشكر عائلة كرة القدم على رسائلها، وأتمنى لزملائي كل التوفيق والنجاح خلال كأس العالم، وأتطلع إلى الانضمام إليهم مجدّداً في مسابقات مستقبلية».

تعليقات صومالية

سعاد جالو، الرئيسة بالإنابة للجنة الأولمبية الوطنية الصومالية، قالت لـ«الشرق الأوسط» معلّقة، إنها «حزينة لما يحدث... وإذا كانت هناك اعتبارات أمنية، فلماذا مُنحت له التأشيرة أصلاً؟»، قبل أن تجيب: «عندما تغيب الشفافية عن الإجراءات، تتراجع الثقة في النظام بأكمله وتمسّ مصداقية (الفيفا)، وتتناقض مع الإرث الطويل من الانفتاح والاستضافة للولايات المتحدة».

أما المحلل السياسي الصومالي حسن نور، فقد اعتبر أن «الصومال ربح أكثر من مرة من هذا الحكم الصومالي المتميز»، وأضاف لـ«الشرق الأوسط»، أن أرتان «رمز رياضي كبير استطاع أن يجمع الشعب الصومالي حكومة ومعارضة عليه، رغم خلافاتهما التي تجاوزت أكثر من سنة، والجميع توحّد خلف دعمه، في موقف غير مسبوق».

من جهة أخرى، رأى نور أن كأس العالم خسرت حكماً متميزاً، «وعرف العالم أن الصومال يضم نجوماً كباراً، فضلاً عن الاحتفاء الواسع والتضامن الكبير الذي لاقاه أرتان عقب عودته إلى بلاده، بخلاف دعم غير منقطع النظير من السلطات الحكومية».

بدوره، أعرب الاتحاد الصومالي لكرة القدم في بيان، عن «حزنه إزاء ما حدث»، واصفاً تعيين أرتان لإدارة مباريات كأس العالم بأنه إنجاز تاريخي للبلاد نتج عن سنوات من التفاني والمهنية والنزاهة. وتابع أنه «رغم أن نهائيات كأس العالم انطلقت الخميس بمشاركة 48 منتخباً، بحثاً عن تتويج وفوز عالمي يوم الختام 19 يوليو، فإن الحكم الصومالي المبعد عمر أرتان كان أول الفائزين باحتفاء عالمي غير مسبوق، كان ربما لا يصل إليه حال استمر بالبطولة، وكأنه ينطبق عليه عبارة (من رحم المعاناة يولد الأمل)».

على الصعيد الرسمي

أما على الصعيد الرسمي، فقد أعربت وزارة الخارجية الصومالية في بيان الأربعاء، عن أسفها الشديد إزاء قرار السلطات الأميركية منع دخول الحكم الدولي الصومالي، مشددة على أن أرتان «أحد أبرز الرموز الرياضية في الصومال، ومصدر فخر واعتزاز وطني لإسهاماته الكبيرة وإنجازاته التي ألهمت الشباب الصومالي».وقالت الوزارة إن الحكومة الفيدرالية بذلت جهوداً دبلوماسية مكثفة مع الجهات المعنية لتسهيل سفر أرتان، إلا أن تلك المساعي لم تفضِ إلى النتيجة المرجوة. وبالتالي، عاد الحكم إلى مقديشو وسيواصل أداء مهامه ومسؤولياته الوطنية والقارية بالمستوى نفسه من التفاني والمهنية العالية التي عُرف بها طوال مسيرته الرياضية. ووجّهت «الخارجية» الصومالية خالص شكرها وتقديرها لجميع الدول الشقيقة، والأفراد، والهيئات والمؤسسات الرياضية التي عبّرت عن تضامنها ودعمها خلال هذه الفترة. وشدد البيان على أن «الخارجية» ستواصل اتصالاتها مع الشركاء المعنيين للحصول على إيضاحات إضافية بشأن هذه المسألة، مؤكدةً التزامها الثابت بصون كرامة مواطنيها وحماية حقوقهم في الخارج.