المسكّنات... بين التسكين المؤقت والمخاطر الخفية

أداة علاج وليست أسلوب حياة

المسكّنات... بين التسكين المؤقت والمخاطر الخفية
TT

المسكّنات... بين التسكين المؤقت والمخاطر الخفية

المسكّنات... بين التسكين المؤقت والمخاطر الخفية

تُعد المسكنات من أكثر الأدوية استخداماً في العالم، ولا يكاد يخلو منزل منها، لعلاج مختلف أنواع الألم. وهي نعمة طبية إذا استُخدمت بحكمة، ونقمة إذا أسيء استخدامها، وتحولت إلى عادة، أو وسيلة للهروب من الألم دون علاج جذري. ورغم فاعليتها في تسكين الألم، فإن استخدامها العشوائي أو المفرط قد تترتب عليه أضرار صحية غير متوقعة.

ما بين التسكين المؤقت للألم وتحقيق الراحة، وبين التسبب في مضاعفات جسيمة تؤثر على أعضاء حيوية في الجسم، يكمن التحدي في ترشيد استخدام هذه العقاقير، وتحديد متى يجب أن تُعطى بسخاء، ومتى يجب أن يُؤخذ الحذر منها.

المسكنات

هي أدوية تُستخدم لتخفيف أو إزالة الألم دون التسبب بفقدان الوعي. وتعمل المسكنات بآليات مختلفة على الجهاز العصبي المركزي، أو المحيطـي لتقليل الإحساس بالألم. وتشمل مجموعة متنوعة من المركبات التي تختلف في القوة، والتأثيرات الجانبية، وآلية العمل.

تصنَّف المسكنات إلى ثلاث فئات رئيسة:

> المسكنات غير الأفيونية (Non - opioid analgesics)، مثل باراسيتامول (Paracetamol)، ومضادات الالتهاب غير الستيرويدية (NSAIDs) منها إيبوبروفين وديكلوفيناك ونابروكسين وأسبرين، وهي تُستخدم لتسكين الألم الخفيف إلى المتوسط، مثل الصداع وآلام الظهر والرقبة وآلام الدورة الشهرية، وآلام العضلات والمفاصل، وغالباً ما تمتلك خصائص مضادة للالتهاب والحمى.

> المسكنات الأفيونية (Opioid analgesics)، مثل مورفين وكودايين وفينتانيل وترامادول، وتُستخدم لعلاج الألم المتوسط إلى الشديد، كالألم المصاحب للسرطان، أو بعد العمليات الجراحية، وتعمل على مستقبلات الأفيون في الدماغ والحبل الشوكي، لكنها تحمل خطر الإدمان، والاعتماد.

> المساعدات المسكنة (Adjuvant analgesics)، وهي أدوية لا تُعد مسكنات تقليدية، لكنها تُستخدم لعلاج أنواع معينة من الألم، مثل ألم الأعصاب، وتشمل مضادات الاكتئاب، ومضادات الاختلاج، وبعض الكورتيزونات.

يجب استخدام المسكنات بحذر، وتحت إشراف طبي، خصوصاً عند استخدامها لفترات طويلة، أو بجرعات عالية، لتجنب الأعراض الجانبية، مثل مشكلات المعدة، الكبد، الكلى، أو الإدمان. وفقاً لمنظمة الصحة العالمية، فإن إساءة استخدام الأدوية الأفيونية تُعد من الأسباب الرئيسة لوفاة الشباب في بعض البلدان المتقدمة (WHO, 2023).

استخدام آمن

هل الاستخدام اليومي للمسكنات آمن؟ ليس دائماً. فالاستخدام المتكرر، حتى للمسكنات الخفيفة مثل باراسيتامول أو إيبوبروفين، قد تكون له تبعات سلبية، نذكر منها أن الاستخدام اليومي قد يخفي أعراض مرض خطير يجب تشخيصه بدلاً من تسكينه. أما الاستخدام المزمن فقد يؤدي إلى ما يُعرف بـ«صداع الإفراط في استخدام المسكنات».

متى تكون المسكنات منقذة؟ في حالات الطوارئ، بعد العمليات، أو لعلاج الألم الناتج عن السرطان. عندما تكون جزءاً من خطة علاج شاملة (تتضمن علاج السبب، وليس فقط العرض). كما يجب استخدامها وفق وصفة طبية، وبجرعات محددة.

متى نقول للطبيب: «أعطِ المسكن بسخاء»؟ في حالات الألم الحاد بعد العمليات الجراحية. وفي رعاية المرضى الميؤوس من شفائهم (الرعاية التلطيفية). وفي حالات الإصابات المؤلمة التي تعوق الوظائف الحيوية.

متى نقول: «كن حذراً»؟ مع المسنين، أو من لديهم ضعف مناعي. عند وجود أمراض مزمنة، مثل أمراض الكبد والكلى. في حالات وجود تاريخ من الإدمان.

عند وجود مشكلات بالجهاز الهضمي، أو القلب.

أما أضرار الاستخدام المفرط للمسكنات فتشمل:

- التأثير على الكبد: الإفراط في تناول الباراسيتامول، مثلاً، يؤدي إلى تلف الكبد.

- التأثير على الكلى: الإفراط في استخدام مضادات الالتهاب غير الستيرويدية (NSAIDs) قد يُضعف وظائف الكلى.

