اعتقال ميليشياوي ليبي بألمانيا يُعيد ملف «المطلوبين» دولياً إلى الواجهة

مطالب باعتقال سياسيين تورطوا في «دعم التشكيلات المسلحة»

عبد الحميد الدبيبة في لقاء سابق مع وزير داخلية حكومة «الوحدة» (الوحدة)
عبد الحميد الدبيبة في لقاء سابق مع وزير داخلية حكومة «الوحدة» (الوحدة)
TT

اعتقال ميليشياوي ليبي بألمانيا يُعيد ملف «المطلوبين» دولياً إلى الواجهة

عبد الحميد الدبيبة في لقاء سابق مع وزير داخلية حكومة «الوحدة» (الوحدة)
عبد الحميد الدبيبة في لقاء سابق مع وزير داخلية حكومة «الوحدة» (الوحدة)

عادت قضية المطلوبين الليبيين دولياً إلى الواجهة مجدداً، بعد إعلان السلطات الألمانية أخيراً اعتقال خالد الهيشري، الملقب بـ«البوتي»، أحد أبرز قيادات جهاز «الردع»، تنفيذاً لمذكرة توقيف صادرة عن المحكمة الجنائية الدولية، وذلك لاتهامه بارتكاب «جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، تشمل القتل والتعذيب خلال إدارته وآخرين لسجن معيتيقة في طرابلس».

واعتُقل الهيشري في أحد مطارات ألمانيا، التي أعلنت احتجازه تمهيداً لتسليمه إلى لاهاي. ورغم صمت السلطات الرسمية الليبية، قوبل اعتقاله بترحيب حقوقي واسع، لكنه أثار قلقاً في أوساط قادة المجموعات والتشكيلات المسلحة في عموم البلاد، الذين باتوا يخشون مواجهة المصير نفسه، بحسب بعض المراقبين.

تأثير اعتقال «البوتي»

رغم تأكيد عضو المجلس الأعلى للدولة، علي السويح، أن توقيف «البوتي» أربك حسابات قادة هذه المجموعات المسلحة ودفعهم للحد من تحركاتهم، فقد اعتبر أن «الخطوة الحاسمة في هذا الملف هي توقيف المزيد منهم، وتجميد أرصدتهم». وقال السويح لـ«الشرق الأوسط» إن «نجاح المزيد من عمليات الملاحقة سيدفع بقية قادة المجموعات الحرب في عموم البلاد إلى التخوف والحذر، وتجنب مغادرة أراضيها، وخاصة إلى دول موقّعة على ميثاق روما المؤسس للجنائية الدولية».

من مخلفات مواجهات دامية بين تشكيلات مسلحة في العاصمة طرابلس (أ.ف.ب)

وأضاف السويح متسائلاً: «إلى أين سيذهبون حينها؟ وكيف سيتمكنون من الاستفادة من الأموال التي جمعوها، سواء من الخزينة العامة للدولة، أو مما فرضوه من إتاوات على المهاجرين غير الشرعيين وذويهم ممن وقعوا تحت قبضتهم في السجون، أو من عوائد أنشطة التهريب؟»، مؤكداً أن «استرداد هذه الأرصدة وتجميدها لاحقاً سيحرمهم من كثير من امتيازاتهم».

ووفقاً لبيان مكتب المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية، يتحمل الهيشري المسؤولية عن جرائم وقعت بين 2015 و2020 داخل سجن معيتيقة، أحد أكبر السجون في العاصمة الليبية، والخاضع لسيطرة جهاز «الردع»، الذي تحوّل في عام 2018 من قوة مسلحة كبيرة إلى جهاز أمني تابع للمجلس الرئاسي الليبي. كما يسيطر «الردع» على مناطق واسعة في طرابلس ومرافق حيوية، مثل مطار معيتيقة، الذي يُعد الميناء الجوي الرئيسي للعاصمة.

محمد المنفي رئيس المجلس الرئاسي (رويترز)

وسبق لـ«الجنائية الدولية» أن أصدرت في يناير (كانون الثاني) الماضي مذكرة توقيف بحق أسامة نجيم، قيادي آخر في «الردع»، بتهم مشابهة، إلا أن السلطات الإيطالية أطلقت سراحه بعد يومين من اعتقاله، مبررة ذلك بوجود خطأ إجرائي، ما أثار انتقادات حقوقية، وفتح باب المساءلة أمام وزراء في الحكومة الإيطالية.