- قرحة المعدة، ونزيف الجهاز الهضمي.

- زيادة خطر الإصابة بأمراض القلب.

- الاعتماد النفسي والجسدي (الإدمان)، خاصة مع المسكنات الأفيونية.

الاستغلال والإدمان

> الاستغلال والإدمان. رغم الفوائد العلاجية الواضحة للمسكنات، خصوصاً الأفيونية منها، فإن الاستخدام غير المنضبط لهذه الأدوية قد يتحول إلى باب خطير للإدمان الجسدي والنفسي، وهو ما دفع العديد من المنظمات الصحية إلى دق ناقوس الخطر. فقد أكد تقرير نُشر في مجلة «The Lancet Psychiatry» عام 2022 أن الإفراط في استخدام المسكنات الأفيونية بات يشكل أزمةَ صحةٍ عامةٍ في عدد من الدول، ويتطلب استجابة متعددة المستويات من القطاعات الصحية، والقانونية.

وفي العالم العربي، تتزايد المخاوف من تفشي هذه الظاهرة، خاصة مع رصد حالات إساءة استخدام لأدوية مثل «ترامادول»، الذي تحول من علاج فعال للألم إلى مادة يُساء استخدامها بشكل واسع. وتُشير إحصاءات «صندوق مكافحة وعلاج الإدمان» في مصر إلى أن الترامادول كان مسؤولاً عن نحو 40 في المائة من حالات الإدمان المسجلة في السنوات الأخيرة، ما يجعله في صدارة العقاقير التي تُستخدم خارج إطارها العلاجي.وفي المملكة العربية السعودية، أصدرت وزارة الصحة تحذيرات متكررة من إساءة استخدام الأدوية الخاضعة للرقابة، وعلى رأسها المسكنات الأفيونية، مؤكدةً في أحد بياناتها أن: «الاستخدام غير المراقب للمسكنات قد يؤدي إلى اعتماد نفسي وجسدي، ويُسبب أعراضاً انسحابية خطيرة، ويمهد للإدمان».

كما أوضحت هيئة الغذاء والدواء السعودية (SFDA) أن تداول هذه الأدوية خارج الوصفة الطبية يُعد مخالفة جسيمة يُعاقب عليها القانون، لما له من آثار سلبية على صحة الأفراد، والمجتمع.

> توصيات منظمة الصحة العالمية. في هذا السياق، توصي منظمة الصحة العالمية (WHO) بتطبيق استراتيجيات وطنية للحد من إساءة استخدام المسكنات، تتضمن:

- تعزيز الوعي المجتمعي بمخاطر الأفيونات.

- تدريب الأطباء والصيادلة على وصف هذه الأدوية ضمن معايير السلامة.

- إدراج علاجات بديلة غير دوائية للألم المزمن ضمن خطط الرعاية الصحية.

وتُشير المنظمة أيضاً إلى أهمية الربط بين العلاج الدوائي والدعم النفسي والاجتماعي، خاصةً في حالات الألم المزمن، لتفادي الوقوع في دوامة الاعتماد على الأدوية.

إن التوازن بين تسكين الألم والوقاية من الإدمان يتطلب وعياً مجتمعياً، ونظاماً رقابياً فعالاً، وتعاوناً متكاملاً بين الجهات الصحية والتشريعية والإعلامية، كي لا يتحول الدواء من وسيلة علاج إلى مصدر تهديد خفي للصحة العامة.

علاجات بديلة غير دوائية

لقد أصبحت العلاجات البديلة غير الدوائية للألم المزمن جزءاً مهماً من خطط الرعاية الصحية المتكاملة في كثير من الأنظمة الصحية، وتهدف إلى تقليل الاعتماد على المسكنات، خاصة الأفيونية. وتوصي منظمة الصحة العالمية بدمج هذه العلاجات ضمن خطط علاج الألم المزمن، خصوصاً عندما يكون الاستخدام طويل الأمد للمسكنات غير ممكن، أو غير آمن. من أهم هذه العلاجات:

- العلاج الطبيعي (Physiotherapy). يُستخدم لتحسين حركة المفاصل والعضلات، وتخفيف التوتر العضلي. يشمل تمارين التمدد، والتقوية، وتحسين الوضعية. وهو فعّال في حالات مثل: آلام الظهر، الرقبة، خشونة المفاصل، وآلام ما بعد الجراحات.

- العلاج السلوكي المعرفي (Cognitive Behavioral Therapy - CBT). يُعالج العلاقة بين التفكير والشعور بالألم. يساعد المرضى على تغيير استجاباتهم النفسية للألم. يُوصى به للألم المزمن المرتبط بالقلق، والاكتئاب.

- الوخز بالإبر (Acupuncture). من العلاجات المستندة للطب الصيني التقليدي. أظهرت دراسات أنه يساعد في تخفيف آلام الظهر، والرقبة، والصداع المزمن. يُحفز إفراز الإندورفينات، ويُحسن تدفق الطاقة في الجسم.

- العلاج بالحرارة والبرودة (Thermotherapy & Cryotherapy). الكمادات الحارة تُساعد على استرخاء العضلات. الكمادات الباردة تُقلل الالتهاب، والتورم.

- العلاج بالموجات فوق الصوتية (Ultrasound Therapy). يُستخدم لتحفيز الأنسجة العميقة، وتخفيف الألم، والتشنجات.

- التأمل وتمارين الاسترخاء (Meditation & Mindfulness). يقللان من توتر العضلات، ويحفّزان التركيز الذهني بعيداً عن الإحساس بالألم. فعالان بشكل خاص في حالات الألم المزمن المصاحب للتوتر، أو القلق.

- الارتجاع البيولوجي (Biofeedback). تقنية تعليمية تساعد المريض على التحكم في العمليات الجسدية، مثل معدل ضربات القلب، وتوتر العضلات باستخدام أجهزة خاصة.

- الدعم الاجتماعي والمجموعات العلاجية. التحدث مع آخرين يعانون من الألم المزمن قد يساعد في تقليل الشعور بالوحدة، وتحفيز التكيف الإيجابي.

الوقاية من الإدمان ومراقبة المرضى

> كيف يحدث الإدمان على المسكنات؟ الاستخدام المتكرر دون مبرر طبي. زيادة الجرعة تدريجياً لتحقيق نفس التأثير. ظهور أعراض انسحاب عند التوقف. الاعتماد النفسي على المسكن باعتباره وسيلة للراحة.

> ما الذي يُنصح به للوقاية من حدوث الإدمان؟

- عدم استخدام المسكنات على أنها حل دائم، بل يجب أن يكون استخدامها وسيلة مؤقتة لتخفيف الألم حتى تُعالج المشكلة الأساسية.

- الحرص على استخدام المسكنات بالحد الأدنى الفعّال من الجرعة الموصى بها.

- استشارة الطبيب إذا كان الألم متكرراً، أو مستمراً.

- عدم الخلط بين عدة أنواع من المسكنات دون علم بتفاعلاتها.

- أخذ الحذر من التوصيات الشفهية بين الأصدقاء أو الأقارب بشأن «أقوى مسكن»، فالأقوى ليس دائماً الأفضل. عدم إعطاء المسكنات للأطفال دون إشراف طبي.

- يجب قراءة النشرة الدوائية بتمعن.

- يجب إبلاغ الطبيب بجميع الأدوية الأخرى التي يستخدمها المريض لتفادي التداخلات الدوائية.

> كيف نراقب المرضى الذين يحتاجون لمسكنات لفترات طويلة؟

- تقييم دوري لوظائف الكبد والكلى.

- متابعة مستوى الألم بشكل دوري، وتعديل الجرعة حسب الحاجة.

- تجنب الجمع بين أكثر من نوع من المسكنات دون استشارة طبية.

- تثقيف المريض بأهمية الالتزام بالجرعة، وتجنب التكرار العشوائي.

> لماذا حُظرت بعض المسكنات؟ اتخذت السلطات الصحية في العديد من الدول قرارات بتنظيم صرف بعض المسكنات الأفيونية، أو سحبها من الأسواق تماماً نتيجة للأسباب التالية:

- ارتفاع معدلات الإدمان والوفيات المرتبطة باستخدامها، خصوصاً في الدول التي انتشر فيها الاستخدام غير المقنن.

- اكتشاف آثار جانبية خطيرة غير قابلة للعكس، مثل تثبيط التنفس، أو إضعاف القلب.

- استخدام بعض العقاقير في الأسواق السوداء بشكل مخالف أدى إلى انتشارها بين الشباب.

- ضعف فعالية بعض الأدوية مقارنة بمخاطرها العالية.

لذلك، أُدرجت بعض هذه الأدوية ضمن قوائم الأدوية المقيدة، بحيث لا تُصرف إلا بوصفة طبية موثقة وموقعة، وبعد التحقق من هوية المريض وتاريخ استخدامه، حرصاً على سلامة المجتمع، وضبط الاستعمال الطبي الدقيق.

أخيراً وفي نهاية المطاف، تبقى المسكنات دواءً، وليست أسلوب حياة، كما أنها ليست عدواً، لكنها، أيضاً، ليست صديقاً دائماً.

إن ترشيد استخدامها وفق الإرشادات الطبية، وتكثيف التوعية المجتمعية يُعدان ضرورة ملحة في مواجهة موجة الاعتماد غير الآمن على هذه الأدوية... استشر طبيبك، وامنح جسدك فرصة للشفاء الطبيعي، وكن شريكاً واعياً في علاجك.وتذكّر دائماً: دواؤك مسؤوليتك.

* استشاري طب المجتمع


مقالات ذات صلة

موجة محمومة لابتكار حلول طبية بالذكاء الاصطناعي

علوم موجة محمومة لابتكار حلول طبية بالذكاء الاصطناعي

موجة محمومة لابتكار حلول طبية بالذكاء الاصطناعي

انعدام العمق الطبي للأدوات الذكية يدعو إلى التأني والتقدير السليم في توظيفه

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
علوم 1مشروع المليون جينوم عربي المستقبلي

هل يعرف الذكاء الاصطناعي جينات العرب؟

يتجه الطب العالمي اليوم نحو مرحلة جديدة تُعرف باسم «الطب الدقيق» (Precision Medicine)، حيث لا تستند القرارات الطبية إلى التشخيص وحده،

د. عميد خالد عبد الحميد (الرياض)
علوم مستقبلات الهيستامين في الدماغ تلعب دورا في الاستجابة للمشاعر

خريطة جينية تكشف دوراً خفياً لـ«الهيستامين» في الصحة النفسية

لطالما ارتبط «الهيستامين» في أذهان الناس بالحساسية والعطاس، لكن دراسة علمية حديثة كشفت أنه قد يكون أحد المفاتيح المهمة لفهم كيفية عمل الدماغ البشري.