ويعتقد السويح أن أغلب قادة التشكيلات المسلحة لم يخططوا للبقاء في ليبيا طويلاً؛ لأنهم متخوفون من أن أي تغيّر في المشهد السياسي قد يقلّص نفوذهم، وبالتالي قد تدفعهم الملاحقات الدولية إلى اللجوء لبعض الدول الأفريقية، التي تعاني من صراعات داخلية، وهو ما لا يرغبون فيه.

وطالب عضو المجلس الأعلى للدولة بـ«توسيع دائرة الملاحقات لتشمل سياسيين ومسؤولين تنفيذيين، تورطوا في دعم هذه التشكيلات، أو استفادوا من الفساد المالي»، معتبراً أن ذلك «سيُظهر جدية المجتمع الدولي في مساعدة ليبيا».

تحوّل في سياسة «الجنائية»

رغم إقرار حقوقيين بأن القضاء الليبي هو المختص الأصيل بمحاكمة أي مواطن ليبي، وأن القضاء الدولي مكمّل له، يشير هؤلاء إلى ما تتمتع به بعض الأسماء المتهمة بارتكاب انتهاكات «من نفوذ يحول دون اتخاذ إجراءات في حقهم، فضلاً عن إحجام الضحايا عن تقديم شكاوى ضدهم خوفاً من الانتقام».

واعتبر مدير مركز «صادق للدراسات»، أنس القماطي، أن اعتقال «البوتي» يكشف عن تحوّل في سياسة الجنائية الدولية تجاه المطلوبين الليبيين، خاصة بعد عدم نجاحها في تسلّم أسامة نجيم، مشيراً إلى أن «المحكمة باتت تعتمد على تنسيق دبلوماسي وقانوني أكثر دقة، وتتجنب أي إعلان مسبق عن مذكرات التوقيف لتفادي هروب المطلوبين».

مقابر جماعية اتهم بعض قادة التشكيلات المسلحة باستخدامها للتغطية على جرائمهم (هيئة البحث عن المفقودين)

غير أن القماطي انتقد في تصريح لـ«الشرق الأوسط» اقتصار الملاحقات على ضباط وقيادات مجهولة، تنتمي غالباً للصف الثاني، «دون أن تطال قادة التشكيلات، وأمراء الحرب الكبار في شرق وغرب البلاد، ممن تحصنوا بالمناصب الرسمية أو الرفيعة بكياناتهم المسلحة، مما يُضعف أثر هذه الملاحقات»، على حد قوله.

وأوضح القماطي أن «هذا النهج لا يُضعف وضعية التشكيلات المسلحة، بل يقدم درساً لعناصرها، مفاده أن الانخراط في مؤسسات الدولة، وعقد شراكات مع الدول الغربية الكبرى سيوفّر لهم الحصانة ضد العدالة، مهما امتلأ سجلهم أو سجل القوات التابعة لهم بالانتهاكات».

ويرى القماطي أن «خيارات قادة التشكيلات للهروب من الملاحقات لا تزال قائمة»، موضحاً أنه «يمكنهم السفر إلى دول لم توقّع على ميثاق روما في قارتي آسيا وأفريقيا، أو استخدام هويات مزورة في أوروبا، إضافة إلى إدارة أموالهم عبر شبكات من الشركات الوهمية، والمحامين والوسطاء في دول لا تفرض قيوداً صارمة على معرفة مصادر الأموال».

أما الناشط الحقوقي، طارق لملوم، فتوقّع صدور المزيد من مذكرات التوقيف بحق قادة المجموعات المسلحة المتورطين في الانتهاكات، مرجحاً وجود قائمة ثانية تضم مزيداً من الأسماء، لكن يجري العمل أولاً على إثبات التهم الموجهة إليهم.

وفي تصريح لـ«الشرق الأوسط» ذهب لملوم إلى أن اعتقال «البوتي» انعكس أيضاً على المشهد الأمني والسياسي في طرابلس، حيث استثمرت حكومة «الوحدة الوطنية» هذا الحدث في تصعيدها ضد «جهاز الردع»، وسط صراع وتوتر محتدم بين الطرفين منذ مايو (أيار) الماضي.

وكانت حكومة «الوحدة الوطنية» قد شنت قبل شهرين عملية أمنية، قالت إنها تستهدف تفكيك تشكيلات مسلحة خارجة عن القانون، بعد أن تغولت على الدولة، مما أسفر عن مقتل القائد الميليشياوي البارز عبد الغني الككلي، واندلاع اشتباكات بين قوات الحكومة من جهة وقوات «الردع» وحلفائه من جهة أخرى.

وذكّر لملوم بما تطرق إليه الدبيبة خلال اجتماع له مع قيادات وزارة العدل، حين تحدث عن «سجون تُدار من قبل متهمين بالاغتصاب والتعذيب»، في إشارة إلى «جهاز الردع».

واختتم الناشط الحقوقي بتحذير من أن «مخاوف قادة التشكيلات من الملاحقة قد تدفعهم إلى عرقلة أي عملية سياسية، بفضل امتلاكهم المال والسلاح، ما يُعقّد جهود الاستقرار في البلاد».


مقالات ذات صلة

انتشال جثامين 23 مهاجراً قذفها البحر إلى سواحل ليبية

شمال افريقيا جانب من انتشال جثامين مهاجرين في طبرق شرق ليبيا يوم الأحد (الهلال الأحمر)

انتشال جثامين 23 مهاجراً قذفها البحر إلى سواحل ليبية

تسابق السلطات المعنية بالهجرة غير النظامية في ليبيا الزمن للبحث عن مفقودين عقب انقلاب قارب قبالة سواحل طبرق شرق ليبيا، وذلك بعد إنقاذ 4 أشخاص وانتشال 6 جثامين.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
الخليج توقيع ممثلي مجلسَي «النواب» و«الأعلى للدولة» للاتفاق المُوحَّد (المصرف المركزي)

السعودية ودول عدة ترحب بتوقيع ليبيا أول ميزانية وطنية

رحبت السعودية ومصر وفرنسا وألمانيا وإيطاليا وقطر وتركيا والإمارات وبريطانيا وأميركا في بيان مشترك الأحد بتوقيع ميزانية موحّدة لليبيا

«الشرق الأوسط» (الرياض)
شمال افريقيا المنفي يتوسط الدبيبة (إلى اليمين) وموسى الكوني النائب بالمجلس الرئاسي في 11 يونيو 2024 (المجلس الرئاسي)

ليبيا: المنفي يطلب من الدبيبة وقف وزير خارجية «الوحدة» عن العمل

طلب رئيس المجلس الرئاسي الليبي، محمد المنفي، وقف وزير الخارجية المكلف بحكومة «الوحدة»، طاهر الباعور، الأمر الذي يزيد من الصراع على الصلاحيات بغرب البلاد.

خالد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا اجتماع تكالة وأبو الغيط على هامش «منتدى أنطاليا الدبلوماسي» بتركيا يوم السبت (المجلس الأعلى للدولة في ليبيا)

ما الذي يمكن لـ«الجامعة العربية» فعله حيال الأزمة الليبية المعقّدة؟

جدّد الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط استعداد الجامعة لدعم ليبيا «في كل مسعى جاد يهدف لتوحيد كلمة الأفرقاء» في وقت تراوح الأزمة السياسية مكانها

جمال جوهر (القاهرة)
شمال افريقيا لقاء الرئيس التركي مع الدبيبة في تركيا السبت (مكتب الدبيبة)

الدبيبة يدفع بحراك دبلوماسي ليبي عبر لقاء مع إردوغان ولافروف

توزعت لقاءات الدبيبة على أطراف رئيسية فاعلة في الأزمة الليبية، أبرزها روسيا وتركيا، بما يعكس محاولة ليبية لإعادة التوازن في العلاقات الخارجية.