د. وفا جاسم الرجب (لندن)
صحتك غالباً ما يوصف ألم القلب بأنه شعور بالضغط أو الثقل في منتصف الصدر وقد يمتد إلى الذراع اليسرى أو الفك أو الرقبة أو الظهر (بيكسباي)

تعرّف على الفرق بين ألم القلب وألم العضلات

قد يساعد التمييز بين ألم القلب وألم العضلات في فهم سبب ألم الصدر لكن استمرار الألم أو ترافقه مع أعراض مقلقة يستوجب تدخلاً طبياً عاجلاً

«الشرق الأوسط» (بيروت)
صحتك يأمل الباحثون أن يؤدي فهم هذه الخلايا الجديدة إلى تقريب العلماء من هدف طال انتظاره يتمثل في التوصل إلى علاج شافٍ لفيروس نقص المناعة البشرية (بيكسباي)

اكتشاف خلايا جديدة يختبئ فيها فيروس نقص المناعة البشرية

كشفت دراسة صينية عن نوع جديد من الخلايا المناعية المتحوّلة التي تؤوي فيروس نقص المناعة البشرية كامناً، ما قد يساعد في تطوير علاجات تستهدف خزاناته الفيروسية.

«الشرق الأوسط» (بكين)

باحثون: فيروس «إيبولا» يظل على قيد الحياة في الدماغ لعدة أشهر


أنبوبة لاختبار فيروس «إيبولا«
أنبوبة لاختبار فيروس «إيبولا«
TT

باحثون: فيروس «إيبولا» يظل على قيد الحياة في الدماغ لعدة أشهر


أنبوبة لاختبار فيروس «إيبولا«
أنبوبة لاختبار فيروس «إيبولا«

سلطت تجارب معملية ‌جديدة الضوء على كيفية بقاء فيروس إيبولا في الجسم دون أن يلاحَظ لعدة أشهر أو حتى سنوات بعد الإصابة الأولية، وهو ​أمر ينطوي على احتمال حدوث انتكاسة.

وجرى رصد فيروس إيبولا المعدي في السائل المنوي لعدة أشهر أو حتى عام بعد الإصابة، كما يمكنه البقاء في الجهاز العصبي المركزي لا سيما الدماغ، حسبما أوضح الباحثون في مناقشتهم لدراستهم المنشورة في مجلة «نيتشر ميكروبيولوجي».

ويرجع هذا إلى أن الخصيتين، مصدر السائل المنوي، والجهاز العصبي المركزي يعتبران «منطقة ‌ذات امتياز ‌مناعي»، مما يعني أن الجهاز المناعي ​يتفاعل ‌بطريقة ⁠ضعيفة ​في هذه ⁠المناطق من أجل حماية الأنسجة الحساسة. ونتيجة لذلك، لا يمكنه دائما القضاء على الفيروس تماما.

ولمعرفة المزيد، قام الباحثون ببرمجة خلايا جذعية بشرية لتنمو إلى ما يسمى الأورغانويدات الدماغية، وهي هياكل كروية تشبه الدماغ وتتكون من خلايا الجهاز العصبي المركزي.

وخلص الباحثون إلى أن فيروس إيبولا ⁠أصاب أنواعا متعددة من الخلايا في الأورغانويدات ‌الدماغية واستطاع التكاثر لمدة ‌تصل إلى 120 يوما.

وكان الفيروس قادرا على ​الانتشار في الأورغانويدات الدماغية بطريقتين: ‌مباشرة من خلية مصابة إلى خلية مجاورة، ‌وعن طريق التبرعم من الخلية المضيفة وهي الطريقة الكلاسيكية لانتشار الفيروس.

وقالت لينا فيدرشبيك رئيسة فريق الدراسة في معهد علم الأحياء الدقيقة التابع للجيش الألماني في ميونيخ في بيان «تتيح لنا ‌هذه الأورغانويدات الدماغية دراسة الآليات التي يستخدمها فيروس إيبولا والفيروسات الفيلوية الأخرى للبقاء في الجهاز ⁠العصبي ⁠المركزي البشري بالتفصيل».

وأضافت «من خلال التجارب التي تجرى على هذا النموذج، يمكننا الحصول على رؤى تساعدنا على تحسين فهمنا للآثار طويلة المدى، مثل الالتهاب الحاد والمميت أحيانا الذي يلاحَظ لدى الناجين من مرض فيروس إيبولا المصابين بالتهاب السحايا والدماغ».

وعند دراسة الأورغانويدات المصابة، اكتشف الباحثون طفرات جينية ربما تساعد الفيروس على البقاء كامنا دون أن يتم اكتشافه، بما في ذلك بعض الطفرات التي لم يسبق تناولها لدى الناجين من فيروس إيبولا.

ودعا الباحثون ​إلى إجراء مزيد ​من الدراسات، خاصة حول السلالات الأقل فهما مثل فيروس بونديبوجيو الذي يتسبب في التفشي الحالي للمرض في أفريقيا.