خالد محمود (القاهرة )

انتشال جثامين 23 مهاجراً قذفها البحر إلى سواحل ليبية

جانب من انتشال جثامين مهاجرين في طبرق شرق ليبيا يوم الأحد (الهلال الأحمر)
جانب من انتشال جثامين مهاجرين في طبرق شرق ليبيا يوم الأحد (الهلال الأحمر)
TT

انتشال جثامين 23 مهاجراً قذفها البحر إلى سواحل ليبية

جانب من انتشال جثامين مهاجرين في طبرق شرق ليبيا يوم الأحد (الهلال الأحمر)
جانب من انتشال جثامين مهاجرين في طبرق شرق ليبيا يوم الأحد (الهلال الأحمر)

لقي 23 مهاجراً غير نظامي مصرعهم في حادثتين منفصلتين قبالة السواحل الليبية، في مأساة جديدة تسلط الضوء على استمرار مخاطر الهجرة غير النظامية وسط البحر المتوسط.

ففي الحادثة الأولى، غرق قارب يقل مهاجرين غير نظاميين، مساء السبت، قبالة سواحل مدينة طبرق شرق البلاد. وقال الهلال الأحمر الليبي، الأحد، إنه تم إنقاذ 4 أشخاص وانتشال 6 جثامين يعتقد أنها لمهاجرين غير نظاميين، ولا يزال البحث مستمراً عن بقية المفقودين.

جانب من انتشال جثامين مهاجرين في طبرق شرق ليبيا يوم الأحد (الهلال الأحمر)

أما في الغرب الليبي، فقد أعلن مركز طب الطوارئ والدعم، التابع لوزارة الصحة بحكومة «الوحدة» المؤقتة، انتشال 17 جثماناً لمهاجرين جرفتها الأمواج إلى شواطئ مدينة زوارة والمناطق المجاورة خلال الأيام الماضية.

وأوضح المركز أنه استكمل إجراءات دفن 14 جثماناً وفق الضوابط القانونية والإنسانية، فيما نقل جثماناً واحداً إلى طرابلس بعد التعرف على هويته، وهو مهاجر من بنغلاديش، وتسليمه إلى أسرته، بينما تتواصل الإجراءات للحالتين المتبقيتين.

وأعربت السلطات الليبية عن أسفها لهذه الحوادث، مؤكدة استمرار جهود خفر السواحل والفرق الطبية في عمليات البحث والإنقاذ والتعامل مع الجثامين باحترام.

ولم تصدر وزارة الداخلية أو حكومة الوحدة بياناً رسمياً مفصلاً حتى الآن.

انتشال جثامين لمهاجرين في زوارة بغرب ليبيا (مركز الطوارئ والدعم)

وسبق ودعت منظمة الهجرة الدولية ومفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين مراراً إلى تعزيز آليات البحث والإنقاذ في المتوسط، وتوفير طرق هجرة آمنة وقانونية، مشيرة إلى ارتفاع حاد في عدد الضحايا؛ حيث اقترب إجمالي الوفيات والمفقودين في البحر المتوسط خلال عام 2026 من ألف شخص، مع تركز معظمها في الطريق الليبي - الإيطالي.

ويُعد الطريق الليبي نحو أوروبا أحد أخطر طرق الهجرة في العالم؛ بسبب تدهور الأوضاع الأمنية والاقتصادية في ليبيا، وضعف قدرات خفر السواحل، واستغلال شبكات التهريب للمهاجرين من دول أفريقيا جنوب الصحراء وآسيا.

وتتكرر مثل هذه الحوادث بشكل شبه يومي، مما يحول البحر المتوسط إلى «مقبرة مفتوحة»، ويثير انتقادات دولية متزايدة حول مسؤولية الدول الأوروبية وليبيا معاً في مواجهة هذه الظاهرة.

وتشير التقارير إلى أن آلاف المهاجرين يحاولون عبور المتوسط شهرياً انطلاقاً من سواحل زوارة وطبرق ومناطق أخرى، رغم المخاطر الشديدة، والتعامل القاسي أحياناً من قبل السلطات، والظروف الإنسانية الصعبة في مراكز الاحتجاز الليبية.

Your Premium trial has ended


القائد المنشق من «الدعم السريع» يصل مناطق الجيش السوداني

النور القبة الضابط البارز المنشق عن «قوات الدعم السريع» (متداولة)
النور القبة الضابط البارز المنشق عن «قوات الدعم السريع» (متداولة)
TT

القائد المنشق من «الدعم السريع» يصل مناطق الجيش السوداني

النور القبة الضابط البارز المنشق عن «قوات الدعم السريع» (متداولة)
النور القبة الضابط البارز المنشق عن «قوات الدعم السريع» (متداولة)

وصل، الأحد، القائد المنشق من «قوات الدعم السريع»، اللواء النور أحمد آدم، الشهير بـ«النور القُبة»، إلى مناطق سيطرة الجيش السوداني، وذلك بعد نحو أسبوع من اختفائه، إثر تداول أنباء مكثفة عن انضمامه إلى الجيش.

وتداولت منصات التواصل الاجتماعي مقطعاً يصور القائد المنشق وهو يُلقي التحايا على أفراد يرتدون زي الجيش في منطقة لا تبدو واضحة المعالم.

وفي حين لم يصدر بعد تعليق رسمي من الجيش، أعلن «مجلس الصحوة الثوري» وصول القائد المنشق والقوى المرافقة له بسلام إلى مواقع سيطرة الجيش.

و«مجلس الصحوة الثوري» ميليشيا قبلية يقودها مؤسس «الجنجويد» موسى هلال؛ وهو زعيم أهلي معقله الرئيسي بلدة مستريحة في ولاية شمال دارفور بغرب السودان، وكان قد أعلن من وقت باكر ولاءه للجيش في الحرب ضد «قوات الدعم السريع».

وقال «مجلس الصحوة» في بيان، يوم الأحد، إن ثلاثة من ضباط «الصحوة» وعشرات الجنود، رافقوا الضابط المنشق من المناطق الواقعة في شمال إقليم دارفور إلى مواقع سيطرة الجيش.

ومنذ قرابة أسبوع على تداول أنباء انشقاقه، انقطعت الأخبار عنه في وقت راج فيه الحديث عن معارك عنيفة دارت في مناطق صحراوية بشمال دارفور، لقطع الطريق أمامه والقوة المرافقة له ومنعهم من الوصول إلى مناطق تقع تحت سيطرة الجيش.

وبثت منصات موالية لـ«الدعم السريع» مقاطع فيديو تزعم أنها لأسرى وسيارات قتالية تم الاستيلاء عليها بعد اشتباكات جرت مع قوات الضابط المنشق، النور القبة، في طريق فراره من دارفور.

وفي وقت سابق، أشارت مصادر عسكرية إلى أن «قوات الدعم السريع» كانت قد دفعت بتعزيزات عسكرية كبيرة لمحاصرة القائد المنشق للقبض عليه، بينما نفت خروجه بقوات كبيرة على متن عشرات السيارات القتالية بحسب ما تردد.

ويُرجح على نحو واسع أن انشقاق النور القبة يرتبط ارتباطاً وثيقاً باجتياح «الدعم السريع» بلدة مستريحة في فبراير (شباط) الماضي، وأفادت تقارير وقتها بأنه تم تأمين ممر آمن لخروج موسى هلال من المنطقة تحت حماية أفراد من عشيرته في «قوات الدعم السريع».

نازحون من دارفور يسيرون وسط عاصفة رملية في مخيم للاجئين السودانيين بشرق تشاد في 30 نوفمبر 2025 (رويترز)

يذكر أن النور القبة، ثاني قائد عسكري رفيع ينشق من «قوات الدعم السريع» بعد أبو عاقلة كيكل الذي مُنح «عفواً عاماً» من القائد العام للجيش السوداني، عبد الفتاح البرهان. ولاحقاً أسس كيكل ميليشيا تحت مسمى «قوات درع السودان» يتحدر غالبية مقاتليها من مجموعة سكانية واحدة يتركز ثقلها في مناطق البطانة وشرق الجزيرة بوسط السودان، وتخضع حالياً للجيش.

ويُعدّ القبة من كبار القادة العسكريين في «قوات الدعم السريع»، ويصفه البعض بأنه الثالث في الهرم القيادي العسكري، وقاد الكثير من المعارك في الخرطوم والجزيرة وكردفان إلى حصار مدينة الفاشر وسقوطها.

ويسود شعور متزايد من الاستياء في الأوساط الشعبية من استقبال الجيش للمنشقين من «قوات الدعم السريع» الذين يُتهمون بالاشتراك في المسؤولية الجنائية عن ارتكاب انتهاكات وفظائع ضد المدنيين، بينما تتواصل محاكمة المدنيين بمزاعم التعاون مع «قوات الدعم السريع» إبان سيطرتها على ولايات الخرطوم والجزيرة.