قياس العمر البيولوجي قد يُنبئ باحتمالات الإصابة بالخَرَف

قياس العمر البيولوجي قد يُنبئ باحتمالات الإصابة بالخَرَف
TT

قياس العمر البيولوجي قد يُنبئ باحتمالات الإصابة بالخَرَف

قياس العمر البيولوجي قد يُنبئ باحتمالات الإصابة بالخَرَف

سلطت دراسة إكلينيكية جديدة الضوء على أن الأشخاص الذين يزيد عمرهم البيولوجي عن عمرهم الزمني يكونون أكثر عرضة للإصابة بالخرف، وقد تظهر عليهم أعراض ذلك في سن مبكرة.

واستخدمت الدراسة «ساعة الشيخوخة الأيضية»، القائمة على تحليل الدم، في تحديد الأشخاص المعرضين للخطر قبل ظهور الأعراض. وهو بالتالي يُعطي أهمية لدعم استراتيجيات الوقاية المبكرة.

الشيخوخة البيولوجية والأخطار الوراثية

وأشارت النتائج إلى أن الأفراد الذين يعانون من تسارع الشيخوخة البيولوجية وعوامل الخطر الوراثية، قد يكونون أكثر عرضة للإصابة بالخرف بـ10 أضعاف. كما أشارت النتائج إلى أن الأشخاص الذين تجاوز عمرهم البيولوجي Biological Age (Physiological Age)، عمرهم الزمني Chronological Age (Calendar Age)، كانوا أكثر عرضة للإصابة بالخرف، وخصوصاً الخرف الوعائي Vascular Dementia (الناجم عن آفات الأوعية الدموية الدماغية)، وكانوا يميلون إلى الإصابة بهذه الحالة في سن أصغر.

وكانت البحوث السابقة قد أشارت بشكل متزايد إلى أن ارتفاع العمر البيولوجي، المعروف بتسارع العمر البيولوجي، قد يكون مؤشراً موثوقاً لبداية مرض الخرف لدى الشخص.

والآن، تشير الدراسة الجديدة لباحثين من جامعة «كينغز كوليدج لندن» في المملكة المتحدة، إلى أن قياس العمر البيولوجي، عن طريق تحليل الدم، قد يساعد في تحديد الأشخاص الأكثر عرضة للإصابة بالخرف قبل ظهور الأعراض الإكلينيكية عليهم.

ونُشرت هذه الدراسة الممولة من مركز «مودسلي» للبحوث الطبية الحيوية التابع للمعهد الوطني للبحوث الصحية، في عدد مايو (أيار) الماضي من «مجلة ألزهايمر والخرف» (Alzheimer’s & Dementia) لسان حال جمعية ألزهايمر الأميركية. وكانت بعنوان «الشيخوخة الأيضية في منتصف العمر تتنبأ بحدوث الخرف الوعائي، والخرف غير المحدد، والخرف بجميع أسبابه».

وبالعموم، تصف ساعات الشيخوخة البيولوجية أدواتٍ تُحلل البيانات الجزيئية (Molecular Data) لتقدير العمر البيولوجي للشخص. وفي هذه الدراسة، استخدم الباحثون «ساعة شيخوخة أيضية» لتحليل المستقلبات (Metabolites) أو الجزيئات الصغيرة التي تُنتَج خلال عملية أيض التمثيل الغذائي للتفاعلات الكيميائية الحيوية، التي يُمكن الكشف عنها في بلازما الدم. وقد رُبطت التغيرات في هذه المستقلبات سابقاً بالأمراض المرتبطة بالتقدم في السن والوفاة المبكرة.

وقال الباحثون: «ولتقييم ساعة الشيخوخة الأيضية (MileAge) تم قياس المؤشرات الحيوية الأيضية باستخدام الرنين المغناطيسي النووي (NMR) في عينات بلازما الدم دون صوم. وقامت منصة (نايتنغيل هيلث) Nightingale Health، بقياس 168 مستقلباً بوحدات تركيز مطلقة باستخدام بروتوكول موحد. وقمنا بتطوير ساعة أيضية مدربة على العمر الزمني، وتم تجميع تنبؤات العمر على مستوى الأفراد. وتم تعريف دلتا العمر الأيضي (MileAge) على أنه الفرق بين العمر المتوقع بناءً على المستقلبات والعمر الزمني؛ حيث تشير القيم الموجبة إلى نمط شيخوخة بيولوجية أكبر».

وباستخدام عينات دم من أكثر من 220 ألف مشارك في قاعدة بيانات البنك الحيوي البريطاني، قام فريق البحث بحساب العمر البيولوجي لكل فرد ومقارنته بعمره الزمني.

وأشار الفرق الناتج الذي يُسمى «فرق العمر الزمني» (MileAge Delta) إلى ما إذا كان الشخص يشيخ بشكل أسرع أو أبطأ من المتوقع.

الخرف الوعائي

وخلال فترة الدراسة، أصيب نحو 4 آلاف مشارك بالخرف. وأشارت التحليلات إلى أن الأشخاص الذين تجاوز عمرهم البيولوجي عمرهم الزمني بأكثر من انحراف معياري واحد، والذين شكَّلوا حوالي 16 في المائة من المشاركين، كانوا أكثر عرضة بنسبة 20 في المائة للإصابة بالخرف مع مرور الوقت، مقارنة بالأشخاص الأصغر سناً بيولوجياً. وكان هذا الخطر أكثر وضوحاً في حالة الخرف الوعائي؛ حيث ارتبط تسارع الشيخوخة البيولوجية بزيادة احتمالية الإصابة بالمرض بنسبة 60 في المائة.