ومنذ اندلاع الحرب في أبريل (نيسان) 2023، أعلن رئيس «مجلس السيادة» قائد الجيش السوداني، عبد الفتاح البرهان، مراراً العفو العام عن كل من يلقي السلاح، وعلى وجه الخصوص من «قوات الدعم السريع».


ليبيا: المنفي يطلب من الدبيبة وقف وزير خارجية «الوحدة» عن العمل

المنفي يتوسط الدبيبة (إلى اليمين) وموسى الكوني النائب بالمجلس الرئاسي في 11 يونيو 2024 (المجلس الرئاسي)
المنفي يتوسط الدبيبة (إلى اليمين) وموسى الكوني النائب بالمجلس الرئاسي في 11 يونيو 2024 (المجلس الرئاسي)
TT

ليبيا: المنفي يطلب من الدبيبة وقف وزير خارجية «الوحدة» عن العمل

المنفي يتوسط الدبيبة (إلى اليمين) وموسى الكوني النائب بالمجلس الرئاسي في 11 يونيو 2024 (المجلس الرئاسي)
المنفي يتوسط الدبيبة (إلى اليمين) وموسى الكوني النائب بالمجلس الرئاسي في 11 يونيو 2024 (المجلس الرئاسي)

في تصعيد جديد لصراع الصلاحيات في ليبيا بين رئيس «المجلس الرئاسي» محمد المنفي ورئيس حكومة «الوحدة» المؤقتة عبد الحميد الدبيبة، طلب المنفي إيقاف وزير الخارجية المُكلّف في حكومة «الوحدة»، طاهر الباعور، عن العمل؛ في وقت باركت فيه الولايات المتحدة و9 دول فاعلة في الملف الليبي التوقيع على أول «ميزانية وطنية موحّدة» لهذا العام، بوصفها «نقطة تحوّل» نحو إنهاء الانقسام.

وقال المنفي في بيان أصدره، الأحد، إنه قرر «إيقاف الباعور عن مباشرة أي مهام تتعلق بالتمثيل الخارجي أو الاتصالات الدبلوماسية».

كما طلب المنفي من حكومة الدبيبة «عرض مرشح رسمي لتولي منصب وزير الخارجية وفق الأصول القانونية المقررة»، محذراً من أن «أي إجراء منفرد يؤدي إلى إرباك القنوات الدبلوماسية، وتعريض الموقف السيادي للدولة للالتباس». وأضاف أن وزارة الخارجية «حقيبة سيادية»، وأن أي تكليف أو ترتيب إداري يتعلق بها «يتطلب التشاور الإلزامي».

وتصاعدت حدة الخلافات بين المنفي والدبيبة مؤخراً بسبب محاولات التعديل الوزاري الأخير في حكومة «الوحدة»، والتي عدّها «المجلس الرئاسي» مخالِفة، لكونها «حكومة تصريف أعمال» وتتطلب تشاوراً وطنياً واسعاً، خصوصاً في الحقائب السيادية.

وسبق للمنفي و«المجلس الرئاسي»، الذي يحتفظ بصلاحيات سيادية، مثل التمثيل الخارجي والدفاع، أن حذّرا الدبيبة من أي تعديلات وزارية أحادية الجانب.

ويخشى مراقبون أن يؤدي هذا التصعيد إلى تعميق الانقسام المؤسسي، وإرباك الجهود الدولية للخروج من الأزمة، خصوصاً مع استمرار وجود حكومتين موازيتين في الشرق والغرب، وتأثير ذلك على الاستقرار الاقتصادي والأمني في البلاد.

ولم يصدر ردّ رسمي فوري من حكومة «الوحدة» أو وزارة خارجيتها على بيان المنفي.

وكان الباعور قد زار الخميس الماضي النيجر، وبحث مع رئيس حكومتها علي الأمين العلاقات الثنائية، ونقل رسالة شفهية من الدبيبة.

في المقابل، أعلن الدبيبة «نجاح حكومته في بناء جيش منظم»، معرباً عن أمله في الوصول إلى جيش موحد بدعم من تركيا وباقي الدول الإقليمية. وقال في مقابلة تلفزيونية على هامش «منتدى أنطاليا الدبلوماسي» مساء السبت: «نجحنا في تكوين جيش منظم، ونريد دعم تركيا»، وأكد السعي من خلال الجهود الدولية والمحلية لتوحيد الجيش، لافتاً إلى نجاح الحكومة أيضاً لأول مرة، منذ 13 عاماً، في إنجاز ميزانية تنموية موحدة لكل ليبيا.