وأفاد الباحث الرئيس للدراسة، الدكتور جوليان موتز الباحث في الجامعة، قائلاً: «لم أتفاجأ بالارتباط الوثيق بالخرف الوعائي. ويعكس هذا جزئياً نوع البيانات المستخدمة لتطوير ساعة (MileAge) الأيضية. فالمستقلبات التي تقيسها منصة (نايتنغيل هيلث) الأيضية هي في الغالب دهون وبروتينات دهنية (Lipoproteins)، وهي جزيئات ترتبط ارتباطاً وثيقاً بصحة القلب والأوعية الدموية والتمثيل الغذائي. لذلك، ليس من المستغرب أن تكون الساعة حساسة بشكل خاص لمخاطر الأوعية الدموية، وبالتالي للخرف الوعائي».

وصحيح أن الشيخوخة بالعموم هي أقوى عامل خطر معروف للإصابة بالخرف، إلا أن بعض المتغيرات الجينية قد تزيد من هذا الخطر. وتشير البحوث إلى أن الأفراد الذين يحملون نسختين من متغير «APOE4» هم الأكثر عرضة للإصابة بالخرف. وقد اكتشف الباحثون أن دمج بيانات الشيخوخة البيولوجية مع عوامل الخطر الجينية يُحسِّن بشكل كبير من دقة التنبؤات بمخاطر الإصابة بالخرف. وعلى وجه التحديد، كان الأفراد الذين يعانون من شيخوخة بيولوجية متقدمة، والذين يحملون أيضاً نسختين من جين «APOE4» أكثر عرضة للإصابة بالخرف بما يصل إلى 10 أضعاف مقارنة بالمشارك العادي في الدراسة.

وعلَّق الدكتور موتز قائلاً: «إن الرقم 10 أضعاف مذهل، ولكن من المهم فهم أسبابه؛ إذ يزيد (APOE4) بشكل كبير من خطر الإصابة بالخرف، وهو بالفعل أقوى عامل خطر جيني. وما تضيفه ساعتنا الأيضية هو عامل خطر إضافي غير جيني. ومع أن الزيادة بمقدار 10 أضعاف تُعدُّ كبيرة جداً، فإنها تعكس اجتماع عامل خطر وراثي قوي مع مؤشر للشيخوخة البيولوجية. والأهم من ذلك أن هذين المصدرين للخطر يُكمِّل أحدهما الآخر. وعلى عكس الخطر الوراثي، فإن الشيخوخة الأيضية قابلة للتعديل من خلال تغيير نمط الحياة أو التدخلات الطبية».

ولكن رغم كل ما تقدَّم، قد لا يكون خطر الإصابة بالخرف حتمياً. ومع أن التقدم في السن والتغيرات الجينية من عوامل الخطر المعروفة للخرف، أكَّد الباحثون أنه ليس مرضاً لا مفر منه.

ووفق نتائج كثير من الدراسات الإكلينيكية، أشارت التقديرات السابقة إلى إمكانية تأخير أو درء حوالي 45 في المائة من حالات الخرف عالمياً، وذلك من خلال معالجة عوامل الخطر القابلة للتعديل، مثل صحة القلب والأوعية الدموية، والتدخين، والنظام الغذائي، وممارسة الرياضة، والعزلة الاجتماعية.

وكانت لجنة «لانسيت» المعنية بالخرف قد حددت 14 عامل خطر قابلاً للتعديل، تُشكل مجتمعة ما يقرب من 45 في المائة من حالات الخرف في جميع أنحاء العالم. ومن العوامل ذات الصلة بالدراسة الحديثة، العمل على خفض مستوى الكوليسترول الضار (LDL)، نظراً لتأثير نواتج الأيض على الساعة البيولوجية. وإضافة إلى ذلك، تدعم الأدلة جدوى زيادة النشاط البدني، والإقلاع عن التدخين، والحفاظ على علاقات اجتماعية إيجابية، واستخدام سماعات الأذن الطبية لمن لديهم ضعف السمع.

ولذا قال الدكتور جوليان موتز: «الرسالة الأساسية هي أن خطر الإصابة بالخرف لا يتحدد بالعوامل الوراثية وحدها. فجزء كبير من هذا الخطر غير وراثي، وبالتالي يُمكن تعديله. وهذا يعني أن هناك أموراً يُمكن للأفراد القيام بها (مثل إدارة التعامل الصحي مع عوامل خطر الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية، والحفاظ على النشاط البدني، والاهتمام بالصحة النفسية) والتي قد تُبطئ الشيخوخة البيولوجية، وتُقلل من خطر إصابتهم بالخرف وغيره من الأمراض المرتبطة بالتقدم في السن».

تسارع الشيخوخة البيولوجية وعوامل الخطر الوراثية تعرِّض لخطر الإصابة بالخرف بـ10 أضعاف

بين العمر الزمني والعمر البيولوجي 

 العمر الزمني هو ببساطة عدد السنوات التي عاشها الشخص بالضبط وفقًا للتقويم (العدد الدقيق للسنوات والأشهر والأيام التي انقضت منذ تاريخ ميلادك). ومعدل التقدم في العمر الزمني ثابت وغير قابل للتغيير. فهو يتقدم بنفس المعدل تمامًا للجميع. 

وفي المقابل يشير العمر البيولوجي إلى مدى كفاءة وظائف جسمك وشيخوخته على مستوى خلايا الجسم، وهو ما قد يختلف تمامًا عن مقدار العمر وفق أرقام التقويم. ومعدل التقدم في العمر البيولوجي شيء متغير، إذْ قد يتسارع أو يتباطأ بناءً على جيناتك، ونمط حياتك، وبيئتك. ولذا يُستخدم في علم وطب للتنبؤ بمخاطر الأمراض، وقياس تلف الخلايا، وتوجيه استراتيجيات الصحة الوقائية. 

وللتوضيح، فان العمر البيولوجي هو مقياس لمدى سرعة شيخوخة خلايا الشخص، بغض النظر عن عمره الفعلي أو عمره الزمني. وهو  يُقدّر عمر الشخص من خلال قياس المؤشرات الحيوية، ويمكن أن يُمثل الحالة الصحية العامة للفرد. ولذا فإن العمر البيولوجي هو مقياس لمدى سرعة شيخوخة خلايا الشخص، بغض النظر عن عمره الزمني. وفي حين يتقدم العمر الزمني لنا جميعاً باستمرار، إلاّ أننا نختلف في مقدار العمر البيولوجي، حيث قد يكون بعضنا أصغر أو أكبر من العمر الزمني، وذلك تبعًا لعوامل مستوى الصحة لدى كل شخص ومدى تبني ممارسة سلوكيات نمط الحياة الصحية. 

ويُفسّر التباين بين الزمن الزمني والشيخوخة البيولوجية سبب اختلاف شيخوخة بعض الأشخاص عن غيرهم. 

ولمزيد من التوضيح، تخيل العمر الزمني كتاريخ صنع السيارة، والعمر البيولوجي كحالة محركها الحالية. وكثيراً ما نرى سيارتين صُنعتا في نفس العام قبل 10 سنوات مثلاً، وحالة إحداهما "كأنها جديدة" والأخرى بالكاد قادرة على تلبية الاحتياجات البسيطة في التنقل داخل المدينة.  

ولذا، في حين لا يمكننا تغيير تاريخ ميلادنا، إلاّ أنه يمكننا في كثير من الأحيان إبطاء العمر البيولوجي أو عكسه جزئيًا من خلال عوامل يمكننا التحكم بها، مثل: 

 -النظام الغذائي ومكونات التغذية. 

 -ممارسة الرياضة بانتظام. 

-إدارة التوتر.  

-جودة النوم. 

 


حمية البحر المتوسط تخفف أعراض القلق لدى المراهقين

حمية البحر المتوسط تخفف أعراض القلق لدى المراهقين
TT

حمية البحر المتوسط تخفف أعراض القلق لدى المراهقين

حمية البحر المتوسط تخفف أعراض القلق لدى المراهقين

كشفت دراسة حديثة لباحثين من جامعة أرسطو بتسالونيكي (Aristotle University Thessaloniki) في اليونان، نُشرت في نهاية شهر مايو (أيار) من العام الحالي في مجلة التغذية (Nutrients)، عن احتمالية أن يؤدي اتباع حمية البحر المتوسط الغذائية إلى تخفيف حدة أعراض القلق لدى المراهقين.

من المعروف أن حمية البحر المتوسط هي نظام غذائي يعتمد على المطبخ التقليدي للدول المطلة على البحر الأبيض المتوسط. وعلى الرغم من عدم وجود تعريف موحد لهذه الحمية، فإنها تتميز بالغذاء الصحي، الذي يحتوي بشكل أساسي على الخضراوات والفاكهة والحبوب الكاملة والمكسرات والبقوليات وزيت الزيتون والأسماك.

أوضح الباحثون أن اتباع الحمية خلال فترة المراهقة ارتبط بشكل واضح بانخفاض القلق المتعلق بالرهاب الاجتماعي وقلق الخوف من الانفصال، كما أن الأمهات اللواتي اتبعن نفس النظام الغذائي خلال فترة الحمل أنجبن أيضاً أطفالاً أقل احتمالية للإصابة بالقلق بشكل عام حينما أصبحوا مراهقين.

ضغوط المراهقة النفسية

من المعروف أن فترة المراهقة تُعد من أهم الفترات في حياة الإنسان، التي تحدث فيها مجموعة من التغيرات البيولوجية والنفسية والاجتماعية، في الأغلب تسبب ضغوطاً نفسية كبيرة على المراهقين، وبشكل خاص اضطراب القلق، ويمكن أن تستمر هذه الضغوط النفسية لفترات طويلة، مسببة مشكلات طويلة الأمد، تؤثر بالسلب على الإنسان طوال حياته إذا لم يتم علاجها.

وأثبتت الدراسات النفسية السابقة أن تغيير العديد من عوامل الحياة القابلة للتعديل، بما في ذلك اتباع نظام غذائي صحي، يمكن أن يؤثر بشكل كبير على الصحة النفسية للمراهقين. ويرتبط الالتزام بحمية البحر الأبيض المتوسط باستمرار، بانخفاض خطر الإصابة بالاكتئاب وتحسين الصحة النفسية.