ووسط تفاؤل دولي، رحّبت الولايات المتحدة و9 دول فاعلة في الملف الليبي، في بيان مشترك أصدرته وزارة الخارجية الأميركية مساء السبت، بتوقيع ليبيا على «ميزانية وطنية موحدة» للعام الحالي، واصفة الخطوة بأنها «نقطة تحول حاسمة» لإنهاء الانقسام الاقتصادي بين شرق البلاد وغربها.

وأثنى بيان لحكومات السعودية ومصر وقطر والإمارات وفرنسا وألمانيا وإيطاليا وترکیا وبريطانيا وأميركا على «النهج البنّاء» للقادة الليبيين في الوصول إلى هذا الاتفاق الذي وُقّع الأسبوع الماضي، مؤكداً أنه سيُعزز الوحدة والاستقرار.

وعدّ البيان أن هذه الخطوة تُمثل ركيزة أساسية لتعزيز التنسيق الاقتصادي بين القادة في شرق البلاد وغربها، كما أشاد بـ«النهج البنّاء الذي سلكته الأطراف الليبية للتوصل إلى هذا الاتفاق الذي من شأنه أن يفتح آفاقاً جديدة للوحدة والاستقرار والازدهار».

وتعهد المستشار الأميركي للشؤون العربية والأفريقية مسعد بولس، في بيان مساء السبت، بمواصلة هذه الدول، مع رئيسة بعثة الأمم المتحدة هانا تيتيه، دعم الجهود الليبية الرامية لتعزيز الوحدة.

وكان بولس قد أعلن عقب لقائه الدبيبة على هامش «أنطاليا الدبلوماسي» عن ترحيب بلاده بالخطوات الأخيرة نحو التكامل الاقتصادي والعسكري في ليبيا، وأكد الأهمية الاستراتيجية لخطوة التوقيع على «ميزانية وطنية موحدة»، معتبراً إياها ركيزة أساسية لدعم الاستقرار الاقتصادي في البلاد.

كما أشاد بولس بافتتاح الجانب الليبي من تدريبات «فلينتلوك» بمشاركة لافتة لقوة مشتركة تضم عناصر من القوات الخاصة لشرق وغرب ليبيا، في خطوة تعكس تقدماً ملموساً نحو العمل العسكري الموحد.

بدورها، قالت ستيفاني خوري، نائبة رئيسة البعثة الأممية، إنها أطلعت مساء السبت، في مدينة بنغازي بشرق البلاد، رئيس أركان «الجيش الوطني» الفريق خالد حفتر، على التقدم المحرز في «الحوار المهيكل»، خصوصاً المسار الأمني الذي يهدف إلى اقتراح أطر لتوحيد المؤسسة العسكرية على أسس وطنية ومهنية، مشيرة إلى تقديرها دعم القيادة العامة لخريطة طريق الأمم المتحدة، الهادفة إلى الدفع قدماً بعملية سياسية شاملة تفضي إلى توحيد المؤسسات وإجراء الانتخابات الوطنية.

اجتماع ستيفاني خوري مع خالد حفتر رئيس أركان «الجيش الوطني» (البعثة الأممية)

وأكد من جانبه، الفريق خالد، أهمية الدفع بالمسار العسكري نحو التوحيد، من خلال آليات وطنية ومهنية، مشيداً بالجهود القائمة في إطار لجان «5+5» و«3+3»، بما يُعزز من قدرة المؤسسة العسكرية على أداء مهامها في مكافحة الإرهاب وتأمين الحدود ومواجهة الهجرة غير الشرعية.

كما شدد على ضرورة أن تجري جميع المسارات في إطار وطني جامع، مرحباً بدور البعثة الأممية بوصفها جهة داعمة وميسرة وفقاً لتفويضها، بما يخدم استقرار ليبيا ووحدتها. وعدّ أن تحقيق الاستقرار الأمني يُشكل أساساً لدفع عجلة الإعمار والبناء في أنحاء البلاد.