هدف الباحثون في الدراسة الحالية إلى فهم تأثير اتباع الحمية على مجموعة من أعراض القلق، والصعوبات السلوكية، والحالة المزاجية لدى المراهقين، كما استكشفت الدراسة العلاقة بين التزام الأمهات بالحمية خلال فترة الحمل وبين الصحة النفسية للمراهقين، لأن التغذية قبل الولادة تؤثر على برمجة النمو العصبي للجنين. وتُعد هذه الدراسة جزءاً من دراسة كلوثو (KLOTHO)، وهي دراسة رصدية مستقبلية للأطفال، تهتم بدراسة الحالة الصحية طويلة الأمد، بداية من المراحل المبكرة جداً من حياة الأطفال، حتى وصولهم إلى عمر البلوغ، لمعرفة المشاكل الصحية الأساسية، التي يمكن تلافيها في المستقبل، سواء على المستوى العضوي أو المستوى النفسي.

قام الباحثون بإجراء الدراسة على 86 مراهقاً، وبلغ متوسط العمر 12 عاماً تقريباً، وتم تقييم نظامهم الغذائي باستخدام مؤشر معتمد، حيث تشير الدرجات العليا إلى التزام أكبر بحمية البحر المتوسط، وتشير الدرجات الأقل إلى اتباع نظم غذائية غير صحية تعتمد على الطعام الغني بالدهون والسكريات.

كما تم أيضاً تقييم النظام الغذائي للأمهات، خلال فترة الحمل باستخدام استبيان كمي لتكرار تناول الطعام، وتم تقييم الصحة النفسية للمراهقين، من خلال استبيانات شملت مشاعرهم المختلفة، ومدى رضاهم عن النواحي المختلفة من حياتهم، سواء في الدراسة أو المنزل أو علاقتهم مع الأصدقاء، وهل تعرض أحدهم لمرض نفسي من قبل.

وقام العلماء بتثبيت جميع العوامل، التي يمكن أن تؤثر في النتيجة، مثل الجنس، والعمر، ومؤشر كتلة الجسم، ومدة النوم، والنشاط البدني، والتاريخ المرضي العضوي والنفسي، والحالة الاقتصادية والاجتماعية للأسرة.

تحسّن الصحة

أظهرت النتائج أن الالتزام الغذائي بنظام البحر المتوسط ارتبط بشكل واضح بوجود مستويات منخفضة إلى متوسطة من الصعوبات السلوكية، وأيضاً وجود انخفاض في أعراض القلق والاكتئاب، والرهاب الاجتماعي، وذلك على الرغم من أن تحليل الالتزام الغذائي لدى كل من المراهقين والأمهات أظهر التزاماً متوسطاً من الحمية، ما يعني أن الالتزام بجدية أكبر بهذه الحمية يمكن أن ينعكس بالإيجاب على الصحة النفسية.

أوضح الباحثون أن التزام الأمهات خلال فترة الحمل بالنظام الغذائي نفسه انعكس بالإيجاب على أطفالهن أيضاً أثناء فترة المراهقة، ما يعكس التأثير المحتمل للنظام الغذائي قبل الولادة على النتائج المتعلقة بالقلق لاحقاً عند وصول الأطفال إلى مرحلة المراهقة.

كشفت النتائج أن الالتزام بنظام البحر المتوسط الغذائي، خلال فترة المراهقة، يرتبط بشكل مستقل بانخفاض أعراض قلق محددة، أكثر من غيرها من المشاكل النفسية، حيث كان التأثير الأكبر بالإيجاب على انخفاض مستويات الرهاب الاجتماعي، وقلق الانفصال. وظل التزام الأم بالنظام أثناء الحمل مرتبطاً بشكل مستقل بانخفاض مستويات القلق والاكتئاب بشكل عام لدى الأبناء.

أكد الباحثون أن السبب في ارتباط حمية البحر المتوسط بالحالة النفسية الجيدة راجع بشكل أساسي إلى غناه بالعناصر الغذائية، التي تقلل من التهاب المخ، لأن هذا النظام الغذائي الغني بالأحماض الدهنية المفيدة (الموجودة في الأسماك والمكسرات وزيت الزيتون)، ومضادات الأكسدة يحافظ على سلامة الخلايا العصبية، وبالتالي يُحسن الحالة النفسية. يدعم نظام البحر المتوسط ما يسمى بمحور الأمعاء والمخ (gut-brain axis) حيث يوضح محور الأمعاء والمخ الرابط بين نوعية الغذاء والحالة المزاجية، فضلاً عن أن الدهون المفيدة تساهم بشكل أساسي في تكوين النواقل العصبية المختلفة التي ترفع من المزاج، مثل السيروتونين، ما يخفف من أعراض القلق.

في النهاية، نصحت الدراسة بضرورة اتباع أنظمة غذائية صحية، ليس للحفاظ على الصحة البدنية فقط، ولكن لأهميتها الكبيرة في الحفاظ على الصحة النفسية للمراهقين، كما نصحت الدراسة الأمهات أيضاً بمحاولة اتباع حمية غذائية صحية أثناء الحمل، لأن الآثار الصحية المترتبة على فترة الحمل تمتد إلى فترات طويلة جداً.

* استشاري طب الأطفال